لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



































 

نقد

قصّة المجايلين والأبناء

محمد الحمامصي
(مصر)

بفضل الحماقة الشعرية، إذا جاز التعبير، وتواضع الموهبة لدى عدد من الشعراء المجايلين (والتالين) له وبعض شعراء السبعينيات في مصر، ظلّت تجربة صلاح عبد الصبور تنتظر التواصل معها والإضافة إليها وتجاوزها. تنتظر جيلاً أكثر انفتاحاً على ذاته وحياته بما يشكّلانه من حضور قوي في التجربة الإنسانية، وقد تمثّل هذا الجيل في عدد من شعراء الثمانينيات والتسعينيات الذين أعادوا إلى الشعر علاقاته الحميمة مع الذات والحياة، مع التجربة الإنسانية بلغتها وتقنياتها وأساليبها الأكثر رسوخاً وعمقاً ونبوعاً من حركة الوجود الظاهرة والباطنة.
كان هؤلاء المجايلون واللاحقون، وبعض شعراء السبعينيات من ذوي الأصوات العالية الفجّة، قد اختطفوا الشعر وأوسعوه تنظيراً وطعناً وتمثيلاً، وفي طريقهم ذبحوا تجربة صلاح عبد الصبور التي أسس بها لتجربة شعرية عربية قادرة على احتواء تجلّيات الحضور الإنساني في أحواله كافة، تستمدّ روحها ورؤيتها وحياتها من فعل متغيّر. تجربة متصلة مع أبرز تجلّيات الشعرية العربية عبر تاريخها ممثّلة بالمتنبي وأبي تمام وأبي العلاء وأبي نؤاس وغيرهم. لقد قام هؤلاء الخاطفون بتحريف السياق ليدخلوا إلى عالم من الألعاب البهلوانية، الرومنسية البائدة، الشكلانية الهندسية أحياناً، واللغوية أحياناً، والأسلوبية أحياناً، والتنظيرية التهويمية أحياناً، والنسخ المشوّه لتجارب عربية وغربية كتجربة أدونيس أحياناً أخرى، كانوا ينحتون تشكيلاتهم بلا روح بدعوى المجاوزة والخروج على التجربة السابقة برمّتها، فانفرط عقد الشعر وخرج المتلقّي عليه، ولم يعد ربما حتى الآن.
لقد ردّ صلاح عبد الصبور الشعر إلى ينابيعه الطبيعية الأولى، وكانت أعماله، الشعرية والمسرحية الشعرية، بمثابة تطبيق صادق للروح الأولى للشعر: لغة بسيطة، ورؤية مضيئة، وصدق شفّاف، وتماس حاد مع الذات وأزماتها الروحية والجسدية، وموسيقى خارجة لتوّها من روح الحياة، وهمّ جارح يسعى بين أضلاع الجسد الإنساني.
مهّد عبد الصبور أرض الشعرية العربية كي تمضي محتوية الحضور الإنساني، ومعبّرة عما يحيط به من تغيّرات وأحداث وانعكاساتها على رؤيته، من دون تخلّ عن روح المغامرة والتجريب على جميع مستويات كتابة النص الشعري، الأمر الذي جعل نصّه قادراً على العطاء المتصل والمتواصل جنباً إلى جنب مع أبرز التجارب الشعرية الإنسانية.
لقد مهّد عبد الصبور لقصيدة النثر وفتح الأبواب إلى أراضيها بلغة وروح ورؤية وجسد لا ينفصلون عن لغة الحياة وروحها ورؤيتها وجسدها، مستوعباً عواصفها، وقابضاً على نيرانها، وحاضناً لجراحها، وداخلاً بكلّيته فيها، وخارجاً لتوه من رحمها، فكان النصّ المتأجّج بوجع الإنسان. هكذا كان عبد الصبور، وهكذا كان نصّه جزءاً لا يتجزأ من نسيج التجربة الحضارية العربية والعالمية.
ملتقى الشعر العربي الذي عُقد في القاهرة بين 10 و13 فبراير، والذي تمّ إطلاق اسم صلاح عبد الصبور على دورته، تجاهل منظّموه ذكر اسمه حتى خلال حفل الافتتاح، كما خلت جلسات مناقشاته من أي بحث تناول تجربة عبد الصبور، كما لم يذكره أحد بأمسية تُلقى فيها نماذج من أشعاره. ولأن رئيس لجنة الشعر حجازي الذي أنهى تجربته الشعرية نهاية مأسوية بتوقّفه أولاً، ثم تحوّله إلى كاتب مقال في الصحف، وأغلب أعضائها ممن أكلتهم الشيخوخة، إبداعياً وإنسانياً، غير صالحين للاستعمال الشعري الآدمي، فقد تمّ استبعاد الأجيال الجديدة التي تشكّل جزءاً من نسيج التجربة الشعرية التي أسسها عبد الصبور وطوّرت من رؤاها لتتجاوز رؤاه وبنت على بنيانه فكان أن أعادت إلى الشعر حضوره الإنساني لتتقدّم بتجربة عبد الصبور مؤكدةً أن روحه لا تزال قادرة على العطاء، وأن أبناءه الحقيقيين قادرون على مدّ آفاق تجربته إلى مستقبل يؤكّد أنهم متن الشعرية العربية اليوم. عمد حجازي إلى إهانة عبد الصبور حيّاً وميتاً، ظاناً أنه بذلك يستطيع أن يقتله، لكنه أبداً لم يستطع أن ينتقص من قيمته الشعرية، وأن يحتلّ مكانه ويؤثّر تأثيره ويفعل فعله في الحركة الشعرية العربية، والمصرية خاصة. قضى حجازي على حجازي حين وأد تجربته مبكراً جداً، وحاول وأد تجارب الأجيال الجديدة التي استشعر أنها تجاوزته، وعمد إلى بعض شعراء السبعينيات والأجيال السابقة كي يكونوا له ظلاً وتابعاً، وقد نجح لضعف موهبة هؤلاء، فتحالفوا معه ضدّ عبد الصبور، ومن ثم ضدّ أبنائه.
لقد قرأت عبد الصبور، شعره ونثره، وترجمته وانسجمت مع رؤاه الشعرية والتنظيرية ورأيت في التأسيس عليها خروجاً بالتجربة الشعرية من مأزقها الذي صنعه بعض مجايليه والتالين عليه وعدد من شعراء السبعينيات، فجاءت قصيدتي تحمل الكثير من مفردات رؤيته: لغة بسيطة ورؤية لا تنفصل عن واقعي وتجربتي الحياتية المعاشة. طوّرت من رؤيته لإيقاع القصيدة لأجعلها نابعة من حالة النصّ ومن داخل همّه - همّي، وقد تجلّى ذلك في ديواني الثاني "لا أحد يدخل معهم" الصادر عام 1996، وهو قصيدة نثر، وديواني الثالث "النور قارب على الزوال"، وأخيراً ديواني الرابع "موت مؤجل في حديقة". وبالنسبة إلى ديواني الأول "الجسد والحلم"، الصادر عام 1991، وهو تفعيليّ، فقد كانت تأثيرات التنظيرات السبعينية قوية عليه، حيث كنت في ذلك الوقت واقعاً تحت تأثير حضورهم ولقاءاتي المتعددة بأكثرهم، لكني سرعان ما اكتشفت أن تطوير رؤيتي الشعرية انطلاقاً من تجربتهم سيفضي بي وبها إلى طريق مسدود، وقد صدق حسّي هذا، فها هي تجربة الكثير من هؤلاء الشعراء تنتهي إلى طريق مسدود، بل تودي بالتجربة الشعرية التي سلكت مسلكهم إلى الطريق نفسه، بل إن الأمر الأخطر من ذلك هو أنهم جعلوا قصيدة التفعيلة المصرية أقرب إلى الموت منها إلى الحياة.
الدور الذي لعبته تجربة صلاح عبد الصبور تجلّى أكثر ما تجلّى في الشعرية العربية خارج مصر، في الشام والعراق والخليج والمغرب العربي، لكن لأن الحركة النقدية العربية غائبة فلا أحد رصد لهذا التأثير الذي تمّ تعميقه وترسيخه والبناء عليه.

***

مثلّث الله والحزن والموت

ياسين رفاعية
(سوريا)

لم يُعطَ صلاح عبد الصبور، الشاعر الحداثي المصري، حقّه من الاهتمام، كما أن العمر لم يتح له تطوير تجربته الشعرية. التقيت بعبد الصبور منذ عام 1960، وكانت لقاءاتي به متواترة، تارة في دمشق، وكثيراً في بيروت. على أن اللقاء الأطول كان عام 1974، وقد كان عبد الصبور وقتذاك مديراً عاماً للهيئة المصرية العامة للكتاب. وكان في الوقت نفسه رئيساً لتحرير مجلة "الكاتب" والتي طلب مني في ذلك الوقت أن أكون مراسلها في بيروت. وبالفعل، فقد كتبت له من بيروت رسائل عديدة في ما بعد. وكنت طوال أربعة أسابيع في القاهرة ألتقي به لقاء شبه يومي، وقد توطّدت الصداقة بيننا في ذلك الحين كثيراً، لأن عبد الصبور كان يمثّل بالنسبة إلي شعر مصر الحديث. وكنت أعتبره من الروّاد الكبار إلى جانب طليعة شعراء فترة الخمسينيات والستينيات، كما كان أكثر قرباً إلى قلبي، بل كنت أشعر أن قصائده تمثّلني وتعبّر عن معاناتي. ولن أنسى قصيدته المذهلة التي أثارت في ذلك الوقت ضجيجاً كبيراً بسبب ما طرحته من مفاهيم وما عبّرت عنه من واقع. بل إنني حفظتها عن ظهر قلب لأن مشاعري تكاد تكون طبق الأصل عن مشاعر الشاعر لحظة إبداعها وكتابتها، وهي قصيدة "الظل والصليب" التي عبّر فيها عن تجربة وجودية عميقة، يقول فيها:

"هذا زمان السأمْ
نفخ الأراجيل سأمْ
دبيب فخذ امرأة ما بين إليتَي رجل
سأمْ
لا عمقَ للألمْ
لأنه كالزيت فوق صفحة السأمْ
لا طعم للندمْ
لأنهم لا يحملون الوزر إلاّ لحظة
ويهبط السأمْ
يغسلهم من رأسهم إلى القدمْ
طهارةً بيضاء تنبت القبور في مغاور الندمْ".

شعر صلاح عبد الصبور بمجمله يدور في إطار الحزن، الحزن الشفيف الذي كان يراه في الزهرة الذابلة، أو في وجه جائع من جياع مصر، أو في ساقية من سواقي النيل، حتى نبرة صوته نفسها إذا روى نكتة للضحك. ربما بسبب مشكلة الموت والحياة التي يفكر فيها المبدع كثيراً، سواء أكان شاعراً أم فناناً أم روائياً، وقد اعتبره الدكتور لويس عوض شاعراً ميتافيزيقياً. والواقع أن صلاح عبد الصبور - كما كان يقول - اهتم بفكرة الله قبل أن يعرف معنى كلمة الميتافيزيقيا، شأن معظم الأطفال حين يفاجأون بمشكلة الموت والحياة، وبتعدّد الأديان وحديث الجنة والنار، والحلال والحرام: "إن فكرة الله لا يُستطاع الإفلات منها قط. ولعل هذا هو ما عناه كيركغارد من قوله إن الوجود البشري في جوهره عذاب ديني".

لكن كثيراً من الناس ينصرفون عن هذا الجانب من التفكير اكتفاء بالمعتنق الديني الموروث، ولما رسخ في الأذهان من كراهية التفكير في هذه الأمور المتشابهة التي تقف بالإنسان على حافة جهنم، فيؤثرون عندئذٍ لوناً من الإيمان السهل. ونقيض هذا اللون من الإيمان السهل هو لون من الإلحاد السهل نجده شائعاً في مجتمعاتنا الحديثة، اتكاءً على بساط لامادية الجدلية، أو بسائط الداروينية أو غيرها من بسائط الفكر الفلسفي والعلمي.

ويعلل صلاح عبد الصبور هذه الظاهرة فيقول: "لكني - بتواضع - إنسان جاد. لا أستطيع أن آخذ مسائل الضمير مأخذاً هيّناً، فقد يهون عليّ كل ما في الحياة، وتبقى غصّة في قلبي هي ما يتصل بالفن والفكر. فإني أحمل حجرها الثقيل في ضميري حتى أحقق بينها وبين نفسي قدراً من الانسجام".

إن بو سويه يحدثنا أن الناس يهتمّون بدفن أفكارهم عن الموت اهتماماً لا يقلّ عن اهتمامهم بدفن موتاهم. لكن تلك قدرة تخون معظم المفكرين والفنانين. والتفكير في الموت هو بداية التفكير في الله، ولذلك كانت آية الأنبياء الأولى على قدرة الله هي حديثهم عن الموت والبعث والنشور.

يتحدّث عبد الصبور عن تلك الفترة من حياته، التي كانت تأسيساً عميقاً لمبتغاه الشعري في الدوران في أفق الحزن والإيمان في آن معاً، وقد قال لي: "كنت في صباي متديّناً أعمق التديّن، حتى أني ذات مرة أخذت أصلّي ليلة كاملة، طمعاً في أن أصل إلى المرتبة التي تحدّث عنها بعض الصالحين، حين تخلو قلوبهم من كل شيء إلاّ ذكر الله. بدأت صلاتي كما يبدأ المصلّي عادة، وذهني مشتغل بمسائل الحياة المختلفة، أتمتم بالآيات، ثم جاهدت كي أخلي نفسي من كل فكرة عدا فكرة الله. وما زلت أصلّي حتى كدت أن أتهالك إعياء، ودفع بي الإعياء والتركيز إلى حالة من الوجد حتى أنني زعمت لنفسي ساعتها أني رأيت الله، وأذكر أن بعض أهلي أدركوني كي لا يصيبني الجنون".
لا يذكر عبد الصبور من هذه التجربة، وقد كان في الرابعة عشرة، إلاّ خيالات ضئيلة. يتذكّر نفسه صبياً مغطى الرأس يركع ويسجد على حصير قديم. يدخل صلاته وهو يذكر قصة ذلك الرجل الصالح الذي كان يصلّي فلدغه ثعبان، فلم يتحرّك حتى أتمّ صلاته لأنه لم يحسّ لدغة الثعبان. واجتهد في أن يصل إلى تلك المنزلة العليا، وما زال في قيام وقعود وركوع وسجود، وهو يرى نفسه تصفو ركعة بعد ركعة، وروحه تشفّ تسليماً بعد تسليم، وكان الليل يوغل في مسيرته، وركبتاه تنوءان وتضعفان، ثم يقوم بين إحدى سجداته، فإذا به يرى أمامه هالة من نور، فيكاد يُغمى عليه هلعاً وفزعاً. ويتذكّر القول القرآني: "وخرّ موسى صعقاً".
لم تمنحه هذه التجربة السكينة، كما يشرح في ما بعد، بل لعلها زادت قلقه: "إن يكن ذلك عطاء من الله، فلمَ لم يعطه لي دون جهد؟ وإذا كان الله قد تبدّى لي فأين كان في الأماكن الأخرى؟". هذه الأسئلة عاش عبد الصبور في بلبالها عاماً كاملاً. حاول أن يكرّر التجربة، فلم يستطع. وجد نفسه في حياته العادية سجيناً في ما يثقل الضمير من كذب وأحلام يقظة جنسية وغيرها من آثام الصبا. ماذا أفاد إذاً من التجربة؟ أتراها كانت وهماً إثر وهم، أم لوناً من رؤية الأشباح؟!
أمام هذا التساؤل حاول عبد الصبور الانتقال إلى الضفة الأخرى علّه يجد فيها مستقراً نفسياً، فاقترب من الفلسفة المادية اقتراباً كبيراً، خصوصاً بعد تخرّجه من الجامعة عام 1951. وفي الواقع فإن ديوانه "الناس في بلادي" كان المعبّر الأصدق عن تلك المرحلة من حياته، خصوصاً قوله:

"ويظل يسعلُ، والحياة تموت في عينيه، إنسان يموت
وعلى محيّاه القسيم سماحة الحزن الصموت
والبسمة البيضاء تهمر فوق خدّيه محبة
لك، لي، لمن داسوه في درب الزحام
ألقى السلام
وصفا محيّاهُ، وأغفت بين جفنيه غمامه
بيضاء شاحبة يطلّ بعمقها نجما سواد
وتمطّت الرئتان في صدر زجاجي خَرِب

وامتدّت الأنفاس مجهدة تراوغ أن تبوح بالانكسار:

إني انهزمت، ولم أُصِب من وسعها إلاّ الجدار
والنور، والسعداء، من حولي، وقافلة البيوت
لكنه ألقى السلام
ومضى، ولا حسّ، ولا ظلّ، كما يمضي ملاك
وتكوّرت أضلاعه، ساقاه، في ركن هناك
حتى ينام
من بعد أن ألقى السلام".

لعلّ هذه الرؤية للحياة والموت هي ما يتضح في هذا الديوان وفي أعمال أخرى مثل "الملكُ لك"، لكن عبد الصبور أدرك في آخر تلك الفترة - كما قال - أن إيمانه بالمجتمع هو لون من التجريد وأحادية الرؤية، ولعلّ بعض الأحداث السياسية في أوروبا الشرقية في عام 1956، وحملة خروشوف ضد الستالينية مع ما صاحبها من كشف لكثير من فظائعه، قد أسهمت كلّها في زلزلة كثير من معتقداته في ذلك الوقت. عاد عبد الصبور إلى حقيقة نفسه، إلى الله، لكنه يقول: "الله لا يعذّبنا بالحياة، لكنه يعطينا ما نستحقه، لأنه قد سلّمنا الكون بريئاً، مادّة عمياء نحن عقلها. فماذا صنعنا به على مدى عشرات القرون، وقد كان باستطاعتنا أن نجعله جنّة وارفة ظلال العدالة والخير والمحبّة. لقد لوّثناه بالفقر والاستعباد والطغيان، ولم يبقَ لنا على مائدة الحياة سوى الجيف، لأنها هي ما نستحق":

"هل يرضيك أن أدعوك يا ضيفي لمائدتي
فلا تلقى سوء جيفة
تعالى الله، أنت منحتنا هذا العذاب
وهذه الآلام
لأنك حينما أبصرتنا لم نحل في عينيك".

ويقول: "لقد أصبحت الآن في سلام مع الله، أؤمن بأن كل إضافة إلى خبرة الإنسانية أو ذكائها أو حساسيتها هي الخطوة نحو الكمال، أو هو خطوة نحو الله. وأؤمن أن غاية الوجود هي تغلّب الخير على الشرّ من خلال صراع طويل ومرير كي يعود الإنسان إلى براءته، التي ليست هي براءة غفلة عمياء كما كانت حين صدورها عن الله، لكنها براءة اجتياز التجربة والخروج منها كما يخرج الذهب من النار، وقد اكتسب شكلاً ونقاء. مسؤولية الإنسان هي أن يشكّل الكون وينقّيه في الوقت نفسه. وليس سعيه الطويل إلاّ محاولة لغلغلة العقل في المادة، وخلق كل منسجم متوازن يقدّمه بين يدي الله في آخر الطريق، كشهادة استحقاق لحياته على الأرض. إن غلغلة العقل في المادة هي مدار الحياة الدينية والفلسفية والفنية للإنسان، وهي أيضاً غاية سعيه نحو التقدم بالمفهوم الآلي التجريبي، وهي مدار "الثورية" الحقة في سلوكه البشري، فالمجتمع الهامد هو الذي يحرص على ثباته المادي، في حالة بعيدة عن الحيوية، وإذا قاربه التشكيل والنقاء رفضهما بضراوة، أما المجتمع الثوري فهو الذي تتوق المادّة فيه إلى التشكيل والنقاء، وتسعى إلى الامتزاج بالعقل". ويتابع: "قمّة الصدق هو الصدق مع النفس. ومعناه أن يدرك الإنسان وجوده ويعيه، وأن يعرف مكانه من الحياة، ويتحمّل دوره وعبء وجوده فيها (...) صدق الإنسان مع نفسه هو الذي يعصمه من التفاهة والسطحية، وهما العدو اللدود للحياة. وقد هاجني كذب الإنسان مع نفسه كما لم تهجني رذيلة قط. لأن هذا الكذب هو موطن الجبن والتناقض والإسفاف. أما الفضيلة الثانية فهي الحرية، وأظن مسرحيتي "مأساة الحلاّج" وقصائدي "هجم التتار" و"شنق زهران" و"مرتفع أبداً" و"سأقتلك" في ديوان "الناس في بلادي"، و"الحرية والموت" و"ثلاث صور من غزة" في ديوان "أقول لكم"، وقصائد "لوركا" و"أحلام الفارس القديم" في ديواني الثالث، كانت كلها تمجيداً لهذه القيمة على المستويات المختلفة، والقيمة الثالثة هي "العدالة" وهي قيمة فردية، كما أنها قيمة اجتماعية، فهي عند الفرد تعني قدرته على وضع الأشياء في مكانها الصحيح، وإصدار الحكم المحايد عليها، وهي في المجتمع محطّ تقدّمه وصمّام أمانه، وتتضافر العدالة والحرية لتصنعا القيمة الحقة في أصول المواطنة، وفي تبرير وجود المجتمع الإنساني. إن شعري - بوجه عام - هو وثيقة تمجيد لهذه القيم، وتنديد بأضدادها، لأن هذه القيم هي قلبي وجرحي وسكيني أيضاً، إنني لا أتألم من أجلها، لكني أنزف".

صوفية من دون تصوّف

أذكر أنني قرأت ترجمة لفصل كامل من كتاب صدر بالألمانية للدكتور ناجي نجيب، أستاذ معهد الدراسات الشرقية التابع لمعهد بون، بعنوان "كتاب الأحزان" عالج فيه ظاهرة الحزن كسلوك اجتماعي، وفيه دراسة في التاريخ النفسي والوجداني والاجتماعي للفئات المتوسطة التي كان صلاح عبد الصبور يمثّلها خير تمثيل، والذي أخرج الشعر من المرحلة الرومنسية إلى مرحلة التعبير عن أحزان المواطن العادي:

"تظل حقيقة في القلب توجعه وتضنيه
ولو جفّت بحار القول لم يجر بها خاطر
ولم ينشر شراعَ الظن فوق مياهها ملاّح
وذلك أن ما نلقاه لا نبغيه
وما نبغيه لا نلقاه".

وقد استقلّ الحزن عن مسبقاته وبواعثه، أو يبدو أنه استقلّ. فقد تحوّل إلى إطار ذهني وجداني، وإلى أسلوب شعري بحيث يعجز صاحب الحزن أن يحدّد لك أسبابه ومصادره، فقد تداخلت الأسباب والمصادر، وانصهرت في عاطفة أو حالة وجدانية شاملة، لا مهرب منها ولا غنى عنها، فالحزن عند صاحب الحزن شيء دائم لا عارض، وهو قدره وما أخذ به نفسه في مواجهة الكون المختلّ والواقع المريض. وقد يقول لك أيضاً إنه قدر جيله، وقدر الإنسان في هذا العصر المنكوب، بل وقدر الانسانية في هذه الدنيا. فمن طبيعة الحزن إذا امتدّ به الزمن أن يستقل عن مسبقاته، ويتحوّل إلى حالة مزاجية وجدانية شاملة قد تشتدّ وقد تنبسط بفعل المؤثرات الخارجية، لكنه موقف احتجاج شعوري عام. واحتماء في حنايا الذات، ومعاناة من الوحدة والانتظار، وأيضاً الحنين إلى شيء ماضٍ أو مفتقد أو قل إنه حلم بالماضي أو بالعودة. والحزن إذا امتد به الزمن يصبح من مكوّنات الذات الإنسانية، يصبح ذلك الشطر المهم من الذات، والذي تركن إليه في اضطرابها، والحزن في هذا المعنى موقف نفسي وجداني أو فلسفي خاص وهو لون من "الصوفية دون تصوّف".

ويشير الدكتور ناجي نجيب إلى أن هذه السطور تمثّل صلاح عبد الصبور، وفي الحقيقة فإن عبد الصبور نفسه، تحدّث عن الحزن وعن مفهومه له، وهذا موجود فعلاً في كتابه "حياتي في الشعر: "الحزن ليس حالة عارضة، لكنه مزاج. قد يعجزني أن أقول إنني حزنت لكذا ولكذا، فحياتي الخاصة ساذجة ليست أمضّ ولا أسعد من حياة غيري... لكني أعتقد أن الإنسان حيوان مفكّر حزين، الحزن ثمرة التأمّل، والحزن غير اليأس، بل لعلّه نقيضه. اليأس ساكن فاتر، والحزن متّقد. والحزن أيضاً ليس هو ذلك الضرب من الأنين الفجّ، إنه وقود عميق وإنساني. أما أن أرد هذا الحزن إلى حاجة لم أقضها، أو إلى فقد قريب، أو شقاء طفولة، فذلك ما لا أستطيعه".

لكن صلاح عبد الصبور يعود ويشير في حديث له (1960)، إلى بعض منابع هذا الحزن وأسبابه، وإلى إطاره النفسي العاطفي الحضاري: "مأساة الشاعر الحديث، والانسان الحديث بوجه عام هي أنه قد اهتدى بثقافته وإحساسه إلى صورة جديدة للحب لا تكاد الفتاة تعرفها، بل لا يكاد جيله كله يعرفه". إن هيامه على وجهه أصبح هياماً يفرضه هو على نفسه، وجميع شبابنا ممن يملكون الإحساس الذي يتجاوز عصرهم يعانون من تلك المشكلة، وأي مراجعة لدواوين عبد الصبور ومسرحياته تبيّن أن من أصول الحزن عنده تطلّع "أنا" الشاعر إلى المرأة، وتطلّعه إلى صلة بها، ويزيد من حدّة هذا التطلّع وشموله اضطراب النظرة إلى المرأة في المجتمع العربي واضطراب العلاقة بها. الاتصال الفعلي بالمرأة أو "الحصول" عليها في ما بعد قد لا يغيّر من مضمون التجربة الأساسية وهي "عدم الحصول".

نعود إلى الدكتور ناجي نجيب الذي يقول إن الإيغال في الأحزان والعذابات هو في حدود ممارسة الصدق مع النفس، ذلك أن الإنسان كإنسان لا يعيش في أحزانه وعذاباته، ولا يعيش في شعره فحسب، وإنما أيضاً في عالم الواقع. هذا هو شرطه الإنساني. فالصدق يعني أن ترتفع الهوّة بين "أنا الشاعر" و"أنا الواقع" أو تضيق إلى أقصى الحدود، وهو ما لا أمل فيه في إطار الرؤية الكونية الفوقية الشاملة، ولا أمل فيه من منظور فكرة الإنسان المطلق المتحرّر من عبوديته وإساره. والتعلّق بفكرة الإنسان الخالصة أو المفردة تكثّف بطبيعتها من شعور الغربة.
لذلك كان الإلحاح على فكرة الموت والتضحية وإيلام الذات وتقديم القربان في أعمال عبد الصبور الشعرية والمسرحية، وكان حديث الشاعر عن مأساة الوجود البشري، وتوقّفه في أسى عميق عند كلمة وليم بتلربيتس: "الإنسان هو الموت".

***

عودة "الشاعر الحزين" إلى "مدينة المستقبل"

محمود عبد الغني
(المغرب)

يعود الشاعر المصري صلاح عبد الصبور هذه المرة إلى لبنان، أرض الحداثة العربية بامتياز. هذا معناه أن صلاح عبد الصبور ما زال شاعراً متجدداً كلما قاربناه بمفاهيم ومصطلحات الحداثة. ذلك أنه شاعر قادم من آفاق غير متوقعة، تجمع بين حداثة الأدب في مصر وحداثة لبنان إذا صح أن الحداثة حالة ومناخ نتوقعه ولا نعيشه. يعود صلاح عبد الصبور، في كل ندوة أو مقالة أو استيحاء شعري، قوياً ومتجدداً. وما عدد الدراسات التي تناولته والندوات والمحاور التي خُصّصت له سوى حنوّ معرفي على شاعر آمن بالشعر والمعرفة طريقين سالكين إلى الحقيقة، وهو إيمان نادر عند العديد من شعراء جيله.
أهمية صلاح عبد الصبور هي أنه وضع إعادة النظر والمراجعات لشعرنا القديم والحديث، ولمعارفنا ولحقيقتنا ونحن نخوض حياتنا، ولتجاور اللغات، فهو مطلع كبير على الأدب الإنكليزي، وضع ذلك كلّه موضعاً ثقافياً وتساؤلياً. وقد ألّف في ذلك كتباً مهمة أفادت النقد العربي كثيراً: "قراءة جديدة لشعرنا القديم"، "على مشارف الخمسين"، "حياتي في الشعر".

"على مشارف الخمسين" كتاب سيرة ذاتية كتبه عبد الصبور دون أن يضعه ضمن تجنيس محدّد، بعكس العديد من أدباء مصر في تلك الفترة الذين كتبوا سيرهم الذاتية وهم على أتمّ معرفة ووعي بالجنس الذي يكتبون فيه: عباس محمود العقاد في "أنا"، وشوقي ضيف في "معي". فقد كان ضيف والعقّاد يخوضان مواجهة واعية بالجنس الذي يكتبانه، في حين أن عبد الصبور كان يقرب أرض النثر بتوجّس. فعدم وضع كتاب "على مشارف الخمسين" في خانة تجنيسيّة هي السيرة الذاتية، يعود إلى غياب الوعي الكافي بما يقوم به الشاعر. ولعلّ من حدّة هذا القصور أن المرحلة الأدبية والنقدية في تلك الفترة لم تكن مؤهلة نظرياً، كما اليوم، لوضع حدود نظرية وتقعيدية فاصلة بين أجناس الأدب، خصوصاً في حقل النثر. ولم يوضع كتاب "حياتي في الشعر" ضمن سلسلة "السيرة الذاتية" إلا عندما نُشر لدى "مكتبة الأسرة" سنة 2003، في حين أن طبعته الأولى لدى "دار العودة" لم تُشر إلى أي تجنيس. شوقي ضيف كان على وعي بالأجناس الأدبية، خصوصاً أنه وضع كتاب مهماً هو "الترجمة الذاتية"، ويقصد السيرة الذاتية، وهذا اضطراب مصطلحي آخر من بين اضطرابات مصطلحية كثيرة كانت سائدة في تلك الفترة، وكانت مؤسسات الأدب، بما فيها الجامعة، عاجزة عن الخوض فيها وضبطها. وهذا، ربما، ما جعل صلاح عبد الصبور، الناثر والناقد، على علاقة بريئة بالتراث، كما وصفه جابر عصفور. ومع ذلك فكتاب "قراءة جديدة لشعرنا القديم" يشدّنا إليه بقوة لأنه مبادرة استثنائية من شاعر حاول أن يستوعب تقاليد الشعر العربي القديم ويتناولها بمقياس عصره. خصوصاً أنه لم يُعطِ أهمية كبيرة لشعراء مكرّسين تسبقهم شهرتهم، أو لقصيدة رائجة يحفظها الشعراء والغاوون، بل نظر إلى تراثه الشعري نظرة بريئة وفاحصة تناول من خلالها جميع الشعراء وجميع القصائد التي فيها قسط من الجمال. وهو جهد سابق لما قام به أدونيس في "ديوان الشعر العربي"، مع احتفاظ هذا الأخير بالشمولية وسعة الأفق وجذرية الرؤية.

يعطي صلاح عبد الصبور أولوية كبيرة لقضية التشكيل في القصيدة، حتى أنه بات يؤمن أن القصيدة التي تفتقد التشكيل تفتقد الكثير من مبرّرات وجودها. وإدراكه لفكرة التشكيل، بحسب اعترافه، "لم ينبع من قراءاته للشعر بقدر ما نبع من محاولاتي لتذوق فن التصوير..." ("حياتي في الشعر"، ص 25). كان صلاح عبد الصبور زائراً كبيراً للمتاحف العالمية، ومن هنا بدأت خيوط فكرة التشكيل في القصيدة تتكوّن لديه. بل انه بدأ ينظر إلى الشعر من زاوية هذه الفكرة، فبدأت تنير له "كثيراً من غوامض الاستحسان"، بحسب تعبيره. ومن خلالها أيضاً نظر إلى الشعر الحديث والقديم، عربيّه وغربيّه. وبذلك فالقصيدة عنده ليست مجموعة من الخواطر أو الصور أو المعلومات، بل هي بناء متدامج الأجزاء، منظّم تنظيماً صارماً. وقد طبّق نظرية التشكيل هذه على قصيدة شهيرة للشاعر السكندري اليوناني كافافيس عنوانها "في انتظار البرابرة". وعند تحليله للقصيدة نجد عبد الصبور يضيء مفهوم التشكيل من خلال قصيدة عظيمة.
إضافة إلى التشكيل، ثمة فكرة مركزية عند شاعرنا وهي الجسارة اللغوية. وهي فكرة توقّف عندها لدى قراءته للشاعر ت. س. إليوت. كان عبد الصبور آنذاك خارجاً من المدرسة الرومنسية العربية، بموسيقاها الرقيقة، وقاموسها اللغوي المنتقى، بألفاظه ذوات الدلالة المجنحة، والإيقاع الناعم. وهو نوع من الانحباس في التقليد الشعري العربي في مناحيه اللغوية خصوصاً. عند قراءته لقصيدة "الأرض اليباب" لإليوت انفتح عبد الصبور على اللغة اليومية التي بغيرها لا يمكن نقل الأحاسيس والصور.
هذا هو صلاح عبد الصبور، شاعر تكوّن على يد الشعر العربي والغربي، قديمه وحديثه. خبر كل قضاياه الحاسمة في كتابة القصيدة، من اللغة والتشكيل إلى الأسطورة والمادة التاريخية، ذلك كلّه بنبرة حزينة جعلت النقّاد يصفونه بالشاعر الحزين البعيد عن مدينة المستقبل بأحلامها وأمانيها.

***

صلاح عبد الصبور في عيون الشعراء العرب الشباب

هنا ملفّ، نطمح إلى أن يصبح زاوية دائمة، حول علاقة الشعراء العرب الشباب بتجربة الشاعر الذي هو محور العدد، والذي هو هنا صلاح عبد الصبور.

***

شعرية الاستثناء

عماد فؤاد
(مصر)

أضبط نفسي أحياناً متلبّساً بترديد سطور كتبها يوماً صلاح عبد الصبور في قصيدته "مذكرات الصوفي بشر الحافي": "يا شيخي الطيّب/ هل تدري في أيّ الأيام نعيش؟/ هذا اليوم الموبوء هو اليوم السابع/ من أيام الأسبوع الخامس/ في الشهر الثالث عشرْ/ الإنسان الإنسان عبرْ/ من أعوام/ ومضى/ لم يعرفه بشرْ/ حفر الحصباء ونام/ وتغطَّى بالآلام".
في اعتقادي أن صلاح عبد الصبور في هذه السطور إنما كان يرثي زمانه وكأنه يتكهّن بيوم موته، هذا اليوم الذي قتلته فيه كلمة. لفترة طويلة لم يجذبني في صلاح عبد الصبور سوى ليلة موته، لا أعرف إذا ما كان يحقّ لي أن أقول هذا أم لا، لكني تعوّدت على أن "أنكش" في حياة من أقرأ لهم، باحثاً عن ملامحهم الإنسانية كي تكون في داخلي وأنا أطأ أرض ما كتبوه، كان هذا دأبي وما يزال، إن قرأت لشاعر أو روائي أو أياً كان مجال إبداعه وأحببته، أبحث عن حواراته وعن آراء الأخرين فيه ورؤيتهم له إنساناً قبل أن يكون كاتباً، لذلك تجدني مثلاً حين هيّأت لي ظروف عملي الصحافي يوماً أن ألتقي بمعتزة صلاح عبد الصبور ابنة الشاعر الراحل، كي أجري معها حواراً لصحيفة عربية عن عملها كممثلة مسرحية وتأثرها بوالدها وأمها الإعلامية الراحلة سميحة غالب، وجدتني أطلب منها أن يكون الحوار في بيت الأسرة الذي تربَّت فيه، وحين وجدتها تقترح مكاناً آخر، أخبرتها صراحة أنني أيضاً أريد رؤية البيت الذي عاش فيه شاعر كبير مثل والدها. وقتها لم يكن إنجاز عبد الصبور الشعري مغرياً لي من الناحية الإبداعية، بقدر ما كان حافزاً للتعرّف إليه أكثر. كنت في ذلك الوقت مولعاً بشعرية أمل دنقل الهادئة العميقة، وتحديداً في مجموعته الأخيرة "أوراق الغرفة رقم 8"، التي كتبها وهو على فراش المرض في معهد الأورام السرطانية بالقاهرة. كان إنجاز صلاح عبد الصبور بالنسبة إلي آنذاك غارقاً في الغنائية والبحث الفلسفي باشتباكاته الدؤوبة مع الله والإنسان وفكرة المسيح أو الألوهة، أما دنقل فقد كان إنساناً أولاً وأخيراً. الآن وأنا أستعيد ما تركه بداخلي شعر هذين الشاعرين الاستثنائين في الشعر المصري الحديث، أجد أنهما كانا الأقرب من بين الشعراء المصريين في جيل الستينيات وأجيال أخرى، مما يحدث الآن على الساحة الشعرية المصرية أو العربية: أمل دنقل باشتغاله الدؤوب والهادئ على تقنيات السينما من تقطيعات المونتاج والمشاهد المتتابعة وحركة العين التي تشبه كاميرا سينمائية ترصد أدقّ التفاصيل التي يحتويها المشهد المكتوب، وعبد الصبور باشتغاله على تعدّد الأصوات في القصيدة أو المسرحة كما في إنجازه الشعري العميق في المسرح الشعري، هذا اللون الشعري الذي اختفى الآن أو كاد. ولن نكون بعيدين عن الحقيقة حين نقول إن هذه التقنيات هي ذاتها التي تمّ توظيفها بحرفيات وآليات مختلفة في راهن الشعر المصري الجديد، أو ما عُرف باسم قصيدة النثر، فلا أعتقد - مثلاً - أن صلاح عبد الصبور كان يتخيّل أو يدرك النتيجة التي سوف تترتّب على افتتاحه قصيدته الجميلة "الناس في بلادي" بهذه السطور: "الناس في بلادي جارحون كالصقور/ غناؤهم كرجفة الشتاء في ذؤابة المطر/ وضحكهم يئزّ كاللهيب في الحطب/ خطاهمو تريد أن تسوخ في التراب/ ويقتلون، يسرقون، يشربون، يجشأون/ لكنهم بشر".
في تصوّري الخاص أن هذه السطور كانت أكثر تأثيراً في حركة الشعر المصرية والعربية من سطور أخرى للشاعر نفسه، اعتبرها البعض إرهاصة تحوّل جذري في الشعر العربي، وهي التي يقول فيها: "يا صاحبي، إني حزين/ طلع الصباح، فما ابتسمت، ولم ينر وجهي الصباح/ وخرجت من جوف المدينة أطلب الرزق المتاح/ وغمست في ماء القناعة خبز أيامي الكفاف/ ورجعت بعد الظهر في جيبي قروش/ فشربت شاياً في الطريق/ ورتقت نعلي/ ولعبت بالنرد الموزّع بين كفّي والصديق".
هذه الأبيات التي أنتجت لدينا مفردات ومصطلحات كنّا وكأننا نسمع بها للمرّة الأولى، مثل الكتابة عن "اليومي" و"المعاش" و"العادي" و"المألوف" إلى آخر ذلك من المسمّيات، أعتقد أنها شوّهت ما ولد بعد ذلك من شعر، ذلك أن تسليط الكتابات النقدية الضوء على مثل هذه المصطلحات أظهرها على أنها فتح جديد، في حين أن الكثير من تراثنا الشعري القديم مبني أساساً على هذه الأطر أو المحاور، أقول إن هذا التسليط النقدي شوّه الكثير من الشعر، حيث تحوّلت الرغبة في الكتابة عن "اليومي" و"العادي" و"البسيط" إلى وصفة شعرية جاهزة لدى الكثير من الشعراء، سواء في مصر أو في بلدان عربية أخرى، وفي حين كان صلاح عبد الصبور بهذه السطور يفتح أفقاً جديداً في القصيدة المصرية، أضحت هذه المقولات حدّاً وتأطيراً للفضاء الشعري في ما بعد.
من هنا أعتبر أن ما قدّمه شاعر مثل صلاح عبد الصبور، ومن بعده أمل دنقل، على اختلافه وتباينه، أو حتى في اشتباكه وتقاطعه، إنما يعدّ استثناء في الشعر المصري المعاصر، ذلك أن منجزهما الشعري حيّ إلى لحظتنا هذه، والدليل هو ما يكتب اليوم من شعر، وأيضاً ما يكتب اليوم ويتراكم تحت دعوى الشعر.

***

ولو متأخراً

فيديل سبيتي*
(لبنان)

كان في ظنّي أن كتّاب الشعر يلجأون إلى الكتابات النثرية من قصص أو روايات، أو إلى وسائل تعبير أخرى، حين يشعرون بأن مجموعاتهم الشعرية لم تلقَ استحساناً من قبل المهتمين أو المتابعين في المجتمع الشعري. وقد يكون الاستنكاف عن كتابة الشعر أو إصداره في كتب، سببه إحساس الشاعر بأن الشعر لا يساعده على التعبير عن مشاعره واختلاجاته، أو أنه لا يؤدّي هذه المهمة على أكمل وجه، أو أن الشعر وسيلة تعبير خاصة لا تعني إلا قلّة من البشر ممن يستسيغونها وسيلة للتعبير. أو أن الشعر لن يؤدي بكاتبه إلى الشهرة، إذا افترضنا أن الفنان، على تنوّع فنّه، يطلب الشهرة حين يُخرج أعماله من جواريره لتصير ملكاً للعامّة. وبغضّ النظر عن تلك الأسباب وتعدّدها، فإن عدداً كبيراً ممن بدأوا حياتهم في الكتابة الشعرية أو تجريب الكتابة في القصائد تركوها إلى صنوف أخرى من الكتابة، القصة القصيرة أو الرواية أو المسرح أو صناعة الأفلام أو التجهيز... ربّما يكون هذا الأمر مبرراً في وقتنا هذا، أي في العقود القليلة الماضية حين بات الشعر نوعاً نخبوياً من الفنون، وحين بات الشاعر أسير محيطه وعالمه الشعري المؤلّف بدوره من شعراء ووسائط اتصال تعنى بالشعر ومن ذوّاقة ومؤسسات ثقافية قليلة تعنى بالانتاج الشعري. لكن بينما كنت أبحث عن معلومات تفيدني في كتابة مقالة عن الشاعر المصري صلاح عبد الصبور، لفتني انقلاب تلك الفكرة في زمن سابق، وهو زمن الشاعر وأقرانه من الشعراء العرب والمصريين واللبنانيين، أي الزمن الذي كان فيه الشعر متقدّماً إعلامياً على غيره من فنون الكتابة، وحين كانت الأصوات الجديدة في عالم قصيدة النثر الحديثة تترك أثراً فعلياً في الحياة الأدبية والفكرية وبين صنّاعها، فلم يخفت صوت هؤلاء الصنّاع حتى بعد أفول دور الشعر الريادي والتغييري نتيجة لأسباب كثيرة (لسنا في وارد التكهّن بها الآن)، ومن هذه الأصوات اللامعة ما زال لكثر منهم تأثيرهم في الحياة الثقافية للمجتمعات العربية (ولسنا في وارد تعدادهم الآن أيضاً)، وما زالت أسماؤهم جميعاً متداولة في عالم الثقافة والأدب، ومن هذه الأسماء اسم صلاح عبد الصبور القادم إلى الشعر من محاولات أدبية أخرى، في ذاك الوقت الذي كان فيه الشعر عند أعلى التلّة، يأتيه المريدون من السهل حيث القصة القصيرة والرواية والكتابات الفلسفية والشعر العمودي الكلاسيكي.
في رسالته إلى مجلة "الآداب" اللبنانية المؤرخة في 14 آذار 1966 كتب صلاح عبد الصبور عن افتتانه بالشعر: "وأظنني لم أدرك أن الشعر هو طريقي الأول إلا في عام 1953، أما قبل تلك الفترة فقد كنت مشغولاً بأشياء كثيرة، كنت أحاول القصة القصيرة، والكتابة الفلسفية على نمط محاورات أفلاطون التي قرأتها في مطلع الصبا بترجمة حنّا خباز وفُتنت بها فتوناً، لكن في ذلك العام تحدّدت رغبتي الأدبية، وارتبطت بالشعر ارتباط التابع بالمتبوع". كانت تلك مفاجأتي الأولى، أنا الباحث عن معلومات لكتابة هذه المقالة، إذ جاء ارتباط صلاح عبد الصبور بالشعر ارتباط التابع بالمتبوع، بعد محاولات أخرى في كتابة القصة القصيرة والكتابة الفلسفية، كما لو أن وصوله إلى كتابة الشعر هو زبدة تجاربه تلك، وأن الشعر الذي راح يتبعه هو في قمّة تلك المحاولات، ونتيجة لها. وصلاح عبد الصبور في اتخاذه الشعر وسيلة تعبير نهائية بعدما افتتن بها، اتخذ من الشعر سبباً لحياته، وعمل جاهداً كي يكون شعره خاصاً به، فكتب في الرسالة نفسها: "وأنا ممن يظنون، وهم قلّة، أن قول الشعر جدير وحده بأن يستنفد حياة بشرية تُوهب له وتُنذر من أجله. وقد وهبت الشعر حياتي منذ ذلك الأمد. وجهدت حتى أصير شاعراً له مذاقه الخاص، وعالمه الخاص". هذا توصيف راهن يحتاجه الشاعر المعاصر حتى يُعاد إلى الشعر رونقه بين غيره من الفنون. وليس استغرابي مردّه اعتقادي أن مطلب "الشعر الخاص" و"العالم الخاص" هو مطلب عصري (أي ينطبق على زمننا نحن)، ذلك أن قصيدة النثر في بداياتها، أي في الفترة القريبة على كتابة تلك الرسالة، كانت بمثابة موجة شعرية جديدة ومخالفة للسائد، لم يكن مطلب التمايز في داخلها مطلباً أساسياً من أولويات كاتب القصيدة قدر ما كان مطلبه كتابة القصيدة النثرية الحديثة والخروج على الأطر السائدة والتقليدية. كان هذا ظنّاً خاطئاً. وقد ساعدني بحثي عن معلومات لكتابة هذه المقالة ووقوعي على رسالة عبد الصبور تلك، في دفع "ظني" هذا والوقوف على رأي مختلف. ثم رحت أقارن بين ما يقوله صلاح عبد الصبور في رسالته (التي افترضتها تنظيرية حتى انتهائي من المقارنة) حول مجموعاته الشعرية وبين قصائده الفعلية، وجدت أنه من الغريب أن يتمكن شاعر من وصف مجموعاته الشعرية بكلمتين أو عبارتين ويصيب في وصفه هذا. فهو يصف ديوان "الناس في بلادي" بأنه كان "غنياً بالانفعال"، وفي المقطع الأخير من قصيدة "رؤيا" من ديوان "تأملات في زمن جريح" يكتب عبد الصبور: "(...) إذ تنقطع حبالي الليلة/ يلقي بي في مخزن عاديات/ كي أتأمّل بعيون مرتبكة/ من تحت الأرفف أقدام المارة في الطرقات".
الانفعال الذي كان يقصده الكاتب هو السوريالية التي كانت في أوجها في تلك الفترة. السوريالية الطازجة في هذا المقطع. السوريالية السلسة والبسيطة... ويقول إنه في مجموعة "أقول لكم" كان يريد أن يقرّب دور المفكّر من دور الشاعر. مثال صغير على صحّة توصيفه لشعره من قصيدة "الظل والصليب": "قلتم لي:/ لا تدسس أنفك في ما يعني جارك/ لكني أسألكم أن تعطوني أنفي/ وجهي في مرآتي مجدوع الأنف". أو المقطع الأخير من القصيدة نفسها: "هذا زمن الحق الضائع/ لا يعرف فيه مقتول من قاتله/ ومتى قتله/ ورؤوس الناس على جثث الحيوانات/ ورؤوس الحيوانات على جثث الناس/ فتحسّس رأسك/ فتحسّس رأسك!".
في العادة يُترك توصيف دور القصيدة ودور الشاعر فيها إلى القارىء أو الناقد أو المتابع المهتم، لكن قدرة عبد الصبور على تقديم رأيه بقصائده، أي محاولته تقريب المفكّر من الشاعر في قصائد "أقول لكم"، تنبىء بوعيه في ما يكتب وبهدف هذه الكتابة التي كان تأويلها على الدوام بأنها كتابة لاواعية، خصوصاً في القصيدة النثرية الحديثة. ثم يصف عبد الصبور علاقته بديوان "أحلام الفارس القديم" بقوله: "حاولت أن أصل إلى نوع من التمازج و التراضي بين الموسيقى والطلاقة التعبيرية، وبين الإحساس والفكرة في "أحلام الفارس القديم"، ولو سئلت عن مدى توفيقي في هذا الديوان لقلت إنني استطعت فيه أن أصفّي لغتي وانفعالي وأفكاري من كلّ فضول". من قصيدة "أغنية من فينّا": "ثم نزلنا للطريق واجمين/ لمّا دخلنا في مواكب البشر/ المسرعين الخطو نحو الخبز والمؤونة/ المسرعين الخطو نحو الموت/ في جبهة الطريق، انفلتت ذراعها/ في نصفه، تباعدت، فرّقنا مستعجل يشدّ طفلته".
منذ العام 1953 بداية كتابته الشعر، وحتى العام 1966 تاريخ نشر رسالته في مجلة "الآداب"، يبدو واضحاً أن صلاح عبد الصبور يعرف جيداً كيف يصف حياته الشعرية ومجموعاته الشعرية التي يبدو مصيباً في توصيفها. وما شعرتُ به أثناء بحثي عن هذه المعلومات أنني في مواجهة شاعر حداثوي معاصر بلا ريب، كان من الجيّد أن أتعرّف إليه، ولو متأخراً.

****

الجسارة الشعرية

حسين جلعاد*
(الأردن)

صورتان تحضرانني بقوة حين أسمع اسم صلاح عبد الصبور: موته المقهور، وشعرية لفظة "صديقتي". حين بدأنا نتلمّس طريقنا إلى الشعر كان عبد الصبور قد رحل خلال الحادثة الفاجعة للسكتة القلبية التي أخذته. أشعاره وجدناها في الكتب لاحقاً، ولهذا لم يكن تأثيره علينا مباشراً. أعني أن شعره أثّر فينا بمعزل عن حضوره الشخصي على العكس مما حدث مع آخرين. ولذلك ربما كان حضوره هو الأبهى، لأن ما بقي منه هو الشعر: الخالص والحقيقي.
ما جعلني أنصت إلى شعرية عبد الصبور هو خفوت نبرتها، ونجاتها من بلاغة الشعرية العربية ورطانتها، هذه الشعرية التي كانت تتسيّد المشهد الشعري. أشعار عبد الصبور نجت من رطانة الترجمة، ومن هوس التمسّك بفخامة البلاغة العثمانية. والأهم من ذلك كلّه أن فيها إيقاعاً اقترب من إيقاع قصيدة النثر إلى حدّ ما.
وبالعودة إلى لازمة "صديقتي" فإن شعرية عبد الصبور أخذت منحى يومياً، أي أن الشعر تخلّى عن نخبويته ليكون كائناً يومياً. المفاهيم التقليدية الجامدة انكسرت بفعل حيوية الهامشي واليومي والصغير.
عبد الصبور علامة فارقة في الشعرية العربية، جسّرت الطريق إلى تحرّر التفعيلة من تجهّم شعرية الخمسينيات الريادية كما في تجربة السيّاب، وربما كانت في هذا السياق جزءاً من تحرّر الذائقة لاستقبال نمط كتابي وإبداعي جديد. أهم ما تركه فينا عبد الصبور هو: الجسارة الشعرية. أن تتتبّع قلبك في نحت معانيك الخاصة، وألا تعبأ بالسائد النمطي.

****

سياسة "القرب" الشعري

محمد الزلماطي*
(المغرب)

لا أذكر بالضبط المرّة الأولى التي سمعت فيها اسم الشاعر المصري صلاح عبد الصبور، لكني أذكر أن كتاباً له، ربما كان عنوانه "قراءة في شعرنا القديم" كان متداولاً بين طلبة الشعبة الأدبية في المدرسة الثانوية، وربما كان مقرراً في أحد أقسامها. كنت طالباً آنذاك ضمن الشعبة العلمية، أدرس الرياضيات والفيزياء وعلوم الطبيعة، وكانت نصوص اللغة العربية المقرّرة لنا غير بعيدة عن مجال التقنية والعلوم، وكانت حصّة الأدب فيها قليلة. وأذكر أن قصيدة محمود درويش "سجّل أنا عربي" كانت النافذة التي استنشقنا من خلالها هواء شعرياً جديداً في تلك المرحلة التي تبدو الآن بعيدة. بعد ذلك، وفي المرحلة الجامعية، ملأ محمود درويش وسميح القاسم وأحمد مطر وبلند الحيدري ومعين بسيسو وأحمد فؤاد نجم والشيخ إمام ومارسيل خليفة وغيرهم... الساحة الجامعية المشتعلة والمتوهّجة بالأحلام الطوباوية الكبيرة. كنّا نتبادل دواوينهم وقصائدهم وأشرطتهم، ونتبادل أطراف الحديث حول أشعارهم، التي كانت تُقرأ في الأمسيات الطلابية. كانوا شعراء الساحة وشعراء "الجماهير" أيضاً، ولم يلتفت أحد إلى صلاح عبد الصبور وإلى شعره. ربما لأنه لم يكن يعبّر عن طموحات المرحلة وأفكارها وقتئذٍ. أتحدّث هنا عن نهاية الثمانينيات حيث كانت مياه كثيرة قد جرت تحت الجسر!
لهذا الأسباب، ربّما، لم أتعرّف إلى شعر عبد الصبور إلا لاحقاً وبشكل متأخر جداً، وحين قرأت بعض قصائده أدهشتني حقاً، فالرجل يكتب قصيدته بلغة بسيطة أقرب إلى السرد منه إلى قوالب الشعر الرصينة بلغتها المتحذلقة المنتقاة، قصيدة تحتفل باليومي والعادي بعيداً عن التعالي المجرّد على الواقع. قصائد مثل "الناس في بلادي" و"شنق زهران" و"أحلام الفارس القديم" هي قصائد شجاعة وجريئة في هذا المعنى. ويبدو أنها كانت مستفزّة في زمانها، لكونها قد خرجت بالشعر العربي من شرنقة التصنّع الشكلي والالتفاف حول النقاء اللغوي إلى فضاء أرحب. بعد ذلك سأقرأ أن العديد من قصائد عبد الصبور قد لاقت الكثير من الرفض والانتقاد وقتها، بسبب خروجها على السائد، واعتناقها طرائق جديدة. وهذا وحده كافٍ ليجعل صلاح عبد الصبور على رأس الشعراء العرب المجددين، وأحد أنبياء سياسة "القرب" الشعرية.

***

ضحية مصر

أحمد الواصل
(السعودية)

لماذا نذكر صلاح عبد الصبور بمثل هذه الشفقة التأبينيّة المتأخرة، وأين يقع اسم عبد الصبور، مع أحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل، في حركة شعر التفعيلة بمصر؟
سؤالان راوداني. ربما بسبب اطلاعي على مجمل الشعر العربي من قرونه الأولى والوسيطة والمتأخرة إلى ما بعد النهضة، فقد ظلّت صلتي بتراث الشعر العربي في القرن العشرين محكومة في بدايتها بالمنهج الدراسي للأدب العربي، ثم تحققت لي الحرّية في اختيار وتجاهل ما أريد، فرأيتني مهتمّاً بعد مدرسة "أبولو" التي زاحمتها اللبنانية في موطنها ومهجرها، بحركة شعر التفعيلة العراقي خلال الخمسينيات، وما بعده في لبنان من خلال بلورة حركة الشعر الحرّ (قصيدة النثر أو الشعر المنثور) بعناصرها السورية والفلسطينية... هذا كلّه أنجز حاجزاً نهائياً لديّ مع شعراء مصر، وهذا ما قفز بي إلى شعراء السبعينيات مثل حلمي سالم، ثم شعراء التسعينيات مثل إيمان مرسال وعلي منصور، فلم يكن عبد الصبور حاضراً إلا من خلال مسرحه الشعري، ناهيك ببعد شعره عن ذائقتي. إلا أني أرى ثلاثة عوامل حجبت شخصيته الشعرية عنّا كشعراء شباب: أولاً، انتقال مركز الشعر من مصر إلى العراق فلبنان. ثانياً، ابتعاد شعر صلاح عبد الصبور عن السياسي المباشر. وثالثاً، حصار مسرحه الشعري ومراقبته!

***

الديوان المفقود

تمام تلاّوي*
(سوريا)

عندما أردت أن أستعير ديوان صلاح عبد الصبور كي أستعين به على استعادة المشاعر الأولى التي انتابتني لحظة قراءته للمرّة الأولى، فوجئت بأني لست الوحيد الذي لم يعد يحتفظ بديوان هذا الشاعر الكبير. أصدقائي الشعراء وأصحاب المكتبات المنزلية الذين اتصلت بهم اليوم اتفقوا على أجوبة ذات نتيجة واحدة، فمنهم من أعاره، ومنهم من لم يعد يذكر أين وضعه، ومنهم من لا يملكه أصلاً، ومنهم من بحث عنه ولم يجده، وواحد قال بصراحة إنه تخلّص من مجموعات عبد الصبور منذ زمن طويل! يبدو أن صلاح عبد الصبور ليس من ذلك النوع من الشعراء الذين تحرص على الاحتفاظ بديوانهم، أو تواظب على إعادة قراءتهم بين وقت وآخر. لقد استنتجت هذه الحقيقة القاسية اليوم بالذات عندما اتصلت بحوالى تسعة من أصدقائي المثقفين والكتّاب في اللاذقية الذين لم أكن لأشك لحظة واحدة أنهم لا يملكون ديوانه. ربما تكون هذه محض مصادفة خالصة، وليست إحصائية علمية يجب الأخذ بها، لكن هذه هي تجربتي الشخصية، اليوم، وقد آلمتني جداً، خصوصاً أن صلاح عبد الصبور هو واحد من الشعراء الذين قرأتهم في بداياتي بحبّ خالص، وعشت أجواء قصائدهم بحميمية بالغة.
قررت إذاً أن أكتب شهادتي هكذا من دون العودة إلى ديوانه، مستهلاً إيّاها بهذا الاستنتاج الذي ينطبق عليّ شخصياً، فأنا حقيقة قد فقدت ديوانه ذا الغلاف الأحمر منذ أعوام عدّة، ولا أمتلك اليوم من أعماله سوى مسرحية "ليلى والمجنون" المطبوعة ضمن سلسلة "كتاب في جريدة"، كما أعترف أني لم أعد إلى قراءة قصيدة لصلاح عبد الصبور مرّتين، ولم أستطع أن أكمل قراءة مسرحية واحدة من مسرحياته الشعرية، ربما كان أحد الأسباب هو أني أميل إلى مشاهدة المسرح أكثر بكثير مما أميل إلى قراءته. أما بالنسبة إلى شعره فربما كان السبب هو سوء الحظ لا أكثر، فأنا قرأت صلاح عبد الصبور تماماً بعد انتهائي من قراءة بدر شاكر السيّاب، وكنت في تلك الفترة مفتوناً بهذا الأخير، وربما لو أني كنت قد قرأته قبل السيّاب لتغيّر الوضع كثيراً، لأنني أعتقد أن شعره هو من النوع القادر على استلابك تماماً، في حال لم تكن مأخوذاً بشاعر آخر. وما أتذكره جيّداً من انطباعاتي حول قراءتي صلاح عبد الصبور، هو تلك المباشرة الشديدة في التوصيف المشهدي في قصائده، وهذا ما لم أحببه كثيراً آنذاك، خصوصاً بعد قراءة شعر السيّاب المليء بالصور والمجازات اللغوية. أتذكر أيضاً ثراء قصائده بالتفاصيل اليومية التي كان يمثّل استخدامها في الشعر، آنذاك، مروقاً وخروجاً كبيراً. لكننا مهما اختلفنا على هذا الشاعر الجميل، فإننا لا نستطيع أبداً أن ننكر أنه الشاعر الرائد الذي ترك لنا "موعظة" عظيمة جداً في الشعر العربي الحديث، منذ ديوانه الأول "الناس في بلادي" الذي أثار ضجة كبيرة في مصر الخمسينيات، وهي أنك تستطيع استخدام ما تشاء من الأدوات التعبيرية مهما يكن نوع قصيدتك التي تكتبها. فهو استخدم في شعره (التفعيلة) التفاصيل اليومية وأسلوب النقد الساخر (الأداتان اللتان اشتهرت بهما قصيدة النثر) في زمن كان مواكباً لولادات قصيدة التفعيلة تماماً كمواكبته لولادات قصيدة النثر، ربما ليقول لنا أيضاً إن ما من شيء في الإبداع هو حكر على مبدع.

***

بصمات السيّاب

محيي الدين جرمة*
(اليمن)

حوالى 26 عاماً تفصلنا عن رحيل الشاعر الرائد - في زمانه - صلاح عبد الصبور، وهي المرحلة التي أحسب أن عبد الصبور لو بقي خلالها حيّاً حتى اليوم لكتب قصيدة جديدة - قصيدة نثر مثلاً - ولحسده في ذلك مواطنه المصري أو ابن بلدياته الشاعر "الكبير جداً"، في السن طبعاً، أحمد عبد المعطي حجازي الذي ما يزال يمارس مركزيته التقليدية على القصيدة اليوم في محيط حارته الشعرية التي قد لا تتجاوز "منابر" مؤسسات بعينها باسم الثقافة وطابور صحافة يوسم بالتقليدية وهجنة التسطيح والتكريس برافعة ثقافة التخلف والهزيمة وماكنة صناعة الحروب السياسية. حيث يبدو "الشاعر العربي الكبير" اليوم، عبر تأرجحاته وموقفه من قصيدة النثر، أو الجديد بشكل عام، أكثر سلفية من سلفي متشدّد. أما عبد الصبور فقد كانت لديه البديهة الشعرية والطموح الفني في أن يتجاوز أو يدخل ويخترق مناطق ويحرث أخرى برؤية شعرية تأمّلت وجودها ومحيطها وأخلصت لقصيدتها فنياً بمعايير تلك الحقبة، وبخاصة في ملامستها لعرق الريف ووجعه رغم ما شابها من تشابهات وهشاشة، أو ركاكة وتقرير وجنوح إلى عفوية مقاربة الواقع بالواقع إلى حدّ كبير. غير أن عبد الصبور كان سبّاقاً بين مجايليه إلى وضع توقيعات خاصة به في متن القصيدة المعاصرة أو الحديثة، وبالذات في سياقها الزمني وتجاورها إلى حدّ التشابه أو التناسخ مع بعض ملامح أو أبرز شواهد القصيدة السيّابية، والتي بدا أثرها واضحاً في مستهلّ قصيدة عبد الصبور وبخاصة في مجموعته الأولى "الناس في بلادي"، في حين يُحسب لعبد الصبور تأثيراته في تجارب عربية كقصيدة عبد العزيز المقالح وغيره في اليمن والتي تماست بشغف كبير مع شعرية بدايات عبد الصبور بقدر اقترابها من أثر مسرحه الشعري الذي تأثر هو الآخر بتثاقفه مع تجارب غربية أخرى كشكسبير وإليوت وغيرهم. بقدر اقتراباته في بعض ملامح شعريته حدّ التناص، أو "التلاص" الذي كان يبدو مبرراً في فترة الخمسينيات أو الستينيات كفترة تأسيس وتمرّد ومراكمة للشعرية بتأثيراتها وتجاورات أبعادها ومستوياتها المختلفة مع تجارب عربية أخرى: تجربة السيّاب في العراق مثلاً، وتحديداً مع قصيدته "أنشودة المطر".

***

لما فوَّتُّ الكثير لو لم أقرأه

محمد بركات
(لبنان)

في البداية، ولأدفع التهم، سأقول إنّي قرأت صلاح عبد الصبور، وإنّي قرأت فوق ذلك ما كُتب عنه، وسيرة حياته، وما تعلّمه وأين عمل ولماذا، ومن هم أصدقاؤه. وفي البداية لا أنكر أنّي تفاجأت بطليعيّته في قصيدة التفاصيل واليومي، بعدما كنت أظنّ أن جيلاً تلاه كان رائدها، وأقنعتني جرأته في اللغة، رغم أنّه من جيل يدّعي بعض أعلامه أنّهم ملوك اللغة، ومقصدهم المقارنة بـ"رعاع اللغة" في يومنا هذا. أيضاً، لا أنكر أني مللت من محاولاته المسرحية بسرعة، ولم أستطع إكمال قراءتها، ووجدت أنّها أقلّ من الشعر وأقلّ من المسرح. وأعترف أنه قبل أن يُطلَب مني الكتابة عنه، كنت قد قرأت مقاطع متفرّقة من مجلّدَي أعماله الكاملة، الصادرَين لدى "دار العودة" في العام 1988، والموجودَين في مكتبة والدي من قبل أن أعرف ما هو الشعر أصلاً. كنت أقرأ من مجلّدات "دار العودة" بشكل متقطّع لإيليا أبي ماضي وصلاح عبد الصبور ومحمد الماغوط وغيرهم. ومن يعرف هذه الطبعة يعرف أنها رديئة بالمقارنة مع الطباعة الحديثة، وتزعج النظر، وتؤلم الرأس. لكنّي كنت أتعالى على رداءة الطباعة إذا ما كان المضمون أقلّ رداءة.
لم أكن مهووساً بعبد الصبور، أو متيّماً بما يكتب، بل كنت أقرأه بدافع الحشرية، على سبيل الاستطلاع، قراءة حذرة ومتأنية، كي أستطيع تكوين صورة عنه، وكي أملأ فراغاً في رأسي. وبعد قراءته لم أشعر أني كنت سأفوّت الكثير لو لم أقرأه. وكان، بالنسبة إلي، من هؤلاء العتاق الذين نقرأهم لنعرف عنهم فقط، لا لذّة ولا نهماً. على الأرجح لأننا قرأناهم في نصوص من تلاهم، أي أننا شربناهم في دواوين الجيل اللاحق. لكني سأغتنم الفرصة لأطرح أسئلة بدوري، إذ انه في كلّ مرة يُسأل شاعر شاب، أو جديد، أو صغير السنّ، عمّا قرأه من كتابات شاعر قديم، أو راحل، أو مكرّس معاصر، يُحمّل السؤال فتنة ما، أو شكّاً في أقلّ تقدير، إن لم يكن خبثاً. هكذا، كأن الشعراء الجدد على شاكلة المغنّين الجدد، لا يعرفون عن الذين سبقوهم شيئاً، ولا تغريهم "البصبصة" على من سبقهم، ولا وقت لديهم للقراءة، وإذا قرأوا فالقليل القليل، أو من باب العلم بالشيء ليس إلا، أو من نافذة الواجب. ويظلّ الحال على ما هو عليه إلى أن يُثبت الشاعر جدارته ويخرج من دائرة الشكّ. حينها لا ضير إذا قال إنه لا يقرأ كثيراً، وحينها يصير غامضاً ولافتاً قوله إنه مقلّ في قراءة ما يُكتب من بعده. كأن المطلوب أن يقرأ الشاعر، أو المثقف عموماً، أعمال من سبقوه، وأن يترفّع على من يأتون من بعده، ويتشاوف عليهم، ظنّاً منه أنه خاتم الكتّاب ورسول الكلمة الأخير، وكلّ ما ينبت من بعده يابس أصفر. وإذا أراد القارىء أسماء فلن يتّسع المقام لتعدادهم، وهم يعرفون أنفسهم. سلْ أيّ شاعر مكرّس، ممن بات اسمه أكبر من نصّه، وشهرته أبعد من شعره وأكثر حظوة، وممن أتقن ألاعيب الإعلام، من جرائد ومجلات ومواقع الكترونية وتلفزيونات ودور نشر أجنبية مهتمة بالترجمة من العربية، سلْ واحداً منهم عن أسماء الشعراء الشباب، ويمكن الجزم أنك لن تسمع إجابة إطلاقاً، أو أنك ستسمع، في أحسن الأحوال، إجابة غير مقنعة. هنا أريد أن أقول إن الشاعر ليس مجبراً على قراءة من سبقوه، أو كلّ من سبقوه. وكاذب من يدّعي أنّه قرأ كلّ الأدب العربي أو العالمي، أو حتى المحلّي في بلاده. أقصى ما يمكن الوصول إليه هو قراءة كتاب أو اثنين لكلّ اسم. وثمّة نظرية، لست أباها ولا متبنّيها، لكنها تغويني، تقول إن قراءة الشعر تقصقص أجنحة الشاعر، والدليل أن الدواوين الأولى هي الأجمل، وكلّما زاد الشاعر معرفة وعلماً وثقافة، قلّ الشعر في شعره، والدليل في أسماء أكثر من أن تعدّ.

****

ظننته أحد الضبّاط الأحرار!

رامي الأمين
(لبنان)

منذ وقت ليس ببعيد سمعت بصلاح عبد الصبور، وعرفت من رنّة اسمه أنه مصري الإنتماء والجنسية. صلاح، وعبد الصبور، كانا بالنسبة إليّ اسمين مصريين سمعتهما من المسلسلات والأفلام. ولو أني سمعت هذا الإسم في حديث بعيد عن الشعر، لظننت أن صاحبه أحد قادة ثورة يوليو الذين لا أحفظ من أسمائهم إلا جمال عبد الناصر وأنور السادات. لا أدري لماذا أشعر دائماً أن مصر لا تنتج إلا الأفلام والأغاني والضبّاط، أما الشعراء فيبقون حكراً على بيروت، مع العلم أن بيروت اليوم تنتج فنانات وفنانين هابطين وصاعدين أكثر مما تصدر كتباً وتشهد نشاطات ثقافية. وإذا طُلب مني أن أسمّي شعراء مصريين، لا يخطر على بالي إلا فاطمة ناعوت التي قرأت قصائدها في الصحف اللبنانية، بالإضافة إلى مقالاتها النقدية.
كنا نتكلم مع بعض الأصدقاء الشعراء عن قراءاتنا، وعن الشعراء الذين نحبّهم. اكتشفت أن نسبة كبيرة منهم قرأوا صلاح عبد الصبور وأحبّوه. كنت كـ"الأطرش في الزفّة" كما يقول المثل الشعبي الرائج عندنا. رحت أستمع إليهم وهم يتكلمون عنه، وعن قصائده الأخّاذة. أحدهم وصفه بـ"المدهش"، آخر قال إنه تعلّم منه الكثير، ثالث اعترف أنه سرق كتاباً له من مكتبة المدرسة. أنا ظللت صامتاً، لأنني فعلاً لم أكن قد سمعت بهذا الإسم من قبل، وحتى لو فعلت، كنت سأظنه شاعراً مصرياً شعبياً يكتب بالمحكية المصرية وينظم كلمات تُغنّى، مثل أحمد فؤاد نجم وبيرم التونسي. غير أني طرحت سؤالاً اعتراضياً واحداً في سياق الحديث، لا أعرف لماذا شعرت بالحاجة إلى معرفة الجواب عليه، ألا وهو: هل سكن عبد الصبور بيروت في وقت من الأوقات؟ ولم أجد لدى المتحدثين من أصدقائي جواباً، فعدت إلى صمتي من جديد. وكعادتي، بعد ذهابي إلى البيت مأخوذاً بحديث الأصدقاء، فتّشت في صفحات الإنترنت عن الشاعر الذي سرق حديث الليل منّا. وبدأت أقرأ عن حياته وشعره، ووجدت في أحد المواقع رسائل له بخط يده، بالإضافة إلى قصائد كثيرة ونصوص وشهادات أعطاها للصحافة. لمست في كلماته بساطة خطيرة، وسلاسة مفرطة في السيلان، كما لو أن القصيدة ساقية ماء جارية، واكتشفت من طريقة كتابته صحّة ما قرأته على لسانه من أنه جهد كي يصير شاعراً له مذاقه الخاص وعالمه الخاص.
هل كنت لأجد صلاح عبد الصبور أثناء بحثي عن الشعر والشعراء وعن تنمية ثقافتي الشعرية، لو لم أسمع به من الأصدقاء؟ ربما، بالتأكيد، أقصد هذا بديهي، لكن من البداهة بمكان ألا أبحث في مصر عن الشعر، طالما لم أفرغ بعد من التفتيش عنه في بيروت وباريس وبغداد. هذه المدن الثلاث تأتي في المقدّمة لدى الحديث عن الشعر. .

***

سؤال المحاكمة

هانيبال عزوز
(سوريا)

من الإجحاف التكلّم عن شاعر كبير بحجم صلاح عبد الصبور في مقال صغير، واختصار أكثر من ثلاثين عاماً من العلاقة الأبوية بين الشاعر واللغة، قبل العودة إلى كامل كتاباته في الشعر والمسرح والنقد، والغوص في أعماق ألمه للكشف عن سرّ مكانته التي جهد أن تبقى، رغم قسوة الزمن وإغراء الحياة. فعذراً على هذه السّطور القليلة... والأسئلة الكثيرة.
من الظلم التمعّن في مسيرة حياته وموته الغريب، بمعزل عن الحرب الهائلة التي كانت تُشنّ عليه من قبل مثقفي جيله، خصوصاً بعد ترأسه لمعرض كتاب سُمح خلاله لإسرائيل بالمشاركة، في زمن كان الصراع العربي الاسرائيلي على أشدّه. فهل كانت محاكمة صلاح عبد الصبور عادلة في خضمّ معركة كان فيها روّاد الشعر والحداثة يحملون بندقية الكلمة في مواجهة الإجرام والتخلف؟ وهل حُوكمَ فحكم كما تقتضي أخلاق الشعر، أم كما تقتضي ظروف الحرب؟ وهل كانت معادلة الحياة الصعبة التي برّرها له صديقه عبد الوهّاب البيّاتي، كافية لرفع السيف عن عنقه، وهو الذي قام بإسقاطاته الرائعة في استحضاره لشخصية الشّهيد الحلاّج من خلال مسرحيته "مأساة الحلاّج"، ذلك العظيم الذي قُتل على يد "النظام" دفاعاً عن الحرية، ليدفع بذلك الثمن الباهظ في سبيل قناعاته وثورته، فهل قُتل عبد الصبور أيضاً بسبب تمرّده على "النظام" أم بسبب ولائه له؟ أما كان من حقّه الدفاع عن نفسه والدفع بحججه، أو ربما التعبير عن ندمه؟ أليس الشاعر كأيّ مقاتل قد يخطئ التسديد، وكأيّ طائر قد يُتعبه طيرانه المستمرّ في هجرته الأبدية؟ أسئلة راودتني حين قرأت له وعنه. فهل أخطأ صلاح عبد الصبور فأودى به الموقف إلى قصاص الكلمة؟ وهل تلام الأسئلة إن هي عاودت نكأ الجرح بفضول المعرفة، لكشف النقاب عن قصة حياة وموت رائد من رواد الحداثة الشعرية والمسرح في القرن العشرين، تتلمذ طالباً في جامعة القاهرة على يد المجدد أمين الخولي، وبعدها على يد المعرّي وإليوت، والناهل من التراث الأدبي العربي بدلو الحداثة الغربية؟ أم أن التاريخ هو الذي لا يرحم ولا يغفر للكبار هفواتهم؟ ثمّ ما جدوى هذه الأسئلة في زمن تهرول فيه بعض "النخب المثقفة" لكسب الحوافز والأوسمة، حتى وان كان المقابل ليس فقط تخصيص