|
العدد الثاني - أبريل 2007
رئيسا التحرير
زينب عساف / ماهر شرف الدين |
|
****
في العام الذي رحل فيه صلاح عبد الصبور كان بعض جيلنا لم يولد، وبعضه الآخر بالكاد تعلّم النطق. هذه ليست بداية مرافعة للدفاع عن جهلنا بهذا الشاعر، فقد قرأنا أحد مجايليه (السيّاب) كما لم نقرأ شاعراً حديثاً. في الواقع كان في شعر صلاح عبد الصبور جميع "المقوّمات" التي تبقيه خارج دائرة التكريس:
- غياب القضية عن شعره في زمن القضايا الكبرى.
- صوته الخفيض في زمن الجعير القومي والأيديولوجي.
- ابتعاده، مختاراً، عن حلبة الريادة وتسجيل النقاط حول أسبقية كتابة قصيدة التفعيلة، وإلى ما هنالك من "فتوحات" لا تزال تأخذ نصيبها من جدل هذه الأيام.
إلى ذلك يمكننا تسجيل سبب إضافي، غالباً ما يردّده الذين عرفوا عبد الصبور معرفة شخصية، وهو مسألة إقامة العلاقات التي كان عبد الصبور زاهداً فيها.
بالطبع، هذه أسباب تُساق على سبيل المديح أيضاً، لكننا من خلالها نفتح باباً لا يمكن سدّه بإصبعين حول مسائل جوهرية تطاول الذائقة الشعرية العربية برمّتها. بقاء عبد الصبور خارج دائرة التكريس كان يجدر به أن يكون سبباً للعودة المتكرّرة إلى شعره. لكن هذا ما لم يحصل، وقد لفتنا تعبير أحد النقّاد من الذين اعتذروا عن عدم المشاركة في هذا العدد حين قال: "أصبح بعيداً".
بالفعل، صلاح عبد الصبور "بعيد" أكثر من كونه غائباً. ثمّة عائق المسافة في علاقتنا مع هذا الشاعر، لا عائق الزمن. كان عبد الصبور جريئاً في خفوت صوته وخفوت بلاغته وخفوت إيقاعه. هذه الجرأة المضادّة، التي لم تُفهم إلا في ما بعد، هي التي نسجت قماش شعره بإبرة النثر (والعكس ليس صحيحاً)، وهي التي جعلت اليومي والعادي قضية، وإن من الباب الخلفي. لم يكن في وسع عبد الصبور أن يكون شاعر الأمّة. ويكفينا أن نقرأ قصيدة سأقتلك في ديوان "الناس في بلادي" كي يراودنا الشكّ في كون عبد الصبور هو من كتبها حقاً: "أقسمتُ بالأهرام والإسلام والسلام/ سأقتلك/ (...) أغوص في دمك".
كان عبد الصبور شاعر وجدان وتأمّل، ولذلك كان شاعر ليل. ولو اتُّفق أن قام أحدنا بعملية إحصاء معجميّ لمفردتَي "الليل" و"المساء" في شعره لاستوقفته قلّة القصائد التي أهملت هاتين الكلمتين. ناهيك بأن أجمل مطالع قصائده ارتبطت بالليل المشفوع بمنادى غالباً ما يتأرجح بين "صديقتي" و"صاحبي". الأكيد إذاً أن في وسع المرء الحديث عن مطلع صبوريّ خانَ الأطلال مع الليل، مطلع شرطه اقتران الليل بالمنادى. في وسع المرء الكلام على "لكنة" صبوريّة، لم تهدم جداراً بين النثر والشعر، كما يشيع القول، بل بنت جسراً.
كان صلاح عبد الصبور شاعر أنا منكفئة، وأنا خائبة، وأنا مكتوبة بصيغة اليومي، لذلك رفضت الأمّة أن يكون شاعرها.
****
"الله يا وحدتي المغلقة الأبواب".
"والحزن يولد في المساء لأنه حزن ضرير".
"ثم أنام غارقاً، فلا يغوص لي... حلم".
"وأرى الموت، فأعوي يا أبي".
"أما عرفتِ أنني صموت/ يطلّ من كُوى الجدار وجهه المرتاب/ كل مساء مظلمٍ، كأنه سرداب".
"أدرتُ وجهي للحياة، واغتمضت، كي أموت".
"لا تسأل الشيء الحزين أن يبين/ أن يبين/ لأنه مكنون".
"الليل ثوبنا، خباؤنا، رتبتنا، شارتنا، التي بها يعرفنا أصحابنا".
****
"شعراء ليل" على مثال ما نقول "بنات ليل"؟
صلاح عبد الصبور حاضر، لكنه بعيد؟
لذا، لا تزعم "نقد" أن عددها الثاني أكثر من محاولة اقتراب من هذا الشاعر، أقلّه بالنسبة إلى جيلنا الذي وُلد قبل موت صلاح عبد الصبور بسنتين، أو بعده بسنتين. هذا الجيل الذي أغواه، ولا بدّ، تصديق أن عبد الصبور قُتل بكلمة قيلت له في سهرة. أسعده أن تكون الكلمة مقتل الشاعر بالفعل. كلمة قتّالة؟ شاعر سمعنا به من قصّة موته، ومن نهايته تلمّسنا الطريق إليه؟ عن حقّ، صلاح عبد الصبور "نموذج" مغرٍ لإقامة الحدّ بين الكلمة القاتلة والكلمة البعيدة.
رئيسا التحرير
****
لا يزال صلاح عبد الصبور حاضراً بشدّة في ذاكرة الحداثة الشعرية وفي وجدان الأجيال التي تعاقبت لاحقاً. وصورته ما برحت محفورة في وجدان قرّائه، وموقعه في الحركة الشعرية العربية المعاصرة لا يزال حيثما ينبغي له أن يكون. ولئن حلّ به بعض الظلم النقدي ولم يُنصف عربياً كما يستحقّ، فهو يظلّ ذلك الشاعر العصي على التصنيف الجاهز، والقادر على مواجهة حكم الزمن. كأن صلاح عبد الصبور وُجد ليبقى مشروعاً لا يكتمل إلا في مستقبل ما، مستقبل يظلّ ربما مجهولاً. بل كأنه يسعى دوماً، حتى بعد رحيله إلى إكمال مشروع شعري وجد لئلا يكتمل.
لا أدري لماذا يبدو لي صلاح عبد الصبور شاعر المستقبل لا الماضي، شاعر المستقبل المجهول، شاعر الأجيال التي تتوالى لا الأجيال التي عبرت. كأن في شعره جوهراً مفقوداً ينبغي البحث عنه دوماً. ولعلّه الجوهر الذي يصنع سرّ الفعل الشعري، سرّ الإلهام والإبداع في قصائده. قد تنتمي لغة عبد الصبور وتقنيته الشعرية وموضوعاته إلى "تراث" الحداثة مثله مثل بدر شاكر السيّاب وعبدالوهاب البياتي ونازك الملائكة وسواهم. إلا أن "شيئاً" ما في شعره يظلّ عصياً على حكم الزمن. "شيء" كالجمر الذي لا يخبو تحت الرماد، شيء حزين، غريب، غامض، كما يعبّر الشاعر نفسه في إحدى قصائده. "شيء" يدفع شعره إلى المزيد من التوهّج السرّي على رغم ملامح الشيخوخة التي لا تغفل أحداً.
ينقل أحد النقّاد عن صلاح عبد الصبور أنه عندما سئل مرة عن أحبّ قصائده إليه قال: "إنها القصيدة التي لم أكتبها بعد". هذه العبارة تنمّ عن معاناة أليمة وصادقة طالما كابدها الشاعر الرائد. إنها معاناة الشعراء الحقيقيين الذين يشعرون أنهم قد يمضون العمر بحثاً عن قصيدة تظلّ وهْمَ قصيدة. لكن عبد الصبور خلال بحثه المضني والدؤوب عن تلك القصيدة - المثال كتب أجمل ما كتب، بل أصدق ما كتب من قصائد خافتة الصوت، عميقة الأثر، قصائد محفوفة بخيبة الوجود وقلق اليقظة وألم الحياة.
لم يكتب شاعر عن "الأنا" المسحوقة مثلما كتب صلاح عبد الصبور عن "أناه" المستحيلة "ذاتاً" متألمة ومعذّبة في عالم هو بقايا عالم، وفي حياة هي أشبه بـ"قاع البئر المعتم". هنا تكمن إحدى خصال هذا الشاعر، بل ربما أحد ملامح شعريته الفذّة. فالانسحاق الذي لن يوفر القصيدة واللغة كلتيهما، هو أقرب إلى انسحاق لـ"أنا" الصوفية، أو "أنا" الشعراء "الملاعين" الذين أضاؤوا ليل اللغة في العالم. يرثي الشاعر نفسه كما لو أنه يرثي صورة الشاعر المثالي الذي يمثّل نموذج الضحية بامتياز. وكم كان عبد الصبور جريئاً في "تحقير" ذاته حيال "ذات" المتنبّي في إحدى قصائده نافياً عن نفسه موهبة اقتناص المعنى ومسبغاً على المتنبّي مواصفات البطولة والفحولة. لعلّ هذا "التحقير" الذاتي هو أجمل ما يمكن أن يعلّمنا إيّاه هذا الشاعر الكبير، وكان هو تعلّمه من المتصوّفة، من الحلاّج كما من المسيح، من بودلير وأبي العلاء وبقية الشعراء الذين عرفوا محنة الغربة في عالم ليس لهم.
نقرأ صلاح عبد الصبور كما لو أننا نقرأه للمرّة الأولى. قراءته تبدأ دوماً ولا تنتهي، لا لصعوبة شعره أو "انغلاقه" بل لبساطته التي تخفي وراءها كثيراً من الحكمة والتأمّل، وربما لتلقائيته التي تند عن حال غريزية حادّة. صلاح عبد الصبور شاعر لا يُستنفد بسهولة، بل هو شاعر لا يسلّم مفاتيحه بسهولة، مفاتيح لأبواب هي غير مغلقة أصلاً. فما لا يكتبه هو بمثابة الجذوة التي تعتمل في صميم ما يكتب. وما لا يقوله يظلّ أبداً بمثابة الجرح المفتوح الذي لا يشفيه الزمن مهما تقادم عليه. وليس من المستغرب أن يعبّر الشاعر أكثر من مرّة عن "العذاب" الذي يكابده في البحث عن "معنى الحرف". فالشاعر الحقيقي في نظره هو الذي "يسعى جاهداً إلى أن يقبض على الشعر من خلال بحثه عنه".
يحفل شعر عبد الصبور بما لا يحصى من موضوعات وقضايا تختلف وتأتلف، تتناغم وتتناقض. فهو شاعر الوجود مثلما هو شاعر الحياة، شاعر العدم مثلما هو شاعر العالم، شاعر الهموم الماورائية والهموم اليومية، شاعر الحزن والليل، شاعر الإيمان والخيبة، شاعر العزلة والتأمّل، شاعر الحبّ واليأس والسأم... أما الشعر لديه فهو كما يصفه "صوت إنسان يتكلّم". وعندما يكون الشعر صوت الإنسان المتكلم يصبح قادراً على أن يستوعب ما لم يستطع أن يستوعبه سابقاً. بل يصبح قادراً على أن "يشعرن" كل ما يصادفه. ولعلّ سرّ صلاح عبد الصبور يكمن في قدرته السحرية على "شعرنة" الحياة في تفاصيلها الصغيرة وأشيائها النافلة وأمورها الصغيرة. سرّه أنه أنزل القصيدة أو رفعها إلى مرتبة "الكلام" اليومي، لكن من غير أن يُفقدها أبداً سحرها السرّي وكثافتها الوجدانية وعمقها الوجودي. ولعلّ هذا الطابع هو "العيب" الذي أخذه عليه النقد "المحافظ" والتقليدي جاهلاً فرادته الخاصة التي ستنعكس لاحقاً على الأجيال المقبلة.
إلا أن عبد الصبور كان مدركاً كلّ الإدراك أن من ضمن ما أضاف إلى القصيدة التفعيلية "لهجة الحديث الشخصي الحميم" كما يعبّر. هذه اللهجة هي التي شرّعت القصيدة العربية الجديدة على اللاشعري، سواء أكان مفردة أم عبارة أم مرجعاً... ويكفي إحصاء "المعجم" اليومي واللاشعري في قصائد عبد الصبور حتى تبين بوضوح محاولة الشاعر المستميتة في كسر هالة الفصاحة والبلاغة والخطابية التي طالما هيمنت على الشعر العربي. يكفي أن يقول الشاعر جهاراً: "آه لو استفرغ ما في أمعائي..." كي تتضح صورة "اللعنة" الشعرية كما تجلّت لدى شعراء الحداثة في العالم.
كم أصاب صلاح عبد الصبور حين اعتبر نفسه غير معني بمعركة الشعر الحرّ التي دارت بين بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة وسواهما، وراح كلّ شاعر حينذاك، يضع نفسه في مقدّم الثورة التفعيلية. علماً أن عبد الصبور يستحق تمام الاستحقاق أن يكون في طليعة الشعراء الحديثين في العالم العربي وليس في مصر فقط. وقد أغمطه بعض النقّاد العرب حقّه فعلاً، ولم يلقوا ضوءاً على تجربته الرياديّة. ومن هؤلاء نازك الملائكة نفسها في كتابها الشهير قضايا الشعر المعاصر، وقد أخذت عليه "ركة الإيقاع وضعف البناء وتنفير السمع" مستندة إلى مقطع شعري، هو برأيي المتواضع من أجمل الشعر: "وحين يقبل المساء/ يقفر الطريق/ والظلام محنة الغريب". وتأخذ عليه الملائكة أيضاً "الطابع المرسل" في بعض القصائد مسدية إليه النصح من عليائها. ولعلّ "الطابع المرسل" هو من السمات النادرة التي ميّزت قصائد عبد الصبور التفعيلية، وهو ما أمدّ تلك القصائد بحال انسيابية متهادية بعيدة كلّ البعد من الخطابية والجلجلة الإيقاعية والتهويم اللفظي. ونجح عبد الصبور حقاً في التخفّف من ثقل القوافي وفي اعتماد الجمل الشعرية الطويلة، وقد خلا بعضها من القافية، ما أسبغ على قصائده حالاً أخرى من "الخفوت الإيقاعي" الجميل. فصوت صلاح عبد الصبور صوت خافت أصلاً، لكن في المعنى الشعري أو المجازي. صوته هو صوت الشاعر المتألم والمتأمّل، صوت الشاعر الغريب والمقتلع، صوت الشاعر المجروح والمخنوق. أما الناقدة سلمى الخضراء الجيوسي فامتدحت "الرقّة المؤثرة" في بعض شعره، والبساطة التي تسم الكلمة المفردة لديه و"اللهجة الحميمة"، لكنها أخذت عليه "الرخاوة" في العبارة والحشو والمواربة. وأساءت (بل أخطأت) في قراءة قصيدته الشهيرة "أقول لكم" معتبرة أن هذه العبارة (أقول لكم) هي عبارة "خطابية متعمدة". وفاتها حقاً أن عبد الصبور هنا يؤدي لعبة "القناع" مستعيراً هذه العبارة من يسوع الناصري في معناها الصوفي والإصلاحي. ولعلّ هذا ما أشار إليه الناقد المصري أحمد عبد الحي في كتابه عن شاعر "الناس في بلادي".
كم يبدو مظلوماً صلاح عبد الصبور عربيّاً. وربما ساهم بعض النقد المصري في هذا الظلم العربي عندما حصر الشاعر في هويته المصرية. علماً أن عبد الصبور شاعر عربي مثلما السيّاب شاعر عربي ونزار قباني وأدونيس وأنسي الحاج وسواهم. هذا الشاعر الذي عرف كيف يوفّق بين التراث والمعاصرة، بين الثقافة العربية والثقافة الغربية، بين إليوت والحلاّج، بين بودلير وأبي العلاء، حري به أن يكون شاعراً، وشاعراً فقط.
ولعلّ الأجيال، كلّ الأجيال، ستظلّ تردّد مع صلاح عبد الصبور: "هذا زمان السأم".
****
صلاح عبد الصبور من الشعراء القلائل الذين حملوا بداخلهم رغبة الإصلاح، فقد تميز شعره عن باقي شعراء الحداثة الذين واكبوه أمثال السيّاب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي، كذلك الذين أتوا من بعده أمثال أدونيس ويوسف الخال وأحمد عبد المعطي حجازي... تميَّز بالإضافة إلى عزوفه عن استعمال أي فخامة لغوية وركونه إلى لغة بسيطة مباشرة تحمل بين طياتها عمقاً دلالياً، بأسلوب السخرية مما كان يدور حوله. ونحن في هذا البحث لسنا في صدد التطرق إلى جميع جوانب التميّز التي اصطبغت بها قصائد عبد الصبور، وإنما سنقصر موضوع بحثنا على جانب واحد ألا وهو استخدام النسق القناعي عند الشاعر عبد الصبور، وسنقوم بتحليل قصيدة "الظل والصليب" أنموذجاً.
من الملاحظ أن معظم قصائد صلاح عبد الصبور تقوم على البناء المركب في الأنساق، وهو بناء تتداخل فيه الأنساق كالنسق الرمزي والقناعي والقصصي وغيرها. ففي قصيدة "الطفل"، على سبيل المثال، يستعمل النسق الرمزي كنسق رئيس، ويدعمه بنسق بنية التوازي والنسق القصصي (1):
"قولي... أمات؟
جسّيه، جسّي وجنتيه
(...)
هذي أصابعه النحيلهْ
هذي جدائله الطويلهْ
(...)
لا تلمسيه!
هذا الصبي ابن السنين الداميات العاريات من الفرح
هو فرحتي
لا تلمسيه
أسكنته صدري فنام
وسّدته قلبي الكسير
وسقيت مدفنه دمي
وجعلت حائطه الضلوع...".
القصائد التي تُبنى بناءً نسقياً مركّباً تتداخل عناصر التعبير فيها بحيث يحكمها "نظام داخلي دقيق من العلاقات يربط بين محاورها ومستوياتها... تتولد منه الدلالات أو تتكامل بفضله الدلالات" (2). وما يميَّز القصائد المبنية بناء نسقياً مركباً "العمق الدلالي للنص المتأتي من احتوائه على فراغات عديدة تجعل القارىء يدخل كأداة فاعلة لملئها وبالاعتماد على منظومته التأويلية" (3)، وهذا ما نجده في معظم قصائد عبد الصبور، ففي قصيدة "الظل والصليب" يتداخل النسق القناعي والنسق الرمزي إلى درجة بالكاد نستطيع التمييز بينهما، ثم يأتي نسق بنية التوازي ليعمّق المستوى التعبيري والدلالي للنسق القناعي والرمزي.
والنسق القناعي هو تقنية يوظّفها الشاعر لتمرير وجة نظره أو أفكاره وكل ما يجول بخاطره أو يعتريه، ففي قصيدة "الظل والصليب" استطاع عبد الصبور أن يُلبِس قناع "الملاّح" بطل القصيدة لشخص ما، وفي الوقت نفسه وظَّف البطل نفسه "الملاّح" كرمز يرمز إلى شخص أو شيء ما.
وما يشدّ انتباهنا في هذه القصيدة وجود ميل واضح إلى الاعتماد على الجمل الاسمية في البناء اللغوي لنصوصها:
"هذا زمان السأمْ
نفخ الأراجيل سأمْ
دبيب فخذ امرأة ما بين إليتَيْ رجل... سأمْ
... لا عمق للألمْ
لأنه كالزيت فوق صفحة السأمْ
لا طعم للندمْ
لأنَّهم لا يحملون الوزر إلا لحظةً
ويهبط السأمْ".
بالطبع، تركيز عبد الصبور على الجمل الاسمية لم يكن اعتباطياً لأن "أي نسق يفرضه الكاتب إنما يمثّل جوهر رؤياه لأي أمر حياتي يتعامل معه" (4). وما يميز الجملة الاسمية أن المعنى الذي تعكسه يمتاز بالثبات والسكون لأنها "لا تكشف عن مظاهر الحركة لافتقادها للذات الفاعلة، ولكونها مجرّدة من الفعل فهي إذاً مجرّدة من الزمن الذي هو من لوازم الفعل" (5)، أي أن الشاعر أراد أن يُثبّت الدلالة، وبالتالي يعطي صورة للمتلقي بأن هذه الحالة، أي حالة السأم، ليست طارئة وعابرة بل ثابتة.
قراءة كتاب عبد الصبور حياتي في الشعر تدلّ على أنه كان توّاقاً لإصلاح الكون، إذ يقول: "لستُ شاعراً حزيناً، لكنّي متألم، وذلك لأن الكون لا يعجبني، ولأني أحمل بين جوانحي، كما قال شللي، شهوةً لإصلاح الكون". من هذه القراءة نستشف أن عبد الصبور غير راضٍ عن الكون وعن هذه الحياة فكل شيء فيها "سأم" من نفخ النراجيل والذي يقصد به ممارسة الحياة اليومية كالجلوس في المقاهي وغيرها وصولاً إلى المرأة والرغبة في المرأة... هذه النظرة التشاؤمية تجاه الحياة لا تصدر إلا عن شخص يرغب في إصلاح الكون. فعندما نتتبع القصيدة لنفكّ لغز الرمز الرئيس فيها "الملاّح" وبقية الرموز "جبال الملح والقصدير" و"الصخور":
"ملاّحنا هوى إلى قاع السفين واستكان
وجاش بالبكا بلا دمع، بلا لسان
ملاّحنا مات قبيل الموت، حين ودّع الصحاب
والأحباب والزمان والمكان...".
نلاحظ أن هذه الأبيات تقودنا إلى استنتاج مفاده أن "الملاّح" الذي يستعمله عبد الصبور رمزاً في القصيدة، ربما يكون رمزاً لكلّ إنسان غير راضٍ عما يدور حوله، فهذا الملاّح يقرر أن يركب السفينة ويجوب البحار كي يصلح الكون، لكنه "يهوي إلى قاع السفين"، أي أنه لم يفلح في رحلته. ثم يأتي البيت الذي يقول: "ملاحنا مات قبيل الموت، حين ودّع الصحاب والأحباب والزمان والمكان"، ويقصد به أن الإنسان الذي اختار رحلة الإصلاح "مات"، أي طلَّق لذّات الدنيا التي يصفها الشاعر بالسأم ليعتكف. فهو - أي الإنسان - ودَّع بمحض إرادته "الصحاب والمكان والزمان"، وهذا طبعاً نتيجة طبيعية لأي شخص لا يرضى عما يجري حوله ويحاول إصلاحه فيلجأ إلى الانعزال ليتفرغ لعلمه وقراءته، فلا إصلاح من دون علم ومعرفة، والعلم والمعرفة لا يأتيان من "نفخ الأراجيل" أو التسكع في الشوارع...
عود على بدء، يمكن أن نربط بين هذا الاستنتاج وكلام عبد الصبور الآنف الذكر كي نصل إلى نتيجة تفيد أن "الملاّح" هو قناع لبسه عبد الصبور في هذه القصيدة ليمرّر ما يجول في داخله، وهذا أسلوب تميّز به شعراء الحداثة عمّن سبقوهم، فهم يميلون إلى الابتعاد عن تناول الموضوع مباشرة، ويحاولون بناء معظم قصائدهم حول عالم رمزي يخفي وراءه أفكاراً ومعاني أخرى، أو يلبسون قناعاً لتمرير أفكارهم من خلاله من دون بوح صريح قد لا يتقبّله المتلقي. والأدلة كثيرة في القصيدة التي تدعم هذه الفرضية، فعندما يقول: "يا شيخنا الملاّح، قلبك الجريء كان ثابتاً فما له استُطير"، فهذا يدلّ على أن "الملاّح" - القناع الذي لبسه عبد الصبور في القصيدة - لم تتملّكه هذه الرغبة في إصلاح الكون إلا عندما تقدّم به العمر (يا شيخنا) فهو كان راضياً عما يدور حوله وكان جريئاً، وهي صفة تطلق على المغامر في جميع أشكال المغامرة ابتداءً من المغامرة العاطفية، لكن ما ان بدأ يسأم الكون ويفكر بالإصلاح حتى طار "قلبه من الوجل". وعندما يقول:
"هذي جبال الملح والقصدير
فكل مركب تجيئُها تدور
تحطُمها الصخور".
فهو يقصد بجبال الملح والقصدير الغاية التي يروم وصولها عندما قرر العزلة، وقد تكون العلم والمعرفة، وخير دليل على ذلك فرحته عندما يقول:
"هذي إذن جبال الملح والقصدير
وافرحاً نعيش في مشارف المحظور".
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لِمَ استعمل عبد الصبور جبال الملح والقصدير، ولم يستعمل شيئاً آخر؟
في الحقيقة إن الرمز يختلف من شاعر إلى شاعر، ويختلف من قصيدة إلى أخرى عند الشاعر نفسه، فبعض الرموز يحمل إرثاً دلالياً (6) يكمن في ذهن القارىء والمتلقي على حدّ سواء، وبعضها مجرّد يخلو من أي إرث دلالي وإنما هو من نسج خيال الكاتب ولا يشاركه فيه المتلقي. فلو أخذنا كلمة "الصليب" في أشعار معظم شعراء الحداثة، نجد أن هذه الكلمة تحمل إرثاً دلالياً يحيلنا على السيد المسيح وكيف صُلِب، وهذا المفهوم لا يكمن في ذهن الكاتب فحسب بل هو موجود في ذهن المتلقي أيضاً، وبذلك فهو ليس اختياراً ذاتياً نابعاً من دواخل الكاتب. ويقسم الشحماني الرموز على أربعة أنواع: رموز بشرية ورموز حيوانية ورموز مادية ورموز تجريدية، فهنا الشاعر ارتاح إلى الرمز المادي ليرمز به إلى غايته، ولربما تأثر بالقصص القديمة وكيف يواجه البطل تلك الصخور التي تنهار حالما يمرّ البطل بمركبه من بينها ليصل إلى غايته.
أما النسق الآخر الذي وظّفه عبد الصبور، إضافة إلى النسقين الرئيسين، القناعي والرمزي، فهو: نسق بنية التوازي، الذي يقسمه كوخ إلى قسمين: بنية التوازي التراكمي cumulative parallelism وبنية التوازي التعدادي listing parallelism، كما في الأمثلة الآتية:
"هذا زمان السأم
اسم إشارة + مضاف ومضاف إليه
هذي جبال الملح (والقصدير)
لا عمق للألم
لا النافية للجنس + اسم مفرد نكرة + حرف جر (لـ) + اسم مفرد مُعرَّف
لا طعم للندم
ملاّحنا هوى...
اسم مفرد (ملاّح) + ضمير متصل (نا) + فعل ماضٍ
ملاّحنا مات...
بلا دمع
حرف جر (بلا) + اسم مفرد نكرة
بلا لسان
كذلك تكرار الفعل الماضي خمس مرّات في أبيات متقاربة (هوى، استكان، جاش، مات، ودّع) وذلك كلّه لتعميق المستوى التعبيري والدلالي.
وبالنسبة إلى بنية التوازي التراكمي، أي استخدام البنية النحوية ذاتها، لكن بتوظيف مفردات جديدة مترابطة في ما بينها دلالياً، فلم يعتمدها عبد الصبور كثيراً في هذه القصيدة التي جاءت خالية من تكرار العبارات إن استثنينا عبارة "هذي جبال الملح والقصدير" و"ملاحنا". هكذا يتضح أن صلاح عبد الصبور استطاع أن يوظّف أكثر من نسق ليعمق المستوى التعبيري والدلالي لقصيدته، فهي قصيدة ذات نسق بنائي مركّب.
***
حين كنت أتصفّح أعداد مجلّة "الآداب" اللبنانية لمنتصف القرن الفائت، كان يلفتني فيها قصائد لشاعر مصري يوقّع باسم "صلاح الدين عبد الصبور"، ثم ما لبث أن استقام الإسم "صلاح عبد الصبور"، بعدما صدرت له لدى "دار الآداب" بالذات مجموعته الشعريّة "الناس في بلادي". كان يتميّز من بين مجمل شعراء المجلّة بلغته الهادئة العميقة، الجديدة من حيث ابتعادها عن الصيغ البلاغية الرائجة، والتي تقدّم الفكرة الشعرية من خلال حكاية شعرية غالباً ما تطلع من الريف المصري، ما يطرد البلاغية المحض والغنائية المحض من قصائد هذا الشاعر، وأبرزها قصيدة "شنق زهران"، وكان يزاحمه يومذاك أحمد عبد المعطي حجازي، على استحياء، إذ أنّ تجربة صلاح عبد الصبور بدت أكثر جدّةً وقوّةً شعرية من تجربة حجازي، ولم يلحق به إلاّ بعدما صدرت له، هو الآخر، لدى "دار الآداب" أيضاً، مجموعته الأولى الجديدة والجميلة "مدينة بلا قلب" وهي من الشعر التأمّلي المديني والحكائي أيضاً. هكذا استقطب الريف صلاح عبد الصبور واستقطبت المدينة حجازي. وكرّت قصائد عبد الصبور ودواوينه بعد ذلك، كي ترسّخه شاعراً من أبرز شعراء الريادة الشعريّة العربية، إن لم يكن أبرزهم، على الرغم من أنه لم يحظَ من النقد والرواج ما يستحقّه شعره العظيم، لأسباب كثيرة بعضها يتعلق بماهيّة هذا الشعر، الصامت غير الصائت، وناسج العلاقات مع الناس والأشياء بسريّة الينابيع الكامنة في جوف الأرض، والغوص على الينابيع أصعب وأبطأ من رصد حركة المياه الجارية فوق اليابسة، فتأخر النقّاد قليلاً عن صلاح عبد الصبور لهذا السبب، فحين أصدر أبرز نقّاد جيل الروّاد في خمسينيات القرن الماضي، الدكتور إحسان عباس، كتاباً عن بدر شاكر السيّاب، وكتاباً عن عبد الوهاب البياتي، لم يلتفت إلى صلاح عبد الصبور. وثمّة سبب آخر لحجب الشاعر عما يستحقّ، فهو شاعر منكفىء مستوحد مستوحش وحزين، ولم يكن يجيد تصيّد العلاقات العامّة كما يجيدها بعض أقرانه من الروّاد، ولعلّ في سيرة حياته وموته ما يومىء إلى ذلك. فقد مات الرجل وهو في الخمسين من عمره، بانفجار في القلب، على أثر مشادّة جرت بينه وبين بعض أقرانه من شعراء ورسامين وصحافيين، في منزل أحدهم في القاهرة، والحادثة معروفة ومأثورة، ولا حاجة لاستعادتها اليوم، وفي هذا المقام.
والصُوَر التي ظهرت له في القاهرة في احتفالية أقامها المجلس الأعلى للثقافة في مصر، في ذكرى وفاته، كانت تُظهره أكبر من عمره المتوسط الذي عاشه، وهو حوالى نصف قرن من السنوات، بعقدين أو أكثر الجبين العريض للشاعر، والعينان الواسعتان المتأملتان بدهشة، والملامح الهادئة والحزينة، توافقت مع بعضها البعض كي تَسِمه بميسم شعره المعقود على غنائيّة الموت والتأمّل في الوجود.
لا تخلو الصورة من سخرية مُرّة، من خلال ابتسامة كابية تحت شاربين كثيفين، وهي سمة شعره المتأمّل والساخر من مفارقات الحياة، حيث أنهى حياته، مثلما عاشها، من الداخل، من القلب.
وفي حياته كما في شعره، صلاح عبد الصبور شاعر مشغول للموت، معقود السنوات والأيام بالموت. متهكّم بالموت لأنه متهكّم بالحياة، هو الذي أنهى إحدى قصائده التي توسّل فيها الحياة الحرّة والجميلة والسعيدة، فلم تستجبْ له، فاستغاث قائلاً: "فأين الموت أين الموت أين الموت؟". والموت الذي تمنّاهُ عبد الصبور، بل سار فيه، ووقف بين جفنيه، لم يكن، على الأرجح، ردّ فعلٍ على أسباب حياة شخصية تتسم بالشقاء أو الفقر أو التعاسة، بل هو موت وجودي بل درامي ناجم عن التفكّر. فهو شاعر يتأمّل في كل شيء من الله إلى ما خلق من الحيوان ومن الشجر والليل والإنسان، وفي المتألهين من الصوفيّة، وفي الوحوش البشريين... وبين التجديف والفيض، ومن السخرية من المفارقات حتى الموت، يموت من شدّة السخرية. كانت دواوينه ومسرحياته تتوالى، من "الناس في بلادي" الصادر له في بيروت العام 1957، في طبعته الأولى، إلى آخر ديوان له "الإبحار في الذاكرة" الصادر في طبعته الأولى من القاهرة العام 1979، وبينهما على التوالي: "أقول لكم" و"أحلام الفارس القديم" و"تأملات في زمن جريح" و"رحلة في الليل" و"شجر الليل". ومن أولى مسرحياته "مأساة الحلاّج" الصادرة في طبعتها الأولى في القاهرة العام 1964 إلى آخرها "بعد أن يموت الملك" العام 1973 من بيروت، وبينهما "مسافر ليل" و"الأميرة تنتظر" و"ليلى والمجنون"، وهي جُلّ عبد الصبور الشاعر المسرحي.
كان عبد الصبور بين روّاد الشعر العربي الحديث شاعراً خاصاً وعلى حدة، صاحب فيض وهدوء وتأمّل وجودي، عميق وساخر تترقَّق بين يديه اللغة وتترقرق لتخدم فيضه الداخلي، المتأمّل والمتألّم، فتأتي اللغة والصورة والمثل والحكاية بين يديه لتخدم الحال الشعري، ولا يعبأ كثيراً بالاستقامة العروضيّة الدائمة والمنضبطة للقصائد، فغالباً ما كان يكسر العروض أو يُدخل عروضاً في آخر، ووزناً في آخر، من أجل تقديم الحال الشعري مفضّلاً إياه على المقال الشعري. والغالب على شعره من التفاعيل "فعلن" و"فعولن" و"مفاعلن"، وربما مَزَجَ بينها في ما أسماه ماهر شفيق فريد في دراسته عن ديوان "الإبحار في الذاكرة" بـ"التقبّض"، أي العبث بالإيقاع والكلمة. وكلمة "التقبّض" مأخوذة من النقد العربي القديم.
عبد الصبور في حقيقته وجوهره وشعره، ليس مجدّفاً بل طهراني، شديد الطهرانية. أشبه ما يكون بالمتصوّفة المتوحشين. متأمل كبير ومرهف إلى حدّ المَرَض، أكثر من حزين، فهو يقول لست حزيناً لكني متألم، مكتئب.
وشعره من خلال المفارقات شعر يختلط فيه الضحك بالبكاء. يقول: "أمي ما ماتت جوعاً، أمي ماتت جوعانة"، ويقول: "قالوا لا تدسُسْ أنفَكَ في ما لا يعنيك/ لكنّي رجلٌ مجدوع الأنف"... ناهيك بزمن الحق الضائع، والصور المختلطة والمركبة بين الناس والحيوانات: "هذا زمن الحقّ الضائع/ لا يعرف فيه مقتولٌ مَنْ قاتِلُهُ ومتى قتله/ ورؤوس الناس على جثث الحيوانات/ ورؤوس الحيوانات على جثث الناس/ فتحسّسْ رأسك/ فتحسّسْ رأسك".
وحين رأى الحياة شَرَكاً، بل موتاً لا بدّ من أن نحياه، قَدَح عقله التأملي الفلسفي وغنائيته الصافية واتخذ من الليل والبحر معاً رمزاً للبهاء والاختلاط، ومن السفر والإبحار أداة رحيل ومغادرة. وهو أيضاً شاعر سأم، وملل وجودي عظيم: "نفخ الأراجيل سأمْ/ دبيب فخذ امرأةٍ ما بين إليتَي رجل/ سأمْ/ لا طعمَ للندمْ/ لا عمقَ للألمْ".
هذه العناصر في شعريّة صلاح عبد الصبور، تنضح من شعره. والغوص على آبار تكوّنه النفسي والثقافي، يلتقي مع ملامحه الشعريّة التقاءً محكماً. لقد عَرَض لنا الرجل محطات حياته في الشعر، ومصادر ثقافاته المتنوّعة، وتفاعله مع التجارب الشعرية والفكرية والصوفية، ومع تجارب أخرى اختارها من ثقافة العصر، في كتابين هما: "حياتي في الشعر" الصادر لدى "دار اقرأ" في بيروت العام 1981 و"أصوات العصر" وهي مقالات كتبها صلاح عبد الصبور وجمعها استناداً إلى الذائقة (كما يقول) صدرت في طبعة لدى الهيئة المصرية العامة للكتاب العام 1997، ولا يُذكر تاريخ الطبعة الأولى لها.
في كتابه "حياتي في الشعر" يذكر الشاعر أنه قرأ التراث العربي والشعر منه بخاصة، في البداية، متناثراً وانتقائياً. لكنه عاد وألزم نفسه بقراءته قراءة منتظمة تاريخيّة ومتتابعة على امتداد سنتين (1964 و1965)، لينتهي إلى أحكام محكمة من بينها عظمة الشعر الجاهلي وأهميته، فهو شعر حسّي جسدي يخلط بين الحواس، يقدّر اللون والشكل، ويستجلب الصورة من دائرتها. وهو عميق الإحساس بالطبيعة، فإذا فكّر الشاعر الجاهلي "فكّر بجسمه"، وهو إذ يتخيّر تراثَه من هذا الشعر، فهو يتخيّر من شعراء الجاهلية الأعشى وامرأ القيس وطرفة وعروة بن الورد والصعاليك، ويتخيّر مما بعد الجاهلية من الشعر الإسلامي، الأعظم وهو المعرّي: "إنّ أبا العلاء عندي هو ثلاثة أرباع الشعر العربي والربع الباقي من قلبي يتقاسمه أبو نؤاس وابن الرومي والمتنبي وغيرهم" (ص 157). وقبل أن نتحدث عن المعري وأثره في ذات عبد الصبور ونقارن بين الشاعرين، يحسن أن نتوقّف عند رأيه بأبي نؤاس. إنه هو الشاعر المتمرّد (وليس بشّار بن برد): "لقد وَقَع ضحيّة سوء فهمه لنفسه، أو خبث الطوية بتعبير سارتر mauvaise فتصوّر نفسه خارجاً على المجتمع مكلفاً بإغاظته... آثر الخلاعة سلوكاً وشعراً ليفزع الطبقة الوسطى البغدادية بإلحاده وتبذّلِهِ وحِدّته" (ص 156).
أما اعتبار عبد الصبور للمعرّي بأنه الأعظم فيلخّص أسبابه بكلمات: "إنه يتحدث عن الحالة البشرّية".
والمقارنة التي يمكن أن تُعقد بين الشاعرين، عبد الصبور والمعرّي، لا يقوم بها الشاعر بنفسه، بل نلاحظها نحن على تباين العصور والمدنيات والبيئة، واللغة، فنرى أن أهمّ ما يجمع بين الشاعرين هو "ألم العقل". إنّ ألم الجسد ثقيل، أثقل منه ألم النفس، أما المفجع المرعب المضحك المبكي فهو ألم العقول. كان أعمى المعرّة مألوماً في عقله، مفزوعاً، شكّاكاً ساخراً وفجائعياً، تماماً كحفيده صلاح عبد الصبور. يكفي أن نأخذ البيت الآتي للمعري، من قصيدته المعروفة "غير مجدٍ..." لنشهد هول ألمه العقلي وفجيعته وسخريته، من حيث تفكّر في الحياة والموت، يقول:
"ربّ قبرٍ قد صار قبراً مراراً
ضاحكٍ من تزاحمِ الأضدادِ"
والمشهد صوريّاً هو الآتي: قبر يفتح شدقيه بالضحك، وتتزاحم الخلائق بأضدادها على الولوج فيه. بالطبع هنا ستتبادر إلى ذهننا سخرية صلاح عبد الصبور وفجيعته في مشهد رؤوس الناس على جثث الحيوانات ورؤوس الحيوانات على جثث الناس، والتحذير "فتحسّس رأسك". كلا الشاعرين متأمّل مُبتلى بالعقل، شكّاك ضاحك من شدّة البكاء.
من خلال فصول "حياتي في الشعر"، يظهر صلاح عبد الصبور على استبطان لا يهدأ لذاتِهِ وأحواله الداخلية من جهة، وعلى جهد نقدي يقظ في قراءاته واختياراته الثقافية، ثم في القيام بمزج ذكي بين تجربته الداخلية وقراءاته الثقافية المتنوعة، بحيث تُظهر قصائده مزيجاً شعرياً بين هذه وتلك. فقصائده ذات خصوصية ذاتية لا يخطئها القارىء، إلاّ أنها أيضاً ذات إحالات معرفية ومرجعيات ثقافية فلسفية وفكرية وشعرية. لذا جاء عنوان سيرته الحياتية والشعريّة التي تركها لنا جامعاً بين هذين الحدّين: "حياتي في الشعر". وهو ينطلق من كلمة فلسفية لسقراط: "اعرف نفسك"، معتبراً أن تاريخ المعرفة الإنسانية، بما فيه من علوم وفنون واختبارات، ليس سوى تاريخ تأمّل الإنسان في ذاته حيث يجري حوار ثلاثي الأطراف والأبعاد بين الذات الناظرة والذات المنظور فيها والأشياء. هذه البذرة الفلسفية ينقلها صلاح عبد الصبور إلى القصيدة، فيرى إليها بدورها على أنها نوع من الحوار الثلاثي: تبدأ خاطرة وتتحقق بالفعل وتنتهي بالالتفاف على ذاتها وذات الشاعر بهدف التصويب.
هذه المراحل الثلاث للقصيدة ينقلها صلاح عبد الصبور من مستوى التأمّل الثقافي إلى مستوى التجربة الصوفية. فالخاطرة هي ما يشبه "الوارد" في معجم التصوفة، وقد فرّقوا بين "وارد" وما يشبهه مثل الخاطر والبادي والبادِه والعارض والوهم، فجعل السراج الطوسي في كتابه "اللمع" البادِه مقدّمةً للوارد حين يبده القلب أو يفجؤه فيخرج به على مساره إلى مسار جديد. ويحدّثنا القشيري في "الرسالة القشيريّة"، عن اللوائح أو الطوالع أو اللوامع، وهي خواطر سريعة تنبع من حيث لا يدري الإنسان، تلمع بسرعة ثم تنطفىء، وما يبقى هو الوارد. والوارد ليس حدساً من صنع العقل كما يرى برغسون، بل دعوة غامضة ومفاجئة وغير محسوبة لبدء القصيدة. يلي ذلك مرحلة التلوين والتكوين، وهي مرحلة الفعل التي فيها تولد القصيدة وليدتها العجيبة الغامضة... وبعدما تولد، يعود الشاعر بها إلى حاله العادية قبل ورود الوارد إليه، حيث يقطع الحوار وتبدأ المحاكمة، فيغيّر لفظاً هنا وجملة هناك، قبل أن تستقيم القصيدة بصورتها النهائية الأخيرة.
القصيدة إذاً، كما يرى إليها صلاح عبد الصبور، تجربة روحية، أو رحلة. والصوفية هم أوّل من نظر إلى التجربة الروحية على أنها رحلة، فاقتبس الشاعر منهم الفكرة والمراحل والعبارة، لكنها رحلة إلى أين؟ إنها رحلة للظفر بالنفس، كما يرى أرسطو، ويجد عبد الصبور. هذا لجهة جوهر الشعر والقصيدة. أما لجهة الشكل، فالشاعر كان شديد العناية بفكرة "التشكيل" ومعناه "أنّ القصيدة ليست مجرّد مجموعة من الخواطر أو الصور والمعلومات، لكنها بناء متدامج الأجزاء منظّم تنظيماً صارماً" (ص 26). والتشكيل في القصيدة أقرب إلى فنّ الرسم منه إلى أي فنّ آخر، ويستطاع تلمّسه في الشعر الحديث أكثر مما هو في الشعر القديم، حيث يعوّل على بيت القصيد، أما هنا فيعوّل على البناء بمجمل أجزائه وأبعاده ونسبه، وهو التشكيل. لكنْ أليس ثمّة من إشكالية تثار حول حدّي نظرية عبد الصبور للقصيدة؟ فهي من جهة انخطاف وإبحار لا واعٍ في البحران ورحلة غامضة بل مغامرة في الروح، وهي من جهة ثانية تشكيل وهندسة وتناسب وبناء. فلأي إله تخضع القصيدة؟ أهي بنت الديانة الديونيزيسيّة اللذّية المبادهة أم بنت الأبولونية في عبادتها للعقل؟
وينجده في التوفيق بين هاتين الفكرتين المتناقضتين، الفيلسوف الألماني نيتشه. فقد كان يرى أن الفنّ العظيم يجمع بين الديونيزيسية والأبولونية. ونيتشه شكّل لصلاح عبد الصبور، وعلى مراحل متعاقبة من قراءته في كتابه "هكذا تكلّم زرادشت" لقيا مذهلة ورابضة عليه. كما تكوّنت حساسيته الثقافية من مطالعات أخرى فلسفية وشعريّة غربيّة وغالبة عليه وعلى نماذجه المختارة، يضاف إلى ذلك انفتاحه النقدي على التراث العربي، وتشرّبه الروحي لتجربة الصوفية في الإسلام.
يرى الشاعر ضرورة وجود ذروة للقصيدة، لكنّ هذه الذروة يصعب تحديدها سلفاً كماهيّة أو كموقع. فذروة قصيدة الشاعر السكندري اليوناني كافافيس في قصيدته "في انتظار البرابرة" هي في نهايتها المتمثلة بعقم انتظار البرابرة لأنهم لم يأتوا، بل لأنه "ليس ثمة برابرة"، وقد كانوا تعلّة وانتظاراً... والآن ما العمل وكيف الخلاص؟ أما ذروة قصيدة "الغيتار" لغارسيا لوركا فتكمن في تصعيد نواح الغيتار الذي يبدأ ويصعد ويصعد ويصعد. وذروة قصيدة جاك بريفير "عائلية" ذروة قصصية متمثلة بطرح العقدة والانتهاء بحلّها أو الردّ عليها. وذروة قصيدة كولردج المسماة "قوبلاي خان" التي يتخيّل فيها قبّة للذة، يعيش فيها كما يعيش في فردوس، هي مفاجأة أصوات الأسلاف له تتنبأ بالحرب. فكأن الذروة لقصيدة كولردج تتمثّل في الدورة، واقتران الأضداد في الحياة.
ويحملنا صلاح عبد الصبور على أجنحة معرفته الشعريّة الغنيّة، إلى مناطق لشعراء ذوي تجارب جديدة وغنيّة وشاملة، والأرجح أن الشاعر تأثر بتجاربهم. من بينهم ت. س. إليوت في مسرحيته "حفلة كوكتيل" الذي يرى التجربة الشعرية تمرّ بمرحلتين: مرحلة الفتوّة الشعرية والانبثاق التلقائي العظيم للشعر حتى الخامسة والعشرين من عمر الشاعر، تليها مرحلة الثقافة، وضرورتها لاستمرار شعريّة من تجاوزوا الخامسة والعشرين. يقول إليوت: "إنّ قليلاً من الشعراء هو من يستطيع أن يظلّ شاعراً بعد الخامسة والعشرين"، ويشترط لاستمرار الشعرية ضرورة تمثّل التراث الشعري. لكنه يتوقف عند هذه المسألة، من خلال اعتباره الشعر تجربة ذات اتصال بالذات والعالم والثقافة، فيرى "أن الشاعر لا يعبّر عن الحياة، لكنه يخلق حياةً أخرى معادلة للحياة" (ص 52)، وهي نظرة فيها من العمق ما فيها من الملاءمة. يقول صلاح عبد الصبور في سيرته إنه تفتّح على المنفلوطي وأحبّه، وعلى جبران وعشقه حتى أسلمه جبران إلى نيتشه فكاد يؤلّهه، وإنه مرّ خلال حياته الشعرية بأطوار من التجربة والصمت، وشرب من مشارب فكرية وفلسفية وشعرية كثيرة: لقد عرف الماركسية وانتقد سطحيتها في نظرتها إلى الفن كخادم للأيديولوجيا الطبقية، ووقع أسيراً للدين في طقوسيته، لكنه ما لبث أن خرج من الأسر، بسبب اصطدامه بواقع الفقر في بلاده، حيث كتب في قصيدة "الناس في بلادي" "قصة قرية ريفيّة تعيش تحت طغيان فكرة الله وصورته تصطبغ في ذهنها من خلال الوعظ والتخويف بالقوة والعشوائية، والقرية تستجلب هذه الفكرة وتستطيبها وتغضّ النظر عن واقع حياتها الفقير المرير، لكنّ شاباً منها يرفع في وجه السماء قبضة التحدّي (...): يا أيها الإله/ كم أنت قاس موحش يا أيها الإله/... فالعام عام جوع/ وعند باب القبر قام صاحبي خليل/ حفيد عمّي مصطفى/ وحين مدّ للسماء زنده المفتول/ ماجت على عينيه نظرة احتقار/ فالعام عام جوع" (ص 117).
من الواضح هنا تأثّر صلاح عبد الصبور بكل من جبران ونيتشه، فليس عبثاً اختياره اسم خليل "حفيد عمّي مصطفى" في القصيدة، وأرجّح أن قصة "خليل الكافر" المعروفة لجبران، ضغطت عليه، كما أن فكرة "موت الإله" لنيتشه ضغطت بدورها، فنبعت قصيدته من أصل تجربة محلية عايشها الشاعر في بلاده المسحوقة والمخدّرة بالفقر والصبر، إلاّ أنّ نارها الفكرية أتت من جهتَي جبران ونيتشه.
وفي تطوّحه النفسي والفكري ووصوله إلى حدود التجديف، اهتدى عبد الصبور إلى المجتمع ثم غادره، وإلى الدين ثم غادره، إلى أن رسا مركبه الحيران على فكرة الإنسان وضرورة تساميه. وهذه الفكرة أخذت بيده من جديد إلى الله. يقول: "ليكن الكمال هو العودة إلى الله نقياً كما صدر عنه" (ص 120)، ويكتب فرحاً بسلامه الذاتي بعد العاصفة: "لقد أصبحت الآن في سلام مع الله" (ص 121).
هذا السلام مع الذات النابع من السلام مع الله، قاد الشاعر أيضاً إلى السلام مع الحب والحرية والشعر (سواء كان ذلك في القصيدة أو المسرحية التي يرى أولويّة الشعر بها على النثر، بخلاف آراء مسرحية كثيرة ترى المسرح مجتلى للسرد النثري...)، ويقول في نهاية "حياتي في الشعر": "كانت مسرحيتي "مأساة الحلاّج" معبّرة عن الإيمان العظيم الذي بقي لي نقياً لا تشوبه شائبة وهو الإيمان بالكلمة".
لا نشكّ في أنّ قراءة الشاعر في شعره، ضرورية لمعرفته. لكن قراءته في ما يصاحب الشعر ويسبقه ويليه، من روافد السيرة وروافد الثقافة، تلقي ضوءاً كاشفاً على تكوّنه الفكري والنفسي والروحي أيضاً. وربما اختلط هذا بذاك، أو التقى به، أي القصيدة وينابيعها، فاكتملت المعرفة بالشاعر، أو على الأقلّ، اقتربت جدّاً من هويته.
لقد عاش صلاح عبد الصبور خمسين عاماً في أواسط القرن العشرين، وقد التقط حساسياته وإشكالياته كما التقط جنونه. يقول في إحدى قصائده: "كيف أُجَنّ، كي ألمس نبضَ الكون المختلّ؟"، وكأنه لمس الخوف من اختلال نبض الكون فسجّل هذا الهاجس في بيتٍ راءٍ من الشعر.
والشاعر كان قد سجّل وجمع في كتاب سمّاه "أصوات العصر" لائحته المنتخبة الفنية والفكرية، لأصوات عصره ورموزه الإبداعية، وهو حصيلة قراءات واختيارات شاعر مثقّف عاش في قلب التيارات الفكريّة والفنيّة، المحليّة والعالميّة، لعصره، وتفاعل معها تفاعلاً إبداعياً ظهرت ملامحه في ما ترك من شعر ومسرح شعري، وأمسك بعصب متوتّر ساد بعد الحربين العالميتين، هو غلبة الضجر والفراغ، بالإضافة إلى الجنس والعنف، على الحساسية الروائية والمسرحية والشعرية في الغرب والولايات المتحدة الأميركية، من خلال النماذج والأسماء الإبداعية التي يعرض لها في كتابه، مستنداً إلى الذوق والتعريف، دون النقد والتقييم. وهو يدعونا للجلوس إلى مائدة جلسائه في العصر. الصوت الأوّل الذي اختاره عبد الصبور هو صوت أنطون تشيخوف، الروسي رائد القصة القصيرة المعاصرة. هذا الرجل النحيل المتوسط الطول، ذو الشعر الناعم الكثيف، والجبهة العالية البيضاء، والعينين الرماديتين، والملامح الرقيقة الأنثويّة، وذو اللحية الحائرة بين الفرنسيّة والروسيّة... هذا الرجل صاحب السعلة الخفيفة الناطقة بمرض الصدر كان طبيباً، لكنه كاتب أولاً. مات باكراً في الرابعة والأربعين من عمره، إلاّ أنه حفر بقوة في القصة القصيرة الروسية والعالمية. من الطب إلى القصة، نقل معه تشيخوف النبض الإنساني لحالات المرض والضعف. وكتابته تظهر وكأنها تغرف مباشرةً، وبلا قفّازات، عناصرها من جوف الحياة. يكتب في إحدى رسائله إلى صديقه سوفورين، واصفاً ما ينتابه من سعالٍ عند مفاصل الفصول: "كل شتاء وخريف وربيع ينتابني السعال، لكنني لا أجزع إلاّ حين أرى الدم. هناك أجد أن أمراً وحشياً حدث في منظر الدم وهو يتدفّق من فم إنسان كأنه وميض نار ملتهبة".
لقد صوّر تشيخوف حالات الانحراف والضعف والمرض كحالات ملازمة لهذا الكائن المريض وغير مفصولة عن نقيضها في الكائن الصحيح، ومن أجمل ما كتبه قصته "العنبر رقم 6"، ويظهر لي أن القصصي المصري الراحل يوسف إدريس قد أسّس كثيراً من حساسيته الفنيّة على "العنبر رقم 6" لتشيخوف، خصوصاً في قصته "لغة الآي آي"، أي لغة الألم، وأحداث العنبر تدور بين طبيب ومجنون في مستشفى للأمراض العقلية، ففي المستشفى نماذج للمجانين: نموذج اليهودي الرثّ الذي يستعطي في الليل ويعود مع الصباح إلى العنبر ليعطي حصيلته للحارس (وهنا نشير إلى أن الروائي اللبناني توفيق يوسف عوّاد ربما تأثر بهذه القصة في "الصبي الأعرج")، ونموذج الفلاّح الصامت الذي لا يتكلّم، بل ينظر بعينيه، ونموذج الموظّف الشاب الذي يتخيّل أنه مطالب بجريمة لم يرتكبها، وهو مريض مثقف، وكان الطبيب في العنبر يقول له إن الألم شريعة الحياة، والحياة خارج العنبر تشبه الحياة داخله، ويجيبه المريض الشاب: أنت منافق أيها الطبيب، أنت لا تعرف الألم بل تتخيّله. وتزداد صلة الطبيب بالمريض المتفلسف حتى يصاب بالعدوى فيصبح مجنوناً. ثم من خلال خدعة ما، يُلقى بالطبيب إلى المستشفى بعد أن يُلبسوه البرنس الأبيض. هكذا يتعرّف الطبيب إلى الألم الحقيقي لا ألم التأمّل والتفكّر.
نقف هنا بعد هذا السياق لـ"العنبر رقم 6" لتشيخوف، وقد اختاره صلاح عبد الصبور كنموذج لصوت أحبّه من أصوات عصره، لنسأل: أليس هذا الحال الذي عرضه تشيخوف في قصته هو عينه حال عبد الصبور في قوله: "كيف أُجَنّ/ كي ألمس نبض الكون المختلّ"؟ فالشاعر ضغط الحكاية بمشكلتها وسياقاتها وأشخاصها، بسؤال شعري من كلمات عدّة.
من تشيخوف، ينتقل بنا عبد الصبور إلى مسرحيّ كان قد أزعج نيويورك ولندن من خلال مسرحية بعنوان "أنظر خلفك بغضب". والمسرحي هو جون أسبورن، والمسرحية أسست لجيل الغضب في المجتمع الأميركي والغربي على العموم، وهي تدور حول مفارقات حياة رجل عاصف وضجر ومثقف ولا يعجبه شيء هو جيمس بورتر. إنه رجل ضارّ، في حياته الزوجيّة كما في عمله وعلاقاته مع أصدقائه وأعدائه على السواء، إلى درجة أنه يعزف على الأكورديون وكأنه يقتل! ويرى إلى الحياة وكأنها خطأ فادح ولا مانع من تلافيه، في ما يشبه دعوة ضمنية إلى الانتحار. جيل الغضب الذي أسست له مسرحية أسبورن سرعان ما تناسل في المجتمع الأميركي والمجتمع الإنكليزي وظهرت علاماته في الحياة اليومية للشباب وفي ما شكّلوه من عصابات العنف والتسكّع. كما تجلّت في السينما من خلال شخصيّة جيمس دين، النجم المزاجي الشرس الذي حطّم ذاته بقيادة سيارته بسرعة جنونية.
إلى تشيخوف وأسبورن، يضيف صلاح عبد الصبور في فترة الخمسينيات والستينيات من عصره، ممثلتين وكاتبة. أما الممثلتان فهما مارلين مونرو وبريجيت باردو، وأما الكاتبة فهي فرنسواز ساغان... رموز المراهقة والجنس والعلاقات الوجودية المكشوفة آنذاك.
وكان العصر قد شهد تحطيم الأصنام القديمة، في الفلسفة والفكر والأخلاق والدين والأدب، من أرسطو وأفلاطون حتى كانط وصولاً إلى جورج صاند. ومثلما فعل نيتشه في كتابه "الأصنام"، فعل المسرحي الإنكليزي جورج اسكواير، فأعمل معوله المسرحي في شكسبير، فأحاله إلى مهرّج متهم بأن ثمة من كان يكتب له مسرحياته لقاء رشوة، وهذا الكاتب المرتشي (عبد الكتابة المسرحية) ليس سوى الفيلسوف الإنكليزي المعروف اللورد بيكون نفسه.
هذا هو موضوع مسرحية جورج اسكواير الساخرة، المسماة "مهرّج من ستراتفورد" حيث يتحوّل فيها اسم شكسبير إلى "شاكسبور"، ويتحوّل بيكون من فيلسوف إلى كاتب مأجور ومهرّج. ويصلنا صلاح عبد الصبور بهذه المسرحية الإنقلابية من خلال ترجمتها إلى العربية وإثبات نصّها الأصلي ونصها المترجم في أصواته.
وأخيراً وأخيراً، نسأل أنفسنا: أنتكلم عن صلاح عبد الصبور في أصواته، أم نتكلّم عن هذه الأصوات في صلاح عبد الصبور؟
من الحلاّج ومجنون بني عامر إلى زهران، ومن أعمى المعرّة إلى "بشر الحافي" و"سيرة الملك عجيب بن الخصيب"، ومن أرسطو إلى ماركس فنيتشه، ومن تشيخوف إلى أسبورن إلى أرنست همنغواي... يظهر لنا أننا نتحرك مع صلاح عبد الصبور الشاعر، من كينونة ثقافية إلى أخرى، ودائماً دائماً من صلاح عبد الصبور إلى صلاح عبد الصبور.
****
"لو كان لي بعض يقينك
لكنتُ منصوباً إلى يمينك"
صلاح عبد الصبور
1
هل تستحقّ هذه الحياة أن تعاش؟
من كوّتين مضاءتَيْن بنبراسَيْن أتى جوابٌ مضيء، وجواب مشحون بالقهر يصرّ على قبول الحياة ما دامت وسيلة لرفع الظلم ونصرة الضعفاء. لقد كان الحلاّج صوفياً وشهيداً ممتلئاً بالحالتَيْن. كان قلبه مصباحاً دُرّياً أحرق "الدلق" وخرقة الصوف لأن بدايته المشرقة أوصلته إلى نهايته المحرقة، والحريق هنا هو الحالتان معاً: فناء العاشق في المعشوق، والموت تحت راية نظيفة دفاعاً عن المظلومين الذين لم يكتشفوا ظلمهم إلاّ على ضوء جراحه، ولذا لم يكن موته موتاً. كان مصلوباً على الشجرة "يبدو كالغارق في النوم" و"عيناه تنسكبان على صدره". فالموت عند المضيئين لا يخشاه إلاّ الموتى. كان في الحلاّج "الوليّ" ولينين معاً، وعبر هذين العاشقين يبدأ الحلاّج مضيئاً لينتهي شهيداً. هكذا يراه صلاح عبد الصبور في مسرحيته "مأساة الحلاّج".
2
ليس ثمّة في رأي عبد الصبور برزخ فاصل بين تجلّيات الحلاّج الصوفية، وخلْع جبته لمساعدة الفقراء، وبذلك رصد ضوءه المتصاعد من صدره والمتألق كالحجر ليجعله راضياً، بل وسعيداً في دفاعه عن الفقراء والانحياز إلى قضاياهم والتحريض ضدّ التجار وغلاء الأسعار... كانت معارج لا بدّ من قطعها. فالشبلي أخو الحلاّج في الرؤية الصوفية يختلف عنه في المنهج. الشبلي حفظ نوره في داخله واشتعل به، والحلاّج خرج من ناسوته ليعلن شهادته قبل موته، انتصاراً لقضية الإنسان، ويلخّص صلاح عبد الصبور الكونَيْن عبر اتحاد الضدَّيْن في الصديقَيْن المتوحّدين في الله.
الشبلي: يا حلاّجُ اسمع قولي
لسنا من أهل الدنيا، حتى تلهينا الدنيا
(...)
هل نبصر عندئذ في قلب غمامتنا الفضيّة
إلاّ أشباحاً حائلةً تذوي في وهج العرفان
وظلالاً زائلة لا تمسكها الأجفان
الحلاّج: لكن... يا أخلص أصحابي، نبّئني
كيف أُميت النورَ بعيني
هذي الشمس المحبوسة في ثِنْيات الأيام
(...)
في كل مساءٍ تمسح عينيّ بها، توقظني من سبحات الوجد
(...)
الشبلي: لا، بل حدّقتَ إلى الشمس
وطريقتنا أن ننظر للنور الباطن
ولذا، فأنا أرخي أجفاني في قلبي
وأحدّق فيه، فأسعدْ
وأرى في قلبي أشجاراً، وثمارا
وملائكة ومصلّين وأقمارا
(...)
الحلاّج: (...) لِمَ يختار الرحمنُ شخوصاً من خلقه
ليفرِّق فيهم أقباساً من نوره
هذا، ليكونوا ميزان الكون المعتلّ
(...)
الشبلي: لا، يا حلاّج
إني أخشى أن أهبط للناس
(...)
ويموت النور بقلبي
الحلاّج: هبْنا جَانَبْنا الدنيا
ما نصنع عندئذٍ بالشر؟
نحن هنا أمام شيخَيْن كبيرين من مشايخ الصوفية. الشبلي يرى التصوّف عزوفاً عن الدنيا، والهبوط إلى الوجدان العارف في أعماقه مستجلياً متلذذاً باكتشافاته الخارقة عبر نور قلبه الممتلىء بالله. أما الحلاّج الرائي الآخر فهو ملتهب بنار الوجد العرفاني كالشبلي تماماً، لكنه يرى أن رسالته الاتصال بالآخر في وحدة كونية تحارب باستمرار الظلام وتغسل بقعه عن كينونتنا الداجية، التي تنتظر حلاّجاً باستمرار كي يشعلها، ويلهب فيها جمرته القدسية. وبهذا يكون الحلاّج مسكوناً بمناضل يؤمن بالتحريض والسير في أسواق بغداد داعياً التجّار إلى خفض الأسعار، ومحرّضاً الفقراء على اتباع نهجه عبر إيمان يتدفق منه إليهم. لقد تقدّم الحلاّج من المشنقة، وهو يقول بأعلى صوته: "حسب الواجد إفراد الواحد له". وبشهادته دخل الحلاّج في "الأنا" المطلق الذي كان يراه فيه، وكان بسعيه يرى أن التصوّف الحقيقي هو "إنهاض القلب من الحق". رمزية شهادة الحلاّج دخلت في الثقافة الإسلامية المبدعة، وغدا متجدّداً بتجدّد موته في الآخر المبدع الحياة عبر الموت، والموت عندئذ ليس نهاية، وإنما هو درس في خلوة صوفية تتسع لكل المريدين من أتباع الجمهور المتعطش لجعل السراب ماءً. الموتى هم الأحياء الذين لم يتمتعوا بفجيعة الحلم اللذيذة عبر القتل الشهيّ الذي مارسه الحلاّج، وكأنه في حضرة ربّه يفرد له ذاته ويدخل فيه. الفرح للأحياء دائماً، الأحياء الذين لا يموتون حين يموتون. لذلك تكون النفس ميتة حين لا تدخل في الآخر، هكذا عبّر بودلير للتي لا تحبه: "إنها لا تدري علام يبكي الموتى"!
رماد الحلاّج المتناثر في الرياح بعد إحراق جثته لا يزال إلى اليوم يصيب أعين الظالمين والقتلة. إنّ دروشة، ضوؤها ليس مرعباً، تدخلها ظنون كثيرة، وربما نجاسات رآها الصوفيون الكبار على خِرَق أدعياء الصوفية، فإذا كانت الصوفية "إنهاض القلب في طلب الحق" فكيف نقبل تصوّفاً متشرنقاً في مساحة داخلية يعبّر عنها الشبلي بقوله حين أنطقه شاعرنا صلاح عبد الصبور:
"وطريقتنا أن ننظر للنور الباطن
ولذا، فأنا أرخي أجفاني في قلبي
وأرى في قلبي أشجاراً، وثمارا
وملائكةً ومصلّين..."؟
اختيار عبد الصبور الحلاّج رمزاً صوفياً، هو اختيار لثقافة عربية إسلامية مبدعة تتحوّل باستمرار وتهاجر من أقاليم الذات المملوءة بالضجيج الكوني إلى رحاب الكون حيث الظلام يحيط بالأفئدة الغُلْفِ، وحيث ذَهَبُ المادة يدفع الدراويش إلى إطفاء أنوارهم الحقيقية، وفَتْح التكايا لاستقبال الهبات، لا لاستقبال الظامئين إلى النور المعرفي المبدع.
3
حلوليّة الحلاّج لم تذهله، ولم تصرفه عن إخوانه الضعفاء الجائعين إلى النور والمعرفة. حلوليّته كانت دينية وثقافية مبدعة في شوارع بنت الرشيد، بينما حلوليّة الشبلي وغيره من المتصوّفة تنحو منحى انغلاقياً وتعاني جذباً باستمرار صوب الداخل:
الشبلي: يا حلاّج
لا أدري للصوفيّ صديقاً إلاّ نجوى الليل
وبكاء الخوف من الدنيا
وأناشيد الوجد المشبوب وآهات الذل
وفتوح المحبوب بنور الوصل.
ويستمرّ الشبلي في إقناع الحلاّج بأن الشرّ هو أعلى من فهمنا نحن البشر السجناء في هياكل الطين:
الشبلي: هل تسألني من ذا صنع القيد الملعون، وأنبت
سوطاً في كف الشرطيّ؟
وإليك جواب سؤالك؟
الظلم
...
لكني ألقي في وجهك
بسؤالٍ مثل سؤالكْ
قل: من صنع الموت؟
...
قل: من وسَم المجذومين؟
والمصروعين؟
قل: من سمل العميان
من مدّ أصابعه في آذان الصمّ؟
من شدّ لسانَ البكم.
والحلاّج المغمور بالمطلق يصرخ متوجعاً، من دون أن يكون له القدرة على الشكّ أمام جبروت النور الغامر:
"لا... لا... لا أجرؤ
أتريد تقول...
لا... لا...
لا تملأ نفسي شكّاً يا شبلي".
كان الحلاّج متفرّد المصير بين أصحاب الحالات الصوفيّة. كان الجسد إحدى وسائل الخلاص عبر تهديمه، لكن التهديم يجب أن يكون قيميّاً، أي ألاّ تجعله يحترق بغير نور الحق وإنهاض القلب في طلبه، بمعنى "الشهادة المضيئة" حيث يغدو الموت امتداداً للحياة، وتخليصاً لها من شوائبها القاتمة المظلمة. كان السير إلى الحق أسلوب الحلاّج في التعبير عن وحدة الإلهي الحالِّ به. كان يصرخ في شوارع بغداد: "أنا الحقّ". روى بعضهم أنه سمع الحلاّج يردد في أسواق بغداد:
"ألا أبلغْ أحبائي بأني
ركبتُ البحرَ وانكسرَ السفينهْ
ففي دين الصليب يكون موتي
ولا البطحا أريد ولا المدينهْ".
لقد ركب البحر الهائج الذي هو الحياة، وصراعه معها كان في الوصول إلى المطلق المتجلّي بإنهاض القلب في طلب الحق، وهذا يستدعي إهمال الذات بل القضاء على رغباتها الدونية، وكان يقول: "أريد أن تُقتل هذه الملعونة" مشيراً إلى نفسه. وسأله أحدهم: هل يجوز إغراء الناس على الباطل بقتله، أجاب: "لكني أغريهم على الحق، لأن عندي قتل النفس من الواجبات". انحياز الحلاّج لمحاربة جشع البشر وقتل الظلام فيهم كان طريقه لقتل نفسه عبر ما نسمّيه الشهادة.
رفضه للبطحاء والمدينة هو في المضمر قبول بهما عبر الغوص وراء الشكلي في العبادة. هو يريد عبادة أخرى تجعله منتشراً برماده في ثقافة الأمة التي أُمرت أن تفعل الخير وتساعد على حصار الشرّ. العبادة هي دخول في الآخر بمقدار ما هي سمو وصعود إلى الذات الكلّية المتجلية في اللاهوت الأسنى "المطلق".
4
مسرحية "مأساة الحلاج" بهذا المعنى لا يمكن أن نسميها مأساة، لأنها هادفة ولأن المسرح في أساس وجوده هو "حركة الأفكار" يعيد عبرها المسرحيّ خلق التاريخ. كتابة التاريخ تعني "عملية بناء المعنى" التاريخي للحدث ("الحركة المسرحية في لبنان" لخالدة سعيد)، لا باعتباره حدثاً بل باعتباره هادفاً لمعنى يريده الكاتب. فالتراجيديا في المسرح اليوناني رغم لجوئها إلى الأسطورة، هي في الحقيقة تعبير عن هزيمة البطل - الإنسان أمام القدر المهيمن، حيث استأثرت الآلهة لنفسها بالحياة الخالدة، بينما جعلت الموت من نصيب البشر، كما يبدو في الغاية النهائية لكل فكرة، هزيمة الإنسان بعد صراعه مع القدر في المسرح اليوناني هي سرّ مأساته، وهي سبب تعاطف المُشاهد مع البطل في مصيره المحتوم. هي تُصعّد حزنَ المشاهِد لتفجّره، أي، هي تخلي النفس البشرية من أحزانها المصيرية عبر تصعيد حركة المسرح، وعبر سير البطل الحثيث إلى مصيره أمام الآلهة المنتصرة با