فصليّة، تعنى بنقد الشعر، تصدر لدى "دار النهضة العربية"
ناشرها الالكتروني "جهة الشعر"
العدد الثالث، تموز (يوليو) 2007
رئيسا التحرير
زينب عسّاف/ ماهر شرف الدين
لمراسلة المجلة
Nakd2007@hotmail.com
أمّا بعد
دراسات
طبيعة غير صامتة في الشعر العربي، بقلم: عهد فاضل
كتابة السيرة الذاتيّة للقصيدة، بقلم: حسن نجمي
من العنوان إلى النصّ (قراءة في قصيدة "يطير الحمام")، بقلم: خالد حسين حسين
الترجمة الشعريّة للآخر، بقلم: إبراهيم محمود
التقديم والتأخير والتوازي... شكل القول، بقلم: سعد كمّوني
المكان... قاب جرح أو أدنى، بقلم: عمر شبلي
محمود درويش في عيون الشعراء العرب الشباب - "الشاعر أم المنقذ؟" لغسان جواد (لبنان)
"ذاكرة تشبه كمائن ليلكيّة" لعبد الوهاب عزّاوي (سوريا)
"في حضرة الدراما" لوائل السمري (مصر)
"ذهنه أم نصّه!" لعبد الله ثابت (السعودية)
"الصوت اللاحق" لعزّ الدين جوهري (الجزائر)
"أسمعه في مدرّج، أقرأه في كتاب" لنشمي مهنّا (الكويت)
"قراءة الألم" لمازن معروف (فلسطين)
"حرارته الشعريّة شفعت لتجربته" لباسم الأنصار (العراق)
"بين سرديّة النثر وإيقاعيّة الشعر" لأديب حسن محمد (سوريا)
"شاعر الجيتار المتجوّل" لرنا التونسي (مصر)
"هذا فراق بيننا" لعبد الرحمن جاسم (فلسطين)
"قتل الأب" لمحمد ديبو (سوريا)
"الحبو والكلام" لنسرين أبو خاص (الأردن)
منتخبات
منتخب "أوراق الزيتون" 1964
منتخب "عاشق من فلسطين" 1966
منتخب "آخر الليل" 1967
منتخب "العصافير تموت في الجليل" 1969
منتخب "حبيبتي تنهض من نومها" 1970
منتخب "أحبّك أو لا أحبّك" 1972
منتخب "محاولة رقم 7" 1973
منتخب "تلك صورتها، وهذا انتحار العاشق" 1975
منتخب "أعراس" 1977
منتخب "مديح الظلّ العالي" 1983
منتخب "حصار لمدائح البحر" 1984
منتخب "هي أغنية، هي أغنية" 1986
منتخب "ورد أقلّ" 1986
منتخب "أرى ما أريد" 1990
منتخب "أحد عشر كوكباً" 1992
منتخب "لماذا تركت الحصان وحيداً" 1995
منتخب "سرير الغريبة" 1995
منتخب "جداريّة" 2000
منتخب "حالة حصار" 2002
منتخب "لا تعتذر عمّا فعلت" 2004
منتخب "كزهر اللوز أو أبعد" 2005
منتخب "في حضرة الغياب" 2007
أحوال الشعر
إضاءة: التجانيّ يوسف بشير (1912 - 1937)، جمال محمد إبراهيم
حوار: الشاعر الدانماركي نيلس هاو، محمد سعيد ريحاني
متابعة: مؤتمر "خليل حاوي وتطوّر الشعر العربي الحديث"
مكتبة الشباب:
"شعرائيل" للسوري تمام تلاّوي
"تمائم" للسعودي أحمد الواصل
"كما يخسر الأنبياء" للأردني حسين جلعاد
"أنا شاعر كبير" للبناني رامي الأمين
"ينتظرونكَ" لليبيّة خلود الفلاح
بعدما تناولت في عددها الفائت تجربة الراحل صلاح عبد الصبور "المظلوم" بسبب إقصائه عن دائرة التكريس، تختار نقد تجربة محمود درويش "المظلوم"، لكن بسبب إقامته في هذه الدائرة تحديداً.
ففي تجربة درويش تمّ إنصاف الشاعر على حساب شعره، تمّ تقديم الشخص على القصيدة. على الدوام كان الانتصار لدرويش الفلسطينيّ على درويش الشاعر. على الدوام كانت القضيّة هي الطريق الإجباريّ لامتداح الشعريّة. تقريباً، درويش لم يُقرأ، بل تُرجم... وضمن اللغة الواحدة!
كان ثمة "خيانة" (والإيطاليون يقولون: "الترجمة خيانة") في سلوك القصائد مجاريَ كسفتْ الجانب الفنّي فيها. كان ثمة بخسٌ "كرنفاليّ" للفنّ في سبيل الأيديولوجيا. لكن درويش لم تنطلِ عليه هذه "الخدعة" الموقّتة، بالرغم من ثنائيّة البنفسج - القذيفة التي ملأت قصائده، وبالرغم من حيرة بعض نصوصه بين مطلع غنائيّ بديع وختام مباشر وتكراريّ.
شعريّة محمود درويش ذات المزاج التقريريّ في أعماله الأولى، استطاعت الإشراق بأجمل مطالع الشعر العربي الحديث ("سرحان يشرب القهوة في الكفاتيريا"، "عودة الأسير"، "الرمادي"، "كان ما سوف يكون"، "شتاء ريتّا"...)، مثلما استطاعت اختراع قاموس تركيبيّ اغتذت منه الأجيال اللاحقة. بالطبع، استفاد درويش من تقنيّة السرد القرآنيّ (راجع مطلع قصيدة "سنخرج" مثلاً)، وتقنيّات الأغنية الشعبيّة (الأهزوجة تحديداً)، و"نشيد الأناشيد"... لكن قدرة هذا الشاعر على إجراء كلّ شيء في فلك غنائيّته الاستثنائيّة، جعل من ذلك تفاصيل. لذا، يكون تحديد تقنيّاتٍ في شعر درويش كالقول: لعبه الأثير بالضمائر (أنا، أنتَ، هو)، أو تذويبه التساؤل الفلسفيّ في البنية الشعريّة ("هل كان أوّلُ قاتلٍ - قابيلُ - يعرف أن نوم أخيه موت؟")، أو حرصه على قيام توازن سيكولوجيّ في الموسيقى (على سبيل المثال، قصيدة "الكمنجات" في "أحد عشر كوكباً" التي تُبرز التجانس الموسيقيّ بين "فاعلن" وصوت عزف الكمنجا)، أو "الغموض البليغ"... نقول إن تحديد تقنيّات هذا الشاعر بواحد واثنين وثلاثة لا يخدم الباحث كثيراً في القبض على "سرّ المصلحة" في شعره.
بالشعر، استطاع درويش تحويل قصّة النزوح من فلسطين إلى قصّة شبيهة بقصّة الطرد من الجنّة: فلسطين هي الجنّة، والفلسطينيّ هو آدم، والزيتون هو التفّاح.
بامتزاج الألم باللذّة، والحزن بالسحر، بات للمأساة مردودها الجماليّ الخالص (هنا يمكن جيلنا الشاب أن يستذكر تلك الشائعة التي طالما تداولناها عن "عمالة" ريتّا وارتباطها بجهاز الموساد الإسرائيليّ!).
في شعر درويش ثمة سمة ضوئيّة، أو فلنقل ثمة صباح: نهوض دائم من النوم، قهوة الأمّ، والقهوة مع الحليب... إضافة إلى صفاء لغويّ لا يقلّ استعلاءً عن قولنا: صفاء عرقيّ. وفي حين يأخذ الجسد في قصائد الآخرين منبر الكلام في الجنس، يقوم الجسد الدرويشيّ بالإصغاء. الجنس في قصائد درويش فعل إصغاء لا مرافعة.
لقد جعل درويش من الشعر وسيلته الفضلى لقول كلّ شيء: الغضب، الخيبة، الحبّ، التحيّات... حتى النقد: "كيف أنجو من مهارات اللغة؟". أكثر من ذلك، نستطيع، من خلال قصائد درويش، تقديم رسم بياني لبدء تحوّله، الذي أخذ طابع الحيرة الفلسفيّة، إلى كتابة قصيدة النثر.
بعد "كزهر اللوز أو أبعد" (2005) بات انتقال محمود درويش إلى كتابة قصيدة النثر أكثر سلاسة، وربما أكثر حتميّة. لقد أظهر درويش في هذا الديوان قدرة (رغبة؟) كبيرة على "تمويت" الوزن وإدخاله في غيبوبة. لقد بدا جليّاً أن ثمة حاجة ملحّة لتنويمه مغناطيسيّاً (نثريّاً)؛ محوه والإبقاء عليه في آن واحد. استفادة قصوى من تقنيات قصيدة النثر وموارد تعبيرها، وطغيان لليوميّ، مع تصميم لا يُراجَع لردّ الاعتبار النثريّ للأشياء من خلال تعريفات كرّستها، تقليداً، قصيدة النثر... بالطبع، ذلك كلّه مسبوقاً باستهلال غير بريء مقتبَس من كتاب "الإمتاع والمؤانسة" لأبي حيّان التوحيديّ: "أحسن الكلام ما... قامت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم" (الديوان ينتهي باقتباس آخر، لكن للشاعر نفسه من قصيدة "طباق"، يبدو غير بريء أيضاً: "وداعاً، وداعاً لشعر الألم").
في هذا الديوان كان ثمة تأتأة نثريّة. كان ثمة احتباس نثريّ واعٍ. كتابة محمود درويش قصيدة النثر، بعد 21 ديواناً، ليست فعل "تصابٍ" قطعاً، بل دليل قدرة، إن لم نقل يقظة نقديّة لا تشرد. والحقّ أن هذا الشاعر كان أحسن نقّاد تجربته، وليست غاراته التنقيحيّة على شعره القديم سوى دليل على ذلك.
امتحان "في حضرة الغياب" كان امتحانَ إيقاع، هذا المسمّى الذي طالما اعتبره درويش مقياساً أساسيّاً لحساب منسوب الشعريّة في النصّ، ناهيك بأن هذا الشاعر هو أكثر الشعراء العرب استخداماً لهذه المفردة (الإيقاع) في شعره حيث ترد عشرات المرّات. والصحيح أن قدرة الإيقاع، كمصطلح نقديّ، على التملّص والإفلات من تعريف أكاديميّ صارم يرسم له حدوداً للقياس، جعله يتقمّص هيئات عدّة في شعر درويش بين اختلاطه بالغنائيّة حيناً، وانبجاسه في "إباحيّة" عروضيّة حيناً آخر، أو حواريّات لم تكن تنويعاً يوماً في قصيدة درويش (وإذا كانت كذلك فهي تنويعات بنيويّة)، ناهيك بالتدوير المباغت ولعبة الصدى وجماليّة اللاوصول الدائم... في هذا الديوان الأخير، والذي تمّ ترويسه بلفظة "نصّ"، ثمة "مصالحة" تمّت، أو ثمة لقاء أُنجز. فلا يخفى على من يقرأ دواوين درويش، قراءةً كرونولوجيّةً، بروز ثنائيّتَين اجتهدتا على التصاعد كتاباً بعد آخر: ثنائيّة الحضور والغياب (حتى أن الغياب استطاع بلوغ مرحلة الوجود الفيزيقي: أشياء الغياب، مشاغل الغياب، ركض الغياب، رمّانة الغياب، فرس الغياب، شجر الغياب، رخام الغياب، زجاج الغياب، آثار الغياب...)، وثنائيّة النثر والشعر. في هذا الديوان كان ثمة استعادة نثريّة لـ"جداريّة" التي بلغت ذروتها في طرح الثنائيّة الأولى (الحضور والغياب)، مثلما بلغت ذروتها في استنفاد طاقة الأوزان في حمل (قول؟) كلّ شيء. "في حضرة الغياب" صالحَ النثر بالشعر، مطبّقاً مقولاتٍ كان درويش قالها في دواوين سابقة: "ستعثر الأنثى على الذكر الملائم/ في جنوح الشعر نحو النثر"، "أحبّ من الشعر عفويّة النثر"، "لعلّ السهل نثرٌ/ لعلّ القمح شعرٌ"، "]إلى الشعر والنثر:[ طيرا معاً/ كجناحَيْ سنونوّة تحملان الربيع المبارك"... وليست "زلاّت" التبرير للنثر في هذا الديوان سوى ترجيع لـ"زلاّت" العروض في النثر (وهنا لا نقصد المقاطع الموزونة التي تضمّنها الكتاب، لكن بعض الجمل الموزونة التي تسلّلت إلى المقاطع النثريّة).
قبل ذلك، كان لدرويش في ديوان "أحبّك أو لا أحبّك" 1972 محاولة لكتابة قصيدة النثر، وذلك في قصيدة "مزامير" التي تألّفت من 12 مقطعاً (5 مقاطع موزونة، 6 مقاطع غير موزونة، ومقطع مقفّى من دون وزن) في هيأتها النهائيّة، حيث كان الشاعر قد أعاد النظر في هيأتها الأولى (راجع قسم "منتخبات" في هذا العدد ص 163). بعد صدور "في حضرة الغياب" في وسعنا القول إن تلك القصيدة كانت محاولة قصيدة نثر في أصلها، حتّى ولو قال الشاعر إن لها مرجعيّة تاريخيّة هي نصوص المزامير.
قناعة درويش أخيراً بأن الشعر ما هو إلا "نثر مصفّى"، والتي كلّفته ديوان "في حضرة الغياب"، ستكلّف "الأيديولوجيين" عناء انتظار الديوان "الثاني" أو الثالث والعشرين. فثمة اعتقاد لاشعوريّ، جمعيّ، بأن التخلّي عن القصيدة الموزونة هو نوع من التخلّي عن مبدأ أو قضيّة أو مسيرة نضال. لا قضيّة تُخاض بقصيدة نثر، قصيدة النثر منقوصة الوجاهة... بالطبع، مثل هذه الدفوعات الرجعيّة لا يصمد طويلاً أمام تاريخيّة النقد التي لا يمكن أن تخضع لمنطق ابتزازيّ.
إذاً، في نيّة هذا العدد من نقد (ولو أن بعضاً من النقّاد العرب ممن وعدوا بالمساهمة فيه تخلّفوا لظروف قاهرة) أن يكون قراءةً ضدّ الترجمة، أن يكون قراءة الشعر بلا شوائب الأيديولوجيا والقضايا الكبرى... قراءة درويش المصفّى، درويش النقيّ.
رئيسا التحرير
****
أحدث محمود درويش "مشكلة" في الوعي الشعري الجديد الذي صاحب ما يشبه الثورة أو الانقلاب الجذري على الأصول. فقلد دأب أغلب مجايليه ومَن سبقوه، بفترة قليلة وغنيّة ومحدّدة، على تعامل أعلى مع حساسياتهم الشعرية، بحيث تعكس التجربةُ الشعرية قلقاً مولَّداً من نظرية المعرفة. و"الرجل القوي"، هنا، هو أدونيس الذي أكثَر من احتمال أن تكون نظرية الشعر امتداداً لنظرية المعرفة، لا بل في قصيدة "أحلم وأطيع آية الشمس" جعل نظرية المعرفة جزءاً من القلق الشعري.
المشكلة التي رماها محمود درويش بوجه سابقيه ومجايليه، قبل قرّائه، تمثّلت بصانع نصوص "حدَّث" في متنه الشعري إنما احتوى، وبلا منازع، مقدرة الشعر الجديد على تقبّل الصوت أو الملفوظ. ربما لا يعرف القرّاء الجدد، وكتّابهم، إلى أي حدّ يمثّل الصوت مشكلة للقصيدة الجديدة، بالنسبة إلى أصحاب المشكل طبعاً. إن احتواء محمود درويش للصوت داخل تركيبه الشعري مثّل نقضاً غير متعمّد لمن سبق ولمن جايل، وتقريباً لمن تلا.
الصوت الذي يتأمّن على يد اللفظ والإيقاع، هو بمثابة آلة نسخ لموروث شعري كامل عَمِلَ أصحاب "شعر" اللبنانية ومريدوها على تجاوزه باعتباره شريكاً في "جريمة" التقليد الشعري. وتمّ التعامل معه كآخر حصن من حصون الموروث بصفته مولِّدا للإيقاع والتفعيلة والألفاظ. وفعلاً، تمّ الاتفاق غير المدوَّن بين شعراء يجمعهم هذا النوع من التجاوز وذهبوا باتجاه تقليل الاعتماد على أي شكل من أشكال التصويت أو اللفظ. لم ينجح الجميع، القليل منهم نجح. إنما لم يستطيعوا إغواء واحد كمحمود درويش الذي أعاد السؤال إلى أحضانهم جميعاً: كم سيخسر الشعر العربي بلا صوت؟!
كان أبو نواس محقّاً، مرّة، عندما دافع عن نفسه في معرض انتقاد وُجِّه إلى رخاوة في ألفاظه لحال التمدّن وأن ثمة من يسبقه بسبب ذلك، فقال: "لو كان كلُّ شعري يملأ الفم لما تقدَّم عليَّ أحدٌ". لقد أصاب أبو نواس في بنية تسيطر على الذائقة العربية، وطبيعة أحكام اللغة العربية، ما منحها بطاقة تعريف، في الصوت وفي اللفظ، والإيقاع تالياً. هذا ما فعله محمود درويش: سباحة بعكس عقارب التجديد والعودة إلى الصوت. لقد نجح هذا الرجل بشكل منقطع النظير مما أوقع "خصومه" في إرباكٍ ثان: كيف يمكن الجمع بين الشعرية والجمهور؟ من الصوت، وصولاً إلى شعبية القصيدة. كيف فعل درويش هذا كلّه؟!
في الواقع، ساهم محمود درويش بإحداث نوعٍ من التوازن في نظام التفكير الشعري بعدما أثبت، وبما لا يدع مجالاً للشك، بأن تحميل الصوت واللفظ كلَّ آثام المرحلة الكولونيالية القديمة، لا يمتّ بصلة إلى الموضوع أساساً. فالمرحلة التي تلت سقوط بغداد عام 1258 م، وصولاً إلى محمود سامي البارودي (1838 - 1904)، كانت تعكس سؤالاً خفياً لمّا تجرؤ الحداثة على طرحه علناً وهو علاقة الشعر بالقوة، أو بالمصطلح الفرويدي: علاقة مبدأ اللذة بمبدأ الواقع. وإلا كيف يمكن فهم اضمحلال الشعر العربي مع زوال الدولة؟! إلى أي حدّ ثمة تصادفٌ وإلى أي حد ثمة علاقةٌ؟ لقد أدرك محمود درويش بموهبته المفرطة أن نوعية التصويت العربي والملفوظ فيه يمتّان بصلة غير مدرَكة إلى الإحساس بالتفوّق، ذلك النموذج الذي كان المتنبي الناطق الرسمي به، والأخير. لقد كانت شعريّة المتنبي نوعاً من الكمال الذي لا يتأسس إلا بدمج المادي بالروحي معبِّرَين عن شكليهما في التاريخ والفن، وذلك بقوله الشهير: "وما الجمع بين الماء والنار في يدي/ بأصعب من أن أجمع الجدَّ والفهما".
مع هذا الاختزال اختُصِرَت طبيعةٌ صامتةٌ في الشعر العربي الكلاسيكي. وكَمَنَت أكثر من ستة قرون وراء ظاهرة موت الشعر العربي من نهايات القرن الثالث عشر الميلادي حتى بداية القرن الثامن عشر. والعجيب أنه بسبب سيطرة المنهج الأخلاقي على الإحيائيين والرومنطيقيين ومن ثم الروّاد، لم يجرؤ واحدٌ منهم على ربط الشعرية بالتفوّق. والأغرب أنهم أفادوا من الإحساس بالتفوّق إنما من دون تحويله مبدأ في الفكر الشعري(!) والدليلُ يعرفه الجميع بالثقافة التي سيطرت على "شعر" فترة غير قليلة. كما أن الشعر العربي المعاصر قام بأكمله على دعوات الإحياء، وإنْ برؤية متضخّمة للذات، ومن دون قراءته في النسق، بل في الظاهرة الشعرية.
محمود درويش ربما فعل مثلهم، أي لم يعطِ الإحساس بالتفوّق مبدأ للفكر الشعري، إنما عمل من داخل، في التكوين، واستعاد الصوت عبر اللفظ والإيقاع وجلس ينظر إلى الوفود التي تؤم بيته الشعري الكبير. دامجاً مبدأ اللذة بمبدأ الواقع.
إذاً، من الصوت، إلى نموذج التفوّق (الذي أفاد منه من خلال معنى القضية الفلسطينيّة) إلى النص. على العكس من سابقيه الذين تعاملوا بمديونيّة مع علم الاجتماع ورأوا أن نقص المعرفة العربية بعلم الاجتماع، وتحديداً منها المصطلح، وبقية أزمات المجتمع العربي، ينبغي أن يَعْبَأَ النص بحالته بها، فحوّلوا نصوصهم إلى مساحات حوار لا تخلو من الشعر أحياناً، في الوقت الذي ظنّوا فيه أن الشعر وحده هو الموجود. بينما عمل درويش في النص نفسه وأنتج القصيدة كتلاحم ضروري بين الصوت ونموذج التفوّق، وهذا هو سرّ خلو نصّ درويش من تلوينات نظرية المعرفة، كذلك هذا سرّ غياب الاضطراب في مفرداته، فعادة ما تتكامل فيها الأدوات مع الموضوع على نحو غير مسبوق، بسبب سرعته في التخلص من أثر المتكلمين، ذلك أن دور الصوت والنموذج هو الوحدة، تماماً، مثلما أعلن المتنبي في "الجمع" بين همّته وفهمه: طَرَفَي المثال المتفوّق الذي يجعل من أرسطو والنبي موسى مفْتُوْلَي العضلات، في الوقت الذي تسيطر عليهما، في الوقت نفسه، العَرافة الفلسفية الحادة. لقد مات نيتشه وهو يحلم باستعادة أوروبا التي تتفلسف وتُصارع، في آن واحد معاً. وهو مسعى هيدجر بإرجاع الفلسفة إلى بيتها اليوناني. هل من مفارقة بأن الحرب كانت على الأبواب بعيد كلّ هذا التكامل الفاتن والمدمّر، الخلاّق والدموي؟ سيختصر محمود درويش بإجابة غير ناقصة: "لا تعتذر عمّا فعلت"...
من الصوت، إلى نموذج التفوّق، وصولاً إلى النصّ. قام درويش بكل ما يريد القيام به، عادت الماء إلى عُوْد الشعر اليابس. بينه ونزار قبّاني شراكة مدمّرة، الأول يقوم بواحدة من تكتيكات درويش، الصوت. أما نموذج التفوّق فلم يكن عند قبّاني سوى المكان الأكثر قابلية للتحطم، ولقد تجلّى هذا في الأيام الأخيرة بعدما تساءل عن الوقت الذي سيعلنون فيه وفاة العرب، موت النموذج الذي كان مجرّد استعادة عند قبّاني، حلم، ارستقراطية شاعر شاميّ. بينما لم يكن الأمر كذلك عند درويش، كان نموذج التفوّق وعياً بالأنا ومن ثم التكامل عبر الصوت: سرّ الأسرار في الشعر العربي. وهو أمرٌ دوّخ خالدة سعيد في أول إشاراتها عن محمود درويش في دراستها الشهيرة عندما اعتبرت أن درويش يمثّل "حماسة جديدة في الشعر العربي". ذكاء خالدة قادها إلى مفردة ذكية "حماسة"، وهو اختصار اقترب من قيمة درويش الفنيّة إنما قد بخسه أشياءه. إن هذه الحماسة تعبيرٌ فضفاض لقوّة الملفوظيّة لديه، هذا الأمويُّ في شكل لغة عرف أن مغارة في اللاشعور العربي لا يفتحها سوى اللفظ، والنطق. الصوت هو المطلق، وهو غاية القول الشعري، وإلا فاستدارةٌ إلى نظرية المعرفة. لا يوجد حلّ لهذا المعضلة التي لا تحتاج حلاً في الأساس. عمل كثيرٌ من الشعراء على التسلل بين نقاط اللفظ والصوت، ولم يستطيعوا النجاة. المحظوظ فيهم، كأدونيس، خرج بقصيدة فذّة أراد فيها منافحة درويش بقوة الصوت واللفظ، فكتب قصيدة "إسماعيل" وهي تمثّل أثر التوازن الذي فرضه درويش على بقية الشعراء: إياكم ونظرية المعرفة. كانت "إسماعيل" أدونيس تحدّياً لـ"أحمد العربي". قصيدة بقصيدة، صوت بصوت، اسمٌ باسم. وأحمد بـ... اسماعيل. نجح درويش في جذب أعتى خصومه وأصعبهم على الإطلاق إلى هذه المنطقة التي بدت كما لو أن الحداثة قد طهّرتها، ثم ظهر زيف الحقيقة تلك. وسرّ قبول أدونيس لهذه المواجهة هو أنه، في الأساس، احتفظ لنفسه بعلاقة خاصة غير معلنة بالصوت واللفظ اللذين ظهرا بأكمل صورهما في "أغاني مهيار الدمشقي".
قيمة محمود درويش مثل شاعريته(!) لقد أحدث التوازن بين المكتوب والمنطوق، وأعاد مثال التفوّق ليكون في المنتصف. سيمرّ وقتٌ طويل لمعرفة القيمة التطبيقيّة لأسلوبيّة درويش باستلهام ما يختزنه اللفظ والصوت من موروث جمالي صامت. إنه مدهشٌ يسرح بمحبّي الشعر دون أن يقدّم لهم طبقاً مجانياً. رائجٌ وصعبٌ وملغزٌ. كثيرٌ من سابقيه نجحوا بالصعوبة والإلغاز، إنما أحدث درويش فتنَته عبر الرواج من دون أدنى تنازل، لقد خدعهم بعسل اللفظ ومرَّر بين الحروف ألعابه كلّها. من هنا يبدو أن الحلّ الذي قدّمه محمود درويش لمعضلة التحديث والرواج، هو الحلّ الأمثل. ذلك يُفْهَم عند نزار قباني الأكثر رواجاً والأقلّ تضميناً. وكذلك تفهم كلّ الأساليب التي تلت وجايلت. هل يمكن اعتبار محمود درويش، بهذا المعنى، النموذج الأكثر قابلية للتأثير، من قبل، وحتى زمن مقبل بعيد؟!
****
"قلنا: إن الشعر هو الشاعر. وكان علينا أن نصدّق الشعر ونكذّب الشاعر"
في حضرة الغياب (ص. 169)
1
ما الشعر الذي تنكتب سيرته الذاتية في ديوان "في حضرة الغياب" لمحمود درويش؟ وكيف يتأمّل (نفسه)، خصوصيته، صوته الخاص ضمن الأصوات الأخرى والأساليب الشعرية السائدة في الجغرافيا الشعرية العربية الراهنة؟ وأي علاقة ينسجها هذا الشعر مع شاعره؟ ومن يكتب من (ما)؟ وإلى أي حدّ تصل مغامرة الكتابة الشعرية عبر شكل مختلف، أي في انزياحها الجديد من نصّ تفعيلي إلى نصّ شعري موازٍ يتخذ له هذه المرّة شكلَ محكيٍّ شعريٍّ بلوريٍّ؟
مرّة أخرى، نجد أنفسنا أمام القوة نفسها في اللغة واللعب بالكلمات وبالمجاز والاستعارة والتشبيه (وإن شهدت سيرورة الاستعارة لدى محمود درويش الكثير من التحوّل والتطوّر)، وأمام نصّ له نَفَس أقرب إلى نَفَس القصيدة الدرويشية بكل ما فيها من ذكاء ومكر وتجربة إنسانية طازجة وحسّ فجائعي ورؤية إشكالية.
ظاهرياً، نحن أمام الشاعر الفلسطيني الذي نعرفه ونعرف مساره الشعري والإنساني، لكننا أيضاً أمام الشاعر الذي يذهب عميقاً في تحرير وافتكاك نصه الشخصي من النص العمومي. يكسر أفق الانتظار الشائع فلسطينياً وعربياً، ويكتب عن نومه (اليقظة المغمى عليها)، وعن حلمه وكوابيسه، وعن مرضه وهشاشته، وعن خوفه وحيرته، وعن حبّه، وعن أشجاره وفواكهه، وعن حياته وموته...، موته الذي مضى إليه وصافحه بقلب "مفتوح" قبل أن يعود موفور العافية، شغوفاً بالحياة كما يليق بإنسان حقيقي وبشاعر كبير، صانع للحياة والجمال أساساً. يكثّف محمود درويش ذاكرته في هذه السيرة الذاتية المتقللة من التفاصيل، ومن كثير من الظلال والأحداث والأسماء. وهو لا يكتب سيرته الذاتية بالمعنى العميق للمفهوم، بل يكتب - إن شئنا الدقة - السيرة الذاتية لقصيدته. وذلك من حيث انه يقوم بتجميع، بإعادة تمثّل، وإعادة بناء الاستثناءات والمفارقات التي ميّزت هذه السيرة، سيرة انبثاق وتشكّل المادة الأوليّة (الخام) لكتابة الشعر، ولميلاد القصيدة (علينا هنا أن نفكر في قصيدة "جداريّة" تحديداً، كموديل شعري تنكتب سيرته في هذا الكتاب مثلما ينجز الرسّام اللوحة انطلاقاً من الموديل الجسدي العاري أمامه).
إذاً، فالشاعر في هذا النصّ العميق المركّب، يتوسّل جنساً أدبياً بات معروفاً اليوم في النظرية الأدبية الحديثة، هو "المحكي الشعري". وشعريّة المحكي في نصّ "في حضرة الغياب"، تأتي لتنبّهنا إلى ما لم يتسنَّ لنا الانتباه إليه، أو تعيد تركيب الاستثناءات التي لم تُوصف من قبل كما كان ينبغي أن تُوصف. والأساس الذي يتعلّمه المرء من "المحكي الشعري"(Le récit poétique)، كما نجد ذلك لدى الفرنسي جان إيف تاديي في كتاب نظريّ له بهذا العنوان، هو هذا الهدم الجمالي الخلاّق لهوّة التعارضات الحادّة القائمة (التي ظلّت قائمة لزمن طويل) بين الأجناس الأدبية، وبالخصوص بين الشعر والنثر، مع أن الأمر يتعلّق باختلافات ترجع في جوهرها، كما يرى إيف تاديي نفسه، إلى توزيعات متغيّرة لوظائف أدق من وظائف اللغة، في أغلبها، مؤكداً من ثمّ أن كل رواية هي قصيدة، وإنْ في القليل الممكن منها، وأن كلّ قصيدة هي محكي، في مستوى معيّن. وسنجد أن عدداً من خصائص المحكي الشعري تتلبّس نصّ محمود درويش. ثمة هيمنة واضحة لوظيفة الفضاء كوظيفة رئيسيّة رغم أن الإحساس بالموت يثير دائماً وعادة وظيفة الزمن (لكنه هنا موت لم يكتمل لحسن الحظ). وثمة إيثار للحظة على حساب الديمومة، وينعكس ذلك بجلاء حتى على مستوى التكثيف الحكائي وانقطاعات الخطيّة السرديّة. وثمة أيضاً، حضور للتاريخ من خلال استحضار بعض الوقائع، لكنه استحضار يتمّ في الآن نفسه الذي تحضر فيه اللازمنية. ومن ثمّ، الذهاب إلى غموض المعنى الشعري، حتى ولو أن الأمر يتعلّق - كما يفترض - بكتابة نثريّة تتقصّد "الوضوح". وكما نجد لدى إيف تاديي، فإن الإيقاع كخاصّيّة أخرى للمحكي الشعري، يحضر في نصّ محمود درويش عبر آلية التكرار الجمالي في الكلمات، في الجمل الأساسية (الجمل - المفاتيح)، في تكرار بعض الصور والأحداث... إلخ، ما يجعل السرد التفافياً يتخذ صورة الدائرة (الولادة والموت، الخروج والعودة، الوطن والمنفى والوطن). كما أن أهم خاصّيّة في المحكي الشعري تحضر هنا أيضاً، وهي أن التجربة التي يعيد هذا المحكي كتابتها (رَسْمَهَا) هي تجربة واحدة، وإن تعدّدت تجلّياتها وتنوّعت؛ وتتطلّب "بنية لها وحدة القصيدة وانسجامها وغموضها، أكثر مما يكون لها تنافر الرواية واختلاطها" (إيف تاديي - المدخل).
2
الشاعر غير معني بتعميم خبر سردي عن حياته الاجتماعية والسياسية والثقافية، وحتى عن حياته الشعريّة (وإن كان يلامسها قليلاً). وإنما هو يكتب هذا النص - هذا الكتاب، ليقدّم لنا السيرة الذاتية لقصيدته، كما أشرت، بالنَّفَس ذاته الذي يكتب به قصيدته ذاتها. ولذلك، قَلَّت شهيته للتفاصيل العمومية، وهي وافرة وغزيرة لديه - لو أراد، أو لو كانت تهمّ استراتيجية كتابته أساساً في هذا العمل - وإنما كان منشغلاً بإنجاز نصّ نثري شفيف أصبح في جلّ مستوياته قصيدة نثر حقيقيّة.
ويخطئ من يطالب نصّ "في حضرة الغياب" بوظيفة نفعيّة. إنه محكي شعري يشتغل على عناصر واقعية، معيشة، معلومة، تنتسب إلى الفضاء السيرذاتي للشاعر. وبدلاً من أن يكتب الشاعر هذه العناصر بتقنيّة التأريخ أو التوثيق والتدوين الذي يميّز في العادة كتابة المذكرات واليوميات، فإنه فضّل نهج أسلوب المحكي الشعري مستثمراً جماليات هذا الجنس وبعض تقنياته، متيحاً لنفسه قدراً من التخيّل الذاتي (Autofiction)، على الأقلّ في تأطير البناء السردي للنصّ من خلال تقنيّة مضاعفة الذات المتكلّمة في النصّ (شخصان في شخص واحد؛ "تصير إلى اثنين: واحد يقول نعم، وواحد يقول كلا"، "في حضرة الغياب" ص. 141). وبالتالي، فإن ما نقرأه في هذا العمل الجميل، الودود، الناعم والقاسي، هو نصّ محمود درويش (الشاعر العربي الفلسطيني الكبير) ونصّ الشاعر الافتراضي أو المتكلّم المضاعف (المركّب من شخصين، ومن صوتين يكثّفهما في الغالب صوت مهيمن). في معنى أننا أمام نصّ يستثمر خطاب الواقع الملموس وخطاب الواقع المتخيّل (الحلميّ، الاستيهاميّ، الكابوسيّ). ولنقل أيضاً، إن هذا العمل يلعب بإمكانيتين نصيّتين: بالخطاب الفعلي الملقى... وبالخطاب المختلَق، الكاذب، الماكر، الفاتن، الذي ليس في جوهره إلا خطاب الشعر. ومن ثمّ صدق السارد (الذات المتكلّمة في النصّ) عندما قال بأن "ليس على الشاعر من حرج إن كذب. وهو لا يكذب إلا في الحبّ..." (في حضرة الغياب، ص. 10).
يُبَئِّر الشاعر خطابه الحكائي الشعري تبئيراً مخادعاً. إنه يحكي عن نفسه فيما يحكي عن "الآخر" الذي يتذرّع به، وليس ثمة من آخر غير الشاعر نفسه. وثمة سردية داخلية يقوم بها الشاعر - السارد عبر موضوعه الموصوف، بينما يراهن على أن يستكملها القارئ، المؤهّل شعرياً وسردياً وجمالياً، بما يعرفه عن مسار حياة الشاعر، وعن أهم علامات تجربته الإنسانيّة التي سبق للشاعر أن امتصّها في شعره، وفي نصوصه الموازية. البناء السردي الذي يتخذ له هنا فضاء المحكي الشعري ولغة قصيدة النثر عموماً، لا يقول أي شيء ولا يقول كلّ شيء. وهو ليس سرداً تقليدياً خطياً تتخلله وقفات وصفيّة، وإنما هو سرد قائم على نوع من الذهاب والإياب، بل يكاد يكون مجمل الإطار الحكائي في الكتاب قد تمّ داخل لحظة واحدة ممتدّة ومسترسلة، يحرّكها التأمّل الوجودي أو التعليق السريع الساخر أو السؤال أو الاستطراد الفني. وذلك ما يتحكّم في وتيرة السرد ويكسبها جمالية وشاعرية وقوّة. وهو ينوّع الخطاب من خطاب حكائي إلى خطاب تأمّلي، إلى خطاب شعري (نثري أو تفعيلي)، إلى خطاب يوميات...، كي لا تتعطّل حكاية النصّ، الحَيِيَّة، ذات الصوت الخفيض، التي ليست في العمق إلا حكاية قصيدة، أو بالأحرى حكاية حياة فرديّة في أقصى لحظات عزلتها وهشاشتها وصمتها... تتحوّل لتصبح حكاية قصيدة أولاً وأساساً، وليس لتصبح حكاية شخص يريد للحظة ألمه و"موته" أن تتحوّل إلى بطولة للادّعاء أو التمجيد أو جلال التقديس.
لذلك، ينبغي أن نتوقع سوء فهم لهذا النصّ الذي يراوغ أفق الانتظار النمطي التقليدي. والمراد أن ترتقي القراءة إلى مستوى الخطاب الشعري الرفيع المكثّف في هذه التجربة الإبداعية التي يخوضها محمود درويش بجسارة. صحيح أن عدداً من المعطيات الإحالية في النص معروفة ومتداولة، لكن الشاعر بإعادتها أو استعادتها يكاد يقول لنا بأن المهم ليس أن تعرفوا ما تعرفونه عني (وسبق أن قلته أو كتبته)، وإنما المهم أن تتعرّفوا إلى طريقة مغايرة في التمثّل والنظر إلى ماتعرفونه عني. ونحن نعرف مسبقاً (نظرياً على الأقل) أن المحكي النثري استثمر دائماً موارد التغيّر الداخلي، وإن كان استثماراً أكثر احتشاماً مما نجده في تعبيرات فنيّة أخرى (جيرار جونيت، عودة إلى خطاب الحكاية، ترجمة: محمد المعتصم، المركز الثقافي العربي، بيروت – الدار البيضاء 2000، ص 31). وليس من شك في أن الخطاب الشعري ككل، ومنه المحكي الشعري، هو المؤهّل أكثر لاستثمار هذه الموارد الذاتية التي توفّرها السيرورة الباطنية للشاعر، لوعيه الشعري، لحساسيته اللغويّة والمعجميّة والجماليّة والفنيّة، ولأفق قصيدته.
وليس التبئير وحده الذي جاء ماكراً في بناء هذا النصّ، وإنما نجد أيضاً أن السيرورة الزمنية - بما هي سيرورة زمنية لمحكيّ شعريّ - قامت على زمنية مخادعة. إنها تقفز على الكثير من اللحظات، فيما يبدو للوهلة الأولى أنها تمرّ بمجموع اللحظات التي عاشها الشاعر خلال حياته (في فلسطين النكبة وهو طفل، وفي لبنان، وبعد الخروج من فلسطين المحتلة: في القاهرة، بيروت، دمشق، تونس، باريس... وفي مختلف العواصم والمطارات والمنافي الصديقة والشقيقة). إن المحكي ينتقل من لحظة في الماضي إلى لحظة في المستقبل، ومن لحظة في الحاضر إلى أخرى في الماضي، ومن لحظة الواقع إلى لحظة الحلم أو الكابوس. وذلك كلّه اعتماداً على ذاكرة انتقائيّة، تصطفي وترتّب عناصر التجربة الإنسانيّة التي تشكّل المادّة الخام للقصيدة. كما يعتمد الشاعر كذلك كثافة المحكي، عبر تكثيف وتسريع الخطاب الذي يحكي، مقابل الامتداد الزمني للواقع المعيش الذي يتمثّله المحكي الشعري. وبعملية بسيطة، نجد أن أربعاً وستين سنة، هي التي تفصل ما بين تاريخ ميلاد الشاعر (1942) وتاريخ صدور النص (2006)، يتمّ تكثيفها في 181 صفحة من القطع المتوسط. لنقل إننا إن قسمنا 23.360 يوماً على عدد صفحات الكتاب نحصل على معدل 129.06 يوماً لكل صفحة واحدة. طبعاً، ما من رهان كبير على "دلالة كبيرة"، بتعبير جيرار جونيت، في هذه المقارنة الطريفة، لكننا نريد القول إن الأمر لا يتعلّق بسيرة ذاتية للشاعر، وثمة تضحية واضحة بالكثير من تفاصيل الحياة التي عاشها محمود درويش فعليّاً. وبالتالي، فنحن أمام كتابة تعتصر حياة الشاعر لتحتفظ لنفسها بما يتيح للغة الشعريّة الكثافة والوجازة والاقتصاد الخلاّق الموحي.
3
إذاً، في هذا الكتاب ثمة ملفوظ شعريّ، وثمة تحليل شعريّ لهذا الملفوظ في الآن نفسه. ثمة خطاب شعريّ (أدبيّ) مضاعف، خطاب يقول نفسه فيما هو يحلل ويتأمّل نفسه أيضاً. وهو خطاب مضاعف، بهذا المعنى، يتحدّث بصوت مضاعف، الصوت الذي يقول النصّ ويتكلّم فيه، ويقدّم عن نفسه "صورة ذاتيّة" (أوتوبورتريه) تتداخل مع السيرة الذاتيّة للقصيدة. وإذا أدركنا أن النصّ المكتوب يمنح للقراءة حيزاً من الكلام، حيّز شخص يتكلّم بداخله عن شخص آخر لا يتكلّم (وإن كان حاضراً، ولو في حضرة الغياب)، نجد أنفسنا أمام مكوّنات "خطابٍ عاشقٍ"، بالتحديد الذي أعطاه رولان بارت لهذا المفهوم.
الشاعر الذي أصبح أيضاً سارداً في هذا المحكي الشعري يتيح لنفسه حريّة أكبر مما قد يتيحها له، عادةً، النصّ الشعريّ المخصوص (النصّ الشعريّ التفعيليّ تحديداً)، فـ"يجري داخل رأسه"، والعبارة لبارت، أي داخل المساحات الممتدّة للذاكرة ليداعب مدّخراته النفسيّة والأدبيّة والسوسيوثقافيّة والسياسيّة، بل والجسديّة أيضاً (للجسد ذاكرته، للحواس بالطبع). وهو، وإن كان لا يقول جديداً عن حياته، لكنه يقول ما نعرفه عنه بطريقة جديدة، وببنية إيقاعيّة جديدة. ومثل كلّ خطاب عاشق، فإننا كلّما قرأناه بدا لنا أننا نعرف هذا المحكي أو هذا القول، "نتعرّف إلى هذا المشهد اللغوي" (بارت) الذي نعرفه بالطبع لأنه مشهد ذاكرة مشتركة بين الشاعر والقارئ داخل النصّ وخارجه. مشهد شيّدته مشاعر وأحاسيس الشغف المشترك بين الكتابة والقراءة. وهو مشهد يعيد تكوينه هنا المتخيّل الشعري والرغبة الجماليّة وجسارة البوح بالشخصي والخصوصي والحميمي.
ومرّة أخرى، كي نلامس خصائص المحكي الشعري، فإن هذا النصّ لا يبتغي "إسماع كلّ ضجيج الأرض"، بتعبير جان إيف تاديي، وإنما يتوسّل لغة متكتّمة، سرّيّة تحتاج - كي تُفهَم - إلى إحساس مختلف بها وترجيعها عبر الذات القارئة. وإن محمود درويش، الشاعر الماكر الذي يعرف معنى وضعه الاعتباري في الساحة الفلسطينية والعربية، ساحة القراءة النمطيّة عموماً وساحة الصراع والاحتراب والواجب والوظيفة، ينأى بنفسه قليلاً ليكتب نصّه الشخصيّ - "سطره الخاص" (في حضرة الغياب، ص. 99) وليقوله بكثير من الصمت، وبتقاطع واضح مع ظلال القول. لذلك، نخطئ إن قرأنا "في حضرة الغياب" على ضوء ما نعرفه عن الإحالات السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة لوضع الشاعر في مجتمعه وسياقه العمومي، بل ينبغي أن نقرأه على ضوء ما يقوله النصّ ذاته. وهو في هذا المعنى، ليس إلا أثراً لخطوات الشاعر وليس تقريراً تفصيليّاً عن الخطوات التي خطاها. وهو صورة عن الطريق التي تسلكها القصيدة الدرويشيّة كي تخرج من بين ثنايا الروح وجروح الجسد ومتاعبه، وليست الطريق الفعليّة التي مشاها الشاعر. والنصّ، إن شئنا، هو رحمٌ لنصٍّ تفصيلي لم ينكتب بعدُ بالكامل، وإن كانت تجلّيات منه قد ظهرت في العديد من نصوص الشاعر الموازية (كتب سابقة، قصائد، شهادات وكلمات، حوارات، رسائل منشورة، افتتاحيات بعض المجلاّت الثقافيّة والفكريّة، خاصة "الكرمل"، أفلام وتسجيلات صوتيّة... إلخ).
4
لقد اختار درويش الشكل الأفضل لاستيعاب تجربته الشخصيّة القاسية، تلك التي مرّ خلالها بأقصى وأقسى سفر يمكن أن يسافره المرء في حياته، سفره إلى المستحيل الإنساني، أثناء خضوعه لعمليّة جراحيّة على القلب الواهن، وفي اللحظة التي كان لاواعياً، وكان "لاوعيه يقاوم الموت". وهي لحظة عسيرة قارَبَها شعريّاً في قصيدته المدهشة "جداريّة"، ويعود في هذا النص ليقاربها "نثرياً" من داخل تجربة المحكي الشعري. شخصياً، لم أقرأ هذه اللحظة فقط باعتبارها لحظة محنة جسديّة لشاعر صديق، وإنما كلحظة كانت لها أرجاعها وتأثيرها على القصيدة وعلى المشروع الشعري ككلّ لمحمود درويش. وهو نفسه لم يكتبها من باب توثيق الألم، وإنما لإضاءة نص شعري كتَبَه... وربّما نص شعري آخر لم يكتبه!
ولم ينحرف وعي الشاعر بالموت إلى الفكرة الخاطئة عن الموت. كما أنه لم يفلسف "موته"، وإنما عامله باحترام كشاعر له حصانة اللغة والصورة والإيقاع، وكإنسان هش... تهمّه الراحة ولا يتمناها راحة أبدية. جميل أن ننظر إلى موتنا. هكذا، العين في العين. نصافحه ونعيد معه الجدولة (مثل بنك نعيد معه جدولة الديون!). وحين نُسأل عنه، عند عودتنا الطارئة إلى الحياة بعد سفرنا الطارئ إلى الموت، نقول كما قال الشاعر في نصّه: "أن ترى كما لم ترَ من قبل. أن ترى الضوء أبيض والغيم أبيض والهواء أبيض. أن تخرج من جسدك. ولا تتذكر متى خرجت من جسدك لأنك لا تتذكّر أنك كنت في جسد. أن تعود إلى أوَّلِكَ فيما أنت ذاهب إلى آخِرك. أن تنام ولا تعلم أنك نائم. أن تخرج من الزمان ومن الشكل" (ص. 112). ولذلك، يقال للشاعر - وقد عاد ناجياً من حادثة الموت إلى حادثة الحياة - "أصرخ يا صاحبي، لأعرف أنك حي"، وكأننا بصدد صرخة الميلاد، تلك التي يصرخها الوليد وهو يلتحق لأول مرّة بضجيج الأرض: "... وعلمت فيما بعد أن صرخة الألم كانت دليل عودتك إلى الحياة التي تبدأ وتنتهي بصرخة. وسألت: أين كنت إذاً؟ فقيل لك إن الموت قد اختطفك لمدة دقيقة ونصف الدقيقة، وأن صدمة كهربائية قد أعادتك إلى الحياة" (ص. 113).
هكذا نفهم أن "في حضرة الغياب" محكيٌّ شعري عن لحظة مضاعفة كان الشاعر خلالها في الحياة وفي غيبته في الآن نفسه. إنها القصيدة هنا هي التي تكتب سيرتها كأن "الموديل" ينوب هنا عن الرسام فيرسم نفسه في اللوحة! كتابة درويش في هذا العمل تحقق مستوى نموذجياً لمحكي شعري في النثر (كما سبق لدرويش أن حقق المحكي الشعري النموذجي في الشعر). وهو في هذا "الموديل" النثري، مثلما في كلّ محكي شعري نثري ناجح، يحقق "شكلاً من أشكال المحكي يستعير من القصيدة وسائلها في الفعل ويحدث آثارها" كما يؤكد جان إيف تاديي (كي أستأنس مرّة أخرى بمختصّ). ودرويش في هذا النصّ، ينأى عن توسل "التخيّل" لأن الواقع الذي عاشه وفّر له (ولكتابته) أقصى إمكانات التخيّل التي لا تحتاج معرفة بلاغيّة لتحقيقها، بل يكفي أن "يموت" الشاعر قليلاً (لمدة دقيقة ونصف دقيقة) ليعثر على تخيّلات تتخلق في جسده وفي هاوية ألمه. ومن ثمّ لم يكن الشاعر في حاجة إلى استثمار عنصر التخيّل الذي تنهض عليه الكتابة الروائيّة، وإنما اكتفى بطرائق السرد التي توفرها القصيدة، وتحديداً قصيدة النثر، وتمكّن من أن يعثر على الإيقاع الملائم كي يجنّب كتابته تلك المواجهة المفترضة في كلّ محكي شعري، بين الوظيفة المرجعيّة (الإحاليّة) بما قد توفره من إمكانات الاستعادة والتشخيص، والوظيفة الشعريّة بإمكاناتها الذاتيّة على مستوى اللغة والصورة والإيقاع... وما إلى ذلك. بل يمضي درويش بعيداً في تمسّكه بما توفره شعريّة القصيدة لشعريّة النثر، عبر الاشتغال بنظام كامل من التعارضات والتناظرات والاسترجاعات والتصاديات، بل واستثمار بعض التوازيات الدلاليّة والتقابلات بين وحدات المعنى (أمكنة وعواصم وروائح وأحداث ووجوه وأفكار... إلخ). وأكثر من ذلك، وصل بمحكيّه الشعري إلى حدّه الأقصى في مقاطع تفعيليّة ختم بها بعض فصول الكتاب، ناهيك عمّا يمكننا العثور عليه من وفرة في الصور والجمل الموسيقية والمصوتات، في سرده النثري، مع أنها عناصر من مقوّمات القصيدة كما نعلم.
5
إلى جانب الأهمية التي يكتسيها شكل البناء في هذا النصّ القائم على تركيب الشعري والنثري، واعتماد المحكي الشعري على مستوى التجنيس، فإن لثيمة الغياب هيمنة دلاليّة وجماليّة تخترق النصّ في كلّيته، وفي سيرورته الحكائيّة، وكذا على مستوى سرديته التي حكمتها تقنيّة الصوت المضاعف من البداية إلى النهاية.
والغياب في هذا النصّ هو اختبار للفقدان الشخصي أساساً، بالرغم من أنه غياب يستحضر كلّ أنواع الغياب الأخرى للشاعر، فثمة غياب المكان الأثير، غياب اللحظة المثلى، غياب الآخر المنشود، لكن أقصى (أقسى) غياب في النصّ هو غياب الذات: أن تكون هذه الذات هنا فيما هي ليست هنا. أن تكون في الحياة فيما هي في الموت أيضاً. وأن تكون في الموت (لمدّة دقيقة ونصف الدقيقة) فيما هي كانت ما تزال ذاتاً محسوبة على الحياة وتنتسب إليها.
من هذه الفكرة، فكرة الشاعر الأصليّة التي لم يعثر عليها في مرجع قرأه أو لدى شخص آخر حدّثه، من هذه البذرة الملتهبة التي استخرجها الشاعر من حمأة اللحظة الجسديّة العنيفة التي عبرها، انبثقت آليّة التضعيف الصوتيّ التي قلنا إنها حكمت كليّة هذا النصّ الاستثنائي الفاتن. يفتتح محمود درويش محكيه، بالكشف منذ انطلاق النص عن أوراقه: "سطراً سطراً أنثرك أمامي بكفاءة لم أُوتَها إلا في المطالع/ وكما أوصيتني، أقف الآن باسمك كي أشكر مشَيِّعيك إلى هذا السفر الأخير، وأدعوهم إلى اختصار الوداع، والانصراف إلى عشاء احتفالي يليق بذكراك/ فلتأذن لي بأن أراك، وقد خرجت مني وخرجت منك سالماً كالنثر المصفّى على حجر يخضرّ أو يصفرّ في غيابك" (في حضرة الغياب، ص 9).
هكذا يقتسم الشاعر مع ذاته (مع صوته الآخر) الحصص والمسافة والأشياء (صوته الآخر إلى حياة أخرى وعدته بها اللغة، وهو إلى موت كان قد وعده بكأس نبيذ في إحدى قصائده) وهو يحضر حضوراً مضاعفاً (حضورين اثنين)، يحضر في الحياة ويحضر في غيابها. والغياب، أن تخلص للغياب أيضاً، ألا تغدر به (فلا شيء يهين الموت كالغدر، ص 10). الغياب هو الموت، هنا في هذا الكتاب، حيث يكون الشاعر حيّاً ويكون أيضاً مسجّى في الكلام.
إنه غياب لا يشبه أي غياب آخر، وبالخصوص لا يشبه كلّ أنواع الغياب التي اعتدناها تملأ القصائد وتضجّ بها الأغاني وأناشيد الحبّ، وحتى أناشيد الموت (المراثي والتعازي). فلا هو غياب شخص قد يعود، ولا هو موت شخص جدير بالرثاء، وإنما هو خطاب عن شخص فقد نفسه، أو بالأحرى هو تأمّل رجُل حيّ في جسده المسجّى أمامه! في هذا الغياب القاسي، الغياب التراجيدي، لا أحد يغادر ليبقى آخر في انتظاره (كما في قصص الحب وقصائده!). إنها قصّة أو قصيدة ذاتٍ تخرج من ذاتها، فلا تبقى ولا ترحل. وإنما هي هنا وليست هنا في آن واحد. لذلك، يراوغ الشاعر غيابه محوّلاً التفاوت القائم بين "ذهابه" من الذات و"إيابه" إليها، فينتج إيقاعاً آخر "فاتحاً مشهد اللغة" ليستولد اللغة من الغياب (بارت، شذرات من خطاب عاشق). وبالتالي، يصبح الغياب منتجاً للمعنى، بؤرة نشيطة يتمركز حولها الانشغال الأساس للنصّ. ذلك الانشغال الذي يشغل عن أي شيء آخر، أي أن ثمة، بالمعنى البارتي، إبداعاً لخيال متعدّد الوظائف يستدعي كلّ الارتيابات والرغبات والاكتئابات في شكل إخراج لغوي mise en scène langagière عادة ما يبعد الموت عن الآخر (الغائب) في أنواع الغياب الأخرى السائد. وهو في هذا النصّ تحديداً يبعد الموت عن الذات، ومن ثمّ فمراوغة الغياب (استعماله) هي أن تمنح امتداداً للحظة الغياب التي لم تستغرق أكثر من دقيقة ونصف الدقيقة في الواقع، لتجعلها أكثر رحابة كي تستوعب حياة كاملة ومكثّفة. والغياب في "حضرة الغياب" يتجلّى لنا في وصفه غياباً "لا مرجع له". فهو غياب يتحقق من دون أن يتغيب أحد عن أحد كي يكون ثمة أيضاً مرجع للخطاب حول الغياب. ولذلك، فهو غياب في ذاته، كما يمكن أن يكون الشعر في ذاته، أي أن وظيفة الغياب في هذا النصّ هي بامتياز وظيفة شعرية.
في هذا الكتاب الجميل، نحن في حضرة غياب لا يقول إلا ذاته. ومعناه، أننا في صدد شعرية أعمق وأكبر من بؤس بعض القراءات النمطيّة. شعريّة ليست في حاجة إلى من يحاسبها أو يحاكمها بمعايير النثر أو الشعر أو الوزن العروضي أو الوطن أو المقاومة أو البندقية (وذلك كلّه، لا يحتاج فيه محمود درويش لا إلى دروس ولا إلى شهادة من أحد)، وإنما هي شعريّة جسورة تحتاج فقط إلى شعريّة قراءة عاشقة، شغوفة بالجمال، منتصرة للإنسان وللحياة.
إن هذا الكتاب يفتح أفقاً جديداً أمام شعريّة محمود درويش، ويمنحه إمكانات أخرى لإبداع خطاب شعري ينتصر باستمرار على نفسه.
****
"العنوان يعلو النصّ ويمنحه النور اللازم لتتبُّعه"
جاك دريدا
عتبة القراءة
تنبثق أهمية "العنوان" - سليل العنونة - من حيث هو مؤشّر تعريفيّ وتحديديّ، ينقذ "النصّ" من الغفلة، لكونه، أي العنوان، الحدّ الفاصل بين العدم والوجود، الفناء والامتلاء. فأن يمتلك النصّ اسماً (عنواناً)، هو أن يحوز كينونةً، والاسم (العنوان)، في هذه الحال، هو علامة هذه الكينونة: "يموت الكائن، ويبقى اسمه". من هنا، المشقّة التي ترمي بثقلها على المسمّي أو المعنون، وهو يقف إزاء النصّ - الغفل بقصد عنونته وتسميته، فيستبدل العنوان إثر الآخر، كما لو أن العناوين مفاتيح لباب النصّ الموصد، إلى أن يرتضي النصّ عنوانه، ويفلت من العماء، ويستكين إلى ألفة الوجود، ويحوز هوّيته.
هذه الخطورة الأنطولوجيّة الجسيمة التي يتمتّع بها "العنوان"، هي التي لفتت انتباه الباحث، وفرضته موضوعاً للدراسة الراهنة، من حيث إن "العنوان" يعدّ أخطر البؤر النصّيّة التي تحيط بالنصّ، إذ يمثّل العتبة التي تشهد عادةً مفاوضات القبول والرفض بين القارئ والنصّ، فإما عشقٌ ينبجس فتقع لذّة القراءة، وإمّا نكوصٌ ليتسيّد الجفاء مشهدية العلاقة. فالعنوان هو الذي يتيح أولاً الولوج إلى عالم النصّ والتموقع في ردهاته ودهاليزه، لاستكناه أسرار العملية الإبداعيّة وألغازها. هكذا يعرّف "العنوان" النصّ، بتسميته وتحديد تخومه، ومجاله، ثمّ يقتنص قارئاً له، ليدقّ، من ثمّ، نواقيس القراءة، فتشرع عوالم النصّ بالتكشّف والتقوّض في فعل القراءة.
تفرض قصيدة "يطير الحمام" لمحمود درويش اختيارها على الباحث من ضمن النصوص الحداثية العربية المتميّزة، لتكون مثالاً ساطعاً على استراتيجية العنوان في الكتابة الشعريّة وعلاقته بالنصّ من حيث إنّها، وتبعاً لمنظور القراءة، تمثّل نموذجاً للقصيدة الطويلة نسبياً من جهة، ونموذجاً للعنوان الفعلي من جهة أخرى، وإلى جانب هذا وذاك تتمتّع القصيدة بلغة شعريّة عالية، لتغدو "بنيةً منزاحةً" ليس فحسب عن اللغة الاستعماليّة، وإنّما عن اللغة الشعريّة السّائدة، فضلاً عن انبنائها وفق تقنيات متنوّعة: التّفاعل التّناصي مع "نشيد الإنشاد" بصورة رئيسة، الصورة البلاغيّة المربكة للقراءة، بتأسيسها لفجوات ومراوغات ليس من السهولة ملؤها وتصيّدها في الفعل التّأويلي، وكذلك إدخال البعد البوليفوني الذي أتاح للنصّ أن يزخر بأصوات متعدّدة: الكورس، العاشق، العاشقة، الراوي. تشابك هذه الأبعاد يضع المتلقّي إزاء نصّ شعريّ خطير ينذر قارئه بلذّة على وشك الانفجار.
1 ـ مستوى البنية:
ما يلفت الانتباه في هذا العنوان ("يطير الحمام") انبناؤه وفق صيغة فعليّة، أي ابتداؤه بـ"فعل"، وليس ثمة من غرابة مقلقة في الأمر إذا تصفّحنا ديوان محمود درويش إذ تطفح عتبات العناوين بالصيغ الفعليّة. فعلى سبيل المثال، وضمن خرائطيّة فهارس مجموعاته الشعريّة، تتدفّق على المتلقّي العناوين الفعليّة الآتية:
"سنخرج، نزل على البحر، يكتب الراوي: يموت، أسمّيك نرجسةً حول قلبي، سأقطع هذا الطريق، تضيق بنا الأرض، نسير إلى بلد، نسافر كالناس، أقول كلاماً كثيراً، يحقّ لنا أن نحبّ الخريف، يعانق قاتله، سيأتي برابرة آخرون... إلخ"، وإذ نستحضر هذه الصيغ الفعليّة للعنوان لدى محمود درويش - ومثلها الكثير من العناوين الحداثيّة وما بعد الحداثيّة في الشعر العربي - إنما لتتمّ الإشارة إلى أن للعنونة الأحقّيّة في استيلاد عناوين من خلال الصيغ الفعليّة، مثلها مثل الصيغ الاسمية، بل إنها في حضورها تؤدّي وظيفةً مزدوجةً في اشتغالها كعتبة للنصّ: وظيفة التسمية، من حيث أنها تعنون النص، أي تمارس التعيين والتحديد، فترسم خطوط كينونة النصّ وفضاءه، أي أنها تتقمّص "الاسميّة" عنواناً للنصّ، وفي الوظيفة الأخرى تسعى "الصيغة الفعليّة" إلى تحطيم هيمنة الصيغة"الاسميّة" ، في احتكارها للعنونة وسيطرتها الأبديّة على أبنية العناوين، وبهذا الشكل يدشّن "العنوان" اختلافه عن "الاسم العلم" في تبنّيه الصيغة الفعليّة.
وإذا كان الأمر كذلك، فلنمضِ باتجاه أسرار بنية العنوان: "يطير الحمام":
على المستوى التّركيبي يتمظهر "العنوان" في مركّب فعليّ، أي تلك "الهيئة التّركيبيّة المبدوءة في الأصل بفعل تام" ، مشكّلاً بذلك مركّباً إسنادياً في شكل "جملة بسيطة" من حيث أداؤها لفكرة مستقلّة، مكتفيةً بذاتها: طيران الحمام. غير أنّ ميزة العنوان ("يطير الحمام") هنا، قائمة على اشتغاله بصيغة الفعل المضارع: "يطير = يفعل"، وبذلك يدشّن حدث "الطيران" في الزمن الحاضر المستمرّ، بما تدلّ عليه صيغة "يفعل" صرفيّاً وسياقيّاً، وهكذا بتعاضد ذلك مع دلالة الجمع التي يختلقها فاعل الجملة من خلال اسم الجنس الجمعي، يستحوذ العنوان بقوّة على متلقّيه، بإدخاله في مشهد بصريّ حيّ، ليستنطق المشهد بأسئلة من مثيل: إلى أين يطير الحمام؟ لماذا يطير؟... إلخ، وهنا تتحقّق وظيفة العنوان في كونه المنجم الذي لا ينفكّ عن إنتاج الأسئلة، ليدفع بالمتلقي وراء الأجوبة، فيلج متاهة النصّ، ليكون "الطعم" الذي يرميه "الشاعر"، ويغوي القارئ تمهيداً لاصطياده.
أما على المستوى المعجميّ، فينتظم العنوان في حقل دلاليّ وفق علاقة الاشتمال ما بين مفردتَي "الحمام" و"يطير"، حيث "الطيران" سمة دلاليّة من سمات "الحمام". غير أن المعنى الدّلالي لا يتميّز إلا بمقابله التضادي في معنى أن الفعل "يطير" يستدعي على الفور فعلاً مضاداً لـه "يحطّ"، وهكذا ينبني الحقل الدلالي - فضلاً عن علاقة الاشتمال بتضمّن مفردة "الحمام" للفعلين "يطير، يحطّ" - على علاقة التّضادّ الناشبة بين الفعلين "يطير، يحطّ"، وهو تضادّ اتجاهي Directional opposition تتضح معالمه من خلال المربّع السيميائي :
|
يطير |
تضادّ |
يحطّ |
|
|
|
لا يطير |
تحت التضادّ |
لا يحطّ |
وهكذا يدخل الفعل "يطير" دلاليّاً في جملة علاقات يتحدّد بها معناه:
- علاقة تضادّ: يطير - يحطّ.
- علاقة تناقض: يطير - لا يطير.
- علاقة تداخل: يطير - لا يحطّ.
- علاقة ما تحت التضاد: لا يحط - لا يطير.
بناءً على ما تقدّم من علاقات، يتبنّى العنوان العلاقة التضادّية التي تسمطق حركة "الحمام"، بجعلها حركةً ذات مغزى ودلالة نتيجةً لما ينجم عنها من تناسل ثنائيات تضادّية، يترتّب بعضها عن بعض: السماء
الأرض، الصعود
الهبوط، الأعلى
الأسفل، وكلّها ثنائيات مشحونة بالقيمة والتفاضل تسم الثقافة التي أنتج فيها النصّ، فالكيانات المتصارعة محمّلة بأبعاد ثقافيّة ودينيّة ونفسيّة سوف تتجلّى في الانعطافات اللاحقة لفعل القراءة.
إذا كان هذا حال المستوى المعجمي للعنوان بعلاقاته الدلاليّة فكيف يتجلّى مجازياً؟ وفي معنى آخر، كيف يتحرّك العنوان ("يطير الحمام") من التدليل على حدث يوميّ إلى كونه بنيةً سيميوطيقيةً لا تتقن سوى التشظّي، والشطب والاختلاف؟
وسوف ننظر إلى العنوان في مستواه المجازي من خلال مفهومَي "الاستعارة" و"الرمز"، ولنبدأ بالعنوان في وصفه بنيةً استعاريةً. إلى ذلك، وفي قراءة للاستعارة، يقول بول ريكور: "إن الاستعارة ليست تزويقاً لفظياً للخطاب. بل لها أكثر من قيمة انفعاليّة، لأنها تعطينا معلومات جديدة. وبوجيز العبارة، تخبرنا الاستعارة شيئاً جديداً عن الواقع"، فما الشيء الجديد الذي تبوح به استعاريّة العنوان؟ تستند القراءة في تأويلها للبنية البلاغيّة للعنوان على الكائنات النصيّة الحاضرة والغائبة بالتكافؤ المعجمي بينها عبر المشابهة. وهذه العناصر هي:
ـ الحمام
عاشق وعاشقة.
ـ [ يطير
يحطّ
] فعل الحب.
لكن كيف يمكن تسويغ هذا التأويل؟
استناداً إلى هذه التكافؤات المعجميّة، يستبدّ العنوان بعنصريه موقع "المشبّه به"، والعناصر المكافئة لها موقع "المشبّه"، وبذلك يندرج العنوان استعاريّاً في ما يسمّى بـ"الاستعارة التصريحيّة"، حيث يصرّح بـ"المشبّه به" وتغييب "المشبّه" الذي يتقمص كينونة "المشبّه به"، يقول الجرجاني: "فالاستعارة: أن تريد تشبيه الشيء بالشيء، فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره، وتجيء إلى اسم المشبّه به، فتعيره المشبّه، وتجريه عليه"، ولكون الأمر كذلك، يتلبّس اللغز الاستعارة، وهنا تنهض القرائن السياقيّة في تفكيك لغزية الاستعارة. غير أن العنوان "يطير الحمام" يفتقد إلى هذه القرائن، ومن هنا نلجأ إلى السياق العام أقصد السياق الثقافي، وما يقدّمه من مؤشرات تدعم الزعم الذي نطرحه هنا. وفي هذا الإطار تقدّم لنا كتابات الجاحظ تماثلات بين "الحمام" و"الناس"، فمن أولى بروتوكولات العلاقة بين الإنسان والحمام: الحب "ومن مناقب الحمام حبّه للناس، وأنس الناس به"، وفي موقع آخر: "ومن كرم الحمام الإلف والأنس والنزاع والشوق. وذلك يدلّ على ثبات العهد، وحفظ ما ينبغي أن يحفظ، وصون ما ينبغي أن يصان..."، كما يشير الجاحظ إلى تقاطعهما (الحمام والناس) في الشهوة: "وفي الإنسان ضروبٌ من القوى: أحدها فضل الشهوة، والأخرى دوام الشهوة في جميع الدهر، والأخرى قوّة التصنع، وأنت إذا جمعت خصاله كلها كانت دون قوّة الحمام عند فراغه من حاجته وهذه فضيلة لا ينكرها أحد، ومزية لا يجحدها أحد!"، لكن المشابهة تبلغ الذروة في ما يورده الجاحظ من حديث أحد أئمة الحمام: "لم أرَ شيئاً قطّ في رجل وامرأة إلا وقد رأيت مثله في الذكر والأنثى في الحمام" . هذه البيانات كمؤشّرات قرائيّة تقودنا إلى القول: إن العنوان ("يطير الحمام") يفيض عن معناه الحرفي إلى معناه المجازي، بالانتقال من المشهد البصري الاعتيادي لطيور الحمام إلى مشهد يخصّ كائنات إنسانيّة بامتياز، وبذلك تنسف الاستعارة العلاقة العرفيّة بين الدالّ = يطير الحمام، و المدلول = المشهد البصري لطيران الحمام، ليغدو الدالّ عاشقين والمدلول مجامعةً جنسيةً، فالاستعارة تفتح فجوةً بين الدّال ومدلوله العرفي و"كأنها طعنةٌ انتقاميةٌ خاطفةٌ" للتداول العرفي للعلامة اللغويّة.
لكن ما الذي يطرأ على العنوان ("يطير الحمام") بانتقاله من مجال الاستعارة إلى مجال الرمز؟
المجال الرّمزي هو الذي يتضاعف فيه "العنوان" دلاليّاً ويتعدّد، وتشطب فيه الدلالة السابقة لحساب الدلالة الراهنة، والأخيرة لمصلحة دلالة قادمة برسم الانبثاق، وبذلك ينفلت "الرمز" من سطوة السياق النصيّ وقرائنه - على عكس الاستعارة - لتغدو "العلامة - الرّمز" كائناً هائماً على وجهه، تراوغه المدلولات، وليس لـه عندئذ سوى ممارسة لذّة الانزلاق ومتعته. وحتّى تحيط القراءة بهذه الدلالات المرتقبة دون محاصرتها، يمكن تقديم الترسيمة الآتية:


 |
مشهد جنسي |
 |
| السماء |
الأرض |
| الصعود |
الهبوط |
| الأعلى |
الأسفل |
| |
|
رمزياً، وفي مستوى أوّل، ينذر العنوان ("يطير الحمام") بخطر داهم، وبذلك يتقمّص العنوان لافتة إنذار، فالطيران - وبخاصة بالنسبة إلى طائر أليف مثل الحمام - لا يحدث إلاّ باضطراب يقع في موطنه، وفي هذا الإطار يستقطب الفعل "يطير" ما يعضد هذه الدلالة من حيث مراكمته لدلالات: الفزع والخوف (طار قلبه)، والاضطراب (طارت نفسه) وما يرتبط بذلك من بلبلة وشرّ وتشاؤم: التطاير: "التفرّق والذهاب، (...) والطائر: ما تيمّنت به أو تشاءمت وأصله في ذي الجناح. (...)، والطائر الحظّ من الخير والشر" ، وبذلك يكون "طيران الحمام" مؤشراً على فأل سيء، ومن هنا المماثلة بين الشؤم والطير في الثقافة العربية: "وقيل للشؤم طائرٌ وطيرٌ وطيرةٌ لأن العرب كان من شأنها عيافة الطير وزجرها، والتطيّر ببارحها ونعيق غرابها وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها، فسمّوا الشّؤم طيراً وطائراً وطيرةً لتشاؤمهم بها" . وفي مستوى ثانٍ، وإذا أخذنا بالحسبان الدلالة الاستعاريّة للعنوان، يرمز العنوان إلى الخفّة والطيش، أليس العشق موصوفاً بهاتين الصفتين؟ نظراً لارتباطه بنوازع الكائن وأهوائه: "وفي فلان طيرةٌ وطير وطيرورةٌ أي خفّةٌ وطيشٌ، (...). وفي الحديث إيّاك وطيرات الشباب، أي زلاّتهم وعثراتهم" ، وما العشق وما يترتّب عليه إلاّ هذه الزلات التي يتصف بها الكائن في أوجه، وهكذا يختلق "العنوان" في رمزيّته الثقافيّة دلالات القلق والتفرّق، وما يرتبط به من تشاؤم، والطيش وما يتركه من متعة وسعادة في نفس الطائش.
وتمعن "العلامة - الحمام" في ارتكاب دلالات أخرى، إذ ترمز "الحمامة" إلى السلام "حمامة بيكاسو" ، وما تفترضه هذه الدلالة من علاقات الوئام بين الشعوب بعيداً عن ضجيج الحروب والقتل. غير أن "الحمامة" ترتبط في الثقافة الشرقية بـ"البش