لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

 مجلات أدبية قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع























































القسم الثاني. الفصل الخامس 4

توظيف تقنيات السينما والمسرح

وتستوعب التجربة الجديدة في القصة القصيرة تأثراً عميقاً من الفنون الحديثة كالسينما والمسرح والشعر الحديث . بحيث تدمج عناصر فنية كثيرة من هذه الفنون في عملية إعادة خلق الواقع وتركيبه بالشكل القصصي . ويخضع هذا الإدماج لتصور فني واضح يسعى إلى ربط الأجناس والتقنيات الفنية المختلفة بالبحث العميق في موقف الإنسان من لا عقلانية الواقع وتناقضاته المقيمة، فالقصة الحديثة تستمد من التجارب المعاصرة وسائلها الفنية كي تساعدها على التحكم في الواقع، والتحرر من الخضوع لقيمه المنهارة، والتخطي لكل أشكال الغربة المضروبة في محيط حياته، بحيث تقترن عملية التحكم باستبصار لا هوادة فيه للحقائق الجوهرية، تنبثق عنه فكرة امتلاء العالم القصصي بالجو الشعري، وتنبني العلاقات الرمزية المكثفة التي تتجاوز الأبعاد المعقولة، ويتسع الجو الدرامي الذي قد يصطحب معه حيل الإخراج المسرحي ووسائل التكنيك السينمائي، وكل ذلك يبقي للقصة الجديدة اتجاهاً حراً منعتقاً من تقاليد الحدث القصصي وبنائه المألوف ولغته اليومية، ونحو ذلك مما يذكرنا ببعض التجارب المعاصرة في الفن كتجربة العرض المسرحي الشامل، (وهي تجربة تدمج التمثيل، والكلمة والرقص، والموسيقى والفن التشكيلي، في فكرة العرض المسرحي). والتجربة التسجيلية، وتجربة الرواية الجديدة . وهي تجارب تنطلق عادة من رفض القيود والحواجز بين الأجناس الأدبية، وهدم الوسائل التقليدية العتيقة في التعبير، حتى لقد أصبح هناك نوع من التلازم بين بعض الفنون، وخاصة بين الرواية الجديدة والسينما الجديدة في فرنسا، فقد استفادت كل منهما من تقاليد الأخرى ومن أجوائها المشحونة بإمكانيات الخيال وعلاقات العالم اللامعقول، وكأن الوسائل والأساليب لم تعد حكراً على جنس أدبي معين لأنها مصطحبة بنزعة متطورة مجددة ترتبط بغايات فلسفية تبحث في مصير الإنسان، وتقترن بظروف تاريخية تستدعي عدم الثبات والاستقرار مع تقاليد محددة في كل شكل أدبي محدد .

وقد رأينا الاتجاه الفني الحديث عند أمين صالح وخلف أحمد خلف يستوعب آثار التجارب الجديدة لا لينقل رؤاها الفلسفية الغامضة كالغربة والعبث والعدمية، بل ليوظفها من أجل خلق موقف تقدمي من الواقع . مما جعل العالم القصصي المغلق بالقيم اللاعقلانية، والمبني من علاقات غير مألوفة تنبعث منه قدرة جديدة على التخطي والتطلع إلى المستقبل . وذلك لأن الكاتبين وجدا في الأحلام ومشاهد اللاوعي ومصادر الفطرة والبراءة إمكانية هائلة في ربط الإنسان بمستقبله الآتي .
وكذلك الأمر حين تستوعب القصة القصيرة تأثرها بأسلوب الإخراج المسرحي أو بالتقنيات السينمائية، حيث تستقطب مظاهر إدماج العنصر المسرحي أو السينمائي رؤية خاصة يراد تفجيرها في أعماق الشخصية من أجل تمكينها في التحكم بمصيرها في سياق النص القصصي .
وفي قصص أمين صالح وخلف أحمد خلف توجد عناصر مسرحية مندمجة في نسيح العالم القصصي من غير أن توحي بأن الكاتبين يتورطان في شكل من أشكال التذبذب بين الفن المسرحي والفن القصصي . وقد كان مشهد (رقصة الحرب (في قصة) نجنسكي .. حنجرة الرعد) مشهداً مسرحياً يقوم على تجسيد الانفعال بحركة الجسم، وفي قصة (ولم ينته هذا الحلم البلوري ( نجد مشاهد ذات حيوية درامية نابعة من تصوير ردود الفعل لحركة الشخصية مع ما يتألق حولها من مظاهر ترتبط بوعيها وظروفها الاجتماعية . وهذه المشاهد تكاد تكون بديلاً في كثير من القصص لوصف التفاصيل النفسية أو التقاط جزئيات الواقع الخارجي، التي تعكس أثرها في النفس . ففي مشهد من قصة (العواء) تعلن الشخصية عن غضبها من الجدب والعقم كما أعلن نجنسكي غضبه في رقصة الحرب بأسلوب سردي يعتمد وصف الحركة (بانتوميم أو منودراما) كما في المقطع الآتي :
(صمت الصديق ثم أردف ألا تسمعون عواء الغيمة في ليالي الفصول الساكنة وفجأة قفز كهل لا أعرفه فوق طاولتنا وأخذ يتلوى ويئن ويقفز بكل ما يملك من عنف وحقد وألم .. وحين تعب توقف وقال : هذه رقصة بدوي أنهكه البحث عن خيمة وعشب) (29).
لقد دخلت الحركة باعتبارها عنصراً مسرحياً لتساهم في خلق بناء قصصي حافل بكل ما ينتزع إمكانيات الموقف المضاد للقيم اللاعقلانية، وهي بلا ريب تكسب ذلك البناء وعياً بما هو فطري وتلقائي في الإفصاح عما يكتظ في الأعماق الداخلية من مواقف الغضب والرفض . ونعتقد أن نبذ الشخصية في قصص أمين صالح وخلف أحمد خلف للوسائل الكلامية والقوالب اللفظية وعدم التعويل عليها بشكل كامل لا يمكن إرجاعه إلى سلطة فن المسرح على الكاتبين فحسب بل يمكن إرجاعه أيضاً إلى التلاؤم مع المحتوى الجمالي لبعض التجارب الحديثة كتجربة (ارتونان آرتو) مع مسرح القسوة، حيث يكون لانفجار الموقف بالحركة اللاشعورية مكانة خاصة تلعب فيها الإشارات والحركات المسرحية الدور الأساسي في خلق حالة عنفوانية من الغضب والعنف والمعارضة الجريئة للواقع.
وتعكس تجربة آرتو أثرها من جانب آخر في قصة (تحت أضواء الصمت) لأمين صالح، وقصة (محطة في أول الطريق) لخلف أحمد خلف، حيث يسعى الكاتبان عن طريق التشكيلات المسرحية إلى دفع الشخصية لاتخاذ موقف غاضب بأسلوب حركة العرض المسرحي الراقص، كي يستخرجها مما هي عليه من محنة، الأمر الذي يذكرنا بدعوة آرتو للعودة إلى ) تلك الفكرة البدائية السحرية التي عاد إليها (التحليل النفسي الحديث) تلك الفكرة التي تسعى إلى شفاء المريض بحمله على اتخاذ الموقف الخارجي للحالة التي يراد رده إليها) (30)، فالشخصية في قصة (الرقص تحت أضواء الصمت) مدفوعة ومحرضة لأن تعبر عن ثورتها ورفضها بالمشاركة العنيفة في الرقص حيث لا تجد غيرها وسيلة للتعبير . فتبدو خاضعة لسيطرة الإيهام بأن رقصها العنيف تعبير عن رفضها وغضبها :
(نريدكم أن تشاركونا الرقص، أن تنهمروا معنا في بوتقة واحدة . كل يعبر عن نفسه بأدائه رقصة ولكن فريدة . المهم أن يشارك في استمرار حفلة الليلة . ببساطة نقول : لا تخشوا الرقباء والمخبرين وأولياء الأمور نبدأ ...) (31).
لقد اندمج الفعل الداخلي ) الرقص ( في فعل خارج عنه . ولكن على سبيل الإيهام أو التقمص، مما يجعل من انتهاء عملية الرقص علامة لتوقف الحالة الداخلية . وهذا ما يتخفف منه خلف أحمد خلف في قصة (محطة في أول الطرق ( .. التي نشرها بعد قصة أمين صالح السابقة .
لقد أقام خلف في قصته ملتقى واقعياً تتشكل منه الحالة الداخلية التي تكابدها الشخصية، والحالة الخارجية ( التمثيل الراقص ) التي يتجه إلى إيجادها لمواجهة ما يضج في الواقع من استغلال واضطهاد . فهناك عامل قتلته أفران المصنع نشاهد جثته أمام رجل يقف في منظر مسرحي يجسم لنا المكان على نحو واقعي . ففي عمق المسرح ) جدار من زجاج .. وبوابة حديد .. على الزجاج لطخات ألوان : ربما كان القصد منها تجميل المنظر. فيما وراء الزجاج تبدو أشباح مصنع كبير .. عمال يتحركون في أحشائه أشباح أفران لهيبها يطاول السقف) (32) .
ويقوم الكاتب بنزع مشاعر الإيهام بأن ما يجري في هذا المكان حادث بالتقمص والاصطناع . فالرجل الذي يقف بين المسرح والجمهور يقول : ) لا ستار .. انظروا .. لا ستار .. فلم الوهم . ؟ ( وذلك حتى يكسب معالجة الموقف حضوراً في الواقع الحقيقي لا الواقع الخارج عن القصة ( ما يجري فوق المسرح فن تمثيل ورقص ) .. وهنا يجد الكاتب في وسائل المسرح ) المعروفة عن المسرحي الألماني بريخت (التي تسعى إلى التحريض والدفع للفعل والتغيير ما يساعده على الانتهاء إلى مشاركة جماعية في التعبير عن الرفض والغضب. فالجمهور أمام المنظر المسرحي يتحول إلى طبقة عمالية تنظر في مصيرها بعد مقتل عامل منهم في المصنع، ومن بين أصوات اليأس والتقاعس يخرج ثلاثة ليتخطوا ستار الحزن والبكاء ويشاركوا الرجل الذي يحمل الجثة في القيام بالرقص والإنشاد، وحين يصفق الجمهور لهم ) لم ينحنوا وإنما امتدت أيديهم دعوة مفتوحة للمشاركة ( .
لقد أمكن هنا توظيف تقنيات فنية لصيقة بفن المسرح لا من أجل تحقيق شكل مسرحي بل من أجل صياغة رؤية فنية من الواقع، والفاصل في ذلك لا نلتمسه من عدم اعتماد القصتين السابقتين على الحوار وسيماء الشخصية، بل إننا نلتمسه في ذلك الجانب الموضوعي الدقيق، وهو استيعاب التقنية المسرحية من أجل إقامة موقف خارجي يقوم بوظيفة علاجية للخروج من لا عقلانية الواقع وانهياره . وإذا كان موقف الشخصية قد اكتسب بتلك الوسيلة طابعاً خاصاً في المعارضة والرفض فإن العالم القصصي الذي تجول فيه قد اكتسب هو الآخر عنصراً أساسياً وهو الحركة السردية غير العادية التي تستبصر من الشخصية ردود الفعل، ولا تستبصرها من التفاصيل الواقعية الجامدة أو المعزولة .
وتتجه الحركة السردية إلى الكثافة وتعدد زوايا الرؤية والحضور في العالم القصصي بتوظيف العنصر السينمائي . هذا العنصر الذي يهتم به أمين صالح، وينفرد به بين كتاب القصة القصيرة في هذه الفترة (33) لما يجد فيه من خصائص تساعده على استقطاب وعيه الشعري بالواقع وتأليف مشاهد ذات أثر عنفواني تحكم القبض على المظاهر المتصاعدة بين المواقف الصغيرة في القصة، ولا ريب أن الثقافة السينمائية الواسعة التي يستمدها أمين صالح من قراءاته ومشاهداته العديدة، وخاصة من التجارب السينمائية العالمية الحديثة . يمكن أن تعد مصدراً لتنمية خياله الذي يقوم بدور أساسي في بناء عالمه القصصي، وما يتحرك به من علاقات غير مألوفة .
ولا نستبعد أن تكون القراءات والمشاهدات قد ترسبت في وعي الكاتب من غير أن تندثر أو تركن في سبات اللاوعي، بل إنها تعتمل وتنشط من جديد في خاصية تصويرية تعتمد على التقاط مشاهد أو حركات لاهثة بأقل الكلمات اقتضاباً.. وكثافة تاركة للقارئ قدراً من المشاركة والمعايشة للموقف أو المشهد. يمكن ملاحظة ذلك في كثير من اللوحات التي تعتمد على التجريد، أو تنصبّ من اللاوعي في قصص مجموعته الأولى، وخاصة في القصة التي سميت المجموعة بها وهي ) هنا الوردة . هنا نرقص (، حيث لا يكون لتحديد ملامح المكان . أو الشخصية أي دور يذكر . بل إن التعليقات والهوامش التي تمتلئ بها قصة (هنا الوردة ( .. تحرص بعناية شديدة على مشاركة القارئ بفعاليات إحساسه بالمشاهد المتوترة، فالرأس يتدحرج على الرصيف، ويصيح : ) ابتعدوا هم يقتلون العصافير وأوراق الشجر ( وحين تقول الحنجرة : ) أنا ورقة ( يذيل الكاتب هذه العبارة بتعليق هامشي يقول فيه : ) وأنتم كيف تتصورون المنظر ؟ عليكم أن تختاروا : العصفور أو الورقة .. ( (34) .
مثل هذه المشاهد التي توحي بعدم الاكتمال وتوحي بالتوتر في آن واحد تستقطب من القارئ جهداً في أن يتمثل الحادث، ويشارك في تجسيم صورته المتحركة بحسه الانفعالي ومراقبته الذهنية من أجل أن يعثر بمعايشته على موقف معيَّن لا يقتصر وجوده في أشخاص العمل القصصي لأنه موجود في داخلنا أيضاً قبل أن يوجد في القصة.
ولكن أمين صالح في قصصه الأخيرة لا يقتصر على خاصية تصوير حركة المشهد المكثف لأنه يلجأ فيها بصورة مباشرة إلى توظيف لغة (الكاميرا) السينمائية، ففي قصة (هذا فرحي اغتالوه وهو طائر ( يستعمل اللقطات السريعة المتنقلة بين أكثر من مسافة وحدة، وذلك كي يصلنا إلى رؤية متعددة الأثر لمظاهر العنف :
) لقطة قريبة : وجه امرأة .
لقطة متوسطة : قطرات مطر عنيفة تنهمر على حمامة ميتة .
لقطة متوسطة : أشخاص عديدون يعبثون بجسد امرأة .
لقطة قريبة : نهد ملوث بوحل ودم ) (35)

إن الكاتب يضع بيننا وبين المشهد عدسة متخيّلة يريد منها أن تتسع وتضيق لتنقل لنا في الحال .. وبالسرعة التي يحدثها الانتقال بين لقطة وأخرى ما تحدثه (اللاعقلانية) من هدم وإهدار لقيم السلام والشرف والعطاء . ويعتبر ذلك طموحاً متطوراً في اكتساب الصورة أو المشهد حضوراً وتدفقاً متلائماً مع ما تحدثه اللقطات السينمائية من تجسيد ماثل ومتحرك . وفي قصة (ولم ينته هذا الحلم البلوري) يبدو الكاتب أكثر انبهاراً بإمكانيات الفيلم السينمائي.. إنه يضعنا أمام مواجه عنيفة متوترة بين ما تنفجر به قيم المجتمع الرأسمالي من شهوات وضيعة وما ينفجر به حلم القوى الاجتماعية من تطلع للبراءة، فالسيد صاحب المصنع الكبير يصرع رجلاً (لعله كان زوج خادمته)، ولكن يظل مشهد العينين اللتين جحظتا في لحظة سقوطه ممتثلاً في أعماقه على نحو من القوة بحيث يثير ذعره وخوفه، ولكي يحقق الكاتب لهذا المشهد عنفواناً واقتراناً عميقاً فقد صوره على نحو سينمائي (سيناريو) يختلط فيه الفضاء بالإضاءة بالأصوات المتعددة :
(فضاء أسود معتم .
- إضاءة قوية تسطع فجأة على رجل صريع وعشرات السيوف مغروزة في أنحاء من جسده .
- صرخات وحشية تنطلق من الخارج .
- قدم المصارع تضغط على عنق الرجل .
- هتاف وتصفيق من الخارج .
- عينا الرجل الجاحظتان تنظران إليه وتقتربان .. ) (36)
وامتدادا لهذا المشهد ينقل الكاتب خيال الصورة المتحركة التي تنتشر على نحو غير مألوف لتؤكد لنا حضور مشاعر الذعر والخوف من الطبقة المستضعفة، نجد ذلك بصفة خاصة حين يصور السيد محاصراً في الغرفة بألوانها الداكنة والأصوات الغامضة، والقهقهات والوجوه الزيتية والصفير الحاد، وملامح الوجوه . وحين يتلاشى كل شيء من مخيلته يكتشف أن الملامح هي ملامح خادمته، وهذا ما يمكن اعتباره استقطاباً للحالة الداخلية بالحس اللاقط للحركة على نحو تصويري متوتر، يتضافر مع اللقطات السابقة التي يصممها الكاتب من الوعي الداخلي للسيد المستغل، كما يتضافر مع مشاهد عديدة تنحدر من اللاوعي لتجسد جميعها صورة داخلية شاملة غير ظاهرة للانهيار الحادث في طبقة الملاك والمستغلين للقوى الاجتماعية . في الوقت الذي يقدم لنا العديد من الإشارات والمواقف التصويرية العنيفة التي تعبر عن انفجار الطبقة الرأسمالية بشهوة الاستلاب، وقد استعار الكاتب لذلك مشهداً من فيلم (ريح من الشرق ( للمخرج الفرنسي ) جان لوك جودار) ليكسبها جوانب فنية يمكن إدراكها والإحساس فيها بتخيل الصورة السينمائية التي وضعت لذلك على وجه الحقيقة . وقد جعل من هذه الشهوة بمعناها الخاص والعام تصعيداً للاعقلانية الأنظمة والقوانين التي تضطهد حلم الفقراء، وتسحق تطلعاتهم للمستقبل . ومع ذلك لم يخف ثقته البعيدة في هذا التطلع وذلك الحلم، فقد بدت الخادمة في لحظات انهيار السيد ممسكة سوطاً بيد وكتاباً بيد، وتهوي بالسوط على الأجساد المستغلة بالشهوة، وتقرأ في الكتاب، كما جعلها تغني للحب والريح والقمح والفرح، وتكتب حلمها فوق العشب الأخضر، وتحاور الأشياء المحيطة بها في الطبيعة كالنهر والشجرة.
وينبغي ملاحظة أن الكاتب في مثل هذه القصة لا يستقر على نهج معين في إدراك الوظيفة السردية للتقنية السينمائية، إنها في الحقيقة تسترعي منه اهتماماً متزايداً ومتنوعاً، وتبدو أمامه ميداناً حافلاً بإمكانيات بعيدة الأثر . ولكنه لم يستطع بعد أن يستوعب نظرة جمالية ثابتة تقوم إمكانيات الفيلم السينمائي بدور واضح في بنائها وإخصابها . إنه يترك استغلال هذه الإمكانيات تبعاً للحالة التي يمر بها، أو للموقف والسياق السردي الذي يصوره، وإذا كان ذلك يمنحه قدراً من التلقائية، فإنه لا يتجه به إلى استبصار خاصية محددة يمكن أن يكتشف لها ملاءمة حقيقية للقصة الحديثة . إذ لا يمكن اعتبار جميع إمكانيات السينما قابلة للتوظيف والإدماج في عناصر الفن القصصي، وطاقاته السردية والشعرية .. لقد كان السبب - مثلاً - في ) انجذاب كتاب الرواية الجديدة إلى السينما لا يرجع إلى ) موضوعية الكاميرا ( وإنما إلى إمكانياتها في ميدان الذاتية والخيال .. وكان ما يسترعي انتباههم فيها هو مخاطبتها لحاستين في آن واحد : حاسة السمع وحاسة البصر) (37) ومن هنا اتجه كثير من هؤلاء الكتاب إلى وصف الأشياء على نحو ما يرى ويسمع، فبدت إمكانية السينما موظفة في بناء عالم الأشياء المرتبطة بمصير الإنسان . وقد كان كتاب تيار الوعي يستمدون أيضاً من الوسائل السينمائية ما يكسب تصورهم الواقعي لماهية الإنسان عنصراً جديداً . فالوظيفة الأساسية لكل الوسائل السينمائية كما يقول روبرت همفري : ) هي التعبير عن الحركة، وتعدد الوجود، وهذه الوسيلة المعدة لتقديم ما هو غير ساكن وغير ممركز .. هي الوسيلة التي اغتنمها كتاب تيار الوعي لتسهم قبل كل شيء في تحقيق غرضهم الأساسي . وهو تقديم العنصر المزدوج في الحياة الإنسانية أي الحياة الداخلية مع الحياة الخارجية في وقت واحدة) (38) .
وكل ذلك يؤكد لنا أن توظيف إمكانيات الفيلم السينمائي لم يكن صادراً عن تلقائية أو خضوع لحالات إنسانية معينة تقبل توظيفات التقنية السينمائية .. وحالات أخرى لا تقبلها . وذلك ما يدفعنا للاعتقاد أن التجربة الجديدة في قصص أمين صالح تفتقر في توظيف تقنيات كالتقنيات السينمائية، إلى الاستيعاب النظري للتجارب المعاصرة أكثر من افتقارها للانبهار بآثارها الفنية، فمن غير الاستيعاب والتمثل تكون الثقافة السينمائية عبئاً طارئاً يقتحم العالم القصصي من غير توجيه جمالي ثابت . ولعل القصة السابقة) ولم ينته هذا الحلم البلوري (مثال واضح لذلك، فالكاتب يستمد من السينما عنصر اللقطات المكثفة الباعثة على التوتر تارة . ويستمد عنصر الحركة تارة ثانية . ويستمد - على سبيل الاستعارة - مشهداً سينمائياً حقيقياً تارة أخيرة . وقد يجد لذلك كله وظيفة موضوعية في تشكيل حالات أو مواقف معينة، ولكن الوظيفة التي تظل موضع شك وتساؤل هي الوظيفة الجمالية التي تصدر من إدماج أكثر من عنصر سينمائي في العمل القصصي .
ونستطيع القول من خلال ما عرضنا له من قصص أن الخاصية الأساسية التي أحكم الكاتب القبض عليها بأثر الفيلم السينمائي هي الاتجاه إلى كثافة العالم القصصي واكتنازه باللغة السردية الموحية التي لا تقف عند الحدود اللفظية أو الشكلية للكلمة أو الرمز .. بل إنها توغل في داخلها لتخلق لها نبضاً خاصاً يقترب كثيراً من نبض اللغة الشعرية . وفيما عدا ذلك فإن التقنيات التي استعارها أمين صالح من السينما تقنيات طارئة لا توحي بالاستقرار أو إمكانية الاستمرار .
وخاصية الكثافة الشعرية هذه لا يمكن اعتبارها ميداناً أساسياً للفيلم السينمائي، لأنها تندمج فيه كأي خاصية من خواص التعبير . وآية ذلك أن الكاتب ينتزع الكثافة الشعرية من مصادر ووسائل أكثر غنى وارتباطاً بنسيج الصور الشعرية كالأحلام الواعية .. وحركة اللاوعي .. والكوابيس .. وتفجير اللغة .. وتجسيم الطبيعة، وبث عناصر الحياة فيها بحيث تكون متعاضدة مع موقف الإنسان، وتجريد المواقف ببناء علاقاتها على نحو مألوف . كل ذلك ينبثق من الوعي الشعري بالحياة لينمو في وجدان الكاتب وذهنه، ويقف به عند جوهر القضية اللغوية في التجارب السريالية، وهي أن هناك مصدراً واحداً للغة (وهو عالمهم اللاواعي حيث تعيش الكلمات المدخرة، والمترسبة في أعماق الذات، والتي يكون قد لقنها الشاعر في طفولته وبقيت محتفظة بتأثيرها وإيحاءاتها فترة طويلة ) (39) .
فإذا كان أمين صالح ينتزع الكثافة الشعرية من مصادر أغنى وأخصب وألصق بالتجربة الشعرية نفسها، فإن محاولة انتزاع هذا العنصر من التقنية السينمائية يصبح جانباً عرضياً لا يمكن أن يكتسب له تميزاً .. أو خصوصية في بناء العالم القصصي، وما يضج به من وسائل فنية تقربه بشدة من العالم الشعري . فالإمكانية الجوهرية للفيلم السينمائي ليس في كثافة لغتها .. بل في مخاطبتها للبصر ثم للسمع في آن واحد .. وتوظيفها للعناصر المزدوجة في الصورة الواحدة . وهذا ما لم تكتسبه قصص أمين صالح، رغم أن دوافع اهتماماته السينمائية توحي بالتطلع الشديد إليه .*


الخاتمة
لقد اتجهت دراستنا للبحث في نشأة القصة القصيرة، وتطورها في البحرين والكويت، فلم نقف عند فترة معينة، أو اتجاه بعينه، أو ظاهرة بعينها، بل إنها شملت معطى شاملاً، ودقيقاً لمجمل الظروف التي أحاطت بنشأة هذا الفن وتطوره، أو التي تضمنت هذه التجربة الإبداعية، أو ساهمت في خلق أشكالها التعبيرية المتلائمة مع ردود فعل المجتمع في جميع فتراته وتغيراته المتلاحقة، ومن أجل ذلك نعتقد أن كثيراً من نتائج هذا البحث، وأوجه خلاصته تقترن بالمعالجة النقدية الواقعية التي ظلت تهدي خطى هذه الدراسة، وتفتح لها مجاهل موضوعها وتكشف كثيراً مما يتعلق بالتفاصيل الدقيقة المتعلقة بجوهر هذا الموضوع أو المترتبة عليه، وهو ما يجعل من فصل هذه النتائج أو عزلها من سياق تلك المعالجة، عملية تؤدي بنا إلى نوع من الابتسار، أو التفتت الذي تنزع هذه الدراسة إلى تجنبه قد الإمكان .
ولعل ذلك ما يجعلنا في هذه الخاتمة نتجنب عرض تفاصيل لخلاصة هذه الدراسة، ونحاول بعد رحلتنا النقدية والتوثيقية الطويلة مع فن القصة القصيرة في الكويت والبحرين أن نؤكد على بعض الحقائق العامة التي تبدو بمثابة الآثار الناجمة مما أعملته الوسائل النقدية والمنهجية في التحليل والتفسير . فمن خلال تحليل علاقة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بنشأة القصة القصيرة أمكن لنا أن نكتشف مدى تواجد خاصية ) التكيف الحضاري ( وتعايشها خلف ظهور هذا الفن في مجتمع الخليج العربي بصورة تؤكد لنا أن الظروف التي أحاطت بذلك لا تختلف عنها في البلاد العربية الأخرى، ولم يحل تأخر ظهور هذا الفن دون أن تأخذ تلك الخاصية حقها من الالتحام ببنية المجتمع وحاجاته المتجددة، إذ تواكبت الفترة المتأخرة التي نشأت فيها البواكير القصصية مع بدء ظهور نتائج واضحة في حركة المجتمع - وخاصة بعد ظهور التعليم، وقيام حركات الإصلاح - أكثر مما تواكبت مع التأثر المباشر بالقصة العربية في العقد الرابع من هذا القرن .
وترينا هذه الدراسة في بحثها الدائب عن العلاقة الديناميكية بين فن القصة القصيرة والمجتمع كيف اقترنت معالم التجربة القصصية للجيل المؤسس بالمرحلة الإصلاحية ( القصة الاجتماعية التعليمية ) . وكيف تأثرت بردود فعل التخلف، وسيطرة التقاليد، وخيبات الحركة الإصلاحية ( القصة الرومانسية ). وقد نما هذا الاقتران مع نمو المجتمع وتطوره، واضطراد الوعي ) بالمشكلة الاجتماعية ( خاصة في العمل القصصي، فنظرت إليها هذه الدراسة على أنها ذروة ما انتهت إليه الجهود القصصية الأولى من مظاهر النمو الفني في القصة القصيرة .
وطبع التغير الاقتصادي (ظهور النفط) آثاراً بالغة في أشكال الإبداع وقيمه المختلفة إذ انعكست منه جميع المشاكل الاجتماعية والحضارية المترتبة عليه، ولم تتجه قصص البواكير - وخاصة القصة الاجتماعية - لتصوير ردود فعل هذا التغير بشكل تلقائي، نظراً لقرب عهدها من مرحلة تقليدية لها امتدادها العميق في المجتمع، وهي مرحلة إنتاج البحر التي استقطبت القصة الاجتماعية مظاهرها وآثارها، أكثر من أشكال التعبير الأخرى كالشعر مثلاً .
وحين انتهت الأحداث السياسية في أواخر الخمسينات كانت القصة القصيرة قد استوعبت مشاكل البداية، وظروف النشأة التي تقترن عادة مع استحداث فن جديد، وكان المجتمع من ناحية أخرى قد تغلغلت إليه كل آثار الثروة المفاجئة بعد النمو المضطرد في إنتاج النفط، من هنا يقف معظم كتاب القصة القصيرة من الجيل الثاني مع تجربة مريرة من القلق والحيرة والاحتجاج، لتبدو في آثارهم القصصية تجربة الاستمرار الرومانسي التي جاءت امتداداً وترجيعاً لكثير من القيم الرومانسية الأولى فنية كانت أم فكرية. وفي الوقت نفسه جاءت لتستحدث موضوعات ووسائل فنية كان لها دورها الكبير في تأصيل تقاليد فنية وسردية واضحة للقصة القصيرة . بل إن تطور هذه الوسائل قربها كثيراً من الواقعية، وساعد على وضوح تجربة التمازج بين القيم الرومانسية والقيم الواقعية في العمل القصصي، خاصة مع وجود ظواهر التمزق والتردد في مسايرة جيل الستينات للقيم الجديدة البازغة في وعيه الاجتماعي، وفي نكوصه وحيرته أمام العناصر المقيمة من التخلف والاستغلال في المجتمع .
وتؤكد هذه الدراسة أن الجهود القصصية في الستينات لم تأت منقطعة عما قبلها، رغم أن معظم كتاب القصة من الجيل الأول قد انقطع عن الكتابة نهائياً، ولعل تجربة الاستمرار الرومانسي في الستينات أكثر أواصر الاتصال والامتداد مع جهود السنوات التي اضطربت بها أحداث أواخر الخمسينات . فضلاً عما دّل عليه التطور التاريخي المرحلي الذي جعل للقصة القصيرة منذ بداية الستينات مادة غنية، ووسائل متأصلة عبرت بها عما تمرّ به البلاد من تغير مصحوب بالقلق .
وتكشف دراستنا للقصة القصيرة في الفترة الثانية أن تطور هذا الفن شكلاً ومضموناً في الكويت والبحرين لم يقترن بشيء قدر اقترانه بظهور القصة الواقعية، ووضوح تصوراتها الفكرية والجمالية، فقد ارتبطت هذه الواقعية منذ بوادرها الأولى بتطور حركة القوى الاجتماعية، فاستمدت من وضوح الشخصية المحلية، ومن رغبتها في إدراك خصائص استقلالها، وتفردها تنويعات الأسلوب التحليلي الذي رصد لنا تفاصيل نفسية دقيقة تعمل عملها في تكوين الشخصية المحلية في مجتمع الخليج العربي، واستفادت من أجل ذلك بكل ما يعينها على هذا الرصد الداخلي من (التحليل النفسي) و (أسلوب تيار الوعي) و (الوسائل التعبيرية ) والملحمية والمزج بين الواقع والرمز، ونحو ذلك.
وتستمد الواقعية نبضها المستمر من الامتداد الاجتماعي (التناقضات الطبقية) والامتداد الأيديولوجي (تبني القوى الاجتماعية لأكثر المواقف الوطنية تقدمية) فتتخطى القصة النزعة التحليلية لتجمع معها نهجاً واقعياً رصيناً، وهو (النهج النقدي) الذي يكشف مظاهر القبح والتشويه في المجتمع البرجوازي، فتكون الواقعية النقدية في سنوات الفترة الثانية تطويراً لموقف الاحتجاج الرومانسي من ناحية، وتأصيلاً للأسلوب السردي التحليلي وأدواته الفنية من ناحية أخرى، مما ساعد على بلورة المفاهيم الجمالية للواقعية وثبات مقولاتها .
وتأتي القصة الجديدة في نهاية البحث لا لتمد الفن القصصي بالغنى والثروة في التقنيات التجريبية فحسب، ولا لتخلق لها اتجاهاً مغايراً، ولكن لتؤكد التطور الفني الكبير الذي أفادت منه الواقعية عندما حرص كتاب القصة الجديدة على هدف أساسي، وهو التلاؤم بين المتغيرات الجديدة، والتقنيات السردية والفنية الجديدة، فالتجربة الحديثة وبروحها المغامرة تعيد للواقعية الإبداعية فلسفتها المستمرة رغم ما يطرأ عليها من تحريفات الأيديولوجيا، وتحديدات ذوي التجارب النظرية الضيقة، وأعني بها التقاطع مع الإحساس الجوهري بالحياة ؛ الإحساس الذي يتكفّل وحده - وبتلقائية لا حدود لها - بتحرير القيم الجمالية من التكلس، والحرفية الجامدة التي ركنت إليها بعض التجارب الأخرى . وجعلتها أسيرة للتعليمات السياسية المضادة للفن .
وتذهب هذه الدراسة إلى أن هذه التجربة الجديدة لا تزال تؤكد أن الواقعية هي الاتجاه الذي يستقطب بنفاذ شديد جميع قضايا العصر، وهي الاتجاه الذي يبشر بالمستقبل، فهي الموقف الراهن، والموقف القادم أيضاً، وهي حين تبقي جوهرها الأساسي .. (تبني موقف القوى الاجتماعية الناهضة) وتخطو نحو المغامرة، وتتجه إلى توظيف التقنيات الفنية المعاصرة رمزية كانت أم سريالية أم تجريدية أم تعبيرية، تكون حقاً قد ساهمت في تجاوز الأطر الجامدة للواقعية التقليدية كما فعلت جهود التجربة القصصية الجديدة في الخليج العربي .
كل ذلك يعد في نظرنا خطوطاً عامة تقوم ضمن نتائج عديدة لها أهميتها في المحصلة النهائية لهذه الدراسة التي نرجو أن تكون مقدمة تعين غيرنا من الدارسين للوصول إلى أكثر مما وصلت إليه في التحليل والاستقصاء.

أعلى