|
عندما أعود, فسوف أكون مرتدياً ثياب رجل آخر, حاملاً اسم رجل آخر. مجيئي سيكون مفاجئاً وغير متوقع. ولو نظرتِ إليّ غير مصدّقة, وقلتِ: "أنت لست هو" فسوف أُظهر لك العلامة, وسوف تصدقيني.
هوميروس - الأوديسه
****
في البدء
كان المطر الأزرق الذي يطرق برفق أهداب امرأة تطلق الصرخة تلو الصرخة نحو فراغ شاسع يشدّ الجهات المذعورة إلى مرابطها مثل سائس محنّك, فراغ أبكم يوجّه, بين الحين والحين, نظرةً مديدةً صوب المرأة الحبلى (التي ستكون أمي) والمستلقية على ظهرها تحاور الغيب بلغة الطلق وبلاغة الأنين, على سطح مسقوف بسماء سوداء مبقعة بالنجوم.. السماء التي لا تراودها غير غيمة وحيدة تتأرجح كالثمرة. كان السطح, وقتذاك, يشهد - في انتباه وفضول - اندلاع المخاض في ليل يرتج كلما باغت شروده صراخ مكتظ بالوجع والعرق واللهاث. وكان السطح يحملق حائراً في نسوة يحطن بالحبلى ويذرفن الهمهمات الرتيبة. كن جالسات بلا حراك, بثياب مبتلة, وبوجوه شاحبة يضيئها فانوس شاحب, وبنظرات ثاقبة تخترق غشاء البطن المنتفخ لتستطلع حال الكائن الخائف المتشبث بعتمة الحيّز الأليف, الغائص في مياه الأمومة, والذي يزداد خوفه كلما انزلق رويداً ودنا من ضوء يفتح شدقيه كالهاوية. كانت الغيمة, وقتذاك, تنشق فيندلق المطر الأزرق هاطلاً على مشهد الولادة الذي لم يكتمل بعد, حاملاً معه نشيد الطقس وبذخ العناصر وأختام الغيب. مطر ليس كالمطر, لا يتهتك في مجون ولا يهب نفسه بمجانية لشرفات لا مبالية ولطرقات ملولة ونهارات تنثر مفاتيحها في الهباء, بل يصطفي من بين كل هذا, من بين كل البيوت المحاذية, هذا البيت وحده (والذي سيكون بيتي) ليسهر فيه ويهديه بعضاً من ألقه وبعضاً من أرقه, وإذ ينحدر بمياهه الزرقاء, مفتوناً بالعري الأبيض المسيّج بالليل, تدير الحبلى وجهها شاخصة نحو السماء, وبشفتيها ترسم إبتسامة واهنة, غامضة, كأن وعداً خفياً قد تحقق وميثاقاً مبرماً قد نُفذ. في الفناء كان الرجل (الذي سيكون أبي) مستنداً بظهره إلى الجدار, يداري توتره بإشعال سيجارة أخرى. يأخذ نفساً عميقاً ثم يرفع رأسه رانياً إلى المدى المزدحم برُسُل الغيب اللامرئيين. يخفض بصره, يمسّد جبينه بأصابع مرتعشة, ويحدّق أمامه في حيّز تمزقه صور المخيلة الحادة, المختلطة, سريعة الزوال. بعد وقتٍ, ينفض رأسه فيعود الحيّز إلى شكله الشفيف, الأخرس. يرمي الرجل سيجارته المشتعلة ثم يغادر موقعه شابكاً يديه خلف ظهره, ويذرع الفناء خائضاً في يقظة التأويل, صائخاً إلى همسات المطر الباسط اعترافاته المبهمة على كتفيه, وإلى نداءات طلق قادمة من السطح, عابرةً الحقل المائي الممتد من آخر الليل إلى أول النهار. ثمة طائر, فاجأه انقلاب الطقس وأربكه انحياز المطر, فصار يدور هائجاً في حيّز ضيق من فضاء فقد سلطانه, ويواصل دورانه الهذياني مدوّماً الريح والريش والفراغ, ليندفع بسرعة فائقة في اتجاه إحدى النسوة, المتحلقات حول الحبلى, طاعناً بمنقاره الرهيف صدرها, مخترقاً قلبها. عندئذ شهقت المرأة في ذعر يشفّ عن لذّة محرمة. التفتت النسوة إليها متسائلات, فأدارت بصرها بينهن للحظات خاطفة ثم غضّت وقد خجلت أن تقول: تخيلتُ طائراً يشق لحمي ويخترق قلبي. رجعن إلى حياكة الهمهمات الرتيبة, الطقسية.. نساء المطر والليل والمخاض. رجعن إلى الجدال الأخرس مع نجوم صغيرة تنثر غبارها على أثدائهن وتختفي فجأة. رجعن إلى صداقة مطر ينزّه دعاباته على عري الحبلى.. والحبلى بي كانت تصقل مرآة الولادة وتقطف قدري من رحم الصدفة, وكنت أرضع حليب الغواية من ثدي المجهول, الحامل مصيري بيدين من صلصال.
مفتتح
لا, لم أولد هكذا. لم يولد حميد هكذا. كنت أحلم بولادة كهذه. كان حميد يحلم بولادة كهذه. وحميد هذا هو الصغير الذي كنته في الزمن الراكض نحو مشارف الصبا, خارجاً من مهب الطفولة, ومعه تتراكض منازل تشتعل حجراتها شهوةً إلى المصادفات. وحميد هو الآخر الذي لم أكنه أبداً, والذي يشيّد من حطام الذاكرة عالماً لم تطأه قدماي.. أو ربما وطأت بعض جذوره. وإذ أكتب ما تمليه عليّ الذاكرة وما لا تمليه, فإني أصون الذاكرة وأخونها في آن. أنسج - من شظايا الزمن العدّاء - أقدار من أعرف ومن لا أعرف. أروي خطى مخلوقات تسرّبت في الشفق, وأسرّح رنين مخلوقات انحدرت نحو الغسق. أنصب المرايا المموهة لاصطياد أطياف ضالة, وأرشق الأماكن الضاجة بكمائن رهيفة قلّما تخطئ. أسرد البازغ من أيام راوغت فخاخ النسيان, ولا تحتكم إلا إلى مفاتيح تتقرّى أقفال الأمس. أسرد صدى الفكاهة, وهبوب العنف في ضحى حلبات تتقاذفها الحكاية. أسرد الجسد الكامن خلف بكارة الأشكال مرةً, الرافع قناع الفحش مرةً, ممتحناً ظمأ الفضيحة. أسرد هديل ممالك صغيرة تقتفي فتات حلم يموّه أقاليمه حقلاً حقلاً, ويرتقي سرير السديم. أسرد أنقاض خرائط خلّفتها حروب وديعة. أسرد ضوضاء أعمارٍ تهرق لبنها في دلاء الفصول. أسرد مرايا حيّ الفاضل في العام 1963 أسرد السرد الذي يتبع مسار الحلزون العائد نحو الشظايا ملتمساً شفاعة الجذور.
1
طرقات مرشوشة ببقايا نهار تسرّب من شق الزمن, وأصداء ضجيج يومي لم يؤرخه أحد فانتسب إلى العدم. والطرقات تتشح بهدوء العتمة الأنيسة وتتمدد بين أشداق الغفوة لصق خريف كسول ما يزال في أواخر أيامه. أزقة ضيقة, أفعوانية, تنبش المخاوف في سواد الأمكنة وتدحرج الكوابيس نحو دهاليز السبات. بيوت من طين تجاور بيوتاً من سعف: أورام مدينة تتكئ على حاضر شاحب. مصابيح معلقة على أعالي الجدران تستعمر مواقع منهوبة من الظلمة, فتضيء من يعبر تخومها. كلبان هزيلان يبعثران أكوام القمامة, ويرشقان الخرائب بنباح أشبه بنشيج قناص هجرته الطرائد. ناطور يخرق أحشاء الليل بمشعل كهربائي وبسعال مفتعل, وهو يرتعد كلما مسّه الخوف, ويرتجل جسارة وهمية اعتاد أن يرتجلها أوان التوجس. صمت زاهد يغضّ عن خبايا حي الفاضل. باب. الباب يفضي إلى حوش تحتل قسماً منه ثلاث دجاجات وديك فخور بحجمه وقوّته, يرصد خطوات الليل بعينين جامدتين. ثمة دراجة هوائية قديمة تتكئ على الحائط. ثمة صناديق خشبية وأدوات نجارة بسيطة: منشار ومطرقة ومسامير. ثمة حجرة صغيرة ينام فيها حميد وشقيقاه طاهر (11 سنة) وعبد القادر (8 سنوات) وشقيقته (شريفه) التي لم تكمل بعد عامها الخامس. حجرة نوم بلا أسرّة. وحميد يرمي ثلاثة عشر عاماً طرياً, هي كل عمره, في بئر حلم عذب يحلّ وثاق الأشباح المرحين وينثرهم في مياه الصور: حيث كل صورة تتبرّج مزهوةً بعذريتها وحميد ينحني ضاماً كفيه ليلتقط كميناً يأسر به ثمار حلم عذب يوزّع الهبات بسخاء.
2
صفير. صفير آخر حاد ونزق. أربعة أفواه طرية تطلق صفيراً متعدد الطبقات والنغمات. وأحياناً تحتشد معاً دون سابق اتفاق لتتحّد في نداء ضاج يخترق رخاوة الصباح ووحشة الجدران وبهو النوم حتى يبلغ موضع حميد الماكث بين صور سديمية يجادلها بطيشه وتجادله بتحولاتها. عندئذ يغادر حلمه بفظاظة وينهض على عجل. وقبل أن ينفض ظلال النوم عن كتفيه, يتحرك - مترنحاً قليلاً - بين الأجسام الصغيرة الغافية فيدوس على رسغ شقيقه طاهر الذي يطلق صيحة مكتومة مشوبة بالألم الخفيف والاحتجاج لكن دون أن يصحو. وحميد يخرج من الحجرة دون أن يكترث. في الحوش ينحني أمام الحنفية ويرش وجهه بالماء طارداً غبار النعاس. إنه لا يبدّل ملابسه التي رقد بها, بل يتجه مسرعاً ناحية المطبخ وهو ينشف وجهه بكمّ قميصه. هناك, في مملكتها الفقيرة, تعتكف الأم (زينب) مع أوانيها وملاعقها وسكاكينها وتوابلها وبهاراتها وسمنها وخبزها وقهوتها وموقدها وكبريتها وصابونها.. أشياء تحكمها بعناية وحنكة. هناك تعتكف زينب مع عينين تحرثان المواقع الأليفة خشية أن تطالها المحن, ومع أصابع تتقرّى رفوف النهار لتلتقط ما يتناثر من النهار الشحيح, ومع ثوب زاهد دعكته الفصول حتى أضحى شاحباً, ومع أدعية ترتجلها لتصون بها من تحب. وحميد يقتحم كل هذا برعونة الصبا, بنزق العابر الذي لا يعبأ بهدير خطاه, باحثاً بنظراته وبرشاقة جسمه عن طعام. زينب تشهد هذا الاقتحام في حياد ثم في فضول: - إلى أين أنت ذاهب? حميد لا يجيب ولا يلتفت نحوها, كأنه لم يسمع, كأن السؤال صدى لسؤال ميت قيل بالأمس وقبل الأمس. يأخذ رغيفاً وبعض التمر. هي ترمقه وتوبخه: - أيام الدراسة لا تستيقظ إلا بعد صياح وزجر, أما في العطلة فتصحو وحدك مع طلوع الفجر. ألن تخبرني إلى أين أنت ذاهب? - أنا مستعجل يا أمي.. سأخبرك فيما بعد.. تلمح "المقلاع" البارز من الجيب الخلفي لبنطلونه.. - ألن تكفّ عن حمل هذا الشيء? إذا رآك أبوك فسوف يذبحك.. لم تكمل التوبيخ والتهديد لأن حميداً لم يعد هناك, لم يعد يشاغب المكان بحضوره الضاج, فقد غادر تاركاً رائحته وعناده ولا مبالاته وسنواته الغضّة لتضمها كلها بحنان عينيها ورهافة قلبها وأمومة أنفاسها. ولتردد هامسة: عد سالماً يا ولدي..
3
خارج البيت, ينتظر الرفاق الذين تتراوح أعمارهم بين 15-13 سنة: كريم الأعرج, زكريا, مفتاح, عزوز ابن الخبّاز الذي يتأتئ في الكلام.. ينتظرون بملابسهم المدعوكة, غير المتناسقة, وأحذيتهم المطاطية البالية, وأجسامهم الصغيرة المهرولة بين لهو وعنف, بين ضحك وخوف, بين طفولة وبلوغ, بين حلبة وأخرى. يخرج حميد فتخرج العصافير الضاحكة من نوافذ الصباح. ينطلقون معاً في صمت وبخطى عجولة نحو جهة تبسط تخومها لهرج وشيك, ونحو موعد يملي على الوقت شريعته. وأثناء سيرهم يتقاسمون الرغيف والتمر. آنذاك, لم أكن أعلم, لم يكن أحد منا يعلم, إلى أين ستمضي بنا الخطى. كانت المصائر رهائن غيب ساخر يسوّر أعمارنا بالكمين تلو الكمين, ويقهقه كالرعد. الآن, إذ أسردهم واحداً واحداً, أرنو إلى الشتات الذي أخذتنا إليه خرائط الفقد وأتساءل في ارتياب: هل كنا براعم حيّة تتدرّع بالظهيرة ويقتادها الصيفُ إلى صيفٍ أشد وميضاً وأكثر جنوحاً للهذيان, أم كنا محض أطياف تتدلى من بؤبوء الذاكرة على ضفاف ماضٍ أضحى هو والحلم توأمين? وها إني - في سفر الالتباس - أقتفي وجوهاً موّهت ملامحها وانحدرت نحو السراب, أو ربما تقتفيني الوجوه إلى خلوة الحبر حيث أسهر متكئاً على حمّى الكتابة, منصتاً إلى ما يرويه الحبر من ترف المصادفات ودبيب الحنين.. وأذرف حلماً.
رفاق الخبز والطريق. أقران الجلبة والشك. يتأبطون الزوبعة ويبعثرون العصيان كالقش في ضلوع حيّ - يدعى الفاضل - يكسر غرورهم بالتجاهل وعدم الإعتراف, فيمعنون في الشغب, ورجّ المحيط بما يصدم ويربك. من الجهة المعاكسة, في طريق ضيق غير مبلّط, يُقبل عتّال دافعاً عربته غير المحمّلة بعد بالبضائع, ذات العجلتين اللتين تطحنان الحصى ونتوءات الأرض بجلجلة تآلفت معها الطرقات. عندما يحاذونه يقفز كريم الأعرج ويجلس على العربة مصفقاً ومغنياً بعقيرة ناشزة, بينما يواصل رفاقه السير غير مكترثين. العتّال, دون أن يوقف العربة, يزجره طالباً منه النزول لكنه لا يذعن. عندئذ يوقف العتّال عربته ويهدّد بجلده بالحبل المتدلي من ذراعيّ العربة. كريم ينزل, ليس انصياعا للتهديد وخوفاً من العقاب بل ليلحق برفاقه الذين ابتعدوا.. وعندما يعرج كريم فإن الأرض تعرج معه, كذلك العتبات والشبابيك. وعندما يهرول كريم تهرول معه الريح والفصول والمجازفات. منذ أن زلّت قدمه ووقع من السطح, قبل عامين, وهو يحمل عاهته مثلما يحمل الفقر فضيحته. إفترقنا. تأبط إرث الثورة وراح يرجم الضواحي بالعصيان فصار نهباً لزنازن تتقاذفه في فجور. وكان إذا جلس على حافة المساء الموحش, يحلم بعالم عادل يصنعه على هواه. لم أره إلا لماماً. وذات مرة أفشى ببعض أسراره: إنتسبَ إلى حزب لم يستوعب بعد غاياته, وأحبّ امرأة لم تفصح بعد عن مشاعرها. في اللقاء الأخير لم ينبس إلا بكلمات قليلة فاترة, ثم حدّق في خلاء روحه بعينين ذابلتين. لقد رأيت أمامي كائناً مخذولاً مسّه الوهن واعتنق اليأس. حاولت استدراجه إلى كمين الكلام, غير أنه تشبث بسياج الصمت. بعدها نهض ومضى بلا تمتمة ولا وداع. والآن, حين أسترق السمع, ليلاً, إلى خطى عرجاء تطرق إسفلت الطريق, أتخيّل كريماً - بجسده الفتيّ وقهقهته الحلوة - يطرق شرفة نومي ليراني ويسألني عن أحوالي وأسأله عن أحواله, ومعاً نتوسّد صباح الطفولة. أبو أحمد يعالج قفل دكانه الصغير بمفتاح صدئ, يحاذيه حميد وفي لمحةٍ يختطف غترته, ويفرّ الرفاق ضاحكين تلاحقهم لعنات أبي أحمد وشتائمه البذيئة فيما يتحرك, ممتقعاً من شدة الغضب, نحو غترته المرمية على الأرض. زقاق. على بعد مسافة يرون إبراهيم واقفاً, مستنداً إلى الجدار, شابكاً ذراعيه على صدره, شاخصاً نحو نافذة عالية يكمن وراءها ظل فتاة تطل في خفر ورهبة. وإبراهيم, الفخور بشبابه ووسامته, يرسل إليها نظرات الوله, ويمنّي النفس بلقاء يثلج جمرات التوق. يتأتئ عزوز: أنظروا إلى إبراهيم.. يغازل. يقتربون منه, يقتربون من العضل النازف هياماً, يقتربون من الجسر الهوائي المشيّد بنظرات خجولة وأخرى جسورة, يقتربون من طوق الإشارات التي لا يفهم مغزاها غير عشاق وجلين, يقتربون من مسرى الغواية بين الظاهر والخفي. يقترب المكر والخبث والكيد العابث. زكريا: إبراهيم.. ماذا تفعل هنا? إبراهيم: لا شأن لك بي.. إذهب.. مفتاح: تغازل? حميد: المسكين لم ينم طوال الليل.. مفتاح: ظل ساهراً هنا حتى هذا الوقت.. أنظروا كيف صارت عيناه.. مثل عينيّ البومة. زكريا: حرام.. كل هذا من أجل نظرة!! إبراهيم: ابتعدوا من هنا وإلا.. حميد: يهدّد!! كريم: سوف أناديها لترحم حاله.. إبراهيم: لا.. عزوز: نعم.. أيقظها يا كريم.. وسوف نعقد قرانهما هنا.. (إبراهيم يحاول الإمساك بعزوز من قميصه, لكنه يفلت منه) مفتاح: (يصيح منادياً) أبو ناصر.. إبراهيم هنا يغازل إبنتك منيرة.. يدبّ الذعر في قلب إبراهيم, يمتقع وجهه, ترتعش أطرافه, وللحظات يتحرك هنا وهناك على نحو أخرق كأنه لا يعرف ما يتعيّن عليه فعله, ثم يحسم الأمر ويختفي, تختفي الفتاة, تنطفئ النافذة, ويضجّ الرفاق ضاحكين وصائحين.. ضحك فاحش وصياح فاضح.. وعندما يتأتئ عزوز تتعثر الحكاية ويتخبط المعنى في رواق الكلام, ومعه يتأتى الوقت واللعب وتنوّر أبيه. إفترقنا. سلك درب التجارة بتحريض, أو بتهديد, من أبيه. تلقفته الديار البعيدة والقواميس الأجنبية. تقاسمته المعاهد والمدن الباردة. وأخيراً أحكم السديم قبضته على معصمه وشدّه إلى مرابطه, وبفروه الشفيف سيّج شرفاته.. فما عاد الحنين يهرول إلى الحنين, وما عاد عزوز يلتفت إلى الوراء في شجن, بل مضى لاهثاً خلف أدلاّء, تعجّ بهم الضواحي, يجسّون الخرائط بعصي غليظة ويخوضون في مدٍّ من الثلج حتى أقصى الغياب. شتاء تدحرج وراء شتاء وما بان خدين الأمس. الآن, كلما شممت رغيفاً رأيت عزوز يذرع بهو الذاكرة مختالاً في مشيته, فصيحاً في صمته, فأشعل قميصاً لعله يأتي إليّ جالباً وصيفات حلمه والقهوة التي يحبها, ومعاً نرفع الحجاب عن قارب يبحر بنا إلى أرياف الطفولة. بين الرفاق السائرين في طريق آخر, تندلع الأمنيات وتُرتجل الأدوار: - أشتهى أن أسافر. آه لو أصير رباناً. - وأنا أشتهي أن اكبر سريعاً كي أفتح دكاناً لتأجير الدراجات. - باب مستقبلي مفتوح أمامي.. سأصير ثرياً وأعينّك يا زكريا سائقاً خاصاً لي.. - الجمعة أحلى يوم, لكنه ينقضي سريعاً. - لماذا خلقوا لنا المدارس? - المدرسة والبيت سجنان.. حريتي هنا.. في الطرقات. - وأين ستنام يا مفتاح? ومن أين تحصل على طعامك? لا تقل أنك ستعتمد علينا. - لا أحد يموت من الجوع.. ستكون الأرض فراشي والسماء لحافي.. من يحتاج إلى أهل?
يواصل الرفاق سيرهم دون أن يستوقفهم زعيق امرأة تتشاجر مع جارتها المتوارية داخل البيت المقابل والتي لا يُسمع لها صوت. إنها تحذرها من رمي القمامة عند باب بيتها, وتطلب منها ألا تتباهى كثيراً لمجرد أن إبنها حصل على وظيفة كاتب في الميناء, فإبنها البكر أيضاً موعود بوظيفة محصل ضرائب في البلدية. مثل هذا الحدث اليومي والعادي لا يستوقف الرفاق الذين يلتقطون الحصى ويملأون جيوبهم بها, ثم يحرثون الفضاء بعيون تشبّ فيها الفخاخ النافرة كالعويل, وتبزغ فيها العداوة العارية من الضغينة. عيون كالنصال تشطر الجهات جزافاً بحثاً عن حمام ممسوس بالإرتياب ويرى في المدى مُدى تمجّد السفك والفتك. كريم يشدّ مقلاعه ويوجهه إلى سطحٍ ما. حمامة تطير هاربة. مفتاح يسدد. حمامة تقع مكسورة الجناح لكن في فناء بيت مجاور. الحمائم التي كانت تستريح في كسل على الأسطح والميازيب والأسلاك تغادر أماكنها مذعورة وتنزح تاركة المكامن لرعونة قناصين يتربصون في الأسفل راصدين الهديل والرفيف. والسماء ترخي عتباتها كالعناقيد ليرتقيها صبية يتموّج البطش على جباههم وأحداقهم تغصّ بالريش الميت والمناقير الدامية.
من الناحية الأخرى يُقبل بركات.. رجل نحيل, ضئيل الجسم, يمشي بخطى سريعة وعصبية. حيناً يكلم نفسه في انفعال وتوتر كما لو يجادل أشخاصاً حقيقيين أمامه. وحيناً يلوّح بيديه ضارباً الهواء, شاتماً - في كل خطوة - المدينة والطرقات والجو والغبار والكلاب والدجاج والتعب, وكل ما يخطر على باله, وبين الفينة والأخرى, يتوقف للحظة شاخصاً إلى أعلى في صمت, رافعاً قبضته يهدد بها كائناً أو شيئاً غير مرئي ثم يستأنف خطواته العجولة وشتائمه الصاخبة. عندما يحاذي بركاتُ الرفاق يزداد توتراً وانفعالاً لكنه لا يتوقف ولا يكفّ عن توجيه وابلٍ من اللعنات والسباب إلى الأولاد والمدينة والكلاب. وحين يبتعد بمسافة, يصوّب مفتاح مقلاعه, فتصيب الحصاة مؤخرته. يتوقف بركات فجأة دون أن يطلق آهة وجع.. كأن الحصاة لم تمسّه, ثم يستدير صائحاً.. بركات: "سفلة, أنذال.. ملعونة هذه المدينة وأهلها أنذال.." ثم يواصل سيره وشتائمه. الرفاق يطلقون خلفه صيحات الإستخفاف والتحدي.. زكريا: "مكانك محجوز في دار المجانين يا بركات.. عد إلى هناك.." وعندما يعدو زكريا تعدو معه السنابل والشرفات, وعندما يهفو إلى السفر تهفو معه الحقائب والمجاذيف والعاصفة. افترقنا. مضى بلا مرساة إلى رحاب البحر ناثراً على ساعده ملح البسالة وممرغاً جبينه في وميض المجازفة. أخذته السلالم المائية إلى الجهات البعيدة, أو ربما إلى الشتات. لم تكن البوصلة دليله بل العاصفة. تحالف مع الموج ضد طمأنينة التخوم, وأسرف حتى استدرجته المياه إلى المياه وضيّعه السفر. والآن, كل بحر يومئ إليّ أن أتريث وأرنو طويلاً إلى الموانئ النائية فلربما يعود زكريا ضاحكاً على صهوة مدّ ويمسّ صدغي بزبد الغربة, ومعاً نمحو ما ورثناه ونتقاسم نعاساً يحزم لنا زغب الطفولة.
إلى شاطئ البحر يصل الرفاق, في الموعد الذي تحدّد سلفاً قبل يوم. يصلون ومن زنودهم اللينة يقطر زبد التحدي وحفيف بأس يحاكي بأس الرجال. هناك - على شاطئ يشهد بلا مبالاة إنزياح الخطى كلما امتد المدّ - ينتظرهم خمسة أولاد يماثلونهم في السن والطيش, وينتسبون إلى حيّ مجاور. يتواجه الفريقان مثل جيشين صغيرين يتأهبان للنزال. تمرّ دقائق مشحونة بالتوجس, حافلة بالعداوة, وكل فريق يمتحن بالنظر موضع القوة والضعف عند الخصم. إنه رهان على الهيمنة وإذلال الآخر. وما إن يشبّ العراك بالأيدي, فجأة, حتى يتثاءب البحر ويرخي أطرافه ثم يغفو ثانية. ثمة ريح خفية تلملم دعابات الموج, ثمة قوارب تترنّح دائخة على المياه, ثمة صيادون يصنعون الأقفاص الكبيرة لاستدراج الأسماك, ثمة أسماك لاهية تلتقط الطعم دونما احتراس, ثمة نوارس معفّرة بالضجر تحط على الصخور الناتئة الملآى بالقواقع وترقب الطحالب وهي تحتل المسرح المائي, ثمة شمس تبلّل الأفق بأشعتها الذهبية.
كان العنف, وقتذاك, دوراً تنتحله هوية هشة, قناعاً نؤرخ به بطولة غير ملجومة, ظلاً تحتكم إليه ذواتنا الضالة لعله يشفع, دليلاً يبحث لنا عن موضع قدم في عالم مغرم بالقوة لننال شرف الاعتراف. كنا نحاكي الكبار في حسم الخلافات بالعراك. وعنفنا ليّن وطري مثل أعمارنا الطرية لكنه كان يختم راحاتنا عنوةً ويؤثث أيامنا بتوابله. إنه الإرث الذي يطوّقنا كالعبء. وعندما نتطرّف نتراهن على مدى صمود أحداقنا أمام الشمس, فنرفع أبصارنا ونحدّق لثوانٍ في الضوء الحارق حتى تدمع أعيننا وتجرحها الغشاوة. ومفتاح كان أكثرنا جسارةً ورعونة.. وعندما يسهر مفتاح مع جنونه الكامن يسهر معه السعف واللهب والجداجد. لم يكن مغرماً بجنونه غير أنه كان يؤويه في شريان الحجر كما لو يؤوي سراً صديقاً في خوذة الأزل. إفترقنا. تخاطفته المحن وسلاسل العصيان. قالوا: مسّه الخبل. وبعضهم قال: مسّه الجان. فيما هو يذرع دهاليز الصمت متقمصاً وحشة العدم. زرته مرات لكنه لم يكن يراني ولا يسمع صوتي. لا أحد في الداخل يسمع طرقاتي.. كأنه غادر جسده والتجأ إلى أرياف رؤاه العذبة. والآن, أهيب به أن يطلع من مجرى الجنون طلوع الناسك من مخدع العبادة, فيبزغ كاللبلاب وألوّح له باسماً, ويلوّح لي باسماً, ومعاً نوقظ جمر الطفولة.
4
أصابع متشنجة تعبث بحبات السبحة. إرتطام الحبة بالأخرى لها وقع رتيب, ثقيل, منوّم. إنها أصابع حمدان العامر, تاجر الأخشاب, الجالس على البساط مسنداً ظهره. بعد دقائق من الصمت الشاحب, يتكلم حمدان ببطء دون أن يرفع بصره عن البساط, كأنه ينتقي كلماته إتقاءً لسوء الفهم أو خطأ التأويل. - يا عقيل, أنت رجل طيب.. والجميع يقدرّك ويحترمك.. وأنت تعلم مدى احترامي لك.. لكنك تحرجني. إنه يخاطب والد حميد, العامل في الميناء, والجالس متربعاً على مبعدة منه دون أن يسند ظهره. إعتداده بنفسه يمنعه من إظهار أية بادرة خضوع أو تملق. قسمات وجهه الصارمة لا تفشي عن رجاء, مع ذلك يتفجر فيه ذلك الإحساس بحدوث شرخ داخلي, إنكسار فاجع, فتعتريه كراهية للموقف, للظرف الذي قاده إلى هذا الموقف. لن يستجدي, لكنه يتمنى أن يتفهم الآخر وضعه وأن لا يهين كرامته. يتابع حمدان العامر كلامه, موجهاً نظرته الثاقبة - في هذه المرة - إلى وجه عقيل.. - ليس من عادتك أن تتأخر.. لكن ها قد مضت ثلاثة أشهر ولم تدفع إيجار البيت.. - شرحت لك ظروفي. - أنا أقدّر وضعك.. على المرء أن يؤازر أخيه وقت الشدّة, ويعلم الله كم تكدّرت عندما سمعت عن مرض أخيك.. ونسأل الله أن يشفيه.. - أمهلني بعض الوقت.. - إلى متى? - سأحاول ألا أتأخر.. - شهر واحد.. ليس أكثر.. عقيل يطرق برأسه. يعرف أنه لن يستطيع أن يوفر المبلغ المطلوب, يعرف أنه بعد قليل سيغادر مغلولاً بالحاجة, مثقلاً بالذل. يعرف أن العرق ينزّ الآن من مسامه. يعرف أنه سيكون نهباً للقهر والغضب. وعندما يرفع رأسه ناظراً إلى حبات المسبحة وهي ترتطم ببعضها في توتر واستفزاز, يعرف أن الزيارة قد انتهت. ينهض رافعاً قامته الطويلة برشاقة فريسة تحس بدنو الخطر. - أستأذن.. - في أمان الله. يحدث هذا على عجل ودون أن ينظر أحدهما في عينيّ الآخر, كأن كلاً منهما يحاول محو وجود الآخر. بتجنب النظر إلى الآخر فإنه يعدمه, يسلبه الحضور والكينونة, أو على الأقل, ينفيه خارج نطاق وعيه وحواسه. حين تنظر إلى الشيء فإنك تمتلكه أو تأسره - ولو مؤقتاً - ويصبح جزءاً من عالمك الخاص, ولن يتحرر منك أو تتحرر منه إلا إذا غاب عن بصرك بإغماضة أو بحركة, عندئذ يصير عدماً. لكن هناك الأثر والظل والرائحة. أشياء لا تزول مع زوال الكائن, بل تتريث وتمكث قليلاً عالقةً على أنفاس المكان مثل قطرات طلّ منسية قبل أن تتناثر في الهباء. هكذا يحدّق حمدان العامر في مشيئة الحاضر, ماكثاً في رحاب مأزقه, يعاقر ذكرى صداقة زائلة فيها كان ينشر على مدارج السهرة, مع قرينه عقيل, وشاح الصحبة ويهرقان فوق عتبات آخر الليل كحول الفكاهة وبقايا الثرثرة. صديقان كانا لا يفترقان إلا لماماً. يقرعان المنازل بحزمة أعشاب, كأنهما في البدء, كأنهما في رحم الوقت معتكفان, كأن الأيام لا تمضي ولا تشيخ. لكن حدث أن مات الأب فورث حمدان المال وحب المال وغطرسة الطبقة.. الطبقة التي تطوّق أرضها بيقين التعصب وتسهر على تجانس السلالة والمكانة حارسةً آبار الرفاهية بضراوة ضبع. ولما شدّت الطبقة حمدان من كتفه, إنسلّ من غمد الصداقة كالسديم. تقوّض جسر الود ولم يعد الإثنان يعريّان أثداء الليل ويضرمان تحتها مصابيح السهر. وها حمدان يعتصم بالوقت الرائب جاهشاً بالحسرة غير أنه يعلم بأن أي إعلان عن ضعف أو ندم هو خيانة للطبقة, لهذا يسرف في القسوة مطلقاً قلبه في عراء النسيان لعله يزداد تحجراً أو توحشاً. وها عقيل يخرج بقامته المخذولة مندفعاً فيكاد أن يصطدم بخلود, تلك المقبلة نحو الباب حاملةً صينية عليها كوبان من الشاي. تسأله مندهشة: - إلى أين أنت ذاهب.. ألا تريد الشاي? - لا.. أنا مستعجل. يغادر عقيل, وخلود تتابعه بنظرات جاهلة ثم تحوّل بصرها إلى الشاي وتنظر في تقزز.. - خيراً فعلت.. هذا ليس شاياً بل مثل العلقم.. لديهم الكثير من المال والقليل من السكّر.. بخلاء. ترفع الكوب إلى فمها, ترتشف, لكنها تلفظ ما رشفته ممتعضة من طعم المرارة العالقة بلسانها, ثم تطلق فجأة ضحكة مدويّة ولا أحد غيرها يعرف علام تضحك خلود.. على الشاي أم أهل الدار أم العالم أم على نفسها. طفلة في جسدٍ يشفّ عن خمسة عشر ربيعاً. إستطال الجسد عاماً بعد عام ليكسو روحاً طفلةً تأبى أن تكبر. جسد ليس كالدرع يحمي بل كالشراع تستدرجه الريح إلى مهب الظنون. طفولة مشبوهة أم أنوثة مقمطة? لم يتوقفوا عند السؤال كثيراً. كنسوا البلبلة ثم مضوا تاركين خلوداً رهينة غدٍ ضاحك يرصد خطواتها الحائرة في شراك العمر. قدم تخضّ الطفولة كاللبن, تجري لاهية في ضواحي النهار والمساء تسدله على غفوة الملاعب. قدم تخوض مجاهيل أنوثةٍ تجترح لها قرابين التحوّل وتقترح لها مواعيد الدم. كم يرعبها التحوّل, كم يرعبها الدم المنزلق من الشقّ الغامض. ويحدث أن تخلع أنوثتها كالقميص وتعلقها على مشجب الأدوار. بالغة السذاجة, محدودة الذكاء, تستعين بالغريزة في مراوغة الحيل والمقالب التي ينصبها الآخرون في دروبها, مع ذلك فغالباً ما تخذلها براءتها فتقع, مثل الفريسة الجاهلة, في أشداق الإحتيال والخبث, لتصبح مادةً للفكاهة والتندر. تعتنق البشاشة وتحزم المرح في ضحكة وسع المجهول. وأينما تحلّ خلود يحلّ الهزل, ولا أحد يقرأ سريرتها. مشعثة الشعر, بالية الثياب, تمشي حافيةً, تعدو حافيةً, تذرع جغرافيا الظهيرة بخفيّن من المطاط. لكن حين تستفرد بها المرآة, في الغرفة الضيقة شبه المعتمة, يمسّ الضوء البخيل ذلك الجمال المتشظي تحت قناع يواري التقاطيع الحلوة لوجه طلاه الهجرُ بألوان الهجرِ والرماد. وينحسر الثوب عن ثدي معتكف يعضّ أواصر الحشمة ويستبدّ به الولع إلى الترف الإباحي. وما تدري خلود: هل تجسّ أجفان الشهوة فتهيّج نحلة الحواس, أم تلجم نواة الفتنة حتى تتهشم كالنيزك? وما تدري خلود على أي حلم ترسو. لا أهل ولا أقارب. كانت خلود صغيرة عندما ذهبت أمها إلى الموت, فذاقت ما يذوقه اليتيم من وحدة وحرمان. في كنف عائلة حمدان العامر تربت ونشأت, تحفّ بها الإهانة والإبتزاز, فقد حلّت محل أمها الخادمة, وكأي خادمة لا بد أن تتهجّى الطاعة والإمتثال. مثل الطاحونة تدور خلود دقيقةً دقيقةً حول خشخاش النهار, وعند المغيب تتوكأ مرهقةً على ركبة المساء وترنو إلى القمر شاكيةً. وحده القمر كان يبهر عينيها بوداعته وألقه. كانت ترنو إليه طويلاً مفتونةً بعريه, وكان هو يطلّ عليها بلا احتشام ولا ضغينة. وإليه وحده كانت ترخي الأهداب وتفرش النهدين وتفرد الذراعين كأنها تضمّه وتضرّجه بالحنين. والقمر يميل ويحنو حنوّ الكاهن على أنيسته ويشعل خاصرتها بزنابق من ضوء ثم ينتشلها ليضمّد جرح القلب بفروه البهيّ. وفي الخلوة السريّة, حيث لا عين ترى ولا أذن تسمع, يتصاعد التهدّج نحو رحاب أفق لا مرئي.
5
مبثوثون في إرجاء بيت متهدم, جدرانه آيلة للسقوط, ومهجور منذ زمن: كلبة ناعسة تحلم, جراء تتراكض لترتطم ببعضها, ظلال محزومة هنا وهناك, علب فارغة يكسوها الصدأ, أحجار مرهونة للعدم, والكثير من الغبار الحاسر الذي يموّه الأشكال. وكان هناك أيضاً: حميد ورفاقه.. باستثناء عزوز. في هذا المكان الذي يمتشق أنقاضه الفانية - مثلما تمتشق المحنة مراثيها - سافحاً حطامه على أدراج الإنقراض, الذي يحرث أحشاءه زمنٌ ممسوس بالنهب, الذي من سقوفه تندلق عناكب الوحشة وأشباح العدم, في هذا المكان المدهون بلون البن, المثقل بأسرار الغبار, يجتمع رفاق أنهكهم ترويض صباح مراوغ لا يروَّض فأرخوا أعنّة الهرج وجاءوا لاهثين من حومة العراك الفتيّ, مضرّجين بالكدمات وأوهام البطولة ووهن الجذوع, ليخلدوا إلى الراحة في شرايين حصن لا يقدر أن يصون نفسه, مزاحمين الحجر وماضي الحجر. حميد جالس على درج سلّم متآكل يدخن سيجارة وينفث الدخان من فمه وأنفه, ثم يمد السيجارة نحو زكريا الواقف على مقربة والذي يتناولها ويدخن, غير أنه يخفق في محاكاة حميد فتحترق رئته ويمزّق السعال الحاد صدره. يضحك الآخرون من ورطته. ويدنو منه مفتاح مزهواً, قائلاً في غرور: "ما زلت صغيراً يا زكريا.. هات لأريك".. ومفتاح ينقش الهواء بالدخان المتموّج, مستعرضاً براعته أمام زكريا الذي يدير رأسه في ارتباك, وأمام حميد الذي ينظر إليه في إعجاب, أما كريم الذي لا يبدي إكتراثاً فيتساءل دون حماسة: "ماذا قررتم الآن.. أنذهب اليوم إلى السينما أم لا?".. يتفقون على الذهاب لكن كريماً يرمي المعضلة أمامهم حين يقول: "النقود التي معنا لا تكفي".
دقائق ويقتحم المكان عدد من الشبان, أحدهم يحمل ورق اللعب. شبان من حي الفاضل والأحياء المجاورة الصديقة. ورثوا العادات ذاتها. المجازفات ذاتها, فتنة المناوشات ذاتها. أتوا إلى هنا للمقامرة وامتحان مهاراتهم في اللعب. لديهم بعض الحيل في الغش, لدى الواحد منهم طموح شرير في إفراغ جيوب خصومه في اللعب من النقود القليلة, لديهم ما يتباهون به أمام نهار كسول وغير آبه: زنوداً يتوسدها اللهب, تحالفات غير معلنة مع أمكنة يحتشد فيها العصيان, إستعدادات طوعية للإطاحة بكل سلطة.. تماماً مثل آبائهم عندما كانوا شباباً. ومفتاح يتأفف ويغمغم في استياء: - جاءوا.. سوف يفسدون خلوتنا. الشبان, كالعادة, يطلبون منهم مغادرة المكان دون إبطاء. وكالعادة يبدي الرفاق معارضتهم.. هذه المعارضة التي تتخثر وتندحر إزاء إصرار الأكبر سناً والأكثر فتوةً على فرض سطوته وهيبته. يحتج حميد: ولماذا نغادر? المكان واسع, إلعبوا في ذلك الركن. فيزمجر أحدهم: لم نأت إلى هنا لنتجادل معكم.. أخرجوا حالاً. ويقول آخر بصوت مخمور بطئ: أنا أتشاءم منكم.. أخسر عندما أراكم.. اخرجوا من هنا وإلا قذفنا بكم الواحد بعد الآخر. وكالعادة يرضخ الرفاق ويغادرون مواقعهم على مضض, وفي صدورهم يحتدم الغضب لا الضغينة, فالدخلاء - رغم كل شيء - ليسوا أعداءً. هكذا ينتفض كريم من القهر والإذلال قبل أن يجتازوا المدخل المغبّر ويفارقوا المكان. - ليس من حقكم طردنا.. هذا المكان لنا. فيعلق أحدهم ساخراً: - هل ورثته عن أبيك أيها الأعرج? يضحك بعضهم هازئين, ويهمس مفتاح في غيظ: - أشتهي أن أشي بهم..
ينزح الرفاق مصحوبين بالفاحشٍ والبذئ من الكلام, وفي دواخلهم تومض رغبة عارمة في أن يكبروا سريعاً ليلقنوا هؤلاء وغيرهم درساً قاسياً. كبرنا ولم تكبر بواعث تلك الرغبة. إندثرت في الحال, فقد كانت عابرة, طارئة, سريعة الزوال. إنشغلنا بأشياء أخرى ربما لا تبدو مهمة الآن لكن في حينها كانت تمثل هبات قدر نتقاسمها في شغف تارةً وفي ضجر تارةً, وما كنا ندري أنها تحيك مصائرنا خيطاً خيطاً. وأنا صغير كنت أتساءل: لماذا يمنعنا الكبار من التفرج عليهم وهم يقامرون أو يتعاطون الخمر.. هل يخشون علينا من العدوى, من التلوث, من تشوّه البراءة? وإذا كان الفعل مشيناً أو حراماً, فلماذا يقترفونه علانية? أين حدود الوعي واللاوعي في المنع والإبعاد? أم أن وجودنا في تلك اللحظة فضح لما هو غير مباح, أو إختراق لعالم خاص وسريّ لا ينبغي الكشف عنه? أذكر مرةً أني كنت واقفاً - في مكان غير الخرابة - أحملق في الكبار وهم يلعبون القمار, مفترشين الأرض ومتحلقين في دائرة يتداولون فيها النقود الورقية والمعدنية. نهض أحدهم واتجه نحوي ثم وهبني روبية (وهي عملة نقدية قديمة) وبلطف طلب مني أن أبتعد. كان المنحة بمثابة الرشوة, وقد فرحت بها كثيراً. في اليوم التالي, وقفت في المكان ذاته, منتظراً الرشوة ذاتها, ولما اقترب مني الرجل ذاته, مددت يدي لأتناول الروبية غير أني تلقيت صفعة على مؤخرة رأسي وتحذيراً بعقاب أشد إن اقتربت من ذلك الموقع مرة أخرى. لم تكن مفهومة لنا تلك الإزدواجية التي يتبناها الكبار في تعاملهم معنا: السهر على براءتنا من جهة, وتأجيج العدوانية فينا من جهة أخرى. العنف كان مبجلاً, القوة كانت موضع فخر, ومن لا يتعارك يُدان بالضعف والجبن وينال الإزدراء. كنا أشبه بسنابل تتقاذفها الأهواء والأمزجة. إذا أفرطنا في الشقاوة وهيجنا الفوضى, إنهال علينا الكبار بالزجر والتوبيخ. وإذا اعتصمنا بالسكينة, حثنا الكبار على مقارعة الهدأة بالدويّ. كنا نتمرغ على حافة الإلتباس والنقائض تعدو خلفنا كالخيول. في الخرابة يشرع الشبان في توزيع أوراق اللعب والمراهنة, فيما ينسحب الرفاق بتثاقل, وفي لحظة خروجهم يدخل سنان, مخموراً كعادته, يحمل زجاجة الخمر بيد, وآلته الساكسفون باليد الأخرى. إنه يحاذيهم ويتجاوزهم دون أن يعرهم إلتفاتة. وهم أيضاً لا يكترثون به, بل يمضون مبتعدين.
لا أحد كان يكترث بسنان وبأعوامه التي تجاوزت الثلاثين بقليل. جاء من هامش حي آخر ليقطن هامش هذا الحي. جاء وحيداً, غامضاً, مجهول الماضي والهوية, تواكبه أناشيد السكرة وشجن الآلة الموسيقية. ينقر أضلاع الحيّ الغريب بخطى متورمة, ويجرجر مرساة أعوامه الشابة كما لو يحرث سماد الوحشة بقيود لا مرئية. إستقبلوه في بادئ الأمر بالريبة والحذر فقد كان كتوماً, متحفظاً, قليل الكلام وقليل الإبتسام. تحرشوا به محاولين اكتناه نواياه, لكنه واجه التحرش والإستفزاز بشرود غريب ودون أن ينبس.. كأنه لا يعبأ, كأنه لا يحس. كأن الأمر لايعنيه. طفق ينظر إليهم في حياد المتأمل, وعندما رأوا في عينيه وميض البراءة إنفضوا دون أن يتخلوا عن إرتيابهم. لكن عندما كسر بقضيبٍ ظهر كلب مسعور, كاد أن ينهش ساق صبية من الحي, إحترموا بأسه وشهامته, وتركوه يتجول بحرية في أرجاء الحيّ مثل شبح ضال يسرّج مراكب الليل بالقناديل, ثم يختفي ويظهر وما من أحد قادر على ترجمة أطواره. شاء أن يصون وحدته وغموضه فلم يصادق أحداً, واستجابةً لمشيئته لم ينشد أحد صداقته. وآن ينزوي في ملاذٍ ما, يأخذ جرعة من الخمر ثم ينفخ في آلته مستنهضاً رهافة الحواس البعيدة. عندما يصيخ البعض إلى عويل آلته, أوان عزلة الليل, تذرف المقل قطرات من الدمع, ولا يعرفون إن كان ذلك من فرط الشجن أم الإمتنان.
6
حميد وزكريا وكريم ومفتاح - وقد استعادوا بعضاً من حيويتهم - يسيرون في الطريق الذي يفضي إلى فرن والد عزوز. صبايا يلعبن نط الحبل في جهة, ولد يقود دراجة هوائية وآخر يجري خلفه محاولاً اللحاق به, طفل عاري المؤخرة يجري باكياً, شيخ ضرير يقود شيخاً ضريراً وبعكازيهما يجسّان كمائن الأرض لئلا تغدر بهما الحفر. يصل الرفاق إلى الفرن. عزوز في الداخل يساعد والده في بيع الخبز. حميد يناديه. يلمحهم عزوز فيخرج إليهم. عزوز: ماذا? حميد: قررنا أن نذهب ظهر اليوم إلى السينما.. هل تأتي معنا? عزوز: أكيد. يهم عزوز بالعودة إلى الفرن. يستوقفه حميد.. حميد: إنتظر.. يتوقف عزوز ملتفتاً إليه في تساؤل.. حميد: نحن مفلسون تقريباً.. عزوز: لا.. في المرة الأخيرة كاد أبي أن يذبحني عندما اكتشف أني اختلس من المحل.. حميد: تصرف.. عزوز: لا استطيع.. هدّد بأن يعلقني في مروحة السقف.. ويعود عزوز مسرعاً إلى الفرن خشية أن يغويه رفاقه, عارفاً أنه سوف يضعف إن هو أطال بقاءه بينهم. يتخبط الرفاق في الحيرة برهةً ثم يعودون خائبين, وبعد بضع خطوات يلمح حميد شخصاً قادماً فيشير إليهم بالتوقف. إنها خلود مقبلة من الجهة الأخرى بخطواتها الخرقاء, قاصدةً الفرن, وهي تردد بصوت عالٍ وناشزٍ أغنية شعبية محرّفة كلماتها بطريقة مضحكة. يقترب منها حميد وقد لبس قناع التملق والخبث, فيما يقف الآخرون جانباً مراقبين ما يحدث بشيء من التوتر... حميد: ها خلود الحلوة, إلى أين أنت ذاهبة? تتوقف خلود وهي ترمقه في إرتياب.. خلود: لماذا تسأل? حميد: مؤكد أنك ذاهبة لشراء خبز.. خلود: (مستغربةً) وكيف عرفت? حميد: أما نحن, فذاهبون اليوم إلى السينما. خلود: حقاً?! خذوني معكم.. يتظاهر حميد بالتفكير والتردد ثم.. حميد: لا.. صعب.. فكرة الذهاب إلى السينما تستحوذ على خلود التي تنسى أن هناك عروضاً خاصة للنساء ولا يسمح لها بالدخول مع الأولاد.. خلود: ليس صعباً.. حميد الله يخليك, دعني آتي معكم.. حميد: (مبدياً استسلامه لرغبتها) طيب.. سنأخذك معنا.. أين نقودك? خلود: عندي روبية, سأشتري بها خبزاً.. حميد: عليك أن تختاري.. بين السينما والخبز.. لو كنت مكانك لفضلّت السينما. خلود: لكن عمي حمدان سوف يذبحني.. حميد: قولي لهم أنك أضعت النقود أو.. أو أن شخصاً سرقها.. خلود: (تفكر ثم تهز رأسها نفياً) لا.. لن يصدقوني.. سيعرفون. حميد: (متضايقاً) أنت حرة.. سنذهب بدونك.. يتظاهر حميد بعدم الاهتمام, يهم بالإنصراف عنها. خلود تفكر قليلاً, ثم تناديه. خلود: حميد.. حميد يستدير ناحيتها وقد تيقّن من فوزه. خلود تبدو مترددة, تنظر في حيرة إلى القطعة المعدنية المستقرة على راحتها ثم إلى حميد ثم إلى القطعة مرة أخرى, إلى أن تحسم الأمر أخيراً فتمد راحتها نحو حميد وهي تشعر بشيء من الخوف.. خلود: خذ.. لكن لا تخدعني.. حميد يلتقط القطعة بسرعة قبل أن تغير رأيها. حميد: عيب يا خلود.. هل خدعتك من قبل? خلود: كثيراً. الرفاق كانوا يتابعون ملهاة الإحتيال في ارتياب ففضول فابتهاج. وحميد يدير رأسه فيقع بصره على شخص مقبل صوبهم. إنه الآن يتفرس في انبهار بالغ وعيناه المفتوحتان على سعتيهما منجذبتان كلياً إلى الشكل البشري الطالع كالسراب من سديم الخرافة, القادم كالغواية من مهبّ خفي.. ويتمتم حميد هامساً في إعجاب غامر: سلطان.. وسلطان رجل في الثلاثين, نحيل الجسم, أسود البشرة. في العراك, يخشاه الجميع لعنفه وشراسته. نحافته تخدع الخصم الغريب عن الحيّ فيثق بانتصاره ويطمئن إلى تفوّقه غير أن كل هذا ينهار فجأة مع أول لكمة أو ضربة بالرأس يتلقاها من سلطان فينبجس الدم ويتدفق مع الضربات التالية المتلاحقة. أما في أحواله العادية, فإنه ودود ومتواضع, مرح وكثير المزاح. والبعض يحتار في تفسير إزدواجية هذا الرجل, في فهم طبيعة التعايش بين العنف والوداعة في ذات لا ترى في سلوكها أي التباس أو غرابة.. ذات تملي على شِباك الجهات هيبة المجازفة فيما تنثر دعاباتها كالريش, ولا تأبه للجدل. لكن حميداً يرى في سلطان الأسطورة الحية المتحركة, البطل الذي ينتصر دائماً, النموذج الذي يرغب في الاحتذاء به ويحلم أن يكونه عندما يكبر. افتتانه إفتتان بالبطولة والبسالة والعنف. يوماً سوف يشدّ أذيال الطرقات بقبضتيه ويدفعها نحو موقد الطاعة.. هكذا يفكر حميد.
7
فناء بيت حمدان العامر - المسقوف بظهيرة تقضم أطرافها من الضجر - يشهد انقضاض حمدان على خلود التي تحاول حماية وجهها بذراع هشة لا تقدر أن تحمي أو تدافع. مرتجفة وفي عينيها ما يشبه الرمل أو الملح, طافحة بالتأوه والنشيج, عاجزة عن الإفلات من اليد القابضة كالقيد على رسغها, القابضة كالكيد على محنتها. وهو يلهب كيانها الهزيل بالضرب والإهانة, بالشائن من الكلام. يا للبراءة التي تلهم جلادها صنوفاً من البطش! البراءة التي تتكئ على يأسها وتنتحب. من جوفها, من أحشائها, يدوّي صوت لا يُسمع, يتوسل إلى هذا الأقوى أن يكفّ عن إيذائها وإذلالها. ولا يكفّ حمدان إلا حين تتدخل زوجته, الممتلئة الجسم, وهي تردد في رجاء: يكفي يا حمدان يكفي.. ذبحت المسكينة. ثم تحشر نفسها بينهما لتفصل بينهما, لتبعد الغضب والضغينة عنها, وخلود تتمترس خلفها مرتعدة من الخوف, والوجع يدبّ في أنحائها. يصرخ حمدان مرتعشاً من فرط الإنفعال: أبعديها عني وإلا سلخت جلدها. تأخذها المرأة من يدها فتسير إلى جوارها خائفة ومتهدجة وتكاد أن تلتصق بها التماسا للحماية ثم لا شعورياً ترفع خلود رأسها للحظةٍ مختلسة النظر إلى السماء لعلها تلمح رفيقها القمر يطل عليها بوجهه الباسم الأليف مهدهداً أهدابها المثقلة بالملح لكنها لا تلمح غير ظهيرة محدودبة تخلع قميصها فتتساقط عناقيد العرق. تهمس لها المرأة موبخةً: تستحقين ما ينالك.. لو لم يضربك لفعلت أنا ذلك.. لماذا تدعين الأولاد يحتالون عليك?!
وعندما تحتويها غرفتها الفقيرة الأشبه بصدفة موحشة, وتدرك أنها وحدها, تجلس على طرف السرير متحسسة مواضع الوجع الغائرة في جسمها. تتلفت ثم فجأة تطلق ضحكة غامضة يصعب تفسير معناها أو تأويل دوافعها.. كأنها تدفن أوجاعها في الضحك, أو كأنها تترجم الوجع بلغة لا يعرفها أحد غيرها.. أو ربما هي الصرخة المموهة التي ترفع قناع المرح كلما أحاطت بها الفخاخ, أو لعلها بالضحك توقظ الدعابة لتثأر لها من مهازل الحاضر, غير أن أي تخمين أو افتراض يشكمه الإرتياب.. أمام ضحكها المتواصل الذي لا يتوقف.
8
الظهيرة ذاتها, التي كانت تقضم أطرافها في ضجر, تقمط الآن بيت حميد بقماط منسوج من أنفاس الشمس اللاهبة.. ولا من يدٍ سماوية تهز هذا المهد. داخل الحجرة تجلس العائلة على البساط حول أطباق الرز والسمك والخضار. يخترق حميد الصمت الرابض في المكان, ملتفتاً إلى شقيقه عبدالقادر الجالس إلى يساره, موبخاً بصوت عال, واللقمة معلقة في الفراغ قرب الفم. - ألم أحذرك من أخذ أشيائي? لا يجيبه عبدالقادر إنما ينهره الأب: - لا تصرخ.. تناول طعامك وأنت ساكت.. - أبي.. إنه دائماً يأخذ أشيائي ويضيّعها.. ثم يلتفت إلى شقيقه ويصفعه على مؤخرة رأسه.. الأب يصفع حميد على مؤخرة رأسه, لكن ليس بشدة, وينهره بشيء من الإنفعال: - لا تضربه.. إنصحه بلسانك لا بيدك. حميد يواصل الأكل, غير متأثر بالعقاب, كأنه تعود على ذلك, كأنه حدث عادي ويومي لا يستحق أن يؤخذ بجدية أو بحساسية. زينب جالسة وحدها على بعد مسافة. لقد اعتادت أن تأكل وحدها بعد أن ينتهي زوجها وابناؤها من تناول الطعام. هكذا تربّت, هكذا علّمها الأهل ألا تشارك زوجها الطعام. ولا أحد من الأبناء يعرف السبب, لا أحد منهم تساءل إن كان هناك تفسير ما لهذا السلوك, فقد تقبلوا الأمر على أساس أنها عادة أو عرف أو تقليد متبع في كل بيت ومنذ الأزل. تأويلهم الوحيد, النابع من الحدس أو الغريزة, أنها تريد منهم أن يشبعوا قبل أن تأخذ حصتها, وهم يعلمون أنها تدير شؤون العائلة برحى الصبر وبإنكار للذات. زينب الآن تنظر أمامها صامتة, محدّقة في رنين الفقد الذي يداهم روحها ويجتاح خلاياها. ثمة حزن شفيف يطرق أجفانها ثم يسري خفيفاً في مقلتيها ويترقرق. حزن مقترن بغياب يسرف في الغياب فيستفحل الحنين والشجن: حمزة, إبنها البكر والوحيد من زواج سابق والذي تيتّم صغيراً. الأكبر من حميد بخمس سنوات. ذو الطبع الحاد, والمتدرّع بشبابه وبأسه وعناده. ذاك الذي - مع أشباهه - شتّت في الطرقات دويّ معاركه التي لا تُحصى, جاهراً بالعنف والمجازفة, ناثراً هنا وهناك طيشه ونزقه, ذاك الذي رشق بيت الملا سعود, معلم القرآن, بالحجارة وروث الحمير لمجرد أنه ضرب حميداً بالعصى فأبكاه, ذاك الذي يقرع مهود السكينة بحربة الفوضى, ويخضّ الشبابيك النائمة بعويل اليقظة, ولا يروضه أحد.. تشاجر قبل أسابيع مع زوجها عقيل - الذي وبخّه بقسوة بعد تزايد الشكاوى الموجهة ضده من ضحايا عنفه وشقاوته - فخرج من البيت مضرجاً بالغضب وقرر ألا يعود. يرهق زينب هذا الغياب المستبد, يرهقها ويضرم فيها الحزن والشرود, والنفس تستدرج ظل حمزة ورائحته وخطاه إلى حضن يعجّ بالهبات المؤجلة, لكن الخطى تنأى بلا رأفة, والظل يركض خلف صاحبه, ووحدها الرائحة تلبث كالعلامة في عراء الحنين. الآن, بعد كل هذه السنوات, حين أنظر إلى حمزة وأتأمل وداعته ورصانته, فإني أبحث في داخله عن ذلك الفتى الشارد مع صخبه وعنفه وأيامه الغضّة في أروقة انزاحت عن خارطة العمر لتستقر على ضفة ماضٍ بعيد يتأرجح بين الذاكرة والنسيان, ماضٍ لن يطفو ثانيةً في حلبة الحاضر. أنظر وأتساءل عن تقمصات الكائن وتحولاته, عن إيوائه للأدوار وانتحاله للأدوار, عن الرحلة المجهولة في غابة المرايا حيث كل إقليم يسنّ شرائعه وعاداته, عن القدر الذي يترك آثاره أمامنا دون أن نراها, والصدفة التي تلهو بنا لكي نلهو بها, عن نحن والآخرين والعالم.. فلا أزداد إلا جهلاً والتباساً.
9
الظهيرة ذاتها, التي كانت تقضم أطرافها في ضجر, تحمحم الآن خارج بيت من السعف وسط حيّ نائم مع ضميره. بيت طاعن في الزهد يتوسد محنته غير مكترثٍ بحيٍّ لا يكترث به, ويعرف أنه منذور للحريق. بيت تدخله من باب ينفتح كالأنين على الأنين, وتقودك خطاك المترددة إلى حوش يصيخ, في حياد, إلى رذاذ كراهية - لا تعرف كيف تموّه نفسها - تنزّ من جلود ثلاثة أشخاص يتقاسمون الغداء: رز وعدس. الحكاية ذاتها عن: أبٍ عاطلٍ عن العمل, متبلّد الحس والعاطفة. فظ وأناني. يتمرّغ في الكسل فاقداً إيمانه بكل شيء. لن يرحمك من في الأرض ولن يرحمك من في السماء - هكذا كان يقول - والفقراء يموتون سريعاً وقبل الأوان, ولن يدخلوا الجنة أبداً.. فمن أجل ماذا نفني أعمارنا القصيرة? الخمرة ولعه الوحيد. إدمانه على الكحول يجعله يفرط في إهانة أسرته الصغيرة وممارسة القسوة اللامبررة ضدها. وكلما ترنح سكراً, ترنّح العالم أمامه ليتداعى على مهل. أم لا تملك ما تزهو به. بشرة داكنة وقسمات غير ملفته. حياة موسومة بالشظف. في الخارج, في بيوت الآخرين حيث تخدم, تثرثر كثيراً وتسخر كثيراً, ويعلو ضحكها متباهياً بطيشه وخفته. أما في بيتها فتلتجئ إلى الصمت وتعتكف مع الهال والزعفران. كأنها تقسم كيانها إلى نصفين: نصف ينطلق على سجيته بلا حرج ولا كوابح, ونصف يجنح إلى التقشف في كل شيء حتى في الإبتسام. وإذ يرجمها زوجها بالهموم, تؤرخ بالشكوى الرخوة أيامها المتورمة. بينهما يرتجل مفتاح العصيان على أبوّة تتخثّر على هامش الأبوّة منزوعة العاطفة, مثقوبة الحواس, تترجم إخفاقاتها إلى ضغينة موجهة ضد الجميع, وضد الذات قبل الجميع.. وعلى أمومة مدحورة تتقهقر إلى صدفتها كلما مسّتها شظية ولا تعود تصغي إلا لحوار النفس. ومفتاح لا يتجانس إلا مع أقران يخوضون شتات الروح بخطى رنّانة تتحيّن الغفلة لتعتنق الرعونة. غير أنه الآن يصغي إلى ما تفرزه اللحظة المتوترة من إهانة مرتقبة: الأب: (في هدوء ينذر بالويل) اليوم أنا مفلس.. الأم: أنت مفلس كل يوم.. الأب: إفهمي يا غبية.. الأم: ما عندي.. الأب: وهل تخدمين في البيوت مجاناً? الأم: عندي القليل.. بالكاد يكفي لشراء ثوب للولد.. الأب: مفتاح ليس محتاجاً.. لديه الكثير من الثياب.. مفتاح: لا يا أبي.. أريد ثوباً.. الأب: أسكت أنت.. لا تتدخل. (بعد لحظات صمت) الأب: ما بال الرز ليّن هكذا.. حتى الطبخ لا تجيدينه.. ماذا تجيدين إذن? مفتاح: ليس ليّناً.. إنه مثل كل يوم.. الأب: قلت لك أسكت.. ألا تسمع? الأم: تعوّذ من إبليس ودعنا نأكل لقمتنا.. (الأب يملأ قبضته بالرز ويرميه في وجه الأم) الأب: لأني تسامحت معك صرت ترفعين صوتك أمامي.. يجب أن تلزمي حدودك. (في هدوء واستسلام تمسح الأم ما تناثر من الرز على وجهها وثوبها, خافضة رأسها, عارفةً أن كلمة واحدة منها سوف ترفع درجة الغليان. مفتاح ينظر إلى أبيه في غضب عارم مرةً أخرى يملأ الأب قبضته بالرز ويرميه في اتجاه الأم) الأب: تسمين هذا رزاً.. إنه شيء مقزز.. (مفتاح يهم بالإنقضاض على أبيه) مفتاح: كفّ عن إهانة أمي.. (لكن الأب يعاجله بصفعة قوية تطرحه جانباً على الأرض. الأم تنخرط فجأة في البكاء. الأب ينهض منفعلاً ويتحرك مبتعداً. مفتاح, وقطرات من الدم تتجمع في زاوية فمه, يمسح الدم بظاهر كفّه, وهو يوجّه صوب أبيه نظرة مشحونة بالكراهية).
10
الظهيرة ذاتها, التي تقضم أطرافها وتقمّط بيت حميد وتحمحم خارج بيت مفتاح, تكتسح الآن سطح بيت طيني, وكريم الأعرج جالس في قفص كبير صار بيتاً للحمام. بين يديه حمامة يتأملها في ولع ثم يدني منقارها من فمه ويلقمها لعابه. يبتسم لها: - أعرف أنك تودين الخروج والتحليق في الفضاء, لكن هذا مستحيل. يجب أن تتعودي على المكان أولاً, تألفيه جيداً, حتى إذا خرجت تعودين طوعاً.. لأنه بيتك. يأتي صوت أبيه زاعقاً, حانقاً: - كريم.. وكريم يسمع النداء لكنه لا يكترث كثيراً, إذ يدير رأسه للحظة ناحية مصدر الصوت ثم يعود ويواصل مخاطبته للحمامة.. - هل تفهمين ما أقول? هنا تحصلين على كل ما تحتاجينه: ماء, شعير, مسكن, أنيس. هناك, في الخارج, لن تجدي شيئاً.. سوف يلاحقك الجميع بمقاليعهم وفخاخهم.. وإذا رآك مفتاح فسوف يقتلع عينك بالحجارة.. مفتاح صديقي وأعرفه جيداً.. لا يرحم طائراً. مرةً أخرى يأتيه صوت أبيه.. غاضباً ومتوتراً. - أنت يا أحمق.. ألا تسمع? كريم يدير رأسه نحو مصدر الصوت, ويزفر في ضجر.. - نعم, ماذا تريد? - إنزل وتغدى, وإلا صعدت إليك ورميتك خارج البيت. كريم يضع الحمامة جانباً, ينهض ويغادر القفص بلا حماس.
11
الظهيرة ذاتها تطوّق صالة السينما المكتظة بجمهور غير متجانس جاء ليحلم. العرض لم يبدأ بعد, لذلك يندلع الهرج وتعمّ الضوضاء ويتراشق البعض بالأوراق أو بالشتائم البذيئة التي لا يُقصد بها التجريح بل الممازحة, والبعض ينشغل بأحاديثِ جانبية لا تقل صخباً عن البذاءات المبعثرة هنا وهناك. إحتفال, أو ما يشبه العيد, يتحالف فيه الجميع, أو الغالبية, مع الفوضى المغوية. إختلاط مترف لشتى الأمزجة والطبائع والأذواق. ولا أحد يحتج أو يتذمر, كأنه طقس موروث لا ينبغي المساس به. حتى أن أحداً لا يحتج عندما يقعي شخص ما في مكانه ويرش بوله على الأرض منبهاً الجالسين أمامه فيرفعون أرجلهم عن الأرض, دونما تذمر, لئلا تعترض أقدامهم مجرى البول. وما إن تُطفأ الأنوار, وتجتاح الظلمة أحشاء الصالة, وتنبجس من المستطيل الفضي الشعاعات الأولى, حتى تنزاح فلول الفوضى فجأة ويخيّم صمت كصمت فضاء مهجور فلا يعكّر السكون كلام ولا همس, ويصير كل من في الصالة أشبه بناسك معتزل.. لبعض الوقت. هذا التحوّل الطقسي المفاجئ هو سفر جماعي في الزمان والمكان معاً.. هجرة لا تكتمل إلا بمصادرة الوعي وتحييد الإرادة. وجوه حميد وكريم وزكريا ومفتاح وعزوز مشدودة إلى الشاشة في انبهار. الأعين شاخصة إلى مرآة الأشباح والظلال, مأخوذةً بما ترى. الأفواه فاغرة كنوافذ صغيرة تطل على نبع الصور. ومع تتابع الصور السريعة, المتلاحقة في هذيان بصري, تتقلص عضلات الوجه وترتخي, تنفرج الشفاه وتنطبق, تتغضّن الجباه وتنبسط, تترقرق المقل وتجف, تختلج القلوب وتهدأ. وحميد ينسى أنه حميد, إذ ينسلخ من جلده منتحلاً هيئة أخرى وهويةً أخرى, ويذهب وينأى ويغيب ويتماهى مع ذلك الكائن السماوي, القاطن فضاء الحكاية أو الأسطورة, الذي يشدّ قوسه ويشكّ بسهامه صدور الأعداء, وفي لمحةٍ يصل المغامرة بالمغامرة. ذلك البطل في العراك وفي الحب ينتحل الآن وجه حميد. كنت ألج, بلذّةٍ لا تضاهى, عالماً سحرياً تتبدّل فيه الأماكن كل لحظة, يتعاقب فيه الليل والنهار بومضة خارقة فيصبح الزمن أكثر إختزالاً وكثافة. لا رتابة ولا ضجر. وحدي هناك مع بشر أعرف نواياهم ولا يعرفونني, يرتادون الغرف المعتمة والمضيئة. أترصد لصق باب مخدع تبكي فيه الأميرة قهراً, أو أدخل كوخ امرأة عجوز تضمّد جراح بطل لا يُقهر, وخطفاً أنتقل من وادٍ إلى نهر, أو أطوف الغابة داخل عربة ملكية يحرسها جنود مدججون. عالم آخر, آسر, أكثر بذخاً وتشويقاً.. ينتزعني من الرحم المظلم ليلقم حدقتيّ رخاء الصور, ومن حلمة المشهد أرضع حليب الحلم.
12
للمساء في حجرة خلود لون البنفسج. للمساء نكهة عصافير مبللة بالثلج. مساء منمنم ينحني مثل أب عطوف ليتواطأ مع الأشياء التي لم يمسّها الضوء, وليطوّق بحنانه عزلة خلود الجالسة قرب سريرها تمشط شعر دميتها الصغيرة, ذات اليد الواحدة, وهي تهمهم مرددةً مقطعاً مبهماً من أغنية مبهمة. والمساء يصغي ولا يفقه مثلما يفقه لغة المطر والريح, لكن لا يعبأ كثيراً فحسبه أن يشاطر الوحيدة وحدتها ويحجب عنها دسائس النهار. فجأة تكف خلود عن الهمهمة وتحدّق أمامها في الفراغ المرقّط كما لو باغتها - دون أن تجفل - حضورٌ ما. ليس مرئياً هذا الحضور. ليس له ظل. إذن ما الذي تراه الآن هذه الفتاة الناشرة مصيرها على شفرة المصادفات? ما الذي يجوس بداخل هذي المستجيرة بالمساء من هجس وانشقاق ورؤى لكي يستدرجها المجهول إلى رحابه? إلى ماذا تنظر - رهينة الطفولة - عبر الفراغ الذائب.. أ إلى حاضر ملغوم يشدها من ضفائرها صوب جرْف موبوء بالضغينة, أم إلى ماضٍ مدججٍ بصورٍ عجولةٍ لا تكاد تظهر حتى تختفي في تعاقب خاطف? صور تخذل ذاكرتها المرهقة فلا تلمح منها غير وجه باهت ينتسب إلى أمومة مهدورة في برزخ الغيب. وجه ضبابي, عائم في قرمز الوقت, مراوغ ويستعصي على الإمساك. كم وجهٍ إرتاد نومها منذ أن كانت صغيرة! كم وجهٍ إجتاح أحلام اليقظة وبلبل حواسها! وكم مرّةٍ بكت لأنها لم تقدر أن تتعرّف على وجه أمها. لا تعرف خلود إلا اليسير عن ماضيها, أو ربما لا شيء. مراراً سألت والأجوبة كانت شحيحة. بالأحرى, كانت مضللة لأنها إزدادت تشوشاً والتباساً. كيف يمكنها أن تفهم هذه التي تمسّد هبات الأنوثة دون أن تفارق قميص الطفولة. تعبت وضجرت وما عادت تسأل. لكن في لحظات معينة, كهذه اللحظة المربكة, تسكن خلود فجأة موجهة بصرها إلى ناحية ما, وتظل محدّقة في الفراغ ثوانٍ أو دقائق. ما الذي تراه الآن? ما الذي يتراءى لها أو يخطر لها? لم ظلٌ من الحزن يطفو على محيّاها, فيشيح المساء مضرجاً بآهة كادت أن تنفلت بلا رادع?
13
المساء الوديع ذاته, الناثر - في احتشام - أشكال العتمة في جهةٍ وأشكال الضوء في جهةٍ, هادئاً يدخل الغرفة الصغيرة, الأنيقة رغم تواضعها, وعلى مهل يدنو من ذات الضفائر المبتلّة برشَاش الحب, الكامنة قرب النافذة تطلّ سراً خشية أن يراها أحد, وملامحها السمراء الطفولية تشفّ عن سبعة عشر عامٍ. عفاف إسمها, وحيث تطل عفاف يطل المساء ويبصر جانباً من الطريق, تحت مصباح البلدية, وقد تحوّل إلى حومة للقمار واللاعبون يوزعون الورق ومعها يوزعون الربح والخسارة بلا عدل, فالحظ وحده سيّد الحومة. ليس الفضول من يحضّ عفاف على اختلاس النظر, ولا الضجر. إنه ذلك الإنجذاب الغامض الذي يتردد في البوح بل وحتى في الإفصاح عن نفسه. إنه ذلك الخيط الضوئي - اللامرئي - الذي يشدّ البؤبؤ إلى بؤرة الإفتتان.. لكنه إفتتان محتشم وخجول, فالبؤرة التي يحتلها حمزة لا تبدو أنها مدركة لما يجري خارج مجالها الضاج: عينان مترعتان بالخَفر وبالحذر لكن منذورتان إلى ذلك الغافل وحده - حمزة - الجاهل في تلك اللحظة بحضور حب أخرس يطل عليه, ومعه يطل مساء حنون. لكن, كالعادة, كان لا بد لتلك البرهة أن تحتدم بالتوتر والإنفعال, فيعلو صياح حمزة بغتة, شاتماً ببذاءة خصماً له, وسرعان ما تتحول المشادة الكلامية إلى عراك عنيف بالأيدي. على عجل توصد عفاف النافذة كي لا تسمع ولا ترى, توصد قلبها لئلا ينجرح قلبها. مرةً أخرى يخذلها برعونته وحماقاته, فتتحرك خائبة نحو سريرها وفي عينيها سيل من العتاب. أما المساء فيغضّ ويتغاضى عن هفوات المحبين.. وهكذا يفعل منذ عهود.
14
ليلٌ ملولٌ يحك زغبه الأرقط وهو يتلفت شاخصاً إلى بيوت أشبه بأصداف فضية رابضة بين نوم وسهر. ثمة حجرة شاحبة أهمل قاطنوها شحذ جوانبها وصقل سقفها فتبدو كالمتروكة فريسة أزمنة تتناوبها نهباً نهباً.. حجرة يتسامر فيها الضوء والعتمة حتى الضجر. وعقيل يلوذ برائحة القهوة التي لم تعد تهبّ من قعر الفنجان لتنفذ عبر كل مسام في جلده فتثير للحظةٍ خالدةٍ نشوةً لا تضاهى يستحضر من خلالها زمناً رخياً كان قد مضى بلا رجعةٍ, وها يقرع الحَلَبات المدرّعة بالشكوى فلا يجيبه غير دويّ أبكم. وزينب المثقلة بهموم نهار مضى وئيداً وتركها تلتقط بأصابع غضّة ما يتساقط في شِباك اليوم من نِعَمٍ ومن محن, وهي الآن تنظر بطرْفٍ إلى زوجها الجالس أمام زوبعة لا مرئية ضاماً شؤون الحاضر بين كفيّه لكنها تندلق كالمياه. تسكب زينب قليلاً من القهوة في فنجانها وتسأل: - هل مررت على أخيك? يهزّ عقيل رأسه بالإيجاب - كيف هو? - كما هو.. لم يتحسّن بعد. يقول الطبيب أنه يحتاج إلى وقت. - الله يشفيه.. يرتشف عقيل قهوته, ويظل صامتاً لدقيقة ثم كما لو إنتبه فجأة: - أين حميد?
15
وحميد كان, وقتذاك, يجتاح مخادع الليل عدْواً مع رفاقٍ منشقين عن وصايا الأهل, مأخوذين بالهرج والضجيج, يطرقون شرايين الهدأة بمطارق المجازفة ولا يحتكمون إلا إلى عصف مسرف في العصيان. يشعلون مرايا الليل ويهرولون حول المنازل كثعالب صغيرة أو كظلال تتواثب في سعار كأن بها مسّ. وتحت ضوء مصباح عليل لا ينير إلا الحيّز الذي يسع أشكالهم المتراصة, يتقاذفون الحكايات والنوادر - عن شؤون الحيّ وشجعانه ومجانينه - ويتبادلون الضحكات المجلجلة دونما رادع. أو يركضون رافعين أعمارهم شفاعةً, وفي ركضهم يضرمون اللهاث ويرهبون الأزقة الساهرة بهتاف وحشي.. كأنهم اندلاع لفتنة كانت غافية فأيقظها هدير الطعنة. من يراهم, في تلك الساعة, يلجون كوى الليل مثل غبار فاحش, يقول لنفسه: ما هؤلاء إلا براعم تتوكأ على أوتاد الغواية وترتجل المكائد. وها هم ينسجون من خيوط الفكاهة مكيدة لحارس ليلي كان - قبل ساعةٍ - يسهر على طمأنينة الطريق قابضاً بإحكام على أعنّة الجهات مثل سائس محنّك فلا يمرّ بين يديه سرٌّ إلا وأفشاه. أما الآن فقد ترك اليقظة واصطفى الغفوة فيما هو جالس على كرسيه فاغر الفم, مغمض العينين, ويشخر. يحلم? بلا سرير ولا وسادة? من يشخر لا يحلم. لكن من يدري? ربما يعتكف الآن مع حلم فيما يرتقيان سلالم النوم. ربما يرى نفسه في حقلٍ ما يحمل سلة ملآى بالرمّان. ويدنو مفتاح من الحارس على مهل وبحذر شديد, وعندما يوشك فمه أن يمسّ أذن الحارس, يطلق فجأة صيحة حادة تخترق قشرة النوم وتقوض أي حلم كامن, والحارس يصحو مفزوعاً ليجد أمامه قناعاً مخيفاً لا يشك للحظةٍ أنه قناع بل يحسبه وجه وحش ينوي إيذاءه, فيطلق بدوره صيحة فزع ولا تمهله المباغتة ليميّز بين الحقيقة والوهم إذ يخرّ مغشياً عليه. فينفجر الأولاد في ضحك صاخب, ويخلع زكريا قناعه المخيف وهو مستغرق في الضحك.. ضحك ماجن لا يعبأ بأي وشاية.
16
الباب, غير المقفل, ينفتح ببطء وتوجس.. كما لو ينفتح على خلاء آهل بالفخاخ. ويطل حميد المبتل بأنداء الليل ماسحاً بنظراته الخرقاء حدود البصر المغطاة بعتمة منمشة, يستطلع محاولاً التأكد من خلوّ الحوش. يدرك أنه تأخر كثيراً وأن العقاب - إذا ضُبط متلبساً - لن يكون يسيراً. تستدرجه الجداجد فيدخل متسللاً, مراهناً على سلطة النوم, محاذراً أن يرتطم بشيء أو يصدر صوتاً. يتحرك وكأنه يمتحن بأسه. يغمس خطواته في أرض ملغومة مستجيراً بالعتمة. أنفاسه ترتطم بما حوله. فجأة يسمع الصوت الذي لم يرغب أبداً في سماعه تلك اللحظة.. صوت أبيه الحازم, القاطع, الذي لا مهرب منه.. يناديه: حميد. فيتوقف متجمداً في استسلام. لا يشعر بالذعر بل بشيء من الرهبة, شيء من الخضوع لاستبدادية اللحظة. من جديد يصله الصوت الآمر: تعال. أبوه واقف جانباً ينظر إليه في حدّة متفحصاً حجمه, شكله, هيكله, لباسه, روحه.. مستجوباً غباره وقناعه. فيدنو منه حميد, ومنه أيضاً يدنو الإلتباس والمهادنة والغصن الغضّ. وما إن يقف قبالته حتى يعاجله - قبل السؤال وقبل العتاب - بلطمة لم تخطئ الخد. يميل الغصن الغضّ فيميل المكان قليلاً. اللطمة توجعه لكنها لا تبكيه, فقد اعتاد عليها وعلى مثيلاتها. وبلا سؤال وبلا عتاب, يأمره الأب: إذهب ونم. يغادر حميد على عجل مهرولاً صوب الحجرة, صوب الغياب, صوب النوم. - نم يا حميد.. - بالله دعوني أحلم لكم هذا الحلم..
17
(حلم رآه حميد تلك الليلة) لم تكن الأيائل, الموشّاة جباهها بالحناء, تعرف أين تذهب في حلم النائم في طمأنينة تحت ظل الصفصاف, على أعشاب طريّة كانت تحاور همساً أصداء المياه البعيدة..< |