لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة

جهة الأسبوع



































 

 منتخب «بوصلة الدَّم» (1977)

الأشرعة ساكنة في الرمل
عمر أبيض
(يطلع منها رحّالة الدم والكلمات)

* * *

الصحراء المطلية بالفضّة تنفتح عليها عيونٌ مقروحة
ترن على حجارتها أوراقُ المعدن
الصحراءُ المبهورة بشمس سوداءَ كادت
أن تنتظر

هذا السكونُ الشمعي على الرؤوس
هذه الجدران البلورية في الحلم

* * *

هل من يرفع بوقاً يلمع في ظهيرة
هل من يتمطَّى بعد غفلة مخملية
هل من يسحب خيطاً بعد الرياح والحرائق

هل من حضور ينتشر بين الأهراءات والكنوز

البحار تلعب بالأحلام وتنقبض

* * *

وتنتظر منقاراً يفجِّر الصخور
وتنتظر طفلاً يزيل الحدود بين الطبشور والثلج بين الحديد والليلك بين الحجر والحمامة

وتنتظر فصولاً تنشر حرياتها في الينابيع والأمطار والهواء

* * *

يا صباحات مشرقة من الأبد إلى الأبد على مضارب الدم والكلمات
يا صباحات الأحصنة الطافرة من الشرايين
يا صباحات الأرض الواحدة والزمن الواحد والموت الواحد

ترتعش لحظة وتتلاشى في موكب النحاس
يلمع البلَّور المغبرُّ
تتضرَّج نعامةٌ بغيابها

* * *

الزبد يزحف إلى الأغصان والنجوم
التماثيل تنتظر سقوط الصاعقة
الدم يفلت مجنوناً
الحرائق تقفز من جدار إلى جدار من لا نهاية إلى لا نهاية

(يلوكون صراخاتهم
الرحالة يلوون القضبان ويدلفون إلى داخلهم)

البحار تلعب بالأحلام وتنقبض

* * *

الأشرعة ساكنة في الرمل

المعدن بكر الحدائق
النجوم تشحذ علاماتها

هل من خفاش يهوي فجأة على رأس المدينة
(الرحالة يتقدمون في حدود خطاهم
يرسمهم خيالهم على الطواحين)
أمدُّ حواسي في اللحظة الناريّة
أتدفق على بريق الصوّان
أتموّج سنابلَ من الفرح في حقول الكلس

طفرةُ عصافير من الحلم تُشرق وتتقلص

(يهشمون قسماتهم كي ينسوا المرايا)
لحظةُ النسيان تفتح الذاكرة

* * *

في الحرائق الممراتُ
جذور المعابد في العيون
الغبار يمحو آثار عصفور هوى
الموت يقود الحصاد من العروق

لحظةُ النسيان تخون الذاكرة

* * *

أنوار التراجيديا تضيءُ المسرح
تنفجر النذور في أيدينا
يا رعشة المدينة الغامضة أي سيف بربري معلق فوق شوارعك ودهاليزك ولو ذاب مع الرصاص في قصورك وقبابك المسكُ والعنبرُ أو انفجرت فجاجك على قرقعة الأسلحة.

أي سيف بربري مسلول في دورك وهواجسك يا رعشة المدينة الغامضة يا بيروت تصابين بالآيات والطلاسم تعلقين على جيدك عقود التمائم والعقارب تتزيّين بقلائد الحواة والسعالي تدبين عند أقدامٍ حديدية ترفعين نذورك إلى الحضور الزجاجي المفتوتِ في خلاياك ودوراتك الدموية النافثِ في يقظاتك حَذَرَ الأيام المقبلة المعروقِ في خيالاتك الغارزِ في لحمك الرايةَ الغريبةَ
هذا الحضور المعدني المحاصِر المحرق الغادر المعسول
يا رعشة المدينة الغامضة يا بيروت

المراحل القادمة تنذر بأجنحة الدم
المراحل القادمة تحبل برعد لا يرحم

* * *

أغنية البلاد تخضرّ لحظة تحت
الشمس وتتقهقر إلى القسمات

المراحل القادمة تقضم أظافرها في الزناد

* * *

كيف يقابل الجسدُ العاري بين البحيراتِ واللغاتِ البيضاءَ الطعنةَ المظلمة
لكأنْ تمتدَّ الآياتُ من شفير اللعنة إلى شفير الليل أو تفتك بأرضٍ هجرتها القاماتُ الخضراءُ ولْيلتفَّ الجسدُ العاري بأصابع مقطوعة
وبأنفاسٍ تطلع من وبرِ الأحداق ولفح المواقد حتى ترتعشَ الغرائزُ في استدارة الشمس
وطمْي النهرِ الثقيل

* * *

كيف يقابل الجسدُ العاري وردةَ الفحم وبراءاتٍ محجّبةً تحت سماءٍ مفجوعة
آه يا صيفَ الدموعِ الطويل تدفع الغُمّةَ إلى مساري الثمار ونشيج الحناجر فهل فهل ستصاب اللعنة في المقتل حتى لا تبقى دقيقةٌ واحدةٌ لا تكتنز النبضةَ العظيمةَ والحضورَ الغامر

* * *

وأنتِ يا بحّةً معجونة بالتراب
وأنتَ يا وجهَ الندامةِ الأولى تطبق جفنيك إلى داخل تحت تكسُّر المعجزات

وأنتِ يا رياحاً ضلَّت بين الصفحات وجدران الغرف وأنتِ يا قامات مردودة إلى العزلة

كيف نقابل البحر بهاماتٍ منكَّسة
كيف نعبرُ من نسيانٍ إلى نسيان

كيف نفتك بالوجوه الساكنة خلف الأقنعة (...)

أعلى