|
على أن كل هذه التهويمات اللامحدودة التي يتردى البطل في غياهبها يفتح للكاتب قنوات متدفقة بإثارة المشاعر والعواطف، وتضج بضخامة الإحساس والتوقد بما تؤول إليه الشخصيات وهي تعترك بمفردها في رحى هائلة، تدور بها إلى أن يستنفد كل قوى الاحتمال الممكنة لديها . ولكنها مع كل حركة تثير سؤالاً حول الانهيار والخيبة التي تسيج المجتمع، إنها تسرق وتفجر وتجن وتنتحر وتتشرد وترتكب الآثام .
ولكن الكاتب يشدنا إليها بعاطفة من الرثاء والإشفاق . ويؤكد لنا غالباً على أنه يبحث لأبطاله عن مجتمع فاضل تزدهر فيه العواطف الصادقة والقيم الشريفة، ويتحرر فيه الفرد من القيود والأصفاد .
وليس هناك بديل - في نظر الكاتب - عن هذا المجتمع الذي يقود إلى الموت والجنون والانتحار غير التمسك بالعواطف النبيلة، والقيم الشريفة كما يأتي ذلك على لسان أبطال بعض القصص . إن انسجام الشخصية وتوازنها يكمن في إدراك القيم الفاضلة بحيث لا تنشغل بهدف آخر، كالتغلب على المشكلة، أو التمرد على نتائجها، أو نحو ذلك مما يوحي بالفعل الإيجابي، فبناؤها الفني لا يجري في سياق البحث عن الخلاص للمجتمع بأسره، بل إنه يجري في سياق البحث عن بعض المثاليات الفردية كالتمسك بالشرف، والنبل، والصدق، والتعاطف . ونحو ذلك مما ينضوي في ذوات الأفراد، ويرتهن بطبيعة ظروفهم ومكوناتهم الرومانسية .
إن المجتمع يظل منفياً مقطوعاً عن البطل من خلال تلك المصائر (الميلودرامية) التي يركض إليها اختياراً . فالموت، والقتل، والجنون، ونحو ذلك، لا تعني سوى نفي المجتمع وقطع الصلة به، وإلا ماذا يعني أن ينقاد البطل بكل طهره وبراءته نحو الظلم والشقاء وبالتالي إلى الموت . إنه يعني أن انتهاء البطل اختياراً إنما هو احتجاج على سيرورة النظم الجائرة في المجتمع .
ولعل ذلك يؤكد لنا أحد جوانب الغربة التي وقعت فيها البرجوازية في الخمسينات من هذا القرن . إذ أن الكتاب الذين يشكلون تلك النظرة إلى المجتمع، إنما يحملون فظاعة الخيبة والانهيار التي أفاقوا عليها بعد سبات الأجيال الماضية . لقد قادت البرجوازية التي ينتمي إليها معظم كتاب القصة القصيرة الحركة الوطنية والإصلاحية، مدفوعة بهول ما كشفته واجتلته من خلل في السياسة والمجتمع . غير أن ذلك عمق من الإفاقة المفاجئة لدى طائفة من المثقفين الذين آثروا التأمل، وخلق لديهم ردة فعل عنيفة، لم يتمكنوا معها من تلمس الطريق الصحيح . فجاء ذلك نوعاً من التماثل في نمو البرجوازية . فبينما هي أرادت - من خلال العمل السياسي إصلاح بعض مفاهيم الإدارة، والسياسة. وجدناها أيضاً في الإبداع والفكر تبحث عن القيم العليا وتهدف إلى تصحيح بعض المثل في الخير والفضيلة ونحوها .
وهذا يعني من جانب آخر أن أحمد كمال - وغيره من كتاب القصة أيضاً - خضعوا لسمات عديدة من الانفعال الشديد بتخلف المجتمع . حتى أنهم عندما وقفوا على مشاكله، إنما وقفوا على تركات القرون السابقة، في الجهل، والتخلف والكبت والتنكر لحرية الفرد ومكانته . وربما كان هذا ما أفاقت عليه القصة الرومانسية في الأدب العربي الحديث بشكل عام أيضاً .
وأكثر ما أدت إليه تلك السمات هو أنها جردت البطل من جميع أسلحة النضال والمثابرة في الحياة، وجعلت كل شيء أمامه يقود إلى الموت لأنه لا يحتمل ازدراء الواقع ومشاكله . وترينا قصة ( الطفل الرابع ) لأحمد كمال نموذجاً من ذلك . فالبطل فيها رب لأسرة فقيرة لديه مجموعة من الأولاد، وتأتيه البشرى أن زوجته حامل، فينزل عليه الخبر كالصاعقة، فالأعباء ستتضاعف عليه كثيراً ولن يستطيع مجابهتها، وحين يفكر في التخلص من الجنين يقع في صراع عنيف بين ضميره وعاطفته، وبين واقعه المر ووضعه البائس الذي يدفعه إلى التخلص منه، بأن يعطي زوجته بعض الأقراص فيسقط الجنين، ولكنه لا ينتهي من تأنيب الضمير والشعور بالذنب . ثم تمضي بعض السنوات فيفقد ابنته في حادث اصطدام، ولا يلبث أن يهجم على البلاد وباء الجدري فيصيب أولاده فيموت أحدهم ويتشوه الآخر . ونكتشف أخيراً، أن الرجل كان في حلم، إذ تأتيه زوجته وتوقظه فيجلس مذعوراً، يسألها عن الأولاد، وعن الأقراص التي أعطاها إياها، ويأمرها بالا تبلع منها شيئاً .
وندرك في هذه القصة الجاذبية المضطربة التي يقع فيها كثير من الرومانسيين، ففي الوقت الذي يدرك فيه البطل أنه في صراع حقيقيي مع الواقع بكل أثقاله وأعبائه، وأنه يندفع إلى الجريمة اندفاعاً، يكاد يكون مشروعاً بما يكون وراءها من دوافع اجتماعية تقوده إليها، في هذا الوقت نفسه يرثي ويبكي على فقدان المجتمع الإنساني من العواطف وامتلائه بالحقد واعتماده على النظرة المادية، وحينئذ نرى فيه فرداً ضائعاً لا يتلمس مشكلته الحقيقية في صراعها مع الواقع الاجتماعي وإنما يلجأ إلى استثارة العواطف حولها . فهو لابد من أن يبحث عن الخلاص مما هو فيه، يستدر العطف والشفقة ليس غير .
إن انفعال الكاتب بالمشكلة ونمطها البشري يعمل على تضليل الواقع وتضليل الرؤية، فهو في البداية يصوغ الواقع الذي يعيشه البطل في كثير من التشاؤم: ( إنني أنظر إلى الماضي فلا أجد إلا الظلم، وأتطلع إلى الحاضر فلا أجد إلا الظلام . فأرسل بصري في خضم المستقبل فلا أرى هناك سوى الظلام . والظلام هو قوتي وكسائي . إنني موظف بسيط . وراتبي لا يكفي لعيش رجل واحد عيشة محترمة فكيف يستطيع أن يقوت ستة أشخاص ) (7).
هذه النظرة المتشائمة تجرد البطل من قدرته على المجابهة، وتجعله يتطلع إلى أوهى الخيوط التي تعقد له قضيته، كأن يتكئ على مناجاة ربه في نوع من الاتكالية السلبية فلا يقف على مشكلته الحقيقية بل ينظر إليها من خلال عواطفه الذاتية . وهذا ما يجعل من هزيمته وسقوطه شيئاً محققاً في النهاية.
وينعكس ذلك التضليل بين الواقع والعاطفة لدى البطل على الصياغة الفنية للقصة حيث لا يتمكن الكاتب من المزاوجة بين الواقع والحلم . فهو يوهمنا أن سياق الأحداث قد جرت في العقل الباطن للشخصية عبر الحلم ولكن القارئ العادي لا يشعر أن هناك ارتباطاً محدداً، فالواقع الذي أنبأ عنه الحلم يختلف عن الواقع الذي أنبأت عنه اليقظة في نهاية القصة، لأن هذه اليقظة جاءت لتنسينا أن البطل كان يعيش واقعاً مراً، أو كان يفتقد العطف والحنان، ولم نكد نعثر في النهاية إلا على أصداء ضعيفة لخوف البطل وقلقه من القدر الذي أخذ منه أولاده في الحلم، وهذا ما جعل الحلم بعيداً كل البعد عن الواقع .
إن البطل في القصة الرومانسية القصيرة لا يعدو أن يكون أحد الأفراد، وهو لا يمثل شريحة، ولا يجسد نمطاً اجتماعياً، إنه نموذج لنفسه . ولهذا يكون صراعه مع الواقع الاجتماعي المتخلف مسوغاً بقوى نابعة من ذاته . أو من ذات واقعه الخاص . وهو مع انهياره يتصور هذه القوى قدراً غامض الأسرار كما نرى ذلك في قصتي ( الكأس الأخيرة ) و ( الطفل الرابع ) ويتكالب عليه هذا التصور مع نقمته على المجتمع ونظمه وتقاليده فيكون مندفعاً بشيء يشبه الوهم .
وهذا التعبير يأتي مشرباً بالإصلاح والنعي على تقاليد المجتمع ونظمه التي تقود الفرد إلى حياة البؤس والشقاء . فتحيلها إلى الموت والانتهاء . وكل ذلك من أجل أن يعبر عن نقمته وغضبه على المجتمع المتخلف . ولا يكون هذا التحول - الذي يأتي عبر الانتحار أو الهروب أو السقوط سوى عملية انتقام تحمل كل مظاهر الانفعال والتكلف والميلودرامية . ونجد في قصة ( ظلام ) (8) صورة لمثل ذلك فهي تقدم لنا شخصيتين ( رجل وامرأة) هاربتين من المجتمع تجمع بهما القصة في مغارة مظلمة كظلمة أعماقهما المنهارة . وندرك أن المرأة قد مزقت طفلها الوحيد أشلاء ورمتها انتقاماً من أهلها الذين أرغموها على الزواج من رجل كبير السن كي يرثوا منه أمواله عن طريق ذلك الطفل . أما الرجل فهو - أيضاً - يهرب من أهله بعد أن أرادوا تزويجه من امرأة تحقق لهم طموحهم في النسب والمال . وتلتقي هاتان الشخصيتان لتسفرا عن ما أحدثه نظام المجتمع الزائف في حياتهما : ( كلانا يا سيدتي ضحية من ضحايا المجتمع، ونتيجة من نتائج أخطائه، أنا وأنت عشنا في عالم ساده التزمت، ولقد سرنا في طريق مرسوم قضى علينا أن نسير فيه ) .
هكذا يقول أحدهما في نهاية القصة، مشيراً إلى أنهما يجولان في عالم اهتزت قيمه، وارتج به الخلل، وهما يسلكان فيها طريقاً يقرره الخطأ أو الخلل . لذا يكون الاختيار أو المصير (كالانتحار، أو الهروب أو القتل، أو الجريمة) قائماً من أجل الرثاء والتعاطف والإحاطة والتشفع لمثل تلك النماذج البشرية المنهارة.
إن القصة الرومانسية القصيرة في الخليج العربي تنهج على يد جيلها الأول نحو الإعلاء من شأن الفرد، فهي عندما تقف مع النماذج البشرية الساقطة لا تتركها من غير أن تردد أحزانها وتبحث عن الدوافع الإنسانية والاجتماعية في سقوطها، والمرأة حين تسقط لا تكون مثاراً للاشمئزاز كما هو معهود . لأنها تفعل ذلك من أجل مجابهة أثقال الحياة وقسوتها تماماً كما تفعل بعض ساقطات نجيب محفوظ، ومحمود تيمور . وهي أيضاً في سقوطها تكون ضحية للرجل . أو التقاليد، وتعبر قصة ( طواها النسيان ) (9) (لموزة الزائد ) عن مثل هذا السقوط، الذي تكون فيه المرأة البسيطة ضحية لثري من الأثرياء، يعتدي عليها، فتنجب منه ولداً ويطردها من البيت لتعيش مع جدتها، وعندما يكبر ولدها تلازمه عقدة نفسية حول كونه لقيطاً . فلا يستطيع الزواج وينتحر . فتكتب أمه رسالة إلى الثري الذي اعتدى عليها منذ سنوات . وحين تصل إليه يجهد نفسه كثيراً حتى يتذكر صاحبتها التي طواها النسيان، ويقهقه ساخراً .
إن البطل في القصة الرومانسية ليست له علاقة بالرذيلة، ولا يكون وجوده إلا من أجل إدانة الانحطاط، كما لا تكون نهايته وسقوطه إلا من أجل الإشادة بإنسانيته . فالكاتب الرومانسي يتجه إلى ( أعذار الفرد فيما يرتكب من آثام، لأنه ضحية القدر، أو ضحية نظم المجتمع القاسية ) (10) ولكنه رغم ذلك يبدي تعطشاً شديداً لنوازع الخير والفضيلة، بل إن ذلك - حقيقة - هو ما يتبقى من حلم البطل الرومانسي وسط العالم المرتج الذي يجول فيه .
وفي القصص السابقة نرى أن حلم النماذج البشرية بمجتمع تسوده الفضيلة يواكب فرارها من المجتمع بالانتحار أو الموت . أما في قصة ( الشاعر) لمحمود يوسف فإننا نجد البطل تحت سيطرة حلم اليقظة، الذي يأتي محملاً بمثالية مجنحة، حالمة بمجتمع أكثر صفاء وإشعاعاً بالمعاني الإنسانية .
فالكاتب في هذه القصة يختار مكاناً معزولاً يوحي بالانفصال عن صخب المجتمع البشري وضجيجه، وهو طريق مهجور من مئات السنين تأوي إليه الطيور والجوارح، بعيداً عن المدينة. وليست هناك رغبة واضحة تدفع شخصية القصة إلى هذا المكان. وإنما - كما يقول الكاتب على لسانها - ( خوالج النفس الكامنة ولواعج الحب المقبورة هي التي حملتني على كل هذا ) (11)، وحين يجلس على صخرة من صخور هذا المكان المقفر يستسلم للخيال البعيد فيحلم بعالم مختلف، يرى فيه شيخين، ويحدثهما ثم يحدثانه عن الطبيعة والمشاعر الإنسانية والعواطف الصادقة النقية، وصفاء المطامح ونحو ذلك، مما يحيل صورة الشيخين إلى قيمة حقيقية تجول في أعماق شخصية القصة، وهي قيمة الحب التي تفتقد الشخصية وجودها في مجتمعها المليء بالرذائل وأشكال النفاق والتدهور الأخلاقي .
والكاتب يصوغ أسلوبه في لغة شعرية توائم شكل الحلم، فتلجأ إلى الصور التي تشتق شاعريتها من أجواء الطبيعة وعناصرها . وهو ما يذكرنا بأسلوب المنفلوطي الذي يتأثر به كتاب القصة الرومانسية تأثراً شديداً .
ويكشف لنا نهج القصة الرومانسية القصيرة في الخليج العربي في تصويره للمجتمع عن أسلوب ميلودرامي فيه كثير من سمات التكلف والاصطناع للحدث، ولكنه يظل رغم ذلك يحتفظ بإيقاعات حزينة صادقة تتشبع أنغامها بواقع النماذج التي تفتقد علاقتها من أقرب الناس إليها، كما تستشف - الإيقاعات - جانباً من حزن المرأة التي يتعاطف الكتاب معها من خلال موقف رومانسي، يغضب تارة ويتباكى تارة أخرى .
وقد دفع هذا الموقف إلى اشتقاق كثير من الصور الميلودرامية البالغة كما في قصة ( المجنونة ) لأحمد كمال، حيث شهدنا موت أربع شخصيات . الأم، والأب، والزوج، ثم البطلة التي تقتل نفسها، فضلاً عن حالة الجنون التي تقع فيها مع تتابع الصدمات، وحالة الرثاء والإشفاق التي يسبغها الكاتب على الطفل عندما ندرك في النهاية أنه ابن المجنونة .
وفي جميع قصص أحمد كمال نجد اضطهاد البطل لنفسه أبلغ ما ينتهي إليه بعد أن يتداعى المجتمع من حوله . وتعتبر قصة ( الكأس الأخيرة ) ذروة لهذا الاضطهاد حيث ينتشر فيها الموت والغربة والتشريد وتطول الأحداث بصورة تفجر أكبر قدر ممكن من التأثير المأساوي لمشكلة الفرد، وتعتبر هذه مشكلة كل كتاب القصة الرومانسية في هذه الفترة، إذ أنهم لم يدركوا حقيقة أن الوسائل الفنية المكثفة كفيلة بإحداث التأثير الفني، بل إنهم خضعوا لتصور ساذج يقوم على صياغة الأحداث الهائلة المريعة، وتسلسل أسباب الشقاء والفقر، وتتابع صور الموت والقتل، فلا يكون التأثير نابعاً من طبيعة الخلق ولكن من تمثل الأحداث والاصطدام بها أو الإفاقة على الصور اللفظية لمظاهر الشقاء . ومثل هذا الفهم يعتبر من سمات الانفعال الجامح كما يذهب إلى ذلك توماس مونرو الذي يرى أن هذه السمات : ( استمرت في عصور الرومانسية والانطباعية وما بعد الانطباعية ) (12).
ولقد جاء الأسلوب ( الميلودرامي ) عبر صياغة الحدث ليشكل تواؤماً مع الموقف الرومانسي الذي وقفوا به حيال مشاكل المجتمع . إذاً إنهم مشدودون لجوانب الانهيار والخيبة فيه، وهم متعاطفون مع الفرد الذي يقف بمفرده في مجابهة ضخامة الانهيار، وهذا يعني أن الأحداث ( الميلودرامية ) تستمد وجودها من الواقع الذي يعايشه كتاب القصة القصيرة، بل إنهم يؤكدون لنا ذلك من خلال أسلوب العرض والوصف الذي يسيطر على سياق القصة القصيرة . فهذا الأسلوب غالباً ما يأتي على لسان البطل الذي يحكي أو يروي مأساته وشقاءه من موقعه هو لمستمع مجهول ربما كان هو نفسه كاتب القصة . ففي قصة ( جناية أب ( وقصة ) المجنونة ( وقصة ) الكأس الأخيرة ) نشعر أن الكاتب (أحمد كمال) هو الذي يفتح لنا ذاكرة الشخصية في القصة، ليوحي ذلك أن الكاتب قد عايش بعض نماذجه في الواقع والتقى بها واستمع إليها ومن ثم نقل عنها .
وربما كانت المصائر المؤسية التي وجدناها في القصص السابقة الموت - الجنون - الانتحار - تشكل جانباً من التواؤم بين ميلودرامية الحدث، واللغة العاطفية المؤثرة التي أراد فيها كل الكتاب أن يطلقوا كامل تعاطفهم مع ضحايا المجتمع . فالرومانسيون غالباً ما ينظرون ( بعين العطف أو بالإعجاب إلى المرضى والشذوذ الجسمي أو العقلي، لا بوصف نقط الضعف هذه انحرافاً عن الحالة السوية المملة فحسب، ولكن بوصفها أيضاً ملائمة لإطلاق الدوافع والأحلام اللاشعورية . وقد تناول الرومانتيكيون موضوعات المرض والجنون والسادية والانتحار على أنها نوبة انفعال بافتتان عاطفي .. ) (13).
وأيا كان الأمر فإن النماذج التي عرضنا لها من القصة القصيرة تؤكد لنا أن تلك الرومانسية بكل ما جاء فيها من إدانة، ونقمة وميلودرامية لم تكن غريبة عن مجتمع الخليج العربي خلال الأربعينات والخمسينات، كما تؤكد من ناحية ثانية أن الشكل الفني للقصة القصيرة لا يزال يركن إلى مدركات فنية ساذجة . فمعظم القصص السابقة تشتق لها أحداثاً كبيرة بحيث تستوعب القصة الواحدة العمر الزمني للشخصية، فتكاد تكون بذلك تلخيصاً لرواية طويلة، تفتقد معها الكثير من الضرورات الفنية لإقامة الشكل القصصي إقامة جيدة ورشيقة ومركزة . |