لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

قاسم حداد بصوته قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع























































 

استبطان النصّ الشعري في الممارسة النقدية

بقلم: حبيب بوهرور
(باحث وأكاديمي جزائري)

جمعت نازك الملائكة بين نوعين من النقد، نقد النقّاد، ونقد الشعراء، فهي تمارس النقد بصفة ناقدة متخصّصة كأستاذة جامعية يعرفها الدرس الأكاديمي، وتمارسه أيضاً من موقع إبداعي لأنها شاعرة ترى الشعر بُعداً فنّيّاً حراً لا يعرف الحدود ولا القيود. لذلك فنازك الناقدة، ومن خلال أعمالها النقدية وتنظيراتها تستبطن النصّ الشعري وتستنطقه وتعيش في أجوائه ناقدة وشاعرة على السواء، بحثاً عن أصول فنية أو تجسيداً لمقولة نقدية، أو تحديداً لخصائص شعرية مشتركة. من هنا ارتكزت أسس النظرية النقدية عند الملائكة - برأيي - في إطار الممارسة الأكاديمية على تفعيل الموقف في ثلاثية التراث، والشكل الشعري والإبداعي الحديث، وإشكالية قصيدة النثر.

أولاً، التوصيف الإجرائي للتراث
كانت مقاربة نازك الناقدة لقضية التراث مقاربة ضمن الإطار التشكيلي والتنظيري للشعر الجديد (الحرّ)، الذي عُدّت لاحقاً رائدة له بامتياز. فقد ظهر موقفها من التراث موقفاً ضمنياً في إطار المقارنة الموضوعية بين أسس الشعرية القديمة ومعالم الشعرية الحديثة، وظهر ذلك جلياً في مقدّمة ديوانها «شظايا ورماد» وكتابها «قضايا الشعر المعاصر». لقد رفضت نازك الملائكة الخضوع الإرادي للموروث الأدبي عموماً، والشعري على وجه التخصيص، فنادت بإحداث القطيعة مع الأساليب التشكيلية والتعبيرية القديمة التي أضحت، بحسب رأيها، قيوداً تعيق حركية الإبداع إعاقة كاملة. من هنا يمكن تحديد معالم الموقف النقدي حول التراث لدى الملائكة في النقاط الآتية:

  • مفارقة الواقع العينيّ في الوصف، واللجوء إلى اعتماد آلية الرمز بما تحمله هذه الأخيرة من قدرة على صياغة تفاعلية للعملية الشعرية بعيداً عن التنميط أو تقديس الموروث، لأن الواقع، بحسب رأيها، يُظهر «أن اللغة العربية لم تكتسب بعد قوة الإيحاء لأن كتّابها وشعراءها لم يعتادوا استغلال القوى الكامنة وراء الألفاظ استغلالاً تامّاً إلاّ حديثاً، فقد بقيت الألفاظ طيلة قرون الفترة الراكدة (المظلمة) تُستعمل بمعانيها الشائعة وحدها، وربما كان ذلك هو السبب في جنوح الجمهور العربي جنوحاً شديداً إلى استنكار المدارس الشعرية التي تعتمد على القوة الإيحائية للألفاظ... على اعتبار أن هذه المدارس تحمّل اللغة أثقالاً من الرموز والأحلام الباطنية، والخلجات الغامضة واتجاهات اللاشعور، ومثل ذلك مما لا تنهض به إلا لغة بلغت قمة نضجها»1. والواضح أن هذا الموقف من اللغة كوسيلة تشكيل للإبداع الشعري، يرجع، كما أرى، إلى قصور اللغة العربية في مراحل كثيرة من الشعرية العربية على تحقيق غاية الشاعر المبدع في نقل أحاسيسه وتخليد رؤاه بعيداً عن الاحتذاء بالسلف شكلاً ومضموناً. لهذا كان الشاعر الناقد هو أقرب إلى إدراك هذه المعضلة من زميله الناقد المحترف والأكاديمي، كون هذا الأخير لا يمارس العملية الإبداعية وإنما يراجعها فقط.
  • خلق توازن موضوعي بين ثنائية المضمون والشكل: وقد ظهر هذا الموقف جلياً في كتابها «قضايا الشعر المعاصر» حين نادت بضرورة إيثار المضمون وفق آلية شكلية تتفق بالضرورة مع روح المضمون ولا تكون معيقاً أمامه، لأن متطلّبات الشعرية الحديثة تتجه حتماً نحو مقاربة المضمون في الشكل «فالشكل والمضمون يعتبران في أبحاث الفلسفة الحديثة وجهين لجوهر واحد لا يمكن فصل جزئيه إلاّ بتهديمه أولاً. والنقد العربي المعاصر جدير بأن يلتفت إلى هذه الوحدة الوثيقة، وينبّه إلى ما في الفصل بين وجهيها من خطر»2.

ثانياً، التنظير للشكل الشعريّ الحديث والمعاصر
ظلّ موقف الشاعر المعاصر، خصوصاً الشاعر الناقد، من قضية الشكل موقفاً إجرائياً، لأنه يخضعه للتطبيق الذاتي كلّما توافرت له آليات الخلق، وهذا ما توفّر للشاعرة نازك الملائكة، حيث نظّرت لقضية الشكل الجديد للشعر المعاصر ابتداء من مقدمة ديوانها «شظايا ورماد» (1949)، ثم في كتابها «قضايا الشعر المعاصر» (طبعة أولى 1962)، ورغم أنها تراجعت عن الكثير من مواقفها* التي احتوت مقدّمة الديوان حين أعادت تشكيل هذه المواقف في كتابها «قضايا الشعر المعاصر»، إلاّ أنها ظلّت الرائدة. لهذا سأكتفي بعرض مواقف الناقدة حول دوافع التشكيل المختلفة (قافية، وزن، لغة) انطلاقاً من كتابها «قضايا الشعر المعاصر» لاعتقادي أنه الكتاب الذي رسم معالم النظرية النقدية لدى الشاعرة بكل جرأة. كما سأركّز فيما يأتي على إبراز مستويات نمو الموقف النقدي عند الملائكة بإيجاز.
تؤكّد الشاعرة على موقفها الذي أعلنته في مقدّمة ديوان «شظايا ورماد» حول ضرورة التجديد في الشكل العام للقصيدة العربية، حيث ترى أن الشعر الحرّ ما هو إلاّ اندفاع اجتماعي نحو أفق يرسمه المبدع نفسه، ورغم معارضة التقليديين والغيورين على الشكل القديم إلا أن الشاعرة آمنت أن مرحلة التغيير قد بدأت، وأن كلّ تراجع عن المكتسبات الأولى التي لامستها الشعرية العربية في بداية القرن العشرين، سوف يعيدنا قروناً إلى عصر الانحطاط، «فالأفراد الذين يبدأون حركات التجديد في الأمة ويخلقون الأنماط الجديدة، إنما يفعلون ذلك تلبية لحاجة روحية تبهظ* كيانهم وتناديهم إلى سدّ الفراغ الذي يحسّونه، ولا ينشأ هذا الفراغ إلاّ من وقوع تصدّع خطير في بعض جهات المجال الذي تعيش فيه الأمّة، ويغلب أن يكون الفرد المبدع غير واعٍ وعياً حقاً لهذا التصدّع، غير أنه مع ذلك يندفع إلى التجديد الذي يعوّض عمّا تصدع»3، لهذا ذهبت الشاعرة إلى عرض أسباب اندفاع الشاعر والقارئ معاً نحو تلقّي ظاهرة الشعر الحرّ، على أساس أنها كانت تمثّل في مرحلة الخمسينيات والستينيات التمظهر الحداثي المتفرّد للشعر العربي الحديث. فقد فشلت كلّ محاولات وأد الظاهرة الشعرية الجديدة، ويرجع ذلك، بحسب نازك الملائكة، إلى:

النزوع نحو الواقع: لأن التشكيل الجديد يفسح المجال للشاعر كما للمتلقّي في أن يقترب من واقعه المعيش، فلا يحيد عن تمثّل هذا الواقع في شعره، لأن الإطار الجديد يسمح له بعرض رؤاه دون القيود التقليدية المتوارثة. لهذا سجّلت الملائكة أن الأوزان الحرّة تتيح «للفرد العربي المعاصر أن يهرب من الأجواء الرومانسية إلى جوّ الحقيقة الواقعية التي تتخذ العمل والجدّ غايتها العليا. وقد تلفّت الشاعر إلى أسلوب الشطرين فوجده يتعارض مع هذه الرغبة عنده، لأنه من جهة مقيّد بطول محدود للشطر وبقافية موحّدة لا يصحّ الخروج عنها، ولأنه من جهة أخرى حافل بالغنائية والتزويق والجمالية العالية»4.

الرغبة في التحرّر والاستقلال: ويرجع هذا إلى الرغبة في إعلاء الذاتية والفردية لدى الشاعر المعاصر من خلال تحقيق فرادته الإبداعية من جهة، وتمييزه عن الشاعر القديم من جهة ثانية، «إنه يرغب في أن يستقلّ ويبدع لنفسه شيئاً يستوحيه من حاجات العصر. يريد أن يكّف عن أن يكون تابعاً لامرئ القيس والمتنبّي والمعرّي. وهو في هذا أشبه بصبي يتحرّق إلى أن يثبت استقلاله عن أبويه فيبدأ بمقاومتهما، ويعني هذا أن لحركة الشعر الحرّ جذوراً نفسية تفرضها، وكأن العصر كلّه أشبه بغلام في السادسة عشرة يرغب في أن يعامل معاملة الكبار، فلا يُنظر إليه وكأنه طفل أبداً»5.

النفور من النموذج: حيث نسجّل هذا الشعور عند الشاعر العربي في بداية القرن العشرين في محاولات جماعة «الديوان» وجماعة «أبولو»، وجماعة «الفن والحرية» أو السرياليين العرب وعلى رأسهم الشاعر جورج حنين، وصولاً إلى كتابات السيّاب ونازك الملائكة نفسها، فمن «طبيعة الفكر المعاصر عموماً أنه يجنح إلى النفور مما أسميه بالنموذج في الفن والحياة. وأقصد بالنموذج اتخاذ شيء ما وحدة ثابتة وتكرارها بدلاً من تغييرها وتنويعها...»6. وهذا معناه أن كلّ تشكيل نموذجي مسبق للقصيدة يجب أن يقابله نموذج فكريّ يوازي التشكيل المسبق، حتى إن اضطرّ الشاعر إلى مجاراة الشكل المسبق من طريق التمديد القسريّ للأفكار أثناء عملية الخلق الشعري، لهذا «وجد الشاعر الحديث نفسه محتاجاً إلى الانطلاق من هذا الفكر الهندسيّ الصارم الذي يتدخّل حتى في طول عبارته، وليس هذا غريباً في عصر يبحث عن الحرية ويريد أن يحطّم القيود ويعيش ملء مجالاته الفكرية والروحية»7.

ثالثاً، تفعيل القارئ الضمني في الممارسة النقدية
لا تكتفي نازك الملائكة بعرض المواقف المؤيّدة للشعر الحرّ فقط، وإنما تنتقل إلى التحذير من بعض المزايا المضلّلة للشعر ذاته، وهنا يبدأ التراجع، في تقديري، عن جوهر المواقف التي أعلنتها في مقدّمة «شظايا ورماد»، فالأوزان الحرّة والانسيابية الموسيقية التي تتولّد من جرّاء التحرّر المباشر من قيود الأوزان، بإمكانهما إيقاع الشاعر في أخطاء كثيرة تطرّقت إليها الشاعرة، أوجزها على النحو الآتي:
الحرّية البرّاقة التي تمنحها الأوزان الحرّة للشاعر، حيث يمارس الشاعر حرية كاملة في هدم أسس القصيدة التقليدية «وهو في نشوة هذه الحرّية ينسى حتى ما ينبغي ألا ينساه من قواعد، وكأنه يصرخ بآلهة الشعر: لا نصف حرية أبداً، إمّا الحرية كلّها أو لا! وهكذا ينطلق الشاعر حتى من قيود الاتّزان ووحدة القصيدة وأحكام هيكلها وربط معانيها فتتحول الحرية إلى فوضى كاملة ...»

8.

الموسيقية التي تمتلكها الأوزان الحرّة، والتي تعدّها نازك الملائكة بداية تضليل الشاعر عن مهمّته في الخلق والإبداع، لأن الشاعر عادةً ما يتلذّذ بالحرّية الموسيقية التي يوفّرها له الشكل الجديد، فيحيد عن جوهر الشعور، فلا يؤسّس لتجربة ولا ينفعل لشعور، وإنما «يكتب أحياناً كلاماً غثّاً مفككاً دون أن ينتبه، لأن موسيقيّة الوزن وانسيابه يخدعانه ويخفيان العيوب. ويَفُوت الشاعر أن هذه الموسيقى ليست موسيقى شعره، وإنما هي موسيقى ظاهرية في الوزن نفسه، يزيد تأثيرها أن الأوزان الحرّة جديدة في أدبنا ولكل جديد لذّة، وعلى هذه الصورة تنقلب موسيقيّة الأوزان الحرّة وبالاً على الشاعر بدلاً من أن يستخدمها ويسخّرها في رفع مستوى القصيدة وتلوينها». ويرجع هذا إلى أن الملائكة لا تعدّ الشعر الحرّ إهمالاً كاملاً للوزن، بل تعدّه تعديلاً لعدد التفعيلات، وهي تنتقي البحور الصافية التفعيلة فقط لكتابة الشعر الحرّ، أما البحور الممزوجة المؤلّفة من تكرار تفعيلتين فمن الصعوبة في رأي الشاعرة كتابة شعر حرّ منها.
وفي السياق نفسه رفضت نازك الملائكة، أيضاً، إطلاق القوافي دون نسق خاص، بعدما كانت في مقدّمة «شظايا ورماد» قد طالبت بضرورة التحرّر من القافية الموحّدة في القصيدة9، «ورفضت الشعر المرسل لأنها ترى التقفية ضرورية للشعر ذي الشطرين، أمّا الشعر الحرّ فلا تريد له قوافي سائبة، فهي ترى أن للقافية سحراً قد يوقع غيابه القصيدة في الهزيمة واليأس والسقوط والانهيار»10.

رابعاً، السجال النقديّ حول قصيدة النثر
إلى جانب التحفظّات السابقة حول قصيدة الشعر الحرّ، فإن نازك الملائكة قد رفضت تماماً ما يسمّى تشكيلياً بقصيدة النثر، واعتبرته بدعة شعرية ظهرت في لبنان، حين ذهبت إلى مقاربة قصيدة محمد الماغوط على أساس أنها الشكل الشعري النثريّ الأول في الشعرية العربية، فاعتبرته مجرّد خاطرة، «إنه نثر طبيعي كالنثر على الرغم من أن كاتبه ينثره مفرّقاً على أسطر كما لو أنه كان شعراً حرّاً...» 11.

ووجّهت الملائكة نقداً شديداً لجماعة «شعر»، على أساس أنها الجماعة التي تبنّت وشجّعت هذا النوع الجديد من الكتابة التي تفتقد، بحسب رأيها، إلى كل مقوّمات الشعرية، بل هي مجرّد تقليد للشعر الأوروبي، مقارنةً بين مشروع الشعر الحرّ، الذي أرست قواعده، وما سمّي بقصيدة النثر: «... وإنما سمّينا شعرنا الجديد بالشعر الحرّ لأننا نقصد كلّ كلمة في هذا الاصطلاح، فهو شعر لأنه موزون يخضع لعروض الخليل ويجري على ثمانية من أوزانه، وهو حرّ لأنه ينوّع عدد تفعيلات الحشو في الشطر، خالصاً من قيود العدد الثابت في شطر الخليل. فعلى أيّ وجه تريد دعوة النثر أن تسمّي النثر شعراً؟ وما هذه الفوضى في المصطلح والتفكير لدى الجيل الذي يقلّد أوروبا في كلّ شيء تاركاً تراث العرب الفنّي المكتنز...»12.

والغريب في موقف نازك الملائكة من قصيدة النثر، أنها تناقضت في الكثير مع ما جاء في مقدّمة ديوانها «شظايا ورماد»، بحيث تجاوز خطابها حدود النقد الأدبي المسؤول، والوعي الذي يضع الظاهرة في حدودها الموضوعية، ويخلط - عن قصد أو غير قصد - أوراق المشروع الإبداعي بهدف قمع التجديد بكلّ الوسائل، إلى درجة وصف قصيدة النثر بأنها «خيانة» للغة العربية وللعرب! فهذا ما جاء على لسانها حين تقول: «... والحق أن لغتنا العربية لن تحمينا بعد اليوم، ذلك أن هناك اليوم أناساً يكتبون النثر ويسمّونه في جرأة عجيبة شعراً، حتى فقدت كلمة شعر صراحتها ونصاعتها. ولسوف يتشكّك الجمهور في أي شعر نقدّمه له باسم (الشعر)، لأن لفظ شعر قد تبلبل معناه واختلط وضاع. والواقع أن هذه الكذبة وكلّ كذبة مثلها خيانة للغة العربية وللعرب أنفسهم ...»13.

وحين نعود إلى مقدّمة الملائكة تلك، نجدها تتناقض في الكثير من مواقفها، خصوصاً عندما تستشرف نهضة شعرية متحرّرة تماماً من كلّ القيود والتوصيات المسبقة، وأن شعراء المستقبل القريب هم شعراء الشعرية العربية في انطلاقتها الجديدة، تقول: «إنني أؤمن بمستقبل الشعر العربي إيمانا حاراً عميقاً، أؤمن أنه مندفع بكلّ ما في صدور شعرائه من قوى ومواهب وإمكانيات، ليتبوّأ مكاناً رفيعاً في أدب العالم، وألف تحية لشعراء الغد»14.

فهل تراجعت الملائكة عن إيمانها هذا، أم أنها أعادت قراءة الظاهرة الشعرية الجديدة وفق أسس جديدة؟
في البداية أعود إلى القصيدة التي انطلقت منها نازك الملائكة في حكمها على قصيدة النثر بأنها خاطرة، وهي قصيدة «مسافر» للشاعر محمد الماغوط. فبعد مراجعة هذه الأخيرة في ديوان الشاعر وجدت أن نازك الملائكة قد قامت بإدخال العديد من التغييرات على النص الأصليّ، كإضافة واو العطف للفعل سأرحل، وقلب النقطتين المتتابعتين بعد «في ليلة ما» إلى نقطتَي تفسير، وتحريك التاء في الكلمات الآتية في النصّ: الطويلة، الحزينة، العاهرة، الظلمة. مع تغييرات مختلفة في علامات الترقيم، وقد أدّى ذلك، في تقديري، إلى تغيير في السياق الدلالي للقصيدة. ثم إننا حين نقرأ موقف الملائكة في كتابها حول قصيدة الماغوط نسجّل مباشرة أنها لم تثبت الصيغة الأصلية للنصّ عن قصد، حتى لا يلاحظ القارئ تلك التغيرات الجوهرية التي أدخلتها على النص. ومما جاء في النصّ الأصليّ للماغوط:

«بلا أمل.
وبقلبي الذي يخفق كوردة صغيرة
سأودع أشيائي الحزينة في ليلة ما..
بُقع حبْر
آثار الخمرة الباردة على المشمّع اللزج
وصمت الشهور الطويلة
والناموس الذي يمصّ دمي
هي أشيائي الحزينة
سأرحل عنها بعيداً.. بعيداً
وراء المدينة الغارقة في مجاري السلّ والدخان
بعيداً عن المرأة العاهرة
التي تغسل ثيابي بماء النهر
وآلاف العيون في الظلمة
تحدّق في ساقيها الهزيلين ،
وسعالها البارد، يأتي ذليلاً يائساً.
عبر النافذة المحطمة .
والزقاق الملتوي كحبل من جثث العبيد»15.

أما نازك الملائكة فقد نقلت قصيدة الماغوط على أساس أنها خاطرة على الشكل الآتي: «بلا أمل. بقلبي الذي يخفق كوردة حمراء صغيرة، سأودع أشيائي الحزينة في ليلة ما: بقع الحبر وآثار الخمرة الباردة على المشمّع اللزج، وصمت الشهور الطويلة، والناموس الذي يمصّ دمي هي أشيائي الحزينة، وسأرحل عنها بعيداً بعيداً، وراء المدينة الغارقة في مجاري السلّ والدخان بعيداً عن المرأة العاهرة التي تغسل ثيابي بماء النهر وآلاف العيون في الظلمة تحدّق في ساقيها الهزيلين، وسعالها البارد يأتي ذليلاً يائساً عبر النافذة والزقاق الملتوي كحبل من جثث العبيد»16.

وقد تصدّى الشاعر يوسف الخال، صاحب مجلة «شعر»، وحامل لواء الثورة والتجديد في الأشكال الشعرية، لموقف الملائكة من قصيدة النثر، حين طرح موقفاً من أشكال الشعرية الحديثة ردّ فيه على المواقف الارتدادية المتقلّبة للشاعرة، فقال: «... وماذا يَعرف هؤلاء الطلبةُ الصغار عن قصيدة النثر؟ يعرفون أن النثر نثر والشعر شعر، والفارق بينهما أن للشعر خصائص ليست للنثر، وأن أهمّ هذه الخصائص الإيقاع، وهو يجري على وزن تقليدي في القصائد التي يتوخّى أصحابها نظمها على الوزن التقليدي، كما يجري على وزن ذاتي مستحدث ينبع من عبقرية الشاعر وموهبته الفنية، وأن هذا الوزن الذاتي قد يكون على أشكال إذا شئنا تصنيفها وقعت في ثلاثة: أولاً الشعر المتحرّر من القافية، وهو ما يسمّونه بالـ Blank vers...، وثانياً الشعر الحرّ وهو ترجمة ما يسمّونه Libre vers بالفرنسية أوFree verse بالإنجليزية... وثالثاً قصيدة النثر أو ما يسمّونه بالفرنسية Poème en prose ، وبالإنجليزية Prose Poem وهو شكل يختلف عن الشعر الحرّ في آداب العالم بأنه يستند إلى النثر ويسمو به إلى مصاف الشعر (فيما يستند الشعر الحرّ إلى الشعر التقليدي، ومن هنا التزامه الأشطر شكلاً) مكتسباً من النثر العادي عفويته وحريته وبساطة الأداء والتعبير وبُعده عن الخطابية والبهلوانية البلاغية والبيانية وكلّ ذلك مع الحفاظ، كالشعر الحرّ، على إيقاع ذاتي يحدث التوتر المرجو من الوزن والقافية»17.

كما دافع الخال عن مجلة «شعر» التي تعرّضت لهجوم عنيف من طرف نازك الملائكة التي اعتبرتها مصدر هذه البدعة، أي قصيدة النثر، قائلاً: «... وهكذا ترى المؤلّفة إذا خلعت عنها حجاب التزمّت والسلفية ومركّب النقص تجاه أوروبا والعالم المتحضّر، أن ليس هناك دعوة ابتدعتها مجلة «شعر» لإحلال النثر محلّ الشعر، أو لخلط الشعر بالنثر، بل إن هناك شكلاً معروفاً معترفاً به من أشكال التعبير الشعري يسمّى (قصيدة النثر)، حرصت مجلة «شعر» على الانفتاح عليه...»18. وكان الخال قبل هذا قد ناقش الملائكة في بعض ما جاء في كتابها من مواقف وآراء ارتدادية عن سياق حركية الشعر الحديث، ابتعدت، بحسبه، عن كل مقاربة علمية وموضوعية للقضية في حقيقتها19.

والظاهر أن وصف الخال للملائكة بالتزمّت والسلفية في مواقفها من التشكيل الجديد، الذي نهضت به مجلة «شعر» وجماعتها، يرجع، في تقديري، إلى علامات الثابت الفكري في الموقف النقديّ عند الملائكة المبني على اعتماد التفعيلة، والأشطر المقننّة بحسب نظام التفعيلة ذاته، مع ضرورة خلوّ اللغة من الهفوات والأخطاء، وأعتقد أن موقفاً بُني على أساس هذه النقاط لا يمكن أبداً أن يتقبّل شكلاً كشكل قصيدة النثر التي ترفض التقيّد بأي نقطة من النقاط السابقة. وقد رفض الخال كلّ مراجعة لموقف حداثي أو فكرة حداثية لأنه يخشى على حركية الشعر المعاصر برمتها، من العودة إلى نقطة الانطلاقة، كما يخشى أيضاً من تنامي ظاهرة تبكيت الضمير التي أضحى يعاني منها الكثير من الشعراء الروّاد الذين مهّدوا في الأربعينيات والخمسينيات لثورة الشعر الحرّ. فعن سؤال للصحافي جهاد فاضل حول ما إذا كان يشعر بعد مشواره الطويل مع الحداثة بتبكيت ضمير، كما شعر صلاح عبد الصبور في آخر أيامه، وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش، رد قائلاً: «لا... هذا الندم غلط، وقد كانت نازك أوّل من بدأه في كتابها «قضايا الشعر المعاصر». لم تكن نازك منذ بداياتها متحرّرة تماماً... أنا أخشى أن يتكرّر في التراث العربي الأمر التالي: كلما ظهرت نزعة جديدة تُخنق ثم نعود إلى الصفر. منذ عشرين سنة بدأت نهضة شعرية جديدة هامّة، ولكنني خائف على هذه النهضة الشعرية من قوى الظلام، ونعود إلى الموال القديم... لا يجوز أن تطغى الأفكار السلفية على الأفكار الجديدة. يجب أن يكون هناك صراع بين الأفكار والمفاهيم وليس تعطيل هذا الصراع أو خنقه»20.

مع هذا تبقى نازك الملائكة بمواقفها الارتدادية السابقة من الشكل الجديد، رائدة من روّاد الشعر الحرّ، مارست النقد بناءً على مواقف وقراءات متغيّرة، وآمنت بالتراث الشعري واللغوي العربيين، وأسهمت في نقل الوعي الشعري لدى القارئ العربي من حالة التلقّي إلى حالة السؤال بامتياز.

الهوامش:

الملائكة، نازك، الديوان، مجلّدان، طبعة 2، دار العودة، بيروت، 1979، ص 20 – 21.
الملائكة، نازك، قضايا الشعر المعاصر، ط 7، دار العلم للملايين، بيروت 1983، ص 62 - 63.
المصدر نفسه، ص 54 – 55.
المصدر نفسه، ص 56.
المصدر نفسه، ص 56 – 57.
المصدر نفسه، ص 58.
المصدر نفسه، ص 60.
المصدر نفسه، ص 41.
الملائكة، نازك، مقدّمة ديوان «شظايا ورماد»، ص 17 - 18.
الصكر، حاتم، «نازك الملائكة ناقدةً»، مجلة «نزوى» العُمانية، عدد 4، 1995، ص 65.
الملائكة، نازك، قضايا الشعر المعاصر، ص 213.
المصدر نفسه، ص 214 - 215.
المصدر نفسه، ص 222.
الملائكة، نازك، مقدّمة «شظايا ورماد»، ص 29.
الماغوط، محمد، الآثار الكاملة، دار العودة، بيروت، 1973، ص 32 - 33.
الملائكة، نازك، قضايا الشعر المعاصر، ص 215.
الخال، يوسف، الحداثة في الشعر، ص 44 - 45.
المصدر نفسه، ص 45.
المصدر نفسه، ص 34 وما بعدها.
الخال، يوسف، حوار أجراه معه الصحافي جهاد فاضل ضمن كتاب «قضايا الشعر المعاصر»، ص 310.

الإحالات:

  • يُنظر مبحثها حول المزايا المضلّلة في الشعر الحرّ، ضمن كتابها «قضايا الشعر المعاصر»، دار العلم للملايين، بيروت ط 7 مزيدة ومنقّحة، 1983، ص 40 وما بعدها.
  • تبهظُ، بهظَ، بهظاً وأبهظ الحملُ أو الأمر أثقله وسبّب له مشقّة، والباهظة كلّ ما يحدث مشقّة أو أذى، يُنظر المنجد في اللغة والأعلام، دار المشرق، بيروت، ط 26، ص 52، 1986.

أعلى