لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 

كتاب الجهة
كتاب الجهة

جهة الأسبوع





































الوجه والظل
في التمثيل السينمائي

ترجمة وإعداد: أمين صالح

مقدمـــه

الوجه والظل في التمثيل السينمائيهذا الكتاب لا يعني كثيراً بالدراسات النظرية - من وجهة نظر نقدية - حول فن التمثيل السينمائي، والتي هي قليلة جداً قياساً إلى تلك الدراسات والبحوث والنظريات التي تتمحور حول فن التمثيل المسرحي، بل يحاول - الكتاب - سبر هذا الفن وكشف مختلف جوانبه واتجاهاته وأساليبه وعلاقاته بالعناصر الفنية الأخرى، وذلك من خلال التركيز على آراء وشهادات السينمائيين أنفسهم من ممثلين ومخرجين وفنيين، لاعتقادنا بأن هؤلاء أقدر من غيرهم على كشف خاصيات وخفايا فنهم، حيث أن هذه الآراء والشهادات نابعة من تجاربهم الخاصة.. المهنية والحياتية.

هذا الأمر استدعي بالضرورة الإطلاع على عدد كبير من المقابلات الصحفية مع الممثلين، والمنشورة في المجلات السينمائية، الأمريكية والإنجليزية تحديداً، إضافة إلى بعض الكتب المتصلة بالتمثيل السينمائي. وكان طموحنا هو الإحاطة بكل، أو على الأقل، بأغلب ما يتصل بالتمثيل.. ففي هذا الكتاب نحاول رصد المفاهيم المتعلقة بالتمثيل وبواعثه وعناصره ومصادره وتقنياته وتأثيراته وتحولاته، إضافة إلى علاقته بالكاميرا والإخراج والسيناريو والمونتاج وبقية العناصر الفنية الأخرى، وكذلك المظاهر المتعددة التي تتصل بالتمثيل.

ونود الإشارة هنا إلى ندرة الدراسات والبحوث بشأن التمثيل السينمائي، فالمصادر - الأجنبية والعربي- قليلة جداً وهي في أغلبها تتعرض للسيرة الذاتية للمثلين مع استعراض سريع لأعمالهم دون التعرض لمفاهيمهم وآرائهم حول طبيعة المهنة وما يتصل بها من علاقات وإشكاليات. وحتى الأحاديث الصحفية نلاحظ بأن أغلبها تهتم بأشياء هامشية تتعلق بالحياة الشخصية أو بالشائعات وغير ذلك، والقليل جداً من هذه الأحاديث تضيء مظاهر جوهرية في التمثيل.

عبر هذا الرصد لمختلف مظاهر وقضايا التمثيل، نسعى إلى تقديم صورة واسعة وواضحة لهذا الفن، من داخله، وليس من خلال تصورات وتقييمات وأحكام مفروضة من الخارج. لهذا فقد آثرنا عرض الصورة بموضوعية تامة دون اتخاذ موقف نقدي، ودون الانحياز إلى موقفٍ ما أو وجهة نظر معينة، سواء اتفقنا أم اختلفنا مع الآراء المطروحة، فلكل وجهة نظر مبرراتها ومنطقها وحتى فلسفتها. وفي التمثيل، بالذات في جانبه التطبيقي، النتيجة النهائية هي المهمة، فما نراه مجسداً على الشاشة من أداء هو ما يثيرنا ويحرك مشاعرنا ويدفعنا إلى التفاعل أياً كان منهجه أو رأيه أو موقفه.
أيضاً سوف يلاحظ القارئ بأن ثمة وجهات نظر عديدة متناقضة ومتضاربة في مختلف الشؤون المتصلة بالتمثيل من مفاهيم وممارسات، وذلك لسبب بسيط: أن هناك أساليب ومناهج وطرائق ورؤى متنوعة ومتعددة حسب تنوع وتعدد التجارب الشخصية لكل ممثل، والتي هي تجارب متباينة ومتعارضة بطبيعة الحال، لأنها تنطلق أساساً من خلفية وموقف ورؤية فردية خاصة على الصعيدين العملي والنظري. بالتالي، نحن هنا لسنا في مجال المفاضلة أو الانحياز لراوي ضد آخر.

مادة هذا الكتاب تتألف من مقتطفات منتقاة من مقابلات وشهادات ومقالات ودراسات في مجال التمثيل السينمائي حيث الممثل، أو السينمائي، يتحدث أو يؤول أو يشرح وجهة نظره الخاصة قفي أحد أوجه أو مظاهر التمثيل.

إن فن التمثيل السينمائي حقل بكر - معرفياً - ولم يتعرض للارتياد والسبر في وسطنا الفني، أو الثقافي، على الرغم من ثرائه وأهميته. نحن جميعاً نشاهد الأفلام، وربما يتابع الكثيرون منا أخبار النجوم أو قراءة المقالات النقدية حول الأفلام، لكن القلة تعي كل القضايا والإشكاليات والمظاهر المتصلة بالتمثيل، ولعل هذا ما دفعني لإصدار هذا الكتاب الذي أعتقد بأن الآراء المطروحة فيه هي مفيدة وتعمق وعي المتعاملين مع مجال التمثيل بوجه خاص، والمهتمين بهذا المجال بوجه عام.
وآمل أن يثير هذا الكتاب شهية الكثيرين لمعرفة المزيد عن التمثيل السينمائي.

***

مفاهيم وبواعث

ما هو التمثيل؟

في الواقع، يصعب تحديد مفهوم (التمثيل. أو تقديم تعريف واضح ودقيق له، فهو قابل لتعريفات وتأويلات متعددة ومتباينة، وفق منظور كل ممثل ودارس ومنظر.
بعض الممثلين يعترفون بغموض ماهية ومعني التمثيل:

ناستاسيا كينسكي: (لا أفهم ما هو التمثيل إلا حين أمارسه... وأحياناً لا أفهمه حتى عندما أمارسه)
جليندا جاكسون: (التمثيل لا يخدمك بل أنت الذي تخدمه. التمثيل ليس حياة فاتنة أو متعة عظيمة أو شيئاً من هذا القبيل. أنا لا أعتبره لعبةً أو شيئاً تفعله في يوم ماطر، وهو أيضاً ليس استعراضاً للتباهي ولفت الأنظار. قد أعرف ما لا يكونه التمثيل، أو ما ليس له علاقة بالتمثيل، لكنني لست على يقين تام من أنني أعرف ما هو التمثيل. لو سألت أي ممثل أو ممثلة عن ماهية ومعني التمثيل فإن كل ممثل سوف يقدم وجهة نظر مختلفة، والغالبية منهم سوف يقولون: لا نعرف.. إنه لغز متواصل. (1)

جوان وود وارد: (التمثيل أشبه بالجنس.. عليك أن تمارسه، لا أن تتحدث عنه) سيمون سينوريه: (حين يسألونك أن تفسر التمثيل، الكلمات تصبح غير وافية. لا ينبغي أن تفسر هذا اللغز بداخلك)

إيزابيل أوبير: (التمثيل طريقة لتجسيد جفوننا)

كلينت إيستوود: (التمثيل ليس فناً عقلانياً على الإطلاق. إنه حيواني تماماً. إنه ينبع من الجزء الحيواني من الدماغ)

كيرك دوجلاس: (التمثيل خاصية طولية.. شيء يفتقده أغلبنا فيما نتقدم في السن ونشيخ. نحن جميعاً نرتدي طبقة خارجية، مظهراً خادعاً، فيما نكبر. هذا يغطينا، يسترنا، ويعزلنا. لا نكون منفتحين كما الأطفال. نخفي عواطفنا وأحاسيسنا فيما نكبر. لذا فأن التمثيل هو تعلم العودة إلى الطفولة. أن تكون مثل الطفل.. أكثر تفتحاً)

مارشيلو ماسترواني: (أظن أن الممثلين مجرد أطفال يلهون بالإيهام ويقنّعون أنفسهم.. بسبب ذلك تحت تظل بسطاء مثل الأطفال)

جيرار ديبارديو: (التمثيل ليس مهنة، إنه شغف، حيث يبدأ الشغف في الانطفاء، ويزول الحافز، عندئذ لا ينبغي للمثل أن يستمر في التمثيل)

جين مورو: (التمثيل ليس حرفة على الإطلاق.. إنه أسلوب حياة)

بل أن بعض الممثلين يذهبون إلى حد الارتياب في كلمة (تمثيل. نفسها، ويرونها خاطئة، خالية من المعني ولا تعبّر بدقة عن حقيقة ما يفعله الممثل.

يقول الألماني كلاوس كينسكي: (التمثيل عبارة خاطئة. ربما هي موجودة لأنها أصبحت متداولة، ولأن كل شخص يستعملها، لكنني لا أستطيع أن أفهمها أو أن أعترف بها)

ويقول النمساوي كلاوس ماريا براندور: (التمثيل تعبير خاطئ. لا أؤمن بهذا المفهوم. إنك تمارس شيئاً كما لو أنه حقيقي. ويتعين عليك دائماً أن تفتح عينيك وقلبك للعالم من حولك، وأن تجعله حقيقياً.

هنا - حسب اقتراح هؤلاء البعض - يمكن أن تحل عبارة (الكينونة. محل (التمثيل.. إنه لا يمثل الشخصية بل يكونها. لا يؤدي بل يعيش. لا ينتحل أو يحاكي مظاهر وعواطف وانفعالات، إنما يمتزج بالشخصية بحيث تبدو نابعة من أعماق ذاته. هذه الكينونة تبدو بسيطة وصعبة في آن، ذلك لأنها تقتضي من الممثل أن يكون صادقاً في مشاعره، أن لا يزيفها، أن لا يلجأ إلى بنائها. إنها تتطلب ببساطة أن يخلق حالة فيها يتحرر ويكون نفسه، أن يخلق عالماً فيه يصبح الممثل والشخصية شخصاً واحداً.

كلاوس كينسكي يشبّه نفسه بالغابة وهي في حالة تخلّق : (كل ما يوجد، من حيوانات وأشجار وغيوم، تسكن بداخلي لأنني جزء من كل شيء. وكل ما يولد ينبثق من الجزء الأعمق من ذاتي. وإذا أنا استخرجت هذا الدور أو ذاك، فإن ثمة ملايين من الأدوار تظل متروكة هناك. إنني أشعر بهذا جسدياً وحسياً.

حول فن التمثيل السينمائي خرجت بعض النظريات والمناهج والدراسات التي تتناوله من مختلف الجوانب والمستويات. ويمكن من خلال كل هذا استنباط معانٍ ومدلولات عديدة ومتنوعة، وربما متناقضة، ولهذا يتعيّن على المرء تجنب التسليم بمفهوم واحد أو، اتجاه واحد، وتبنّيه وفرضه، بل السعي - عوضاً عن ذلك. إلى تأمل هذا الفن.
بمختلف أبعاده ومعطياته وأساليبه، والإقرار بتعدّده وتنوعه.

***

التمثيل - في أحد أشكاله، ولا نقول جوهره - تعبير عن الذات . وكل تعبير هو، بصورة أو بأخرى، تنفيس أو تطهير.
لكي تمثل - وفق هذا المنظور - عليك أن تعرف نفسك أولاً، وأن تكون راغباً في كشفها، أي تعريتها، هذه العملية تقتضي تجسيد الذوات الكامنة في الداخل. بعض الممثلين يشعرون بأن في دواخلهم أشياء غامضة وغير مستكشفة، ولا يمكن الكشف عنها أو البوح بها إلا من خلال التمثيل. عبر هذه الوسيلة تتم تعرية الأحاسيس التي لا يستطيع الممثل أن يفصح عنها في حياته الواقعية:

ليندسي كروز: (التمثيل هو فن البوح عن الذات، الكشف عن الذات، لذا فإنك لا تحتاج فقط إلى المهارة لكي تمثل، بل تحتاج أيضاً أن تعرف نفسك لكي تكشف نفسك. هذا يتطلب نضوجاً حقيقياً.

هيلين ميرين: (في بداية اشتغالي بالفن، في المجال التمثيلي، كنت أرغب أن أكون مثل اليك جينيس.. أن أكون قادرة على انتحال ذوات مصقولة، مدهشة، وأن أغيّر مظهري كلياً بإشارة من إصبع أو رفّة هدب. الآن صرت أؤمن بأن التمثيل ينبع من كشف ما يوجد بداخلك وليس بارتداء أقنعة.

جون تارتور: ( التمثيل العظيم له علاقة بكشف الذات. لكن كيف يتم ذلك؟ لا أعرف، ولا أريد أن أعرف.

بول نيومان: (حين تمثل، تكون مكشوفاً.. إنه أشبه بالتعرّي)

جان بيير ليو: (التمثيل يقتضي منك أن تحفر عميقاً داخل ذاتك. أن تكون ممثلاً يعني أن تكون أشبه بعالم آثار.

روبرت كارلايل: (التمثيل، بالنسبة لي، رحلة لاكتشاف الذات.. الذهاب إلى المدفع وسبر الأوضاع، الحالات، الاحتمالات، الناس، والشخصيات التي هي قريبة إلى نفسي أو ربما لا تكون كذلك. عبر الذهاب إلى هناك واختبار أولئك الأفراد المختلفين وحالاتهم، أتمكّن من التكيّف والنمو ككائن بشري. التمثيل، إذن، جزء أساسي لما أكونه.

***

لكن هذا المفهوم - التعبير عن الذات - يصبح عرضة للارتياب والاستجواب عندما يصطدم بمفهوم متعارض جذرياً يري في التمثيل هروباً من الذات أو من الواقع أو كليهما.

أليك جينيس: (المرء يصبح ممثلاً لكي يهرب من نفسه)

جيرمي آيرونز : (أحياناً أظن أن التمثيل هو هروب من ذلك الشيء، غير المكتوب في شكل سيناريو، والذي يدعي الحياة)

ايزابيل أوبير: (التمثيل بالنسبة لي شكل من أشكال الهروب من الواقع. وقيامي بدور جديد يمنعني من التفكير في هويتي، في من أكون. إنه يلهيني عن التساؤل البغيض الذي لا يرحم، حين أتطلع إلى المرآة وأسأل نفسي: ايزابيل أوبير.. من أنت؟)

ربما يكون هذا الهروب نابعاً من الإحساس بالخواء الداخلي والافتقار إلى النضوج. .
وفق تعبير مارشيلو ماستروياني الذي يقول:

(الممثلون يشعرون بنوع من الخواء داخل ذواتهم، وإلا فكيف نفسر حاجتهم لأن يعيشوا حياة أفراد آخرين؟ أظن أن الممثلين يجدون ذواتهم الخاصة ضعيفة وألوانهم باهتة، لذلك فهم يحاولون إخفاء ذلك بارتداء الأقنعة، بالظهور في هيئة أكثر سحراً وذكاءً وغموضاً..
وكل هذا يدل على الافتقار إلى النضوج..

لكن التمثيل، في شكله الأنقى والأكثر شمولية، هو انتحال لهوية ما. لهيئة وطاقة ذوات أخري. التمثيل هو تعبير عن حاجة عميقة لتغيير المظهر أو الشكل الخارجي.
والممثل في حالة بحث لا نهائي عن (الآخر... عن ذات جديدة يكونها. إنه ممسوس بالذوات الأخرى، بالشخصيات التي ينتحلها وتلك التي يرغب في انتحالها.

إنه يدمج نفسه في حياة متخيلة ومركّبة، وهو لا يعيش إلا في الدور، بدونه يضيع.
قال المخرج الفرنسي. برتران بلير عن جيرار ديبارديو: (إنه لا يعرف من يكون حتى يمثل دوراً.. وقال المخرج والكاتب بول شرادر عن دي نيرو: (إنه لا يوجد إلا حين يكون في جلد شخص آخر.. أو كما قال عنه المخرج جون هانكوك: (دي نيرو، مثل العديد من الممثلين، لا يكشف نفسه إلا حين يرتدي قناعاً..ولعل ما يعزّز هذه الملاحظات، شكوى العديد من الصحفيين من افتقار دي نير، و إلى الفصاحة وعجزه عن التعبير عن أفكاره وآرائه بوضوح في المقابلات والمؤتمرات الصحفية، وهذا يتعارض كلياً مع حضوره القوي على الشاشة وتألقه أمام الكاميرا.

لكن ما هو الباعث الذي يحث الكائن البشري على انتحال هيئة ومظهر كائن بشري آخر؟

من الجلي أنه الهروب والكشف.. إنه يهرب من ذاته ليكتشفها في ذات أخري. في التمثيل يكمن الهروب والكشف في آن. الرغبة في إخفاء الذات وكشفها موجودة دائماً عند الممثل، وهما يحدثان في وقت متزامن.

يقول وارن بيتي: (دائماً أجد صعوبة في إنشاء ذاتي، وأشعر بالضيق والقلق، لكن في التمثيل ثمة دائماً الرغبة في الإخفاء والرغبة في الإفشاء أو الكشف.. وهما يحدثان معاً وفي آن واحد..

***

هل التمثيل محض احتيال .. كما يزعم مارلون براندو في لحظات يأسه أو ضجره من التمثيل؟

هل هو كذب.. كما يقول لورنس أوليفييه في كتابه اعترافات ممثل : سيرة ذاتية حين يتساءل: (ما التمثيل إن لم يكن كذباً، وما التمثيل الجيد إن لم يكن كذباً مقنعاً.

بالنسبة لبراندو، فإن المخرج فرانسيس كوبولا - في لقاء له مع كابيه دو سينما - يفسر موقفه على النحو التالي: (براندو مزيج خاص قائم بذاته. إنه بالفعل عنصر ممتاز. في البداية يظهر لك لامبالياً إلا أنه بمجرد المباشرة بالعمل يصبح جدياً إلى أبعد حد.
بمعني أنه يستوعب السينما على مزاجه ويعتبرها بالدرجة الأولي استثماراً مربحاً، تدفع له ما يرضيه فيأتي إليك وينفّذ كل ما تطلبه منه.. وهذا راجع إلى إحساسه العميق بعدم أهمية السينما كفن وأن العملية كلها مجرد مزحة لكسب المال فقط. لكنك إذا تحدثت مطولاً إلى براندو فسوف تكتشف لديه أشياء كثيرة تستحق الاهتمام..

والآن، هل الممثل يكذب حقاً حين يمثل؟

في الواقع، كل فرد يمثل في حياته اليومية،. في واقعه المعاش. إنه لا يكون (نفسه.
دائماً، بل ينتحل ذواتاً أخري، أو بالأحرى هويات أخري، حسب علاقته بالمحيط، سواء في حياته العائلية أو في العمل أو مع أصدقائه. إنه يمثل الحزن أو الفرح، يتظاهر بالمرض لسبب ما، يكذب ويحاول إقناع الآخر بأنه صادق.. مع ذلك،. فإن هذا الفرد لا يعتبر نفسه ممثلاً.

يقول أورسون ويلز: (كل شخص في العالم هو ممثل، كل ما نفعله هو ضرب من الأداء. مع ذلك، فإن الممثل -= الذي مهنته أن يمثل، هو شيء آخر.. كائن مختلف..
إذن ما الفرق بين التمثيل والكذب؟

الفرق أننا- كأفراد - لا نمثل حباً في التمثيل بل رغبةً في التملّص من مسؤوليات معينة، من مواقف محرجة، من ورطات ومآزق متنوعة.. بالتالي، نحن لا نحتاج إلى جمهور. بينما الممثل يفعل ذلك للوصول إلى نتائج محددة: كسب المال أو إحراز الشهرة أو نيل الإعجاب أو انتزاع اعتراف الآخرين به أو الرغبة في الاتصال بالآخرين والتعبير عن الذات.. لذلك هو يحتاج إلى جمهور.

لهذا السبب يعترض كلاوس كينسكي وغيره على مفهوم (التمثيل. نظراً لاتصاله، بطريقة ما، بمفاهيم الكذب والتظاهر. فالتمثيل، في أحد مظاهره، هو فعل تظاهر.. تظاهر بعاطفة ما، بانفعال ما، بحركة ما. لكنه يتخطى التظاهر الخارجي، السطحي، الزائف، عن طريق إحساس الممثل العميق بما يفعله ويعبّر عنه لكي يصل إلى أعلي درجات الصدق والإقناع بحيث يشعر جمهوره بأن ما يفعله حقيقي. وهو في هذا يختلف عن الطفل إلى يلجأ إلى التمثيل حين يرغب في التظاهر بشيء. والاختلاف يكمن في درجة الإحساس، فالطفل لا يحس بالشيء وإنما يتخذه كوسيلة، بينما المثل يحس به بعمق. التمثيل هو أن تؤدي بصدق ضمن حالات تخيلية، والممثل يفعل ذلك من أجل إثارة مشاعر جمهوره وتغذية مخيلته.

***

هناك تعريفات أخري، أو مفاهيم أخري، لماهية التمثيل نوردها لعلها تضيء جوانب أخري من هذا الفن في المجال التعريفي..

جون كازافيتيس: (التمثيل هو امتداد للحياة. حين تكون قادراً على أن تؤدي في الحياة، فسوف تكون قادراً على أن تؤدي على الشاشة..

آل باشينو: (التمثيل عمل شاق، إنه منشط ويزوّدك بالطاقة حيناً، ويسبّب لك الوهن حيناً. إنه عمل طفولي لكيبهج.اً مسؤول. إنه يضيء، يثري، يبهج .. لكنه أيضاً عمل رتيب، شاذ، شيطاني.

مارشيلو ماستروياني: (التمثيل لعبة أمارس مهنة التمثيل كما لو أمارس لعبة رائعة. التمثيل أفضل منصغار. الحب لأن من المسكر حقاً انتحال مظهر ومواقف وسيكولوجية شخص آخر. ذلك ما يفعله الأطفال. إنها أقدم لعبة.. أول لعبة.. اخترعناها ونحن صغار .
هيلين ميرين: (التمثيل يعني أن تضع نفسك ضمن مشاكل الشخصية الإنسانية، وأن تري نفسك على نحو واضح قدر الإمكان. إنه ليس النظر إلى نفسك على نحو أناني بل النظر إلى نفسك ككائن إنساني.

هارفي كايتل: (التمثيل ضرب من الصلاة.. إنه يتجه نحو مادون الوعي، نحو الروح..
كلاوس ماريا براندور: (البعض يقول أن التمثيل ينبع من القلب، من الداخل، لا أعارض ذلك، لكنني أيضاً أعتقد بأنه يتصل بالكثير من التفكير والمعرفة..

جيسيكا لانج: (التمثيل، مثل أي مهنة، هو تراكم للمعرفة والتجربة.

لماذا التمثيل؟

ما هي الحاجة العميق التي يشعرها المرء للتمثيل؟ ما هو الدافع السيكولوجي وراء هذه الحاجة؟

يقول كلاوس كينسكي: (أن تكون ممثلاً هو ضرب من ا لانتحار. كنت دائماً أحاول أن أفهم لماذا أنا ممثل. لكننا جميعاً نصل إلى قدرنا الخاص.. ذلك جارح ومعذّب. دائماً أقول أن روح من يسمي الممثل هي مجنونة ومريضة. إنه يصلب نفسه باستمرار وكلما مضي الوقت اشتد عذابه. وهو في كل خطوة يقتل نفسه المرة تلو الأخرى، لكنه ينسي عندما ينهمك من جديد في تجسيد شخصية ما. وهو يقوم بذلك حتى لو كان د رغبته، حتى لو ظل يعاني ويتألم. إن مهنة التمثيل شاقة ومؤلمة، لكنها حقيقتك أنت. حتماً هناك في العالم أشخاص يعانون ويتألمون أكثر منك، لكن في لحظة معايشتك - كممثل - للشخصيات التي تتأجج في أعماقك فإنك تمارس معاناتك الخاصة وتحقق وجودك.. إنها حقيقتك التي ربما تكرهها أحياناً، وربما تخاف منها أحياناً. إنها الحاجة إلى الدفء والحماية، والى الحب والاتصال..

ويقول جاك نيكلسون (ليست هناك مهنة شاقة ومتطلبة أكثر منن التمثيل، باستثناء القوات المسلحة. وحتى في الجيش نجد مرونة أكثر من مهنة التمثيل. إنهم باستمرار يخبرونك أين يجب أن تكون، وفي أي ساعة يجب أن تصحو من النوم. لا يهمهم إن ماتت أمك، فعليك أن تتواجد في الموقع في تمام الساعة الثالثة. مع ذلك فأنا لا أجيد فعل أي شيء غير التمثيل.. لقد وهبت حياتي لهذه المهنة..

والآن، ما هو الباعث الذي يدفع المرء لأن ينتحل هوية أخري وشخصية أخري، لأن يغيّر شكله الخارجي ويرتدي هيئة كائن متخيّل؟

يقول مارشيلو ماستروياني: (أردت أن أكون محبوباً لدي الجمهور.. إن عروق كل ممثل تنبض بهذه الحاجة. أيضاً هناك الحاجة الاقتصادية.. حين يرفض الفرد أن يكبر، فتحة مكوّْن أو عنصر قوي في شخصية يدفعه لأن يرغب في أن يصير ممثلاً. هذا لا يعني أن هذه الرغبة - في أن يكون ممثلاً. تتضمن بالضرورة عدم الاستعداد لأن يكبر. التمثيل يمنحك الفرصة لأن تلعب بدلاً من أن تعمل. والتمثيل، بالطبع، وسيلة مدهشة لشخص غير واثق من نفسه، غير واثق من أنه مثير للاهتمام بالنسبة للآخرين، لكي يجعل نفسه مثيراً للاهتمام أكثر. إنك تنتحل ذاتية شخص آخر، شخص يثير ويبهج الآخرين، شخص غيار مضجر مثلك أنت. ومثل كل الأطفال، أنت تريد أن تكون في مركز الأشياء.. وعمقياً، أظن أن كل الممثلين لديهم هذه السمة أو الصفة المميزة. عندما تمثل فإنك تخفي ذاتك الحقيقية خلف كل تلك الوجوه الأخرى التي تنتحلها. انك تدع الشخصية تحتلك لمدة ثلاثة شهور تقريباً، ووراء هذه الشخصية تشعر بالأمان، خاصة إذا كانت تمتلك حيوية أكثر، وضوحاً أكثر. وتحت ريش هذه الشخصية التي تؤديها، تختفي ذاتك الكئيبة.

ربما يشعر المرء بشخصيات لا تحصي، متباينة ومتناقضة في السلوك والتفكير والعواطف والمظهر، تتعايش في داخله وتتأجج رغبة في الانبعاث والبروز على السطح وممارسة كينونتها الخاصة. هذه الشخصيات كلها تشكل حقيقة المرء ذاته، بدونها قد لا يشعر أنه قادر على تحقيق وجوده.

يقول هنري فوندا: (إنك تصبح ممثلاً ربما لأن ثمة تعقيدات في ذاتك، والتي هي ليست عادية أو سويّة، وليست أشياء يسهل التعايش معها..

وتقول جنيفر جاسو لي: (لا بد أن هناك شيئاً في ذاتي احتاج إلى استجوابه أو إيجاده أو استخراجه، شيئاً لم أحلله. أدرك أن الكثيرين منا يوجد في داخلهم جانب مظلم تماماً..

ربما يلبّي التمثيل الحاجة إلى الدفء والحماية والامتلاء الكثيرون من الممثلين يشعرون بالفراغ والوحدة بعد انتهائهم من التمثيل، ذلك أن أعماقهم تصبح خاوية أو مستنزفة.

من جهة أخري، لا بد أن المثل يتملكه خوف من العزلة لكي يتوق إلى الأضواء الساطعة ويرغب في أن يكون محور الاهتمام والرعاية، وأن يكون محبوباً. الظلام رفيق العزلة. من هنا تأتي الحاجة الملحة لأن يكون مرئياً، فالحجب ينفي وجوده. إنه شكل من أشكال الدفاع عن النفس. لكن الأضواء تعني أيضاً الشهرة والثراء والنجاح.. وهي مجالات مغوية وذات إشعاع خاص.

إيزابيل أوبير: (أعتقد أن شيئاً ما كان يدفعني نحو التمثيل، شيئاً لا شعوريا وغامضاً.
أظن أمحبوباً، الرئيسية التي تدفع أغلب الأفراد إلى التمثيل هي نفسها لا تتغير: أن تكون محبوباً، أن تكون مرئياً، أن تكون موضع إعجاب.

بن كينجسلي: (أمثل لكي أكون مرئياً ومسموعاً.

توم هانكس: (منذ سنواتي المبكرة وأنا أشعر بالوحدة، وأظن أن هذا هو سبب توجهي إلى التمثيل. أردت أن أكون محبوباً وأن أثير إعجاب الآخرين بي. جوبيشي: (الشخص الذي يريد أن يصير ممثلاً، لا بد أنه يرغب في إثارة الانتباه. نحن جميعاً نبحث عن نوع من الاعتراف بنا.. من الاهتمام الخاص..

ويليم دافو: (كشخص، لست مثيراً للاهتمام كثيراً، كممثل، آمل أن أكون جذاباً وملفتاً للانتباه على نحو آسر..

سووزي كيرتز: (أحاول أن أقنع نفسي بأنني لست مصابة بالشيزوفرينيا. لكن حين لا أمثل، لا أكون حية. حياتي اليومية ليست عميقة. أكون مرئية أكثر، ومثيرة للاهتمام أكثر، حين أمثل..

الحاجة إلى المال أو الشهرة أو النفوذ هي أساسية عند الكثير من الممثلين. التمثيل مصدر رزق، ثراء، رفاهية. وهو أيضاً وسيلة لتحقيق الشهرة، للبقاء في دائرة الضوء وفي بؤرة الاهتمام والإعجاب، هدف هؤلاء، في الغالب، تجاري بحت، وبعيد تماماً عن الفن، لهذا فهم يمارسون مهنة مربحة، والأداء محض سلعة. لكن هناك أيضاً من يمثل في أفلام عادية، وأدوار سطحية، لكي يستثمر أجره في تمويل أفلامه كمخرج أو كمنتج:
أورسون ويلز، جون كازافيتيس (كمثالين بارزين.

***

كما أشرنا، الممثل في حالة بحث دائم عن الآخر. إنه يسعى إلى ذات جديدة كي يكونها، ليغيّرها بعد ذلك هويته الخاصة تصبح مشوشة، إنه يصبح كل شخص ولا أحد.

انتحال هويات أخري.. ألا يعني في بعض جوانبه أن الممثل لا يحب ذاته الحقيقية، أو على الأقل يشعر بأنه غير راضٍ وغير قانع بحياته الطبيعية.. وما ارتداء الأقنعة إلا وسيلة لإخفاء النقائص ونقاط الضعف؟ أليس التمثيل - في بعض الحالات - نوعاً من العلاج النفسي، وطريقة لتحرير الذات من هموم وهواجس معينة؟

هنري فونأوبير:ن صرت ممثلاً، أكتشفت ان التمثيل ممتع وعلاجي. التمثيل كان قناعاً لشاب خجول مثلي. عندما أمثل أتخلص من ا لخجل وأكون شخصاً آخر..

إيزابيل أوبير : (التمثيل بالنسبة لي نوع من العلاج النفسي، وسيلة لتخليص النفس من قلق معين. الوقالشريف:الكاميرا هو نوع من الإسقاط، التمثيل بحد ذاته إسقاط.

نور الشريف : (التمثيل هو نوع من العلاج النفسي لي، بمعني الهروب إلى الذوات الأخرى.. لأنني بطبيعتي أرغب في اكتشاف النفس البشرية في سلوكها عبر مختلف الشخصيات.

كلاوس ماريا براوندور: (في الحياة اليومية أبدو عادياًَ. أتمني ألا أكون كذلك حين أمثل..
جنيفر جاسون لي: (أنا انسانة هادئة جداً، خجولة، منطوية، لذلك، أن أمثل تلك الشخصيات العنيفة، العدوانية، الانفعالية.. هو، بالنسبة لي، علاج نفسي عظيم..
سوزان ساراندون: (أنا بطبعي خجولة وكسولة إلى حدٍ ما، والتمثيل يرغمني أن أكون يقظة وواعية. إنك تنتحل تلك الذوات والحالات المتعددة، وتدرك إلى أي حد تتوفر أشياء مشتركة مع كل شخصية تمثلها، وكيف أنك - ضمن ظروف معينة - قادر على فعل أشياء لم تكن تحلم أبداً بالقادر على فعلها..

جين هاكمان: (الممثلون أفراد يتسمون بالخجل والتحفظ، ربما هناك مكوّن أو جزء من العدوانية في ذلك الخجل. ولبلوغ ذلك الموضع حيث لا تتعامل مع الآخرين بطريقة عدائية أو انفعالية فإنك تختار لنفسك هذا الوسط.. التمثيل.

جودي ديفيز: (قررت أن أصبح ممثلة لأنتني شعرت بأن ثمة شيئاً لا أستطيع سبره. لم أكن أعرف تماماً ما هو. لذا بدأت التمثيل، وعملية السبر هذه لا تزال مستمرة معي. أيضاً كنت جبانة اجتماعيا بعض الشيء، وما يفعله التمثيل هو أنه يرغمني على اختراق مجالات لا يمكن أن أذهب إليها في الواقع. التمثيل أيضاً يؤكد صحة وشرعية وجودي. إنه يجبرنني باستمرار أن أراقب، أن أفهم وأدرك..

سالى فيلد: (التمثيل هو الموضع الذي أستطيع فيه أن أكون نفسي..
جين مورو: (كنت متعبة من نفسي. ومن خلال التمثيل أردت أن أكون إمرأة أخري.
ميشيل بيكولي: (التمثيل يشكّل لي متعة حقيقية. إنه يحقق توازناً وجدانياً بداخلي..
هارفي كاتيل يرى إلى التمثيل بوصفه رحلة إلى ذلك الجزء المظلم من الروح.. (التمثيل طريقة للنفاذ إلى العواطف والأحاسيس، والوسيلة الوحيدة لكي تكون جسوراً هو أ تجتاز تجربة الخوف... الخوف بالمعني الوجودي، أن تستيقظ في الصباح وتتساءل: ما الذي سأفعله الآن؟ ..

التمثيل، حسب هارفي كاتيل، رحلة إلى الداخل لمعرفة الذات وفهم المشاعر والدوافع والقدرات. إنه يحتاج إلى امتلاك تلك القدرة على ارتياد وسبر وفهم والتعبير عن تلك الوفرة من الأحاسيس التي تحتدم بداخله. وقد اكتشف أنه من خلال التمثيل وحده يستطيع أن يفعل ذلك، أن يعبّر عن ذاته، أن يجسد المشاعر والانفعالات التي لا تجد لها مخرجاً أو منفذاً إلا عبر التمثيل..

(السبب الذي جعلني أصير ممثلاً هو أن أقترب أكثر من فهم ذاتي، بواسطة التمثيل تمكنت من حل الكثير من الألغاز التي عزلتني عن مشاعري. لقد احتجت إلى فترة طويلة للتوصل إلى معرفة نفسي، لفهم من أكون، وهي العملية التي ما زلت أمارسها. كانت لدي شكوك والتي دائماً تأخذ الشكل نفسه: لا أستطيع فعل ذلك. لا أعرف كيف أفعل ذلك.. لم يكن بمقدوري أن أستخرج ما بالداخل، وكان يمكن لذلك أن يقتلني. لهذا السبب صرت ممثلاً، لكي أعبر عما أكونه. نحن جميعاً لدينا حاجة متأصلة لفعل ذلك. أن تكون ممثلاً يعني أن تكون مثل فان جوخ الذي كان يمتلك الشجاعة لمواجهة قلقه الخاص، أي مخاوفه وتعبه ووحدته وجوعه وشكوكه وعذاباته ومعاناته..

***

ربما يكمن الباعث للتمثيل،إضافة إلى ما ذكرناه، في إرضاء واشباع النزعة النرجسية عند الممثل أو الممثلة: أن يكون في البؤرة، مرئياً ومرغوباً فيه، وأن يثير الإعجاب . الإشباع النرجسي يستلزم نزوعاً استعراضياً. التمثيل لا يتحقق إلا عبر المواجهة مع الجمهور.. على نحو مباشر كما في المسرح، أو غير مباشر كما في السينما.. وإلا لاكتفى الممثل بالتمثيل أمام مجموعة صغيرة من الأقارب والأصدقاء، أو أمام نفسه عبر المرآة. انه بحاجة إلى استجاباتا، ردود فعل، إعجاب، تقدير، تعاطف، حب.

***

وقد يكون التمثيل الملجأ الوحيد الذي يوفر الحصانة والآن من أي نوازع تدميرية أو عدوانية ضد الذات والآخرين.

أنتوني هوبكنز: (أعتقد لو لم أصبح ممثلاً، لكنت الآن قاتلاًَ أو مصاباً باضطراب عقلي..
جو بانتوليانو: (كان أمامي أن أصبح لصاً أو مروّج مخدرات أو ممثلاً .. اخترت التمثيل..
جين مورو: . لو لم أصبح ممثلة، لصرت مجنونة..

لي مارفن : (الأفلام منحتني فرصة ارتكاب أشياء لو ارتكبتها في الحياة الواقعية لتعرضت إلى العقاب أوالسجن أو الإعدام.. هكذا، في الأفلام، كنت أسرف وأقتل ثم أستلم أجي وأمضي إلى البيت..

***

بالطبع هناك بواعث أخري للتمثيل..

جون تارتورو: (أمثل لكي أفاجئ نفسي..

فيليب نواريه: (أحب أن أدهش نفسي، أن استخرج ما هو مخبوء ومستتر..

جيرمي آيروز: (طموحي - كممثل - أن أفاجئ وأدهش الآخرين باستمرار..

دانييل أوهاكمان: (التمثيل بالنسبة لي جزء من الحياة. لو لم أؤد كل تلك الأدوار المختلفة لما توصلت إلى فهم نفسي بشكل أفضل. بفضل التمثيل أشعر أنني أكثر غني..

سوزان ساراندون: (التمثيل أرغمني أن أعيش الحياة بطريقة أوضح، بشغف أكثر.. أن أكون حاضرة في حياتي..

في أحوال أخري، يكون الدافع أو الحاجة إلى التمثيل غامضاً أو يصعب تفسيره..

يقول جين هاكمان : (الممثل يميل إلى نسيان الألم الذي يسببه صنع الفيلم..
ذلك أشبه بالحمل والولادة بالنسبة للمرأة.. ثمة شيء ما يجبرها على القيام بذلك واختبار الألم مرة أخري..

إن ما ذكرناه قد لا يفسر، بشكل شامل، حاجة المرء لأن يمثل، فحتماً هناك دوافع وبواعث أخري لا تقل أهمية، ويقتضي الأمر تحليلاً سيكولوجياً عميقاً، واستقصاءاً مركزاً وشمولياً، لتقديم صورة أكثر وضوحاً عن هذه الحياة أو الرغبة.

البدايات والتحولات

نعرف جميعاً أنت السينما بدأت صامتة، وظلت كذلك حوالي ثلاثين عاماً منذ اختراعها في أواخر القرن التاسع عشر. كانت الأفلام عبارة عن صور ثابتة سرعان ما تحركت، لكن الكاميرا كانت ساكنة تماماً، تصور ما يحدث أمامها على بعد مسافة، أو ما يفعله الممثلون لدي اقترابهم أو ابتعادهم عن الكاميرا الثابتة.

الممثل كان يؤدي، أو بالأحرى يشرح، حالته الشعورية في الحدث الميلودرامي غالباً من خلال الأداء الصامت البانتومايم، والإيماءات التي لا تُحصي، والانفعالات المبالغ فيها، والإفراط في تعابير الوجه. كان الممثل يغالى في استخدام الإيماءات، في اللحظات الحميمة ولي الحالات المشحونة بالانفعال، بالطريقة نفسها، دون تمييز ودن اختزال.. وغالباً ما تكون هذه الإيماءات عشوائية، مفرطة، وغير مدروسة.
في غياب الكلام وهيمنة الصمت، كانت الإيماءة هي اللغة السائدة والتي من خلالها يعبّر المؤدّي عن مشاعره وأفكاره، عن حالاته وانفعالاته، ومن خلالها يحاول الاتصال بالجمهور.. تماماً كما كان يحدث في المجتمعات البدائية قبل أن تسود اللغة المنطوقة، حيث كان أفرادها يتصلون ببعضهم من خلال لغة الحركة الجسد والإيماءات والإشارات.
مثل هذا الأداء، الذي كان سائداً في السنوات الأولي من نشوء السينما، كان مستمداً - كما استنتج بعض الباحثين - من التقاليد المسرحية في العصر الفيكتوري. لكن تنبغي الإشارة هنا إلى أن التمثيل السينمائي في علاقته بالمسرح، لم يستمد عناصره من مصدر واحد، بل تأثر بتقنيات وتعاليم عديدة ومختلفة.

مع تحرك الكاميرا واقترابها من الممثل، ومع ابتكار اللقطة القريبة التي حولت كثافة الإيماءة إلى الوجه، ومع تحسّن العدسات والطبقات الحساسة والإضاءة الداخلية، تطورت طرائق الأداء نوعاً ما، وصار الممثل يعتمد على وجهه وجسده في التعبير عن المشاعر أو الانفعالات الحميمة والخصوصية، مختزلاً الإيماءة بعض الشيء بحيث تبدو مدروسة أكثر، كما امتلك حرية أكبر في استخدام حركاته وأوضاعه البدنية.

إن قلة العروض المسرحية المنتظمة، آنذاك، إضافة إلى الأجور العالية التي كانت تدفعها شركات الإنتاج السينمائي قياساً إلى أجور المسرح، قد أدي إلى انتقال عدد من الممثلين المسرحيين إلى الوسط الجديد السينما. بعضهم كان انتقاله مؤقتاً، والبعض كان نهائياً. بعضهم أثري - إلى حد ما - المجال الأدائي في السينما، بينما تعامل البعض الآخر مع الموقع كما لو كان خشبة مسرح، دون أن يعي متطلبات الوسط الجديد وتقنياته المختلفة.

في الواقع، كان عدد من ممثلي المسرح العاملين في السينما، في بداياتها الصامتة، يشعرون بالخزي والخجل اعتقاداً منهم بأن العمل في السينما سوف يسيء إلى سمعتهم، حيث كانوا يعتبرون الأداء السينمائي أقل مرتبة وقيمة من الأداء المسرحي، بالتالي كانت تسعدهم وترضيهم حالة المجهولية التي فرضتها السينما على الممثلين آنذاك، فالجمهور يري وجوههم لكن لا يعرف أسماءهم، إذ لم تكن للممثلين في تلك الفترة أي مكانة أو اعتبار، ولم تكن أسماؤهم تظهر على الشاشة في بداية كل فيلم. الأفلام قصيرة وتُصنع خلال أسبوع تقريباً. والممثل يؤدي دوراً رئيسياً في فيلم، وفي أخر يظهر في دور ثانوي أو كومبارس. ولم يتغيّر وضع الممثل هذا إلا في الأعوام التي تلت الحرب العالمية الأولي مع ولادة نظام النجوم.

التمثيل السينمائي لم يُنظر إليه بوصفه فناً كما هو الحال مع التمثيل المسرحي إلا بعد سنوات طويلة. الأخوان لومير الفرنسيان، في أفلامهما الأولي المصورة في أواخر القرن 19، استخدما أفرادا من العائلة لتأدية بعض الأدوار. وصانعوا الأفلام، الذين جاءوا بعدهما، أظهروا لامبالاة مماثلة تجاه حرفة التمثيل. أما الجمهور فقد شغفوا بالخدع البصرية والألاعيب بهلوانية ومشاهد الأكشن أكثر من اهتمامهم بالأداء.

كان الممثلون في فترة السينما الصامتة يتولون بأنفسهم اختيار أزياء شخصياتهم والإكسسوارات الخاصة بهم ووضع المكياج بأنفسهم. كانوا يصلون إلى الموقع دون سيناريو وبلا تعليمات بشأن ما يمكن أن يفعلوه في المشهد.

في مقالة للمثل المسرحي الإنجليزي شارلز جراهام نشرت في مجلة Sight and Sound خريف 1935 عن التمثيل في الأفلام سنة 1921، تحدث عن تجربته المريرة كممثل في السينما الأمريكية والإنجليزية وقال بأنه شارك في فيلم دون أن يعرف قصته أو حبكته أو طبيعة دوره، أو حتى عنوان الفيلم، وأشار إلى أن الممثل كان أشبه بالدمية..

شارلي شابلن، في مذكراته، أشار إلى تلك الفترة أيضاً قائلاً بأن المخرج - المنتج ماكس سينيت انتحى به جانباً في بداية مسيرته الفنية وقال له: ليس لدينا سيناريو..
نحن نحصل على الفكرة ثم نتابع التعاقب الطبيعي للأحداث حتى تقودنا إلى المطاردة.. والتي هي جوهر الكوميديا..

المخرج جريفيث كان أول من أبدي آراءً إيجابية، في تلك الفترة، حول التمثيل، وعن الخاصيات المميزة للتمثيل السينمائي، إذ رأي بأن التمثيل أمام الكاميرا يطرح تحديات خاصة به. إن جريفيث، بما كان يمتلكه من حس سينمائي متقدم وحس سردي متطور، قياساً إلى مخرجي تلك الفترة، قد تحري وسائل فنية جديدة لاقتراح، أو بالأحرى لخلق، استجابات ذاتية للشخصيات، عبر استخداماته الرائدة لحركة الكاميرا والقطع المتوازي واللقطات القريبة. ولأن الأفلام، حنذاك، كانت عبارة عن حكايات قصيرة، أو أحداث درامية عدّة أو مأخوذة مباشرة من أعمال مسرحية، فقد كان هدف جريفيث تنقية البنية أو النسيج السردي الفج. لقد ساهمت ابتكاراته وتجديداته في توسيع نطاق التحديات أمام ممثلي السينما. في كتابها (الأفلام وجريفيث وأنا. قالت الممثلة ليليان جيش: (لقد تعلمت من جريفيث كيف أوظف جسدي ووجهي على نحو موضوعي لخلق التأثيرات الدرامية.. تماماً كما يوظف الرسام ألوانه على القماش..
مع مرور الوقت، صار التمثيل السينمائي إحترافاً، لكنه لم ينجح بعد في كسب الاحترام والتقدير حتى بعد أن تكرس كمهنة مربحة في العقد الثاني من بداية القرن العشرين.
منذ العام 1910 بدأت السينما الصامتة في خلق نجومها، باستقلال واعٍ ومقصود عن المسرح. عدد من هؤلاء النجوم والنجمات لم تكن لديهم سوي خبرةٍ بسيطةٍ في التمثيل المسرحي، لكن كانوا يمتلكون جاذبية آسرة استطاعت السينما أن تستثمرها، فصار الشكل والمظهر الجسماني يفوق المهارات الأدائية قيمة وأهمية.. وكانت هذه نقطة الانطلاق لنظام النجوم الذي سرعان ما سوف يتكرّس ويهيمن.

في العام 1929 نطقت السينما بعد اختراع معدات جديدة لتسجيل الصوت. وظهر تقينيّ صوت، وإحداث تعديلات أساسية في آلات التصوير. وقد ساهم هذا في التأثير على أنماط الأداء، فالصوت قد مكّن الممثل من الابتعاد عن البانتومايم والإيماءات المفرطة، لكن لم يشذّب الأداء من المبالغة بسبب وقوع السينما تحت تأثير الأداء المسرحي.

يقول الممثل الروسي نيكولاي شيركاسوف في كتابه ملاحظات عن الممثل السوفييتي الصادر في 1957:

(في الأفلام الصامتة، كان الممثل العنصر الأقل أهمية. التقطيع المونتاج الوافر قلّل من شأن دور الممثل. واللقطات القريبة، كقانون، كانت متروكة للنهاية. ومن أجل هذه اللقطات كان الممثل يغيّر ملابسه ومكياجه وحتى تعابير وجهه. حين كان يتعيّن على الممثلة أن تظهر الدموع وهي تسيل على خديها، كانوا يقربون بصلة من عينيها أو يجعلونها تشم النشادر أو يعصرون على وجهها قطرات من الجليسيرين. الموسيقي الحزيبنة كانت أيضاً عاملاً مساعداً في إحداث التأثير. في الأفلام الناطقة، حيث ازدادت أهمية الممثل كثيراً، فان معضلة التصوير الواقعي قد اكتسبت دلالة أكبر. التمثيل السينماءي صار يقتضي من المؤدين أن يكونوا عاطفيين بعمق بحيث يمتلكوا القدرة على ذرف دموع حقيقية.. ليست حقيقية كما في الحياة الواقعية، لكنها ثمرة القدرة على أسر الحالة العاطفية..

لكن، من جهة أخري، أحدث إنتقال السينما إلى مرحلة الصوت إرتباكاً وخلخلة في الوسط التمثيلي.. فقد تم الاستغناء عن عددٍ من ممثلي وممثلات السينما الصامتة بسبب ضعف امكانياتهم وقدراتهم في الإلقاء الصوتي، وافتقارهم إلى التجربة المسرحية، وبالتالي فقد بعض النجوم مكانتهم واعتزلوا التمثيل.

الأفلام الناطقة كانت بحاجة إلى ممثلين يمتلكون أصواتاً قوية ومعبّرة، ومتدربين بشكل جيد على الإلقاء، وتتوفر لديهم إمكانيات أدائية عالية، إلى جانب الخبرة في بناء الشخصيات. باختصار، كانت السينما. في تلك المرحلة، بحاجة إلى ممثلي مسرح محترفين. هكذا فتحت السينما أبوابها ثانية أمام حشد من ممثلي المسرح القادرين بمهاراتهم على مواجهة التحديات التي فرضها الصوت في بداياته. وبالنتيجة، فقد أدى ذلك إلى هيمنة الأداء المسرحي من جديد وعلي نحو طاغٍ.

حتى منتصف الثلاثينات من القرن الماضي، كان التسجيل الصوتي البدائي يتطلب ممثلين قادرين على استغلال أصواتهم بالطريقة ذاتها التي يوظفونها أمام جمهور حي.. أي الجمهور المسرحي. هذه الضررة جعلت عمل الممثلين في الألفام متطابقاً مع عملهم في المسرح، وبالتالي صار الممثل المسرحي مطلوباً بدرجة أكبر مما كان أيام الأفلام الصامتة التي فرضت معايير بصرية صرفة. وحتى بعد تحسّن تكنولوجيا الصوت، استمرت طرائق الأداء والإلقاء المستمدة من المسرح، في الهيمنة على الأفلام.
الصوت أيضاً ضاعف من أهمية الاستوديوهات كمواقع للإنتاج والتوزيع من جهة، والتسويق والدعاية من جهة أخري. وبالتالي فقد تعزز نظام النجوم أكثر، وتكرست هيمنة الاستوديوهات الكبيرة على مجمل الإنتاج السينمائي.

في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين، برز عدد من النجوم الذين حظوا بشعبية كبيرة، والذين اتسم أداؤهم بذاتية مميزة، مؤثرة وفعالة، لكن قلما أظهروا تنوعاً في الأداء من زور إلى آخر، فقد كانوا يؤدون مختلف أدوارهم من خلال ذاتية النجم نفسه وليس من خلال الشخصيات المتباينة التي كانوا يجسدونها. كانوا يزخرفون كل دور بأنماط سلوكية ذاتية، وطرائق تعبير ثابتة، وايماءات خاصة، وسمات مميزة لا تتغير إلا نادراً، بصرف النظر عن طبيعة الدور أو الشخصية، معتمدين على جاذبيتهم وولع الجمهور بهم. لم يهتم نجوم تلك الفترة بسبر الذات والتعبير عن دواخل الشخصية، بل كانت وظيفتهم تنحصر في حفظ الدور، والتركيز على التقنية، والاعتماد على توجيهات المخرج وعلي تجربتهم الشخصية في هذا المجال.

خلال هذه المرحلة، تحسن التمثيل وصار أكثر صقلاً مع تحريك المخرجين للكاميرا، وتطور الميكروفونات، وتحسن أداء الكاميرات والعدسات ومعدات التسجيل الصوتي، والأصوات صارت أكثر انخفاضاً، والأحاديث أكثر واقعية، والحركات الجسمانية والإيماءات وتعابير الوجه صارت أكثر اختزالاً... كانت تلك هي الخطوات الأولى نحو تطور التمثيل السينمائي بشكل فني مستقل.. لكن التطور الحقيقي لم يحدث إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في الخمسينات.

إن كل حركة أو اتجاه سينمائي يطرح تصوره الخاص للتمثيل، ويفرض أسلوباً أو نموذجاً للأداء يتلاءم وينسجم مع هذا الاتجاه في منظوره الفني والفكري للواقع وللفن وللحياة.
حركة الواقعية الإيطالية الجديدة، التي برزت في الأربعينات من القرن الماضي، صورت أفلامها في الشوارع والأحياء الفقيرة والمواقع الطبيعية. وكان سعي مخرجي هذه الأفلام للانفصال أو التحرر من كل قوانين ومبادئ السينما التقليدية، يستدعي - من بين أشياء أخري - إتباع منهج مختلف جذرياً في اختيار المممثلين الذين كانوا يشكلون عنصراً مهماً وأساسياً في توصيل رؤية المخرج وغايات الفيلم. كان المخرجون يبحثون عن الصدق والجدّة والطزاجة والواقعية في الأداء، لذا لجأوا الى ممثلين هواة أو أفراد لم يمارسوا التمثيل على الإطلاق للقيام بتأدية أدوار ثانوية أو رئيسية أحياناً، جنب الى جنب مع ممثلين محترفين لكن لديهم الإمكانية والقابلية للتحرر من أسر الأساليب التقليدية والابتعاد عن الكليشيهيات المألوفة في الأداء. كمذلك فسخ المخرجون مجالاً واسعاً للارتجال في الحركة وفي الحوار.

الموجة الجديدة الفرنسية، التي ظهرت في أواخر الخمسينات والسنوات التي تلتها، استدعت نموذجاً جديداً من الممثلين يميّزها عن الاتجاهات السائدة آنذاك. هذه الحركة - الموجة الجديدة - اتسمت بالحداثة والجدّة في أشكالها ومضامينها، وكانت تقتضي من الممثلين خاصيات معينة تتلاءم وتنسجم مع الحركة: المصداقية، الحيوية، الطزاجة، الخروج عن الأنماط السائدة، نبذ النجومية، القدرة على الارتجال.
وقد ارتبط بالموجة ممثلون وممثلات شباب قدموا أداءً جديداً ومختلفا يتسم بالعفوية والحيوية: جين مورو أنا كارينا، جان بول بلموندو، أنوك وايميه، جان بيير ليو، جان لوي ترينتينان.

تقول جين مورو: (وجدت نفسي بين أناس أفهمهم بطريقة أفضل. أناس أعجبت بهم وكنت أرغب أن أعفهم، هكذا بدأت السينما تعني شيئاً بالنسبة لي، حين شاركت في فيلم ترفو جول وجيم كان ذلك فرصة للإفلات من أسلوب النجوم، حيث الكثير من المكياج والاهتمام المفرط بالشعر والملابس. فجأة كنا نصور في الشوارع مع قليل من المكياج وبملابس عادية. لا أحد هنا يقول لك:ثمة دوائر حول عينيك، أو وجهك يعوزه التناسب.. كنا ننتهي من المكياج في ظرف عشر دقائق. المظهر الطبيعي هو المهم. واللقطة القريبة لا تستغرق فترة زمنية طويلة. لقد كنا في الحياة. الموجة الجديدة امتدت وراء نطاق لا أفلام.. كانت تعبّر عن موقف جديد من الحياة..


أما في أمريكا، فقد شهدت الخمسينات ثورة في أسلوب التمثيل السينمائي مع بزوغ ممثل من نوع مختلف تماماً هو مارلون براندو.. الذي لم يكن يمثل أسلوبا أو منهجاً جديداً فحسب، بل كان يجسّد قيماً جديدة أيضاً.

جيل الخمسينات، وفي أعقاب حرب عالمية مدمرة، كان يحتاج الى ممثل أو نجم جديد ومختلف عن نجوم السينما الرائجة كلارك جيبل، كاري جرانب، جاري كوبر، جون واين، جيمس ستيوارت.. نجم يمثل قلعة وطموحاته ويعبّر عن التغيير، نجم يزدري الكياسة والأناقة البورجوازية ويرفض المؤسسات الاجتماعية القائمة، نجم يجسّد البطل المتمرد ويمثّل الوعي المتغيّر. وبراندو كان يمثّل كل هذا بامتياز. لقد تفجّرت موهبته العميقة وطاقته الأخاذة منذ فيلمه الأول The Men سنة 1950، حيث قدم صورة عن متمرد الخمسينات الجذاب، الحساس،. المستلب، والذي لا يخلو من قسوة وخشونة وفظاظة. كان في أفلامه يجسّد أفراداً يجدون صعوبة في التعبير عن مشاعرهم والإفصاح عن آرائهم. وكان يضفي عمقاً وتبصراً على دور يؤديه. لقد تحول الى رمز لجيل قلق ومتمرد.

الذين شاهدوا راندو، آنذاك، وجدوا أنفسهم أمام وجه مختلف ومتمرد على كل الأصول والتقاليد في الأداء السينمائي، أمام حضور طاغ ومهيمن لم يعهدوه من قبل. شعروا بأنهم يشهدون بداية شيء لا سابق له.. أداء مشبّع بروح الحداثة. وفي حضوره كان الجمهور يعي، كما لم يحدث أبداً من قبل، نضال الممثل من أجل أن يحقق ذاته كفنان. فهو لم يخر الطريق الأسهل: أن يطفو على السطح ويحرز مؤثراته تقنياً ويكسب رزقه من الترفيه وتسلية الجمهور كما كان يفعل أغلب نجوم السينما السائدة، بل اختار الطريق الأصعب: ارتياد الذات وسبر الأعماق والكشف عن الروح الحقيقية. لذلك كان بالنسبة الى جيله.. الممثل الذي أضاء لهم الطريق. وهو لم يمارس تأثيره الهائل على جيل الخمسينات فحسب، بل امتد تأثيره الى الأجيال اللاحقة من الممثلين الشباب.

في الفترة نفسها، ظهر ممثل لا يقل أهمية وتمّيزاً عن براندو، هو مونتجومري كليفت. الذي مارس دوراً رئيسياً في الثورة. الى جانب قوة حضوره وجاذبيته وإمكانياته الهائلة، كان أداؤه يتسم بحساسية عالية. هذه الحساسية نابعة من فهم عميق للشخصية التي يعايشها عبر البحث والدراسة والتحضير الطويل، مدفوعاً بالرغبة في أسر جوهر الشخصية التي يمثلها. هو، من بين معاصريه، الأقل اعتمادا على الارتجال. كان واحداً من أوائل النجوم المستقلين في هوليوود، ونموذجاً للممثل الذي يساهم في أوجه عديدة من العمل السينمائي: السيناريو، الإنتاج، والتعاون الخلاق مع المخرج عبر علاقة إبداعية.

البعض يعتبر كليفت الذي توفي وهو في الخامسة والأربعين من عمره أعظم ممثل أنجبته الشاشة الأمريكية، والبعض الآخر يعتبره المنافس الحقيقي لمارلون براندو. يقول الممثل رود ستايجر: (كليفت هو الذي غيّر التمثيل الأمريكي وليس براندو. شخصية براندو كانت أعظم، لكن كليفت امتلك نقاءً وبساطة. براندو، بموهبته وقدرته الرائعة، يأتي بعد كلفيت.

جيمس دين، بدوره، كان مساهماً فعالاً في تثوير التمثيل السينمائي. لقد أحرز شهرته العالمية الواسعة، وحقق فرادته، ومارس تأثيره على مختلف الأجيال اللاحقة، عبر ثلاثة أفلام فقط: شرقي عدن، متمرد بلا قضية، العملاق.. وكلها عرضت سنة 1955، وهي السنة التي لقي فيها مصرعه فور اصطدام سيارته بعمود التليفون، وهو في الرابعة والعشرين من عمره.

لقد ساهم جيمس دين مع براندو في التعبير عن جيل الخمسينات، ذلك الجيل الباحث عن هوية جديدة، والراغب في التحرر من قيم الآباء والقادة، وحماية استقلاليته. ومع براندو وكليفت حمل لواء التمرد ضد الأنماط الكلاسيكية في الأداء.

براندو، كليفت، دين.. رموز تشكّل تحدياً لمثل وقيم تلك المرحلة. إنهم يمثلون النموذج الأوّلي للفرد المتمرد، المعزول، اللامنتمي، الذي يرتاب في هويته والذي يمثل نقيض الاتجاه الامتثالي والاستهلاكي. لم يكن عالمهم منظماً وواضحاً، بل كان غامضاً ومشوشاً ومكتنفاً بالالتباس. ثمة عنف وألم داخلي عميق في موقفهم ومواجهتهم لذلك العالم. وقد شعروا، أثناء ذلك، بوحدة عميقة.

وعلي صعيد التمثيل، يشكّل الثلاثة نقيض النموذج الرصين، الواثق من نفسه، الذي ميّز نجوم هوليوود في العقدين السابقين، لقد جاء الثلاثة بحساسية جديدة غير معهودة، ومع هؤلاء ظهرت على الشاشة شخصية جديدة، بتدعة بواقعية، وأوجدت لغة وإيماءات خاصة بروح الحياة الأمريكية في ذلك الوقت.. شخصية لا تخجل من إبراز جانبها الأنثوي وتمزيق قناع الفحولة غلاف النماذج السابقة التي تتباهي بذكوريتها ولا تتردد في كشف نقاط ضعفها وقلقها وهشاشتها.

ما جاء به الثلاثة الى الشاشة كان مختلفاً عن الأساليب السابقة في الأداء، والتي ظهرت حينما كان التمثيل لا يعتبر فناً بل يُنظر إليه كحرفة، وعندما كان الممثل ينال الإعجاب والإطراء بسبب مهارته في الترفيه والإمتاع، وليس بسبب قدرته على سبر أعماق الشخصية. أسلوب هؤلاء كان متحرراً من الإيقاعات المسرحية الضاجة والتقنيات المسرحية التقليدية.

إن التحول في الجوهر الفعلي للتمثيل السينمائي الأمريكي صار جلياً في سنوات الخمسينات، لكنه لم يحقق انتصارا شاملاً. كان ثمة تفاوت وتنوع في أساليب الأداء. وفي موازاة ذلك استمر نجوم تلك المرحلة في المحافظة على صورهم التي تشكلت طوال السنوات السابقة وتكرست بفضل العلاقة الحميمة، القائمة على الحب والإعجاب، بين الممثل وجمهوره من جهة، والممثل والكاميرا من جهة أخري.


المثل صار عنصراً خلاقاً في العمل السينمائي. إنه أحياناً، يختار المادة ويقترح المخرج وينتج الفيلم ويساهم في كتابة أجزاء من السيناريو. إنه يتعاون على نحو وثيق مع المخرج والكاتب. وهو في هذا يعارض النظرة السابقة التي تصر على أن دور الممثل ينحصر في التمثيل أمام الكاميرا فحسب، ويتبين النظرة الجديدة التي تري في الممثل كائناً خلاقاً، مساهماً في إنتاج العمل وليس موظفاً أو دمية.

يقول دوستين هوفمان: (إذا كنت سأقضي عامين ونصف العام من عمري وأنا أكرّس نفسي للعمل في فيلم ما، كما فعلت في كرامر ضد كرامر، عندئذ يتوجب على أن أكون أكثر من مجرد ممثل دمية. احتاج أن أكون طرفاً في العملية الإبداعية كلها من البداية الى النهاية..


ثمة دائماً لتشكيله من أنماط وأساليب التمثيل التي لا يمكن حصرها في منهج ما أو اتجاه ما. الحقل التمثيلي حسب وثري، ولكل ممثل خاصية فردية يحرص على صيانتها فيما هو يتصل بذات أخري وينتحل هوية شخص آخر.

الممثل والسيناريو


من المعروف أن السيناريو يخضع لسلسلة من المعالجات والتغييرات والتعديلات، من قبل المخرج والممثلين والمصور والمونتير، والمنتج أيضاً، حتى يصل الى مشكلة النهائي المعروض على الشاشة.

في ما يخص الممثل، في علاقته بالسيناريو، فما أن يُسند اليه دور ما حتى يطلب قراءة السيناريو، وذلك للتعرف على شخصيته ومضمون العمل وحبكته وقيمته، وليقرر بالتالي قبوله بالمشاركة، أو عدم قبوله، وفقاً لقناعاته الفنية والفكرية ونحن، بالطبع، لا نتكلم عن الممثل الذي تدفعه الحاجة المادية، أو الرغبة في الانتشار، لقبول أي دور فإذا اقتنع الممثل بالعمل وبدوره لكن شعر بأن هناك خللاً ما، أو نقاط ضعف في رسم شخصيته، فإن من حقه أن يطالب الكاتب والمخرج بإجراء تعديلات في بناء شخصيته أو في إعادة صياغة حواراته. ومن حقه أيضاً أن يشارك في إعادة كتابة بعض المشاهد إذا كانت غاية الممثل تعميق شخصيته وإضاءة أبعادها ودلالاتها، فالممثل عنصر خلاق في العملية الإبداعية، وتخيلاته بالتالي هي مشروعة.

يقول روبرت دي نيرو: (السيناريو يتغيّر أثناء التصوير. إنك دائماً تقوم بتعديلات معينة، خاصة عندما تجد نفسك في مأزق. وحتى لو كان السيناريو مكتوباً بشكل جيد، فإنه ليس من الملائم تصويره كما هو. ثمة أشياء تفعلها دون أن تكون واردة في السيناريو، والكاتب الجيد هو الذي يخلق للممثل بنية مناسبة ليعمل من خلالها. في الموقع، يحدث أن تخطر لك فكرة أن تنفّذ مشهداً ما بطريقتك الخاصة. عندما تحركت نحو هارفي كايتل وأطلقت عليه النار في فيلم سائق التاكسي فإنني لم أكن أعلم ما إذا كانت طريقتي مطابقة لما كان مكتوباً في السيناريو. لقد فعلت ما رأيته سليماً ضمن طبيعة الحالة. أستطيع أن أقول بأن عشرين أو خمسين بالمئة من الفيلم هو مختلف عن السيناريو. في أحوال كثيرة، الكاتب لا يعرف عن الشخصية أكثر مما يعرفه الممثل. إذا كان يكتب بطريقة ذاتية جداً فسوف تشعر بأنه يفرض مشاعره الخاصة من خلال الشخصية. إذا كان الشخص لاعب بيسبول فإن الكاتب لا يعرف بالضرورة طبيعة السلوك المهني لهذه الشخصية في وضع معين، المثل هو الذي يتعين عليه أن يدرس هذا السلوك بطريقته الخاصة وأن يشتغل على التفاصيل..

وتقول ليندسي كروز: (السيناريوهات غالباً ما تكون تمهيدية أو ناقصة. السيناريو عبارة عن كينونة حية متغيرة الى حد أن من الصعب أحياناً أن تقرر أي شيء من نسخة السيناريو التي قرأتها في المرة الأولي. ذات مرة استلمت سيناريو. وفي الفترة الفاصلة بين قراءتي له وتعاقدي للعمل فيه، اكتشفت أنه تغيّر كثيراً الى درجة أنني لم أستطع التعرف عليه، لم يعد كم كان حين قرأته في البداية.

لكن تدخلاته الممثل في السيناريو تكون مرفوضة حين يسعى الممثل الى توسيع حضوره على حساب الشخصيات الأخرى والعمل ككل، كأن يطالب بمساحة أكبر من الحضور، وتضخيم حجم دوره وإضافة حوارات لشخصية. هذه المطالب السطحية، غير المبررة فنياً، لا تعمّق العمل - وشخصيته تحديداً - بل، على العكس، تضر وتشوّه، ومثل هذه المطالب أو الاقتراحات لا تصدر إلا عن نجم أو ممثل يعتقد أنه نجم يهتم بتلميع صورته أكثر من اهتمامه بالعمل.

علي النقيض من هذا النموذج، نجد الممثلة ميريل ستريب تطالب باختزال مشاهدها من فيلم ironweed، ويعلق مخرج الفيلم هيكتور بابينكو قائلاً:

(هذا شيء نادر الحدوث. لقد طلبت مني اختزال مشاهدها وتقليل دورها. وكانت مصرّة، رغم معارضتي، على تقليل الزمن السينمائي لحضورها من أجل جعل شخصيتها تبدو أكثر غموضاً. أغلب الممثلين يطالبون بالمزيد من الحضور، بمساحة أكبر لتعزيز أدوارهم، لكن ميريل لا تنتمي الى هذه النوعية.. إنها تهتم بالفيلم أكثر من اهتمامها بدورها..

وهذا ما فعله كلينت ايستوود أثناء عمله في فيلم (حفنة من الدولارات... يقول كلينت:
(كان سيناريو الفيلم شديد الإيضاح. وكان رأي أن تكون شخصيتي مكتنفة بمزيد من الغموض، فأخذت أردد على مسامع المخرج سرجيو ليوني ما معناه أن في أفلام الدرجة الأولي، أنت تدع الجمهور يفكر معك، أما في أفلام الدرجة الثانية، فأنت تشرح له كل شيء. كانت تلك هي طريقتي في توصيل فكرتي الى المخرج. كان هناك، مثلاً، مشهد يقرر فيه البطل أن ينقذ امرأة وطفلها، فتسأله: لماذا تفعل ذلك؟.. في السيناريو الأصلي، يستمر البطل طويلاً في سرد قصته... إنه يتحدث عن أمه، وكل الحبكات الجانبية تخرج اليك وكأنها تقفز من قبعة ساحر. وقد رأيت أن ذلك كله غير جوهري، فأعدت كتابة المشهد.

قبل يوم من تصويره، ليصبح هكذا... تسأل المرأ: لماذا تفعل ذلك؟ .. فيجيب: لأنني صادفت ذات مرّة مثلك، ولم يكن هناك من يمد لها يد العون.

هكذا استطعنا أن نختصر صفحات من الحوار في جملة واحدة/. لقد تركنا الأمر شبه مبهم لتثير تساؤل الجمهور..

الممثل الخلاق يتعامل مع السيناريو على المستوي الإبداعي، معتمداً الحفر والتحليل والبناء. يقول هارفي كايتل:

(عندما تستلم السيناريو تقوم بتحليله، تحضر فيه لتكتشف من أين جاءت الشخصية، ما هي خلفيتها، ما الذي تفعله، ما هي رغباتها، ما هي مخاوفها، كيف تعيش.. إنك تحلل ما كان يدور في ذهن المؤلف، هذا يشبه الواجب المدرسي الذي تفعله في البيت. وتقول جيسيكا لانج:

(عندما يكون السيناريو مكتوباً بشكل جميل ومدهش، فإنه يتعين عليك أن تلتزم به وترتفع الى مستواه. أحياناً تحصل على سيناريو وتجد نفسك مضطراً الى خلق الشخصية من لا شيء. وفي هذه الحالة، يتعيّن عليك أن تكتب حوارك الخاص، وأن تخترع أو تركّب الأشياء لتحقق شخصية متعددة الأبعاد.


هناك ممثلون لا يميلون الى إجراء تعديلات في السيناريو أثناء التصوير، لأن ذلك يخرّب ما هيأ الممثل نفسه له من خلال التحضير للدور.

يقول وليام هيرت: (أكره التنقيحات التي يتعرض (السيناريو. إني أقوم بالتحضير لكل دور يحرص عليه، واحتاج الى وقت لفعل ذلك. إن إدخال كلمة جديدة يمكن أن تغيّر المشهد كله بالنسبة لي. سيناريو فيلم قبلة المرأة العنكبوت تعرّض للتنقيح طوال الوقت، وهذا جعلني أبدو غير محصن، وغير واثق من وضعي، كنت أذهب الى كل مشهد وأنا غير مهيأ ودون تحضير، ذلك كان مروعاً، إذ أك تحاول التحضير لدورك قبل وقت طويل بحيث لا تتفاجأ في المشهد. لم أكن بحاجة الى مفاجآت. التمثيل هو أن تصغي الى الممثل الآخر، واالكثير من المفاجآت تمنعك من الإصغاء..

الممثل، في تعامله مع السيناريو، يسعى أولاً الى التفاعل معه ثم يحاول فهم دوره، وفي هذا تتفاوت طرق التعامل مع النص من ممثل الى آخر.

ميريل ستريب: (إذا لم يخفق قلبي بسرعة فائقة عندما أصل الى الصفحة 15 أو الصفحة 20 من السيناريو، فإنني أضع السيناريو جانباً وأفقد الرغبة في مواصلة قراءته. إني أبحث عن ارتباط خاص، صلة عميقة، تفاعل عاطفي، فأنا لا أقترب من النص على المستوي الفكري فقط.

جين مورو: (علي المرء ألا يبحث مطلقاً في السيناريو عن المعني. حين ينتهي العمل، يأتي المعني من تلقاء نفسه..

إيزابيل أوبير: (عند اختياري للدور، أرغب في البداية أن أمتلك فكرة عامة عن شخصيتي. بعد ذلك أحاول أن أعمقها. غالباً ما كنت ألاحظ بأن فهم المخرجين للشخصيات المكتوبة في سيناريوهاتهم هو أقل من فهم الممثلين أنفسهم للشخصيات.

صوفيا لورين: (حين أقرأ السيناريو للمرة الأولي، لا أفهمه وأشعر بالتوتر والقلق، لذلك أقرأه عدة مرات وأناقش المخرج، وقد نتفق على إجراء بعض التعديلات، ثم أدرسه لفترة طويلة، وبعدئذ أنساه، وحين نبدأ التصوير أراجع كل مشهد وأمثل. إنني أدوّن بعض الملاحظات والإشارات في مشاهد معينة.. ليست ملاحظات تقنية، فأنا أعمل وفق عواطفي..

جين هاكمان: (أنا لا أشتغل كثيراً على السيناريو. ربما يتعيّن على أن أفعل ذلك. إني أقرأه وأتخذ قراري بشأنه منذ القراءة الأولي، ثم أعود اليه بعد أسابيع. وعادةً لا أقرأه إلا حين نكون مستعدين للتصوير أو حين تكون هناك بروفات. بمجرد أن أوافق على السيناريو، فإني أفكر فيه كثيراً وأعيش مع الشخصية، إني أؤمن بغاية المؤلف، بما يريده من مشهد معين، وما أستطيع أن أقدمه الى ذلك المشهد ضمن السياق الذي وهبني إياه..

جان لوي ترينتيان: (لا يجب على الممثل أن يمتلك ذاتية خاصة أو وجوداً شخصياً على الإطلاق. يجب أن يزيل الطبقات ويصل مثل صفحة بيضاء خالية. هذا صعب جداً.. أشبه باستعادة براءة الطفولة. عليك أن تعطي الانطباع بأن السيناريو لم يُكتب أبداً، وأنك تخترعه في لحظة الأداء: نوع مدروس من الارتجال..

إيان ماكيلين: (أعتقد أن كل إجابة على معضلات الممثل يمكن الكشف عنها من خلال النص إنها مسألة قراءة النص بعناية شديدة، وفهم كيفية تركيب اللغة بمساعدة الإيقاع والمجاز والعناصر الأخرى. أعتقد أن براعة الممثل، بعد امتصاص كل المعرفة التقنية، تكمن في جعل تلك المعرفة خفيّة بالنسبة للجمهور..

المخرج أنتونيوني يطرح رأيا متعارضاً مع ما يسعى معظم الممثلين الى فعله أثناء قراءتهم للسيناريو وهو الرغبة في فهم العمل والشخصيات. فالمخرج هنا لا يحبذ هذا المسعى للفهم، وهو في هذا يتواطأ مع أولئك المخرجين الذين سنشير إليهم فيما بعد، والذين لا يميلون الى إطلاع ممثليهم على السيناريو.

يقول انتونيوني: (لا يتعين على الممثل السينمائي أن يفهم بل أن يكون قد يجادل الممثل قائلاً بأنه من أجل أن يكون، يحتاج الى أن يفهم. هذا ليس صحيحاً وإلا فإن الممثل الأكثر ثقافة سيكون الممثل الأفضل. والواقع يثبت العكس في أحوال كثيرة.
الممثل الذي يريد أن يفهم، يحاول الوصول الى قاع كل شيء، حتى الظلال الدقيقة للمعني. وفي محاولته لفعل ذلك، يتجاوز حدوده ويتعدى على أرض ليست أرضه، وفي الواقع، هو يخلق لنفسه عوائق وعقبات. إن ملاحظاته على الشخصية التي يؤديها والتي، وفقاِ للنظرية الشائعة، سوف تفضي به الى رسم خصائص دقيقة للشخصية، لا بد وأنها سوف تسلبه الفعالية وتجرده من الطبيعية. ينبغي على الممثل أن يصل الى الموقع وهو في حالة بكر، وكلما اعتمد أكثر على الحرس، صار أكثر تلقائية.

المخرج ميلوش فورمان يؤكد هذا في قوله: (لا يعنيني إذا فهم الممثل طبيعة ومحتوي ومغزى المشهد، أو ما أريده، طالما هو يؤدي دوره على النحو المطلوب. المهم هو النتيجة ليس مهماً ما يعرفه الممثل أو ما يظنه، بل ما يفعله..

وفي حديث للمخرج الألماني فرنر هيرزوغ عن الممثل برونو وعلاقته بالسينايو، يقول هيرزوغ: (الممثل برونو من النوع الذي ما إن يحصل على السيناريو ويعرف الحوار حتى يشرع في تدريب نفسه، وهو يدير نفسه في مواقف وأوضاع أحياناً تكون سيئة ومزعجة جداً. في فيلم لغز كاسبار هاوسر أعطيته المشهد الذي فيه يتلقى طعنة والحوار الذي يلي ذلك. كان يستيقظ في الصباح ويتمشى عبر البلدة الصغير التي كنا نصور فيها دون أن يخلع ملابس الشخصية، كان يدير نفسه بنوع من الاهتياج ذات صباح جاء الى وقال: فرنر، برونو الآن سوف يريك صرخة الموت... وأخذ يطلق صرخة مدوّية، وكان جاداً في ذلك. قلت له: برونو، أرجو