لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة

جهة الأسبوع



































 

المحاور السبعة في «بوصلة الدم»
(دراسة معجميّة تحليليّة)

بقلم: عقل العويط
(شاعر وناقد لبناني)

«بوصلة الدم» قصيدة ضمير سياسي. إنها مأساة الحرب والموت والانكسارات الخاصة والعامّة كما سنرى. وإذا كان الشاعر بول شاوول قد حلّق في أحلامه العالية، في الفترة التي سبقت هذا الكتاب، وأخصّه من خلال انتمائه القيادي إلى «حركة الوعي اللبنانية» (نشأت 1968) ذات الاتجاه الاستقلالي، فإن الحرب جاءت لتطوي هذه الأحلام، وتُدخل الشاعر في متاهات الانكسارات الداخلية العميقة، التي كانت قصيدة «بوصلة الدم» إحدى علاماتها الشعرية الأساسية. في ما يلي دراسة معجمية تحليلية لهذه القصيدة، وهي جزء من أطروحة دكتوراه في اللغة العربية وآدابها (جامعة القدّيس يوسف 1984)، تناولت ثلاثة دواوين شعرية هي على التوالي: «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع» لأنسي الحاج، «بوصلة الدم» لبول شاوول، «سنجاب يقع من البرج» لشوقي أبي شقرا. لكن لا بدّ في البداية من شرح المنهجية المعجمية التحليلية التي قامت عليها هذه الدراسة.
لم تكن المنهجية واضحة في الذهن منذ بداية العمل، بل هي حصيلة استقراء واختبار واستنتاج، انطلقت من بعض المعطيات النظرية والتطبيقية التي جاء بها الناقدان بيار غيرو (1) Pierre Guiraud ومونيك باران (2) Monique Parent. وتتأسس هذه المعطيات على الإحصاء الذي يفسح في المجال لتحديد دقيق للمعجم وعناصره المتنوعة.
وقد أخضعنا الإحصاء لمجموعة من القواعد الأساسية التي وضعها بريل وجاكوب لاندو (3) Jacob Landow، ليكون المنطلق مستنداً إلى أسس رصينة تمكن من الوصول إلى الغايات المرجوة.
وأبرز القواعد الاحصائية التي اعتمدناها ورأينا أنها تفيدنا في عملنا هي الآتية (مع ادخال بعض التعديلات والإضافات التي تنسجم مع خصوصيات هذا العمل):

  1. تُسجّل كل كلمة (ونعني بالكلمة اللفظة المفردة، سواء أكانت فعلاً أم اسماً أم حرفاً) بما فيها الكلمات الأعجمية وأسماء الدول، وتسجّل أيضاً الأسماء الخاصة، كأسماء الأشخاص أو المدن أو ما شابه ذلك.
  2. تُسجّل الأسماء مفصولة عن الضمائر المتصلة بها، وذلك في حالة المفرد تسهيلاً للفائدة، مثاله: «يده» تصبح «يد».
  3. تُسجّل النعوت بالمفرد المذكّر، ففي جملة «المنحدرات الأزلية» تسجّل «الأزلي» عوض «الأزلية».
  4. تُسجّل جميع الأفعال على أصلها ووزنها بصيغة الضمير الغائب المفرد المذكر الماضي. مثاله: فعل «نقلوا» يسجّل «نقل»، «ينتقلون» و «انتقلت» و«انتقلتما» تسجّل «انتقل». وكذلك يسجّل كل فعل من دون ذكر حروف الجر المتعلقة به، مثاله: «أعرب عن» تسجّل «أعرب».
  5. يُسجّل كل من اسم الفاعل واسم المفعول بشكليهما في المفرد المذكر، إذا أتيا بمعنى الاسم. مثاله: «كاتب» (بمعنى مَن مهنته الكتابة) ومكتوب (رسالة) تسجّلان كما هما. أما إذا جاءا بمعنى الفعل فيسجلان بضمير الغائب المفرد المذكر الماضي. مثاله: كتب.
  6. أسماء الفاعل والمفعول التي ترد بمعنى النعت تسجّل في المفرد المذكر: مثاله «الرجال القادمون» تسجل «القادم».
  7. تُسجّل المصادر مجردّة من الضمائر المتصلة مثلاً: «احترامه» تسجّل «احترام».
  8. تُسجّل حروف الجر كما هي، مجرّدة من الضمائر المتصلة. مثلاً: «عليكم» تسجّل «على».
  9. تُسجّل أسماء الإشارة مثل «هذا» أو «ذاك»، كما هي وعلى صيغتها.
  10. تزاد «أل» التعريف على المصادر والنعوت وأسماء الفاعل والمفعول، منعاً لوقوع الالتباس بينها وبين الأفعال والظروف وأسماء العلم والبلدان والمدن. مثلاً: «ولد» تسجّل «الولد»، «أزلي» تسجّل «الأزلي»، «قاتل» تسجّل «القاتل»، و«مقتول» تسجّل «المقتول».

وقد انطلقنا من هذه القواعد، ووضعنا قائمتين لمجموع الكلمات في النص. وتعتمد القائمة الأولى على الإحصاء الألفبائي، حيث أدرجنا جميع الكلمات ضمن الترتيب الألفبائي للأصول العربية (4). وسجّلنا إلى جانب كل كلمة أماكن ورودها في الصفحات والأسطر، بغية الإحاطة بتفاصيل تراكيبها وسياقاتها المختلفة.
أما القائمة الثانية، فتعتمد على ترتيب الكلمات الموجود في قائمة الإحصاء الألفبائي، وذلك بحسب نسب تواتر كل كلمة. فوضعنا الكلمات التي ترد مرة واحدة في لائحة، والكلمات التي تتكرر مرّتين في لائحة ثانية، والتي تتكرر ثلاث مرات في لائحة ثالثة، وهكذا دواليك إلى أن انتهينا منها كلها.
وتعتمد هذه الطريقة على إحصاء كلمات النص كلها، من خلال العودة إلى أصول كل كلمة في المعجم، إحصاء ألفبائياً شاملاً، للوصول إلى معرفة تواتر كل كلمة فيه، وتحديد مجموعة الكلمات الأكثر تواتراً.
وتفترض هذه المنهجية شروطاً، يدخل ضمنها تحديد العدد الشامل للكلمات ذات المعنى في النص (5)، كما يدخل ضمنها وضع الأدوات التي لا معنى لها بذاتها (6) (outils)، خارج تحديد العدد الشامل. كما تفترض هذه المنهجية أيضاً تحديد عدد الكلمات المتغايرة (7) (différents)، ورصد مجموعة الكلمات الواردة مرة واحدة (8)، للتمكن من دراسة غنى المعجم وتمركزه وتبعثره (richesse, concentration et dispersion)، بواسطة مجموعة من القواعد والشروط الموضوعية: فللوصول إلى غنى المعجم مثلاً، يصار إلى دراسة النسبة بين عدد الكلمات المختلفة (différents) في النص، وبين الجذر التربيعي لمجموع الكلمات التي يتألف منها (9). وهذه النسبة تقع في حوالى 20.5 في معجم عادي يضم بين خمسة آلاف وعشرين ألف كلمة. ويجب الحكم على الغنى النسبي من خلال هذا الرقم (10). لكن عدد كلمات هذا النص أقل من خمسة آلاف، فيجب والحالة هذه الاستناد إلى نسبة ملائمة لعدد هذه الكلمات. وللوصول إلى تمركز المعجم، يصار إلى رصد نسبة تواتر الكلمات الخمسين الأولى الأكثر استعمالاً، التي تنطوي بالضرورة على معنى محدِّد بذاتها. إذ نحذف من هذه الكلمات، تلك التي لا معنى لها بذاتها (outils). فتمركز المعجم هو قيمة مطلقة تدلّ على النسب التي يردد فيها الكاتب كلماته. وتحتلّ الكلمات الخمسون الأولى، عادة، نسبة 9% من مجموع الكلام، كما تشير إلى ذلك الناقدة مونيك باران (11).
وتمكّن هذه الطريقة الإحصائية من تحديد النسب المئوية لعناصر المعجم، من أفعال وأوصاف وأسماء وظروف وأدوات، حيث يمكن بالتالي، الوقوف على أهميتها الذاتية وخصائصها العامة.
ولم تكن غايتنا من هذه المنهجية الاحصائية دراسة هذه العناصر في نسبها المئوية، واستخلاص أهميتها وخصائصها، بل انصرفنا إلى دراسة التكرار كظاهرة مميزة تمكّن من القبض على الكلمات المفاتيح التي تضيء النص وتسهّل الدخول إلى عوالمه الخاصة في دلالاتها المتنوعة. واعتبرنا أن الكلمات المفاتيح هي التي يشكّل تكرارها ظاهرة مميزة، وبناء على ذلك، اعتبرنا أن الكلمات الخمسين الأولى في النص هي الكلمات المفاتيح.
وقد عمدت الناقدة باران في كتابها عن سان جون بيرس، إلى التفتيش عن الكلمات الثلاثين أو الأربعين الأكثر تكراراً في النص، بينما عمدنا نحن، إلى الانطلاق من الكلمات الخمسين الأولى (12)، ليكون تمثيلها أشمل لكل العلامات المتكررة في النصوص. باعتبارها المادة التكرارية الأولية التي سنستطيع بواسطتها تكوين وتحديد المواضيع أو المحاور التي يقوم عليها النص.
وفي هذا المجال يتحدث الناقد رولان بارت عن «الموضوع» فيقول إنه يتصف بـ«العودوية»، أي «أنه يتكرر على امتداد العمل الأدبي» (13).
ويقول جان بيار ريشار في المعنى نفسه إن «الاطرادية هي المقياس في تحديد الموضوعات» وإن «التكرار» «دليل على الهوس» (14).
ونعني بالموضوع مجموعة المفردات التي تنتمي إلى حقل لغوي واحد. والحقل اللغوي الواحد، يتألف من المفردات التي تجتمع على الاشتقاق والترادف والقرابة المعنوية (15).
وعلى هذا الأساس، سعينا، انطلاقاً من الكلمات الخمسين الأولى، إلى التفتيش في المعجم الذي تم إحصاؤه ألفبائياً وتكرارياً، عما يشكل مع هذه الكلمات أو مع بعضها، حقولاً لغوية واحدة، أطلقنا عليها اسم المحاور. ويشير جان بيار ريشار إلى هذه الناحية بالقول: «وعلى امتداد العمل الأدبي المكتوب، فإنه يجب أن تتحدد العناصر التي تتكرر بشكل ذي دلالة. ثم توضع هذه العناصر في مجموعات أو حقول شاقولية» (16).
وبالاستناد إلى هذه الطريقة، خلصنا إلى بناء محاور أساسية، وحدّدنا من خلالها، وبشكل واضح، أهم الموضوعات التي يتناولها النص. واعتبرنا أن المحور الرئيسي هو الذي تتردد مفردات حقله اللغوي بشكل يفوق مفردات الحقول اللغوية الأخرى» (17). واعتبرنا أن المحاور الأخرى هي المحاور التي تتردد مفردات حقولها اللغوية بشكل أقل من مفردات الحقول اللغوية الأخرى.
وكان لا بدّ من الانطلاق بهذه المحاور الأساسية إلى ما يتفرّع عنها من محاور جزئية وتفصيلية، حين دعت الحاجة إلى ذلك.
وقد وجدنا أن بعض الكلمات يدخل في أكثر من محور، «ذلك أن القدرة التي تحملها المفردة أحياناً، على الارتباط بأكثر من جانب من جوانب التحليل، هي التي تفرض ذلك» (18).
وإذا كان غريماس يرى أن في الكلمة «نويات ذرية» (19) تفيدنا في التحديد المبدئي للحقل اللغوي، باعتبار أن معنى الكلمة يبقى ثابتاً في هذا المجال، فإن هذا العالم يرى في «معنى» الكلمة «نويات نصية» (20) حيث تأخذ الكلمة هنا معناها النصي المحدد في مواقعها المختلفة.
وقد استفدنا من المعنى الذي تأخذه الكلمة في النص وعمدنا إلى تحليله، وذلك من ضمن ورود الكلمة في سياقاتها النصية المتعددة.
إن هذه المنهجية المتبعة التي أهملنا فيها الظروف الخارجية وانعكاساتها على العمل الأدبي، والتي ركزنا فيها كل اهتمامنا على النص «كشيء» و«ككائن مطلق الاستقلالية» (21)، قد مكنتنا من الوقوف على المعاني التي تنطوي عليها الكلمات في بادىء الأمر، ثم المعاني التي تنطوي عليها المحاور المختلفة، ثم الأفكار العامة التي يقوم عليها النص بمجمله.
وإذا كانت هذه المنهجية المعجمية التحليلية قد أتاحت لنا البحث في المعنى وعنه، فإننا نكون بذلك قد حققنا الغاية منها، وهي الكشف عن مجمل الخلفيات المضمونية التي يحملها هذا النص.
وإذا كنا اكتفينا من منهج غيرو وباران بالإحصاء ونتائجه الأولية، فلأننا كنا ندرك سلفاً، ومنذ البداية، أن اهتمامات هذا المنهج الرياضية لن تدخل في صلب تحليلنا وعملنا.
وقد كان لهذه المنطلقات الإحصائية الدقيقة من الأهمية، ما كفل لدراستنا المتواضعة هذه، القدر الوافي من الرصانة العلمية.

المحاور الأساسية
تحمل «بوصلة الدم» سبعة محاور أساسية، هي على التوالي بحسب نسب تواترها:
محور «الجسد» - محور «المكان» - محور «الرحلة والجمود» - محور «الزمن» - محور «الحلم والتخريف» - محور «الألوان» - محور «الموت الدموي».
وسنفرد لكلّ محور فصلاً خاصاً به.

15

14

11

10

9

8

7

6

5

الدم

الوجه

الحلم

المدينة

الرمل

النهر

الخيال

الحدود

الحجارة

 

 

 

اللحظة

الرحالة

الجدار

انتظر

البوصلة

الفصل

 

 

 

الشمس

المحاصر

الواحد

الأزلية

الجموع

الوطن

 

 

 

العين

 

الهواء

الأشرعة

اليد

الهاوية

 

 

 

 

 

النسيان

مات

الدمع

القامة

 

 

 

 

 

القبيلة

الكلمة

البحر

الأصداف

 

 

 

 

 

الريح

الجذر

العضو

الزمن

 

 

 

 

 

الحضور

الجسد

المعدن

الذكرى

 

 

 

 

 

 

الساكن

الصبح

 

 

 

 

 

 

 

 

الأسود

 

 

 

 

 

 

 

 

الموت

 

 

 

 

 

 

 

 

الغياب

 

 

 

 

 

 

 

 

الشعب

 

 

 

 

 

 

 

 

السماء

 

 

 

 

 

 

 

 

الأرض

 

الفصل الأول
محور «الجسد»

أ- محور «الجسد»: الجسد 7 - الجسم 2.
يشغل الجسد حيّزاً كبيراً من اهتمامات «البوصلة»، نظراً إلى مجموعة الكلمات الدالة عليه، أو على أعضاء منه، أو على عناصر تتصل به، والتي يصل مجموع تكرارها إلى 80 تواتراً، ترسّخ الدور الذي يقوم به «الجسد» في سياق حركة الديوان الأساسية. وسيتمحور تحليلنا حول الكلمات ذات التواتر البارز، ثم نربطها بما يناسبها ويأتلف معها في المحور نفسه، منطلقين من محور «الجسد»، ومنتقلين من ثم، إلى المحاور التفصيلية والعناصر، ضمن سياق تواتري متسلسل.
فـ«الجسد» هو الشكل الذي يُعطى الإنسان، ويتميّز بأنه الوسيلة الأساسية والسريعة التي يتمّ التعبير بواسطتها عمّا في الداخل. وإذا كانت «البوصلة» هي «بوصلة الدم»، كما نتبيّن ذلك من العنوان، فإن «الجسد» لا بدّ أن يكون شاهداً أساسياً على تحرّكها، ويظهر دور «الجسد» - الشاهد في شكلين: حسّي مادي، وروحي معنوي.
ويتمثّل الشكل الحسي لهذا الدور، في ما يتعرّض له «الجسد» من عنف وتشنيع ووجع، بينما يتمثل الدور المعنوي، في ما يتلقاه ويشعر به من آلام وأحزان، ليس لها شكل حسيّ معيّن.
ولا نستطيع أن نفهم حضور «الجسد» ومعناه في «البوصلة»، إلا من خلال ما يمكن استخلاصه من سياقاته، ومن المحاور التفصيلية المرتبطة به والدالة عليه.
إلا أن كلمة «الجسد» (22) التي تتكرر سبع مرّات، وتضاف إليها كلمة «الجسم» (23) التي تتكرر مرتين، تكتسب بعداً مفجعاً حين يحيطها النص، خمس مرات بكلمة «العاري». و«الجسد العاري» (24) هو الجسد الضعيف والمعرّض للمفاجآت الصعبة. إنه «الجسد» الذي لا حماية له، أي «الجسد» الذي تصيبه «الطعنة المظلمة»، فتغرز فيه وتؤذيه وتؤلمه، كما تقضي عليه كنتيجة حتمية لفعل الطعن نفسه، وذلك في الجملة الآتية: «كيف يقابل الجسد العاري بين البحيرات واللغات البيضاء الطعنة المظلمة» (25).
وتلتفّ «الأصابع المقطوعة» حول هذا «الجسد العاري»، فنكتشف أن الحماية التي تتوافر له، عبر طبيعة «الالتفاف» ونوعيتها، هي حماية مأسوية تؤكد صورة هذه «الأصابع المقطوعة»، وذلك في جملة تكمل السياق السابق:
«وليلتفّ الجسد العاري بأصابع مقطوعة» (26).
وتقترن عبارة «الجسد العاري» بعبارة «سماء مفجوعة» (27)، مما يكشف خصوصية الإطار المحيط بهذا «الجسد»، وهي خصوصية مفجعة ومؤلمة.
ويُعاد ربط «الجسد العاري» بكلمة «الطعنات» (28) التي تتكرر مرتين، فتترسّخ صورة العنف المتكررة، التي تؤكد سقوط «الجسد» تحت وطأة عريه والطعنات التي تخترقه وتقضي عليه. ويسترعي الانتباه أن هذا «الجسد العاري» يحضر في تكراراته الأربعة المشار إليها، ضمن سياق من الصفحات شبه متتالٍ (29)، مما يُبرز ظاهرة التمركز، ويُبرز في آن واحد، ارتباط هذا «الجسد» بـ«كيف» الاستفهامية التي تُظهر المرارة العميقة المرافقة لهذا الواقع المؤلم.
وإذا كان «الجسد» «ينفي عريه بالكلمات، ينحت حركاته بالدمع» (30)، فإن هذا النفي لا يجدي، لأن الكلمات لا تستطيع أن «تنفي» «العري» أو تمنعه، ولأن «الدمع» هو الشكل الذي تأخذه حركات هذا «الجسد».
في سياق آخر، يرتبط «الجسد» بـ«البوصلة» التي تُستعمل لمعرفة الجهات، لكنها هنا، تقترن بـ«الرصاص» الذي يتوجّه نحو «الأجساد» ليلغيها من خلال اختراقه لها، وذلك في الجملة الآتية:
«للأجساد بوصلة الرصاص» (31).
وحين يأخذ «الجسد» شكل «الأجسام المنهدمة تحت الشمس» (32)، يتأكّد لنا سقوطه في دوامة الموت التي تلغي إمكانية التوجه الجسدي نحو أي هدف متصل بالأمل والفرح، ما يساهم في الكشف عمّا ينطوي عليه هذا المحور من عناصر سلبية تتوحّد عبر حالة الموت.
هكذا يكتسب «الجسد» معناه الحقيقي من خلال «عريه». ولهذا فإن «البوصلة» التي تتحرّك باتجاهه هي «بوصلة الرصاص» القاتلة. ولا شكّ في أن هذه الجملة توضح المصير الثابت والأكيد الذي ينتظر الجسد المعدّ للقتل والموت.

ب - محور «الأعضاء»: العضو 6 - اليد 6 - الرأس 4 - الإصبع 4 - الرِّجل 2.
تبرز في سياق التحليل كلمة «العضو» (33) التي تتكرّر ست مرّات، وتؤلف، إلى جانب مجموعة من أجزاء «الجسد»، محوراً كاملاً، يلقي بعض الأضواء على خصوصيات المحور العام ودلالاته الخلفية. وإذا كانت كلمة «العضو» لا تؤدي معنى مميزاً في ذاتها، فإنها تحمل دلالات تشير إلى تعرّض «الجسد» للتشنيع والقطع والبتر. ويظهر هذا، حين ترتبط «الأعضاء» بـ«الهواء»، في الجملة الآتية:

«هواء مقسّم يهبّ
لكلّ عضو هواء» (34).

حيث «الهواء المقسّم» «يهبّ»، ويتفرع ليصيب كلّ «عضو» على حدة. و«العضو المقطوع» إشارة إلى العنف الذي يتعرّض له الجسد، عبر أعمال التجزئة والقطع والبتر. فلو توغّلنا في «الأعماق»، فإن في كلّ «عضو مقطوع» سينبت «عضو مقطوع» (35) آخر، ما يشير إلى سيطرة واقع القطع والبتر على الجسم الذي تنتمي إليه الأعضاء المقطوعة.
و«أعضاء» الجسد «مفصولة» (36) أيضاً. وهي أشبه «بجريان اللحظة في أسلاك الخشب» (37). فالخشب لا يمكن الاتصال به حرارياً. إنه جسم جامد. وهكذا هي الأعضاء المفصولة عن بعضها البعض. فالعضو المفصول لا حرارة فيه ولا حياة، شأن الخشب تماماً.
و«الأعضاء المفصولة» هي أعضاء ميتة تشبه «الجثة» (38)، لكنها «جثة الوطن» (39)، ما يعمّق الصلة بين بعدَي «الجسد»، الإنساني والوطني.
يرسّخ هذا المنحى ارتباط كلمة «العضو» بكلمة «اليد» (40) التي تتكرر ستّ مرّات، والتي تعمّق فكرة التفكك والانحلال والموت. فجملة «يحلّ براغي يديه» (41)، تشير إلى التركيب الآلي القائم في الجسد، مما يبيّن الحضور السلبي لليدين في هذا السياق. ويبدو الأمر كذلك في الجملة الآتية:

«القامات الوافدة تحلّ براغي مفاصلها
تسحب أيديها وأرجلها» (42).

حيث يحضر الجسد بشكل آلي يشبه اللعبة، فتؤدي «الأيدي» دوراً سلبياً جامداً وغير فاعل في إطار الجسد العام. وعندما تقوم «اليد» بسجن «الأصابع» (43)، فإنها تقيّد الحرية وتلغي الحركة وتنفيها. لكن حين «تتلألأ في أيدينا بوصلة الدم» (44)، يتأكد العمل الهمجي الذي تقوم به «الأيدي». فـ«بوصلة الدم» هي البوصلة التي تتوجه نحو الأماكن التي تكثر فيها الدماء، أي دماء الموت والقتل والفجيعة. وبالتالي فإن «الأيدي» التي تحمل هذه «البوصلة» هي أيدٍ قاتلة، يحيطها النص بنوع من التهكّم والسخرية والمرارة.
أما «الرأس» (45) فيتكرّر أربع مرّات، ويؤدي دوراً مساعداً يساهم في توضيح التوجّه العام الذي يحيط بمحور «الأعضاء». فـ«السكون الشمعي» (46) المخيّم على «الرؤوس» دليل على انعدام الحركة والتفكير والوعي. و«الهشيم» الذي «يسري إلى الرؤوس الموتورة» (47) يؤكّد انتشار الحريق والنار والدمار في «الرؤوس» التي تتصف بعدم الرزانة. وعندما يأتي النص بجملة «يفك رأسه» (48)، تتبلور في أذهاننا فكرة الآلية والتركيب، المتحكّمة بأعضاء الجسد المختلفة.
ترد كلمة «الأصابع» (49) أربع مرات و«الأرجل» (50) مرتين، وهي تؤكد ما أكّدته الأعضاء السابقة من تفكك وبتر وتقطيع.
هكذا تجتمع كلمات «العضو» و«اليد» و«الرأس» و«الأصابع» و«الأرجل» للدلالة على فكرة واحدة جامعة، هي فكرة الأعضاء المفككة التي تتعرّض للتشنيع والبتر. فتارة هي تعبّر عن التقسيم، وطوراً عن البتر والقطع.
وفي الحالتين معاً، يكتمل المعنى ويتوحّد. فالتقسيم والبتر يكونان ماديين، كما يكونان معنويين. وهما يرمزان إلى الجسد، كما يرمزان إلى الوطن والأرض والإنسان. وتبدو النتيجة، في كلّ هذه الاحتمالات، مفجعة ومدمّرة وقاتلة.

ج- محور «العين»: العين 10 - الدمع 6 - الجفن 2 - الرمش 1.
كان من الممكن أن نجعل «العين» في عداد الكلمات الدالة على الأعضاء، كما كان من الممكن ربطها بمحور «الوجه»، لكن «العين» (51) تشكّل لوحدها، إضافة إلى الكلمات التي تدور في فلكها، محوراً قائماً بذاته، يتكامل في ما بينه، خارج كونه عنصراً من عناصر المحاور الأخرى، فهي تتكرر عشر مرات. لكن أهميتها ليست في تكرارها فحسب، إنما في قيمتها «الجسدية» وفي المعاني والدلالات المرتبطة بها أيضاً. فـ«العين» جزء من الوجه، لكنها تشكل نقطة التأثير الأساسية فيه. فهي تمكّن الإنسان من رؤية العالم الخارجي في خصوصياته السلبية والإيجابية. وتحمل «العين» أيضاً، دلالات مهمة. فهي تعكس الحالات النفسية المختلفة، فتدخل بالتالي، في إطار ثنائية الفرح والحزن، التفاؤل والتشاؤم، الحياة والموت.
ويرتبط تحليل «العين» ببعد سلبي، لأن «العين» ترى، ورؤيتها تقع على مشاهدات العالم الخارجي الذي هو عالم الحرب والقتل والدمار فمن المعاني التي ترافق هذه الكلمة، أن:

«الصحراء المطلية بالفضة تنفتح عليها عيون مقروحة
ترنّ على حجارتها أوراق المعدن» (52).

فـ«العيون» تكون «مقروحة»، أي مجرّحة ومتورّمة ومعذّبة، وهي تنفتح على «الصحراء» ما يدل على اليأس والجفاف والعذاب.
و«العيون» تصبح «زجاجية» (53) فتخرج عن أداء دورها الفاعل، وتخلو من الحياة ومن القدرة على التحسس والرؤية. إنها عيون لا تحسّ ولا ترى ولا تنفعل ولا تفرح ولا تتألم. وأكثر من ذلك، هي «عين مطفأة» (54)، ما يثبت انقطاع الأمل والرؤية نهائياً، وحلول الظلام الدامس.
يرتبط استعمال «العين» بالتقسيم، حين يدور الكلام على «الرحّالة» الذين «فقدوا نصف عيونهم» (55)، وكأن هذا التقسيم يعكس حالة الوطن، لا حالة الأعضاء الجسدية فحسب. غير أن «العين» تحمل معنى إيجابياً مليئاً بالحياة، خصوصاً عندما تقترن بعبارة «اللحظة الباهرة»، حيث يتحول كلّ شيء إلى أمل وتفاؤل، وذلك في الجملة الآتية:

«آه لو كانت اللحظة الباهرة تطفر من
عيون الأحصنة المذبوحة...» (56).

لكن كلمة «العين» تكتسب معنى محزناً، حين نرى تكرار كلمة «الدمعة» (57) ستّ مرّات، وهي كلمة تدلّ على الحالات النفسية المؤلمة والحزينة. فـ«الصيف» يتحوّل إلى صيف «للدموع» (58) التي تذرف تعبيراً عن الحزن والألم. ولعلّ وصف هذا «الصيف» بكلمة «الثقيل» يؤكد المرور البطيء والمفجع للزمن، حيث يتحول الأمر إلى مأساة وفجيعة. وأبلغ ما في هذا الإطار، أننا نرى «الجسد» وقد راح ينحت حركاته بـ«الدمع» (59)، مما يوضح الصورة التي استطعنا الوصول إليها من خلال محور «الجسد» نفسه.
ويتضح لنا من هذا الكشف، أن حاسّة البصر، التي تُضاف إليها كلمة «الجفن» (60) المتكرّرة مرّتين، وكلمة «الرمش» (61) الواردة مرّة واحدة، تقدّم دليلاً فعلياً على معنى «الجسد» ودوره المأسوي.

د- محور «الوجه»: الوجه 14 - القسمات 3.
«الوجه» في «البوصلة» هو صورة مصغّرة عن الإنسان، جسداً وروحاً. صورة تكشف عن الظاهر والباطن، الإيجابي والسلبي. ويختصر هذا «الوجه»، الواقع بجميع عناصره الظاهرة والباطنة، الإيجابية والسلبية. ويرسم صورة الحزن، كما يرسم صورة الفرح. وهو الإطار الخارجي الذي ينقل حركة النفس في انفعالاتها المتناقضة. فـ«الوجه» الجسدي هو مرآة «الوجه» النفسي. وهذا المنحى في التحليل، يرفعه إلى ما هو أعلى من مستوى الواقع ومستوى الظواهر المحسوسة، ليشكّل رمزاً دلالياً مشتركاً، للظواهر المحسوسة ولتلك غير المحسوسة.
يتكرر «الوجه» (62) أربع عشرة مرة، وتضاف إليه كلمة «القسمات» (63) التي تتكرر ثلاث مرّات، مما يبيّن دوره الأساسي في التسلسل التكراري. فهو يحتل المرتبة الثانية في «البوصلة»، ويعكس في تسلسله المتقدّم هذا، رغبة في الجمع بين صورة «الوجه» وصورة «الدم». وكأن الواحدة منهما مرتبطة بالأخرى، أقلّه من ناحية التكرار. فتظهر هذه الصورة وهي تعكس حالة الحزن والفجيعة.
ويأخذ الوجه معانيه من خلال سياقاته المتعددة، حيث يبرز في صورة «الندامة الأولى» (64)، كما يبرز في صورة «الوجوه الساكنة خلف الأقنعة» (65)، فنستدلّ على حالتَي الموت والجمود اللتين في تلك الوجوه المختبئة.
ويرتبط «الوجه» ارتباطاً وثيقاً بموضوع التدمير والقتل والإحراق، وذلك في الجملة الآتية:

«نحن القبائل الأزليّة أشعلنا المدن
أحرقنا الوجوه المفتوحة على المياه» (66).

فالإحراق عمل تخريبي وتدميري يؤدي إلى القضاء على علامة إيجابية تتمثّل بـ«الوجوه المفتوحة على المياه». فالقضاء على هذه الوجوه، هو قضاء على الحياة والأمل والتفاؤل. ويحمل هذا القضاء بعداً أبدياً، أي هو قضاء لا حياة بعده ولا أمل. فتأتي «النار» لـ«تبذر» نفسها في «الوجوه» إلى الأبد، ما يرسّخ الظاهرة الإلغائية ذات الفعل الثابت والأكيد. ويظهر هذا المعنى في سياق الجملة السابقة وما يليها:

«ها نحن تبذر في وجوهنا أبدية النار» (67).

هكذا، فإن «الوجوه» التي حملت صفة إيجابية، سرعان ما تعود لتحمل صفتها السلبية الشاملة، فتصبح «وجوهاً ألفية» (68)، قديمة ومتجذّرة، تتكدّس في «الذكرى» (69)، أي في الماضي القديم وخلفياته البدائية المتعددة.
ومهما يكن من أمر، فإن «الوجوه» تكون «مفجوعة» بسبب «الترحّل» الذي يقضي على كلّ شيء، وذلك في الجملة الآتية:

«ولكم كان الترحّل سيّد اللحظات نثارَ الوصل
يترك الوجوه مفجوعة تحت برق الحوافر والرماد» (70).

فالوجوه المتشبثة بالحبّ والأمل، تعيش الفجيعة تحت برق الحوافر والرماح، ما يشير إلى سيطرة القتال والحرب، وسيطرة النتائج الوخيمة المترتّبة عليهما.
وحين يطغى عامل الانكسار واليأس، لا نجد غير السؤال:

«وأنت ولو صاغراً تحت مطر الطقوس
هل يبقى في وجهك ما ينبئ بالطيور» (71).

السؤال يخفي الرغبة في التفتيش عن أمل وحرية، في غمرة وقوع الوجه «تحت مطر الطقوس».
لكن هذا السؤال سرعان ما يختفي، لتظهر مكانه الحقيقة المفجعة بأمّ العين، فترتسم صورة «الوجه المفلوع» في «ظلمتين» (72)، حيث «الوجه يسقط الوجه» (73)، وحيث يصبح «الدم» (74) عنواناً رئيسياً يلصق كخريطة على هذا الوجه المتألم.
نخلص إلى القول إن «الوجه» يدخل عالم الثنائية في وجهيها الإيجابي والسلبي، لكن هذه الثنائية لا تلبث أن تختفي، لتظهر في وجه واحد، هو وجه الموت والمأساة.

هـ- محور «الصوت»: الصوت 6 - الصرخة 2 - الصريخ 1 - الصراخ 1 - البحة 1 - الحنجرة 1 - الفم 1.
ينطوي «الصوت» (75) الذي يخرج من الفم، على أهمية معينة. فهو يتكرّر ستّ مرّات، معبّراً بطبيعته، عن حالات نفسيّة محدّدة. فهو أساساً، فعل جسدي معبّر، لكنه يخضع، في تعبيره، لفعل ثنائي. في معنى أنه يعبّر عن الألم، كما يعبّر عن الفرح، ويعبّر عن القوّة، كما يعبّر عن الضعف.
يؤدّي «الصوت» غايته في محور «الجسد»، لكنه يكشف عن خلفية لا بدّ من التوقف عندها. أما الغاية التي يؤديها «الصوت»، فتكمن في إيصال الفكرة والشعور. ولعل ما يعبّر عن هذا الأمر، ما نراه في «الصوت» «المطلول بالدم» (76). فهو صوت ممتلئ برائحة القتل والعذاب، «يطيش بين الحجارة والخشب» (77)، ما يدلّ على ضياعه وعدم وصوله إلى غايته المنشودة. وهو «صوت» «يئزّ في خزائن الحديد» (78)، حيث لا حياة ولا اختراق. إنه «الصوت» غير المسموع، أي الصوت الضائع في مجاهل الجماد والموت. ولأنه كذلك، يصبح «متلجلجاً» (79)، و«ترتفع» به «مملكة التخريف» (80)، أي مملكة الناس التي لا أساس لها ولا أرضية ثابتة. فهي مبنية على الضعف والوهم والخرافة والجنون.
الغاية التي أوضحناها لا تجد ما يوضحها أكثر فأكثر، سوى «الصرخات» (81) التي تتكرر مرّتين، وهي «صرخات الأجسام المنهدمة» (82) و«صرخات الأرض الجديدة» (83)، و«الصريخ» (84) و«الصراخات» (85) اللتين تردان مرة واحدة، إلى جانب «البحة» (86) و«الفم» (87) و«الحنجرة» (88) الواردة هي الأخرى، مرّة واحدة أيضاً. فهذه الكلمات تكشف عن وقوع «الصوت» في حالة سلبية حزينة ومتألمة، تعكس الخلفية النفسية الكامنة وراءها. وهذه الحالات المرافقة لـ«الصوت» تدل على ارتفاعه وحدّته، ما يشير إلى حدّة الألم والحزن، بحيث لا يعود النص قادراً على كبت ألم الشاعر، فيعبّر عنه بالأشكال المشار إليها.

خلاصة:
يتشكّل هذا المحور من خمسة محاور تفصيلية، تتناول أعضاء محدّدة في «الجسد»، وعناصر مرتبطة به. وتجتمع هذه المحاور التفصيلية، لتؤكد على منحى مشترك، يصبّ تعبيره في نهاية الموت. فمن «الجسد العادي» إلى «الجسد - الجثة»، نلمح صورة الإنسان وصورة الوطن المعذّبين والمقطّعين. ومن صورة «اليد» إلى «الرأس» و«الأصابع» و«الأرجل»، نجد معنى واحداً مشتركاً، يدلّ على البتر والتقسيم اللذين يتناولان الجسد، كما يتناولان الوطن.
وفي محور «العين»، تراوح الصورة بين بعديها الإيجابي والسلبي، لكنّ البعد السلبي يطغى، فتطغى معه صورة «الدمع» و«القروح»، ما يرسّخ النهاية المحزنة التي تقع فيها «العين».
وفي محور «الوجه» نقع على صورة الموت التي تقضي على «الوجوه المفتوحة على المياه»، فلا يبقى غير الوجوه «الألفية» و«الساكنة» و«المفلوعة».
وفي محور «الصوت» لا تظهر إلا علامات الضعف والتلجلج. وما الصراخ الذي يطلع هنا وهناك، إلا التعبير عن الصيحة الأخيرة التي يطلقها الإنسان، وهي الصيحة التي يطلقها قبل أن يستسلم.
هذه المحاور تُكسب «الجسد» حقيقةً تندرج في إطار التأكيد على أولية الموت والفجيعة، كإطار عام لتحرك «بوصلة الدم» في أكثر المحاور تكراراً وحضوراً.

الفصل الثاني
محور «المكان»

أ- محور «الصحراء»:
1- «محور الطبيعة في الصحراء»: الرمل 9 - الرمليّ 1 - الرياح 8 - الغبار 4 - الصحراء 3 - الفجاج 2 - السراب 1 - الواحة 1 - الجهات 1.

ينطلق محور «الصحراء» عموماً من مسلّمات بديهية تتناول «الصحراء» و«الطبيعة الصحراوية» و«القبيلة» و«القتال»، كعناصر ورموز تدلّ على خصائص المكان ومعطيات العيش فيه.
فـ«الصحراء» جغرافياً، هي المسافات الشاسعة التي تغطيها الرمال، والتي تتميز بشظف العيش وترزح تحت وطأة شمس محرقة ورياح عاصفة ورمال متحركة تزيد تكراراتها، بل من خلال الكلمات التي تدور في فلكها، وتشكّل معجماً كاملاً يعكس خصوصيتها الطبيعية وحياتها الاجتماعية.
وقد يبدو مستغرباً أن ينطوي الديوان، على مثل هذا العدد الكبير من الكلمات التي تدلّ على المكان الصحراوي وطبيعته وحياته الاجتماعية. إلا أن الرموز التي يحملها هذا المحور، تدلّ على مدى الارتباط القائم بينه وبين الخلفيات الدلالية المحتملة.
وأول ما يواجهنا في هذا المجال، أن الكلمات الدالة على ظواهر طبيعية، تكتسب حضورها وقيمتها من خلال ارتباطها بطبيعة «الصحراء»، نظراً إلى سيطرة هذه البيئة الطبيعية على ما عداها من بيئات طبيعية أخرى.
ويحتلّ «الرمل» (89) في هذا السياق، المرتبة الأولى. فيتكرر تسع مرات، تنسجم معانيها مع الأبعاد الدلالية التي تنطوي عليها هذه الكلمة. فالرموز التي تحملها كلمة «الرمل» تكشف علامات بارزة من «طبيعة» هذا المحور الذي تنتمي إليه.
فـ«الرمل» هو أحد أبرز العناصر التأسيسية التي تقوم عليها «الطبيعة في الصحراء». ويشير تكراره المميز إلى كونه عامل تأثير وفاعلية. فهو مرادف لمعاني الجفاف والجدب والقحط، يلغي مقومات الحياة الأولية أو يناقضها.
وأكثر ما يلفت الانتباه، أن كلمة «الرمل» تندرج ستّ مرّات (90)، ضمن سياق واحد:
«الأشرعة ساكنة في الرمل».
فهذه الجملة تحمل نقيضين لا يلتقيان، إلا ليلغي أحدهما الآخر. وهذان النقيضان هما الجامد والمتحرك. ويتمثّل الجامد بكلمتَي «ساكنة» و«الرمل» اللتين تدلاّن على فقدان الحركة وانعدام الحياة. فـ«الرمل» يعني الجفاف وعدم الخصب والموت. أما «الأشرعة»، فتمثّل المتحرّك. لكن «الرمل» يلغي الحركة ويجعلها «ساكنة». ويبيّن هذا الواقع أن لـ«الرمل» الدور الفاعل في هذا السياق «الطبيعي»، بحيث يكون كلّ شيء خاضعاً لطغيانه السلبي والمستمرّ.
ويلفت الانتباه أيضاً أن كلمة «الرمل» ترتبط بكلمة «الأزلي» التي تأتي كنعت يلصق به، ما يضفي على «الرمل» ودلالته، طابعاً زمنياً أزلياً، وذلك في الجملة الآتية:
«لك آن ينهمر على صحاريك الرمل الأزلي السراب الأسود» (91).
نستنتج أن وجود «الرمل الأزلي» هو سبب مباشر لوجود «السراب الأسود»، فتقدّم الجملة، دليلاً جديداً على الحضور السلبي «للرمل» كعنصر «طبيعي» يساهم في جعل الحياة بالغة الصعوبة.
وحين تزحف «القبائل الأزلية» «من الرمال إلى الرمال» (92)، فإن زحفها يكون محاصراً بالجفاف وعدم الخصب والموت. فـ«الرمال» تشكّل حدوداً لبداية الزحف ولنهايته، مما يحكمه بالضيق والاختناق، رغم ما توحي به جملة «من الرمال إلى الرمال»، من مساحات شاسعة.
و«الرمل» يمنع قيام الخصب، فعندما «تتحرّك الفصائل النباتية» فيه، فإن تحركها لا معنى له، لأنه قائم في «الخلايا البائدة» التي تفقد بطبيعتها عناصر الحياة والخصب. ويظهر هذا المعنى واضحاً في الجملة الآتية:
«الفصائل النباتية تتحرّك في رمل الخلايا البائدة
تزحف على سواحل الأصداف ترمي شباكها السلحفيّة...» (93).
هذا التحرّك المشار إليه يبيّن فاعلية «الرمل» السلبية التي تؤكّد حضور «الطبيعة» الميتة والمناقضة لمعنى الحركة والحياة.
من جهة ثانية، فإن الرياح (94) تحتلّ المرتبة الثانية من حيث التكرار. فهي تتردّد ثماني مرّات، كاشفة عن معنى يثبت خصوصية عنيفة تلائم «الطبيعة في الصحراء» وخصوصيتها السلبية العنيفة.
فـ«الرياح» عامل طبيعي متحرّك، يتسم بالقساوة، لأنه ذو مظهر تخويفي قاسٍ. وتنعكس نتائج هذا المظهر على مستويي «الطبيعة» والحياة. فبالنسبة إلى المستوى الأول، تشكّل «الرياح» قوّة تغيير ومحو وإلغاء، نظراً إلى قوتها ودرجة سرعتها، وتساهم في المستوى الثاني، بإضفاء معالم العنف واليأس، ما يؤدي إلى اعتبار الحياة في «الصحراء» ضرباً من المستحيل.
وأكثر ما يشدّنا في هذا المجال، أن كلمة «الرياح» تتكرّر أربع مرّات (95) مقترنة بالحريق والنار. فنكتشف بالتالي، أنها عامل سلبي يساهم في تعميق ظاهرة «الطبيعة» البالغة القساوة والشديدة التدمير.
ففي جملة:
«هل مَن يسحب خيطاً بعد الرياح والحرائق» (96).
نرى أن اقتران «الرياح» بـ«الحرائق» يعطي معنى سلبياً واضحاً لدور الكلمة الأولى. لأن «الرياح» تحرّك «الحرائق» وتضرمها، مما يؤدي إلى تدمير وإلغاء جميع الكائنات والأشياء المحيطة بها. ويظهر الأمر كذلك، حين:
«تنعم بالنار خلايا الرياح حتّى تؤبد كلّ رقعة موات...» (97).
فهذه الجملة تُظهر «الرياح» وكأنها تكون في نعيم عندما تدخل «النار» وتحرّكها. ولا شك في أن ما يترتب على هذا الواقع من نتائج، سيكون ماثلاً في الجملة نفسها التي تجعل «كلّ رقعة موات» أبديّة.
وتحمل «الرياح» معنى الثورة التي ضلّت طريقها فوقعت في الخطأ. ويظهر هذا المنحى الدلالي في الجملة الآتية:
«وأنت يا رياحاً ضلّت بين الصفحات وجدران الغرف» (98).
ففعل «ضلّ» يعني الخطأ وإضاعة الطريق المستقيم. وهذا يشير إلى أن «الرياح» أخطأت في اختيار المناسب من الوسائل والأهداف، فوقعت «بين الصفحات وجدران الغرف». وتساهم هذه الجملة مساهمة فعلية في جعل «الرياح» عاملاً «طبيعياً» ذا قيمة سلبية، في دلالته الثورية الجديدة.
وتتكرر جملة «يموت شعبي مكفّناً برياحه» مرّتين (99)، في إطار سياقات أخرى متكررة، تؤكد جملة من المعاني السلبية التي «تختصر» فيها «المسافات بعود ثقاب» (100). وعندما «يكفّن» الجسد بـ«الرياح»، فإن العفونة والتفتت يتسربان إليه بطريقة سريعة. وقد تعني هذه الجملة أن «الشعب» «يموت» ويبقى في العراء متعرّضاً للرياح التي تصبح بمثابة كفن له. ومهما يكن من أمر هذه الجملة، فالمعنيان يؤكدان سلبية «الرياح» وفعلها المدمّر.
ويتآلف حضور «الرياح» مع «الغبار» (101) الذي يتكرّر أربع مرات. وهو يرافق حركة الكلمة الأولى، ويشكّل نتيجة طبيعية لها. ويعلو «الغبار» وينتشر، ويصبح علامة فارقة في طبيعة الصحراء، ويبرز هذا المعنى حين:
«تتلألأ في أيدينا بوصلة الدم مهما خانتنا
الجهات أو غمر فجاجنا الغبار» (102).
هذه العناصر الدالة على المكان الصحراوي وطبيعته، تكتمل صورتها في كلمة «الصحراء» (103) نفسها، التي تتكرر ثلاث مرّات، كاشفة في أحد السياقات الثلاثة عن كونها «المكان» الطبيعي لانهمار «الرمل الأزلي». هكذا يكون «السراب» (104) الذي يرد مرّة واحدة، هو النتيجة الوحيدة المترتبة على وجود «الصحراء» و«الرمل».
ويكتمل معنى «الصحراء» من خلال كلمة «الفجاج» (105) التي تتكرر مرّتين، في إطار التأكيد على صحراوية المكان. فحين «تنفجر فجاجك على قرقعة الأسلحة»، وحين «يغمرها» «الغبار» (106)، ينكشف أمامنا، شكل آخر من أشكال الأمكنة الصحراوية المكتمل إطارها بكلمة «الجهات» الواردة في السياق نفسه، مرّة واحدة.
وإذا كانت كلمة «الواحة» (107) التي ترد مرّة واحدة، تضفي على الطبيعة الصحراوية مسحة من الإيجابية الدالة على الحياة والخصب، فإن هذه الكلمة تفقد معناها هذا، حين ترمي «القبائل الأزلية» فيها «السحر الأسود»، فتغرقها في سلبية المعاني التي ارتبطت، سائر عناصر المكان والطبيعة في هذا المحور.

2- محور «القبيلة»: القبيلة 8 - المجد 3 - التليد 1 - عباءة 1 - طرفة 1.
يتأكّد دور «القبيلة» في محور «المكان»، من خلال وجودها في «الصحراء» التي تكوّن الإطار الجغرافي الملائم لها. وتتكرر «القبيلة» (108) ثماني مرات، وتؤدي مجموعة من الوظائف الدالة على المكان وطبيعته القاسية.
وأول ما يثير الاهتمام في هذا المجال، أن «للقبيلة» «بوصلة» هي «بوصلة الدم» (109)، و«البوصلة» آلة تتوجّه دوماً نحو الشمال وتدلّ المسافرين وتعينهم على معرفة الجهات. غير أنها تحمل معنى آخر في الكتاب. فهي «بوصلة» من «الدم». و«الدم» قتال وموت. وهكذا فإن هذه «البوصلة» الدموية توجّه «القبيلة» نحو القتل والعنف، مما يبيّن الخط الذي تذهب «القبيلة» باتجاهه، كما يبيّن الغاية التي تصل إليها.
لكن ارتباط كلمة «القبيلة» بنعت «الأزلية» ستّ مرّات (110) في سياق وصفيّ، يبيّن عمل هذه «القبيلة» وطبيعة توجهاتها. ويتضح لنا أن عملها وتوجهاتها تتخذ منحى سلبياً مفجعاً يعكس مدى الهمجية التي تتصف بها:
«نحن القبائل الأزلية نهطل من السماء كاللعنة الغامضة
نحن القبائل الأزلية نرمي في الأشجار طلاسم الفصول
في الواحات السحر الأسود» (111).
فهذه «القبائل» تشبه المصيبة التي تحلّ بين الناس، وتقوم بأعمال يغلب عليها طابع الشعوذة. وهي تقوم في مجال آخر، بإشعال «المدن» وإحراق «الوجوه المفتوحة على المياه» (112). هكذا يتأكد لنا أن عمل القبائل يؤدي إلى تخريب الأماكن والمدن والقضاء على الناس الطيبين المملوئين أملاً ونشاطاً وحياة.
تعود كلمة «القبائل» لتقترن مجدداً بمعنى «الدم»، وذلك حين تذهب في «الكرّ»، حتى ينابيع الدم «التي تسقي «الزمن الأحمر» (113). هذا النشاط يجعل الوجود القبليّ متسماً بالهمجية والوحشية والعنف، كما يجعل حضوره ممتداً «من الرمال إلى الرمال»، أي من الموت والجفاف والقحط، إلى الموت والجفاف والقحط أيضاً. لكن ارتباط مجموعة جمل «القبائل الأزلية» بعبارة «نحن» (114)، يدعو إلى استنتاجين متلازمين. يقوم الاستنتاج الأول على تضمين هذه العبارة معنى الافتخار. لكن هذا الافتخار يقع في غير محلّه، ما يشير إلى الرغبة في التهكّم والسخرية. ويقوم الاستنتاج الثاني على تضمين هذه العبارة بعداً دلالياً، قد يكون القصد منه الإشارة إلى جماعات غير الجماعات القبلية التي يتحدّث عنها النص. ويغذّي هذا الاستنتاج أمران: أن القبائل تشعل المدن، مع العلم المسبق، بعدم وجود مدن في «الصحراء». وأن كلمة «الأزلية» التي اقترنت بـ«القبائل»، اقترنت في الوقت نفسه بـ«بيروت» مدينة المنحدرات الأزلية (115) أيضاً.
ومن جهة ثانية، فإن كلمة «المجد» (116) التي تتكرر ثلاث مرات، تنتمي انتماءً واضحاً إلى محور «القبيلة»، لأن «المجد» هو مجدها، خصوصاً حين ترد هاتان الكلمتان إلى جانب بعضهما البعض، مرتبطتين بكلمتَي «عباءة» و«طرفة» (117).
لكن كلمة «المجد» تنطوي على معنى فيه الكثير من التهكم، لا سيما حين يوازي الشاعر بين «الغبار» الذي يرتفع في «الصحراء» وبين «المجد» نفسه، فيصبح هذا «الغبار» «مجداً تليداً» (118)، كما يصبح «كتابة» (119) للسفر الجديد.

3- محور «القتال في الصحراء»: الكرّ 2 - الأسلحة 2 - السيف 2 - الرمح 1 - الراية 1 - الصهوة 1.
لا يمكن فصل «القتال» عن إطاره «المكاني» أو بعده الاجتماعي. فهو موجود بوجودهما، ويتميز بخصائص وأصول وأدوات تتصل اتصالاً وثيقاً بـ«المكان الصحراوي»، وبنيته الاجتماعية المتمثلة بـ«القبيلة». ولعلّ أبلغ ما يدلّ على هذا «القتال» كلمة «الكرّ» (120) التي ترد مرتين، وتعبّر عن طبيعة «القتال». فـ«الكرّ» يعني الهجوم. ويشير هذا الاستعمال إلى دلالة تقنية لها القدرة على الترميز والإيحاء. فـ«الهاوية» «تتكرر» وتتخبّط فيها دورات الدم المسفوكة «على كرّ اللهيب» (121). فالملاحظ أن «الكرّ» يُستعمل للخيول التي تحمل الفرسان المهاجمين على «صهواتها» (122). أما هنا، فقد استعملها النص للّهيب. وكأن اللهيب تحول إلى حصان مغامر ومهاجم، ما يدل على الجامع القتالي والتدميري بين الحصان واللهيب، من خلال اقترانهما بكلمة «الكرّ».
يقرن النصّ كلمة «الكرّ» بكلمة ذات دلالة صحراوية هي «المطهّم» (123)، التي تُستعمل للأحصنة الأصيلة التي تحسن الحركة والقتال. هكذا يتناسب «الكرّ» لدى «القبائل الأزلية» مع «المطهّم»، للوصول إلى «ينابيع الدم». النصّ يستعين بالكلمات التي تناسب مأسوية القتال القبلي، فيذكر «الكرّ» و«المطهّم» و«ينابيع الدم» و«الزمن الأحمر»، فنصل إلى ما يلائم زمن «القتال في الصحراء» ونتائجه المفجعة.
أما على صعيد أدوات القتال، فإن استعمال كلمة «الأسلحة» (124) التي تتكرر مرتين، قد لا يقدّم دليلاً واضحاً على طبيعة «القتال الصحراء»، لكن اشتمال السياق على كلمات «الصحارى» و«الرمل الأزلي» و«السراب الأسود» (125) يدلّ على أن الخلفية هي خلفية المكان الصحراوي بكل ما في التعبير من معنى. من جهة أخرى، فإن اقتران «الأسلحة» بـ«السيف البربري» و«انفجار الفجاج» (126) والقرقعة، يساهم في إعطائها بعداً قتالياً محدداً، نظراً إلى الدلالات الصحراوية التي تحملها الكلمات المذكورة.
ورود «السيف» (127) مرّتين و«الرماح» (128) مرّة واحدة، يثبت أن هذه الاستعمالات لم تتمّ صدفة أو عبثاً. فهي تنمّ عن خلفية معيّنة تحمل على مثل هذا الاختيار. فعندما يكون «الترحّل سيد اللحظات»، نكتشف كيف أن «الوجوه» تصبح «مفجوعة» بفعل «الحوافر والرماح» (129)، ما يغذّي خصوصية هذا المحور، ويبيّن انتماءه إلى «القبيلة» وأطرها «المكانية».
هذه الأدوات القتالية المشار إليها، تندرج في سياقات تركّز على مكان محدّد، سبق وبيّنّا انتماءه إلى «الطبيعة في الصحراء». فكلمات «الفجاج» و«الجهات» و«الغبار» و«الرمل» و«الرياح» هي كلمات تشكل أكثر العناصر التي يقوم عليها محور «الطبيعة في الصحراء». فإذا كانت هذه العناصر تلتصق بتلك التي يتألف منها محور «القتال»، فيجب أن نستنتج أن هذا المحور ينتمي إلى المكان الذي تنتمي إليه العناصر «الطبيعية» المشار إليها.
ومن جهة ثانية، فإن كلمات محور «القتال» تلتصق أيضاً بعبارة «القبائل الأزلية» (130) ما يؤكد أن القتال هو قتال القبائل في «المكان الطبيعي» الذي تنتمي إليه هذه الأخيرة.

ب- محور «البلاد»:
1- محور «البلاد»: الأرض 6 - الوطن 5 - البلاد 3.

يشكّل محور «البلاد» على المستوى المكاني، نقيضاً لـ«الطبيعة في الصحراء». فهذه الأخيرة ليست مكاناً مستمراً يرتبط به الإنسان، بل هي للترحّل والانتقال. بينما «البلاد» تكون ذات جذور وجاذبية وخصوبة لأنها «أرض»، يبنى عليها «الوطن» وتستقر فيها الحياة وتثبت، بعيداً عن جاذبية التفكك والاستقرار.
تتكرر «الأرض» (131) ستّ مرّات، وهي تناقض «الصحراء» و«أرضها»، لأنها «أرض» «البلاد». لكن هذا التناقض المكاني القائم على ثنائية «الصحراء» و«البلاد»، يجد ما يخففه أو يلغيه أحياناً، من خلال المعاني المشتركة التي توحّد «الصحراء» والبلاد في دلالات متآلفة، فحين:
«تمتدّ الآيات من شفير اللعنة إلى شفير
الليل أو تفتك بأرض هجرتها القامات الخضراء» (132).
نكتشف أن «الأرض» كانت طيبة وجميلة وذات جاذبية، وأنها كانت مسكن «القامات الخضراء». ونكتشف أيضاً أن زمنها لم يعد كذلك، بل تعرّض للتحوّل، بسبب «الآيات» الممتدة «من شفير اللعنة إلى شفير الليل».
وهذه «الأرض» التي تتعرّض للفتك، تتعرض أيضاً لـ«الاحتراق» (133)، ما يدل على المصير القاتم الذي يلفّها ويجعلها طعماً للنار والموت.
لكن هذا البعد السلبي الذي يحاصر «الأرض»، يترافق حيناً مع بعد إيجابي، يلقي ضوءاً من الأمل والتفاؤل على هذا السياق، ويوقع المحور في الثنائية. فـ«الأرض» هي «الأرض الواحدة» (134) و«الجديدة» (135) التي تلغي صورة الموت السابقة. لكن هذا الإلغاء هو إلى حين، لأن حضور الموت هو أقوى من حضور الحياة نفسها.
وتأخذ «الأرض» معناها الكامل، بوجود «الوطن»، لما ينطوي عليه من حقائق ذاتية وموضوعية تعمّق حقيقة الواقع الذي يتحول فيه «الوطن» إلى «صحراء»، والشعب إلى «قبائل» تتصارع وتتقاتل حتى الإفناء. ويتكرر «الوطن» (136) خمس مرات، وهو نفسه «البلاد» (137) التي تتكرر ثلاث مرات. وتعطي «الأرض» - «الوطن» - «البلاد» صورة واضحة عن المكان، كما تعطي صورة واضحة عن مضمون هذا المكان ودلالته. ولا شك في أن «القتال» الذي أشرنا إليه في «الصحراء»، هو نفسه «القتال» الذي في «الأرض» - «الوطن» - «البلاد». وأبلغ دليل على ذلك، الربط بين «القبائل» و«المدينة»، عبر كلمة «الأزلية» (138) التي تُستعمل استعمالاً مركزياً من خلال هاتين الكلمتين، وكأنها تريد الجمع بينهما في معنى واحد ومشترك. وأن «الترحّل» (139) الذي يتصل بـ«القبيلة» و«الصحراء»، ويتصل بكلمة «الوطن» أيضاً، يضفي على هذا الأخير بعداً معلوماً يجعله شبيهاً بـ«الصحراء» و«القبائل» فيها.
وإذا كانت جدلية السلب والإيجاب ظاهرة في مجالات أخرى، فإنها تظهر أيضاً في «البلاد» التي «تخضرّ» أغنيتها «لحظة»، ثم «تتقهقر إلى القسمات» (140)، مما يوحي مجدداً بوقوع هذا المحور المكاني في السوداوية والتشاؤم واليأس. وحين يصبح «الوطن» «جثة» (141) ويُربط «بالأوتاد» (142)، تنكشف أمامنا بوضوح، الصورة المأسوية التي تلفّ محور «البلاد». فـ«الأرض» التي «تحترق» وتهجرها «القامات الخضراء» هي «الوطن» - «الجثة»، المربوط بالأوتاد، وهي «البلاد» التي تعيش فيها «الأرقام» (143). وهذه المظاهر المشتركة في سلبيتها، تعبّر عن اليأس الذي يلفّ «المكان»، وعن سقوطه الذريع في خضم الموت المفجع...

2- محور «المدينة»: المدينة 10 - بيروت 2.
إذا كان محور «البلاد» لم يتحدّث عن مكان محدد بدقة ووضوح، فإن محور «المدينة» ينطلق باتجاه المزيد من التوضيح والتدقيق، فيصبح الكلام عن «البلاد» - «الأرض» - «الوطن» كلاماً عن «مدينة» «بيروت» نفسها. وإذا كنا تناولنا في بحثنا، محور «الصحراء»، فإن «البوصلة» توحّد بين الأحداث التي تجري هنا والأحداث التي تجري هناك.
إحاطة «مدينة» «بيروت» بكلمات دالة على القتال والعادات والأمكنة في «الصحراء»، يقوم دليلاً مهماً على الشراكة التي توحّد بين المكانين. فحين تتمّ مخاطبة بيروت على الشكل الآتي:
«يا رعشة المدينة الغامضة أيّ سيف بربري معلّق فوق
شوارعك ودهاليزك ولو ذاب مع الرصاص في قصورك
وقبابك المسك والعنبر أو انفجرت فجاجك على
قرقعة الأسلحة» (144).
ثم حين تتمّ مخاطبتها:
«يا رعشة المدينة الغامضة يا بيروت تصابين بالآيات
والطلاسم تعلّقين على جيدك عقود التمائم والعقارب
تتزيّين بقلائد الحواة والسعالي...» (145).
نستنتج أن عبارات «سيف بربري» و«الفجاج» و«الآيات» و«الطلاسم» و«عقود التمائم والعقارب» و«قلائد الحواة والسعالي» و«الراية»، هي عبارات منتزعة من صميم الحياة القبلية وعاداتها، وليس اقترانها هنا، بـ«بيروت» «المدينة الغامضة» و«مدينة المنحدرات الأزلية» (146)، سوى تأكيد على ما يقصده الكتاب من توحيد رمزي ودلالي بين «بيروت» و«الصحراء».
وإذا كانت «المدينة» تتعرّض لـ«الحريق» و«الإشعال» (147) على يد «القبائل الأزلية»، فإن عناصر الصورة تتكامل أمامنا، وتؤكد وقوع «المدينة» في الفجيعة، كما تؤكد وحدة العلاقة بينها وبين القبيلة في آن واحد.

الفصل الثالث
محور «الرحلة والجمود»

أ- محور «الجمود»: المحاصر 8 - الجدار 8 - المعدن 6 - الساكن 7 - السكون 2 - الأصداف 5 - الحجر 5.
تحمل «بوصلة الدم» كلمات أساسية تركّز على معنى «الجمود» المناقض للحركة، وتلفت هذه الكلمات الانتباه، لكونها أحد العوامل التي توجّه «بوصلة الدم» نحو عالم الموت والنهاية. وقد لا يكون الموت المقصود هنا، الموت الجسدي فحسب، بل قد يحمل معنى آخر يرمز إلى عدم جدوى الحياة وتفاهتها. فعندما تتكرر كلمة «المحاصر» ثماني مرّات (148)، فإنها تأخذ في السياق، معاني تلغي الحرية والحركة وتوازي معنى الموت. فهي تشير إلى القمع والإرهاب والتضييق الذي تتعرّض له «الجموع»:
«في الضفة المقابلة شكّت الجموع المحاصرة» (149).
فمعاني القمع والإرهاب تبرز في فعل «شكّ» وفي «الضفّة المقابلة» التي تشير إلى وجود «ضفّة» ثانية في الاتجاه الآخر، وهذا يدلّ على الحرب والتقسيم.
وإذا كانت عناصر الحياة الأربعة، وهي الماء والهواء والنار والتراب، تقوم بدور إيجابي فاعل، يؤمّن الحياة والوجود، فإن هذه العناصر تتحوّل في «بوصلة الدم» إلى «جدران» تمنع الحياة وتحاصر الإنسان وتحجز حريته وحركته. إنها بالتالي، عناصر موت وليست عناصر حياة. وحين تتكرر كلمة «محاصر» سبع مرّات (150)، في سياق واحد يؤكد محاصرة عناصر الحياة، كما هي الحال في الجملة الآتية:

«محاصر - جدرانك الهواء
محاصر - جدرانك الماء
محاصر - جدرانك النار
محاصر محاصر محاصر محاصر» (151).

فإن ذلك يدلّ على التمركز الدلالي والمعجمي، كما يدلّ على استحالة العيش استحالة مطلقة. فالإلحاح يصل إلى حدّه الأقصى، فنكتشف وقوع الحياة داخل «جدران» العناصر التي تصبح عامل احتجاز وحصار.
ويحتلّ «الجدار» (152) في هذا المجال، المرتبة نفسها، فيتكرر ثماني مرات، ويلغي «الحلم»، لأنه يدخل فيه ويمنعه عن التدفق:
«هذه الجدران البلورية في الحلم» (153).
فكلمة «البلورية» كثيرة الإغراء، لكنها لا تنفي طبيعة «الجدار»، بل تظهرها في شكل محدّد، يستطيع التسلل إلى أعماق «الحلم» والقضاء عليه. و«الجدار» يسدّ حركة «الرياح» ويمنع عصفها ويوقف حريتها. وإذا كانت «الرياح» تعني الثورة، فإن الحواجز المتمثلة بـ«الجدران» (154)، تلغي الثورة وحركتها، فتصبّ في التقوقع والجمود.
وتتكرّر كلمة «جدران» ثلاث مرات إلى جانب كلمة «محاصر» (155)، فتؤدي النتيجة نفسها.
ويساهم «المعدن» مساهمة واضحة في وظيفة «الجمود» العامّة التي تصل إلى الإنسان نفسه، فتجعل قسماته معدنية، كما هي الحال في الجملة الآتية:
«كيف يقابل الجسد العاري هذه الطعنات
هذه الطعنات
وبأي ذكرى وبأي خيال
بين أسوار القطران ومعادن القسمات» (156).
فكلمة «معادن» تشير إلى خلوّ «القسمات» من الحركة الإنسانية الحيّة، فكأنها تحوّلت إلى جماد وموت وعدم حركة. وهذا يضفي الطابع المأسوي على مصير «الجسد العاري» الذي تحاصره «أسوار القطران ومعادن القسمات».
أيضاً، يتمثّل «الجمود» الذي يلغي الحياة والحركة بكلمة «الساكن» (157) التي تتكرر سبع مرات وتضاف إليها كلمة «السكون» (158) مرتين اثنتين، وأبلغ ما في هذا المجال، أن كلمة «الساكن» (159) تحلّ ست مرات ضمن سياق واحد هو الآتي:
«الأشرعة ساكنة في الرمل».
وإذا كنا درسنا معاني «الرمل» التي تؤدي وظيفة طبيعية مناقضة للحياة، فإن كلمة «ساكنة» هنا تتناسب مع وظيفة الرمل، لتعبّر عن معنى «الجمود» الذي يقضي على الحركة.
وحين يستعمل الكتاب كلمة «الساكن» إلى جانب «الوجوه» (160)، ندرك أن «الجمود» ليس في «الأشرعة» وحسب، بل هو أيضاً في الكائن الإنساني المعبَّر عنه بكلمة «الوجوه».
وتأتي كلمة «السكون» لتؤكد الجمود الذي يحلّ في الإنسان من خلال وقوف «السكون الشمعي على الرؤوس» (161)، فيجعل هذه الأخيرة منعدمة الحركة ومنعدمة التفكير أيضاً.
وعندما يسيطر «السكون المعدني» و«تحرق المدينة» و«يلمع الموت» (162)، فإن السؤال الوحيد الذي تطرحه «بوصلة الدم» يدلّ على انعدام الوجود الذي يمكّن من الكلام والتعبير. وتندرج كلمة «الأصداف» (163) لتؤكد خلوّها من الحياة، فتكرر مرتين من أصل خمس، في سياق التأكيد على موت الشعب الذي «تصبح أصدافه جذوراً» (164). ولا شك في أن الجملة تحمل يأساً مريراً، لأن هذه «الجذور» ستكون شبيهة بالأصداف الخالية من الحياة.
وعندما «تتحرّك» «الفصائل النباتية» في «رمل الخلايا البائدة» و«تزحف على سواحل الأصداف» (165)، نستنتج أنه ينتفي معنى الحركة في فعلي «تتحرك» و«تزحف»، من خلال اقترانهما بما يلغي التحرّك والحياة.
ويتكرر «الحجر» (166) خمس مرات مؤدّياً الوظيفة نفسها، خصوصاً حين يقترن «الصوت» به، فيؤدي هذا الاقتران إلى إلغاء وظيفة «الصوت» ووقوعه في اللاجدوى.

ب- محور «الرحلة»: الرحالة 9 - الأشرعة 7 - البوصلة 6 - الترحّل 2 - تحرّك 1 - الحركة 1.
يكشف هذا المحور حقيقة الثنائية التي تقوم على تخطّي التناقضات الموجودة بين السلب والإيجاب، الظاهر والباطن، المتحرك والجامد والموت والحياة. وهي تناقضات تختفي، فيصبح الظاهر باطناً والمتحرك جامداً، مما ينفي وجود الثنائية التي تلاقي طرفيها في اتجاه سلبي واحد، سنكشف عن خصائصه من خلال السياق.
تقوم هذه الثنائية المفترضة على محوري «الرحلة والجمود»، حيث يظهر الأول من خلال كلمة «الرحالة» (167) التي تتكرر تسع مرات، وتحتلّ المرتبة الأولى فيه. وتعني الناس الذين يكتشفون المجهول ويفتحون الآفاق عبر المغامرة. لكن «الرحّالة» لا يؤدّون هذا الدور في «بوصلة الدم»، بدليل السياقات التي يندرج فيها استعمال هذه الكلمة. فحين تكون «الأشرعة ساكنة في الرمل»، فإن «الرحالة» يطلعون منها. إنهم «رحالة الدم والكلمات» (168) الذين يسعون باتجاه مناقض لطبيعة «الرحلة» ومقوماتها. وهذا التناقض يبرز في كون «الرحالة» يرتبطون بـ«الدم»، ما يضفي على عملهم طبيعة دموية وعنيفة. وإذا كانت «الأشرعة» «ساكنة»، فكيف يكون عمل «الرحالة» متحرّكاً؟ وهكذا نتبيّن أن هؤلاء يقعون في «الجمود»، انطلاقاً من الجملة الأولى.
و«الرحّالة» يلوكون «صراخاتهم» (169)، مما يدلّ على القيام بعمل تافه ومتكرر. لأن فعل «لاك» يستعمل للطعام على سبيل مضغه وإدارته في الفم. وحين:
«الرحالة يتقدّمون في حدود خطاهم
يرسمهم خيالهم على الطواحين» (170).
نرى أنهم يلغون الدور الريادي الذي كان من المفترض مبدئياً، أن يقوموا به، فتحيطهم الجملة بمعاني التهكّم والسخرية، خصوصاً من خلال «الطواحين» التي تدلّ على التبجّح الفارغ. وإذا كان «الرحالة» يتبجّحون ولا يقومون بعمل فعلي متحرك، فإن تصرّفهم هذا ينطوي على سخافة تكشف زيفهم وكذبهم.
ويتأكّد هذا المنحى في شخصية «الرحّالة» عندما «يختصرون الطريق فوق أجسام بيضاء» (171) ويلغون المسافات والمراحل، فنستدلّ أنهم يقومون بعمل سلبي يناقض طبيعتهم القائمة على الشجاعة والصبر والإقدام والمغامرة، كما نستدلّ أنهم يقتلون الناس ويعبرون فوقهم للوصول إلى غاياتهم.
وثمة معنى آخر، يرتبط «بالرحالة»، وهو معنى التقسيم. فحين ترد الجملة الآتية:
«الرحّالة فقدوا نصف عيونهم ونصف أفواههم» (172).
نتذكّر ماذا حلّ بالجسد وأعضائه، فنستنتج أن عمل «الرحالة» أدى إلى خسارتهم الجسيمة المتمثّلة بنصف العيون ونصف الأفواه. وينبغي أن تؤخذ هذه الجملة على المستوى الرمزي أيضاً، حيث نرى أن دلالتها تشير إلى سقوط دورهم الريادي الجامع والموحد، ووقوعهم في الفئوية الضيقة. والدليل القاطع الذي ينهض في هذا المجال، هو ما يرافق الجملة من معانٍ تدلّ على التفكك والتقسيم. فحين تتحدّث «بوصلة الدم» عن الأعضاء المقسّمة (173)، نرى حضور كلمة «الرحّالة»، ما يشير إلى التوافق الكامل بينها وبين المعاني التي يضمّها السياق.
ويصل الحضور السلبي لكلمة «الرحالة» إلى أقصى مداه، حين «يخرجون البوصلة» (174). ولا شك في أن هذه الجملة تفتح الآفاق على معاني «البوصلة» التي تحمل عنوان هذا الكتاب.
هذه الخصائص السلبية التي تميز «الرحّالة»، تُسقط عنهم معنى الحركة الإيجابية، وإذا كان هؤلاء يقومون «برحلة» الكشف والمغامرة، فإن «رحلتهم» لا بدّ أن تكون سلبية المعالم والنتائج. ويأتي تكرار كلمة «الأشرعة» (175) سبع مرات، ليؤكد سقوط «الرحلة» والحركة في دوامة الجمود والموت.
فإذا كانت «الأشرعة» تحرّك السفن وتوجّهها، لتصل بها إلى غاياتها، فإن هذه «الأشرعة» تفقد صفتها الطبيعية، لأنها غير متحرّكة. وإن تكرار جملة «الأشرعة ساكنة في الرمل» ست مرات (176)، يدلّ على أن «الرحلة» لم تتمّ، أو أنها تعرقلت بفعل سكون «الأشرعة» في ما يمنع تحرّكها وفعلها. وبما أن «السكون» و«الرمل» يقيّدان الحركة، ويمنعان «الأشرعة» من أداء دورها، فإن «الأشرعة» تفقد بالتالي، دلالتها