لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

قاسم حداد بصوته قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع























































 

ثقافة الحياة الآن، الواقع أم صورُهُ الافتراضية؟

هل من ثقافة جديدة، اليوم، مختلفة عن الثقافة وفق مفهومها التاريخي المتداول والمتفق عليه؟
المتغيرات العميقة التي لا تزال تواصل تثبيت أركانها في حياتنا المعاصرة منذ الحوار الأول عام 1969 بين كومبيوترين موجودين في مكانين مختلفين، قلبت المفاهيم "الكلاسيكية" السائدة منذ قرون وأجيال، مثلما قلبت وسائط تعبيرها، وأدواتها، رأساً على عقب. وها هي اليوم، في رأي معتنقيها، تخلق قادتها وفلاسفتها ومنظّريها ومهندسيها وفنّانيها وأدباءها وإعلامييها وسياسييها، الواقعيين والافتراضيين. مثلما تخلق مفاتيحها وقيمها وأمزجتها وقوانينها وتقاليدها، وتصنع لنفسها أبطالاً وجماهير ومريدين.
لقد اهتزّت المراجع الفكرية التي كانت تقوم عليها مفاهيمنا التاريخية، ولم تعد "مصادرنا" هي الأفكار الفلسفية والعلمية التي أرسى مرتكزاتها فلاسفة القرون الثلاثة الأخيرة، وعلماؤها ومفكّروها، ولا حتى منهم، ربما، هؤلاء الذين لا يزالون يواصلون الجدل والمناقشة حتى اللحظة الراهنة.
هذا ما يعلنه روّاد العيش الجديد، معتبرين أن ما يطاول الفلسفة والفكر، يطاول في الحين نفسه، العلوم في أنواعها الشتّى، والمعايير، واللغة، ووسائل الاتصال والتواصل بين البشر، والبزنس، والحب، والجنس، والجامعات، والفنون البصرية، والرقمية، والسينما، والعمارة، والآداب، والألعاب، ووسائل الإعلام، والديموقراطية، والحرية، والسياسة. وهلمّ.
بل هذا ما تنبئنا به وقائع العيش نفسه. وهذا ما يمارسه "الفرسان"، أبناء الأجيال الجديدة، في مستويات وتجليات مختلفة.
إذا كان بعضنا يغامر في القول إن هناك حياةً جديدة، مغايرة، مختلفة، مضادة، موازية، متوازية، انقلابية أو بديلة، تعاش في عالم الانترنت المغاير، أفلا نستطيع القول إن هناك، في ضوء المصائر والأحوال المتغيرة، ثقافة جديدة، واقعية - افتراضية، تمدّ قنواتها في جسم الحياة الجديدة، وفي عقلها؟ تالياً: إذا كان "حقيقياً" كلّ هذا الذي يجري ويُعاش، فكيف يتجلّى في الثقافة نفسها؟
هذا هو السؤال الذي يطرحه هذا العدد السنوي الخاص من "الملحق".
تناقش السؤالَ، وتلقي الضوءَ على إشكالياته، مجموعةٌ من الزملاء والكتّاب والمثقفين المختصين مباشرةً بتبدلات العيش الراهن ومفاهيمه الفكرية.

ثقافة الحياة الآن، هل هي الواقع نفسه أم صورُهُ الافتراضية؟

"الملحق"

***

أن نَنسى مستحيل... وأن نُنسى كذلك!

في التاسع والعشرين من تشرين الأول عام ألف وتسعمئة وتسعة وستين أشرف ليونارد كلاينروك على فريق نجح في جعل جهاز كومبيوتر في جامعة كاليفورنيا "يتحدث" إلى جهاز آخر، وكان مؤمنا بأن استخدام الشبكة التي ستنجم عن ذلك سيكون بسهولة استخدام الهاتف حينذاك. في ذلك الوقت لم يكترث أحد لإختراع كلاينروك الذي عرضه للمرة الأولى في أطروحة تخرّجه عام ألف وتسعمئة وإثنين وستين، وسمع من الشركات التي جال فيها لبيعها الفكرة أن الخطة لن تنجح، وحتى لو نجحت فإن الشركات لا تريد الدخول في مثل هذا المشروع.

واصل الرجل أبحاثه، على رغم كل شيء، وحصل على تمويل من وكالة تأسست للرد على إطلاق الإتحاد السوفياتي في تلك الفترة رحلة "سبوتنيك" الشهيرة إلى الفضاء. دخل مشروع كلاينروك في الحرب الباردة، وصار جزءاً منها، إلى أن توصّل في عام ألف وتسعمئة وثمانية وثمانين إلى اصدار أول برنامج معلوماتي يتضمن "جرثومة". يومذاك ولد الطفل المسمّى "انترنت".

لكن كلاينروك، الذي يبلغ اليوم خمسة وسبعين عاماً من العمر، لم يتصور قطّ ظهور برامج مثل "فايسبوك" أو "تويتر" أو "يوتيوب" عندما ابتكر الإنترنت قبل أربعين عاماً، ولم يفكر للحظة في أنه سيرى صوراً لزوجة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وهي شبه عارية أو في ثياب السباحة، ولم يكن ليفكر للحظة آنذاك في أن اختراعه سوف يحمل على ممارسة الجنس عبر "الويب كام" على بعد آلاف الكيلومترات، وهو طبعاً لم يكن يفكر في أن أحدهم، سيكون في مقدوره أن ينشر "افكاره" "العظيمة" على الـBLOG خاصته بلا أدنى تحفّظ. هذا كله لم يكن في الحسبان. فقد اعلن كلاينروك خلال احتفاله بالعيد الأربعين للإنترنت، أنه يفاجأ بالبرامج التي تظهر، واصفاً اختراعه بأنه "لا يزال يافعاً جداً". بيد أن الإنترنتت بطريقة مرعبة، تذهب إلى حد استحالة توقع الآتي. ففي أعوام قليلة باتت المعلومات، التي كانت في ما مضى، أصعب ما يمكن المرء الحصول عليها، أبسط المستطاع، فخدمات "غوغل" مثلاً تتيح لأيّ مرتاد للشبكة العنقودية أن يحصل على ما يريد من معلومات عن الموضوع الذي يطرحه على الشبكة. بكبسة زرّ على كلمة "بحث"، بعد كتابة الكلمات التي يحتاج المرء إلى معلومات عنها، يحصل على كمية كبيرة من المعلومات، بمعزل عن أهميتها أو صحّتها. هذه الخدمة، التي أصبحت من بديهيات الإنترنت، تطورت كثيراً في الآونة الأخيرة، حتى باتت تطاول المعلومات الخاصة بمشتركي مواقع التعارف، من وزن "الفايسبوك"، وذلك عبر نظام تبادل المعلومات بين الـ"غوغل" والـ"فايسبوك". بمعنى أن كل مرتاد للـ"فايسبوك"، سيكون حكماً جزءاً من الـ"غوغل"، وسيشارك العالم مرغماً المعلومات الكاملة عنه، إلا إذا أوقف هذه الخدمة بنفسه، وهذا متاح له بطريقة أو بأخرى.

الحق في أن نُنسى

لكن المسألة تخطّت ذلك بكثير، فالمعلومات التي تحويها شبكة الإنترنت، خرجت على طور السيطرة عليها، وباتت مباحة لكل من يريد الدخول والبحث عنها، لتشكل مأزقاً حقيقياً لمعظم مستخدمي الشبكة. فقد طرح أحد المواقع الإلكترونية الفرنسية المعضلة بالطريقة الآتية: "ثمة مراهق كتب ذات مرة مقالاً فظاً ونشره على الإنترنت. شبّ المراهق، وبات شاباً يبحث عن وظيفة. أحد مستخدميه المحتملين مهووس بالإنترنت. يقع من طريق المصادفة على المقال. فهل يوظّفه؟ لنفترض أن رجلاً خرج للتو من السجن، لإدانته بتعاطي المخدرات مثلاً. هو تعافى من إدمانه ويريد بدء حياته من جديد. فهل يكون ذلك ممكناً عندما تتربص به الإنترنت لتفضحه أمام الناس؟". هذه المقاربة البسيطة، تطرح مشكلة خارجة على السيطرة، ألا وهي عدم قدرة الزمن على لفظ المعلومات خارج الشبكة، فالأرشيف يظلّ متوافراً فيها بشكل مباح ويمكن الحصول على المعلومات في الوقت الذي يريده المستخدم، ويصعب محو هذه المعلومات إذا ما صارت مباحة للعلن، لأن الإنترنت معنية بما يسمّى "الذاكرة المطلقة"، كما يسمّيها مؤسس معهد "اوروتكنوبوليس"، حيث يحفظ كل شيء: الصالح والطالح، الذكريات والأخطاء الماضية، كتابات لم نعد نؤمن بمضمونها، مقالات نرغب في محوها، أي كل ما يشكل تحدياً أمام حريتنا العامة". من هنا كانت الدعوة إلى سنّ قانون النسيان الإلكتروني في فرنسا، الذي لا يزال، على ما يبدو، عصياً على التنفيذ.
القانون هذا يستند إلى الحق في أن نُنسى (بضمّ النون) الكترونياً، لكنه يصطدم بمعوقات كثيرة، منها "النسخ واللصق"، حيث يقدم مستخدمون ألكترونيون على نقل معلومات تخص مستخدمين آخرين وحفظها لديهم، فضلاً عن أن هذا القانون، الفرنسي الأصل، ليس عابراً للقارات، ولا تعترف به العديد من الدول، فيما الإنترنت موجودة في كل شبر من البسيطة. والحال أن مستخدمي الشبكة هم غالباً سبب المشكلة التي ستطاردهم لاحقاً، وخصوصاً عندما يضع كثيرون منا صوراً أو معلومات على الـ"فايسبوك"، سرعان ما تنتشر لدى كثيرين. فمن الضرورة أن نبقى يقظين وأن نبقي المعلومات التي تعنينا تحت سيطرتنا، وخصوصاً أن ثمة شركات مهمتها جمع المعلومات الإلكترونية من أجل ابتزاز أصحابها الآن أو لاحقاً.

فقد تسببت صورة على موقع الـ"فايسبوك" في توقف شركة تأمين كندية عن سداد مستحقات موظفة في إجازة مرضية طويلة لإصابتها بالاكتئاب.
وبدت ناتالي بلانشار مبتسمة في صورة منشورة في موقعها، الأمر الذي رأت فيه شركة التأمين سبباً كافياً تنتفي معه مسببات المخصصات المرضية التي تدفعها لها.

وقد عدّد موظف التأمين لبلانشار مجموعة من الصور الشخصية لها منشورة على "فايسبوك"، منها واحدة وهي تبدو مستمتعة بوقتها في بار، وأخرى لحفل عيد ميلادها، وثالثة وهي متعطلة تحت الشمس.

واتخذت شركة التأمين الصور كأدلة دامغة على تعافيها من الاكتئاب واستعدادها للعودة إلى العمل. هي ابتسامة إذاً في صورة فوتوغرافية على الـ"فايسبوك"، افقدت هذه السيدة مخصصات مالية كانت تستحقها.

ثمة مشكلة برزت لدى إطلاق موقع الـ"فايسبوك"، حيث قيل إن هذا الموقع تابع لوكالة الإستخبارات الأميركية الـCIA، التي وضعت الموقع في الأسواق لتجمع معلومات عن كل مستخدمي الشبكة، ليتم الاستعانة بها أمنياً. وخرجت مقالات وتقارير لتؤكد هذا الأمر، وقد يكون صحيحاً، لا بل يمكن التسليم بأنه صحيح، لكن السؤال الأصعب: هل يمكننا أن نقاوم رغبتنا بالخوض في اللعبة؟ هل يمكن أن نقف متفرجين خوفاً من أن تحصل الإستخبارات الأميركية على معلومات عنا؟ شعرة لا تنقطع قط، تفصل بين الوجودية والإفتراضية، بين افتراض الوجود والوجود في الإفتراض. حتى الـCIA تصبح عرضة للرقابة والخرق في الشبكة التي لا حدود لها.

لا نسأل ردّ القضاء بل...

الـ"فايسبوك" هو الموقع الذي يجاهر صراحة بإفشاء المعلومات وطرحها في سوق التبادل، ففيه يتم البحث عن الأشخاص بالصور والأفلام والمعلومات الدقيقة، ويمكن التأكد من الإسم عبر الصورة أو الفيديو، أو مستندات أخرى ينشرها المستخدم. كما أنه اصبح وسيلة إعلامية وإعلانية، غاية في القوة والنفوذ. عبره يستطيع المرء أن ينشر المقالات والأفكار، الصور والأفلام، والمستندات. يمكن المرء أن يبحث في الـ"فايسبوك" عن الكثير من المعلومات التي تجعله يخترق خصوصيات الغير لمعرفة التفاصيل الدقيقة عن الأشخاص، ويمكن كل شخص أن ينشر صوراً أو معلومات عن أشخاص آخرين ويعرض هذه المعلومات على العلن عبر خدمة "التاغ" TAG، وبذلك تصعب السيطرة على كيفية استخدام المعلومات. فإذا وقعت واقعة الـTAG، فلا

رامي الامين

***

الأطفال لا يحبّون الجنّة...
يفضّلون الجحيم

لو افترضنا أننا نعيش بدل الحياة الواحدة حيوات، وأننا بعد الموت ننبعث مرات ومرات من دون أن نبلغ العدم أو ربما الحياة الأبدية. لو افترضنا أننا نستطيع أن نحكم العالم بكبسة زر وأن نتملّك أراضي وبنايات وأن نشغل وظائف تجعلنا من أغنى أغنياء العالم، ولو افترضنا أننا نحن الخصم والحكم، في يدنا أن نختار قدرنا وأن نغيّره بحسب مشيئتنا...

فرضيات. جميعها فرضيات كان العقل البشري قبل اختراع ألعاب الفيديو، يجسّدها على شاكلة تخيلات وهمية إلى أن تجسّدت مرئياً على الشاشات بأبعادٍ ثنائية وثلاثية. بات الأمر يتخطّى الخيال الإنساني اللامرئي ليتجسّد في عوالم افتراضية متعددة تطاول جوانب الحياة كلها.

بدأت هذه العوالم الإفتراضية المرئية بالظهور في عام 1947 عندما اخترع البروفسور الأميركي توماس غولد سميث الإبن، أول لعبة فيديو سمّاها "أداة أنبوب الأشعة المهبطية المسلية". كان الزمن وقتذاك زمن الألعاب المصنوعة يدوياً التي يشهد علم النفس بأهميتها في تحفيز الخيال عند الأطفال ما يجعلهم خلاّقين، على اعتبار أنهم يخترعون لعبهم وينفّذونها بمهاراتهم الشخصية. في ذلك الوقت كان الأطفال هم الذين يخترعون عالمهم الإفتراضي ويخترعون أصدقاءهم الوهميين ويحددون ملامحهم، كلٌّ بحسب مخيّلته.

الآلة تتحكم بالطفل لا العكس

بعد سنوات عدة، وفي عام 1972، أُطلقت أول لعبة فيديو لغرض تجاري تحت اسم "كومبيوتر سبايس"، فكان أول جهاز ألعاب فيديو يتصل بالتلفزيون لعرض الصور. بعدذاك تكاثرت الألعاب الإلكترونية بسرعة، فأفقدت الألعاب البدائية مكانتها، ورويداً رويداً حلّ العالم الإفتراضي الإلكتروني الذي يتفاعل فيه الطفل مع أبطال لعبة الفيديو مكان العالم الإفتراضي الخيالي اللامرئي الذي يخترعه الطفل، إلى أن أصبح عسيراً فصل الواقع الإفتراضي عن الواقع الحقيقي في حياة الأطفال اليومية، فصارت الشركات الكبرى المصنّعة للألعاب الإلكترونية هي التي تضع قيم العالم الإفتراضي بعدما كان الطفل هو صانع عالمه. غابت خصوصية الخيال عند الأطفال فتشاركوا بعالم افتراضي واحد ترسمه الدولة المنتجة للعبة الإلكترونية الأكثر جذباً للجمهور. غابت خصوصية الخيال لأنه بات مطابقاً إلى حد كبير للواقع. كانت الألعاب الإلكترونية عالماً في ذاته، لا يشبه الواقع ولا يشبه الخيال حتى. لنا أن نتذكر لعبة "النينتاندو" مثلاً. لعبة بسيطة، الشخصيات فيها غير واقعية وغير خيالية أيضاً. شخصيات بسيطة بأقل من خيال يمكن ابتكارها. فلويجي وماريو، بطلا اللعبة الشهيرة، كانا شخصيتين أقل من عاديتين. وظائفهما بسيطة جداً. يتحركان ويقفزان. وهذا كان كفيلاً تمكينهما من تفادي الحواجز. الجيل الجديد من الألعاب يقترح معادلة أكثر تعقيداً: الخيال هو أن نرتقي إلى الواقعية ما استطعنا. فألعاب سلالة "النينتاندو" أوصلت إلى الـ"بلاي ستايشن"، التي وضعت الحياة في مجالات مختلفة في آلات تحكّم موصولة إلى اللعبة في يد الأطفال. كنا نسمّيها "مسكة"، أي أننا من خلالها نمسك بالشخصيات ونحرّكها على سجيتنا. وكان ذلك مبعث فرح طبعاً، لأن إحكام القبضة على الشخصيات يُشعر الطفل بسلطة استثنائية. في ألعاب اليوم، باتت السلطة في يد اللعبة، أي انتقلت "المسكة" إلى يد اللعبة، لتتحكم هي بالطفل. وبهذا، فقد الطفلُ السلطة.
"الكارثة" هذه، أي فقدان الطفل السلطة، جعلته عموماً، يفقد السيطرة. لهذا، انترنتياً، نجد الكثير من الأطفال فاقدي السيطرة، يهيمون في الألعاب الكثيرة التي تتحكم بهم، وتجعلهم عرضة لأمراض نفسية وجسمانية.

تصاعدت الأصوات المحذِّرة من خطر هذه الألعاب الإفتراضية الإلكترونية على الأطفال، نفسياً وصحياً. فقال خبراء الصحة إن تعوّد الأطفال على هذه الألعاب قد يعرّضهم إلى أخطار إصابات في الرقبة والظهر والأطراف، وإن الوميض المتقطع بسبب المستويات العالية والمتباينة من الإضاءة فيها قد يتسبب في حدوث نوبات صرع، ووصل الأمر ببعضهم إلى المطالبة بضرورة كتابة تحذيرات عليها، من مثل التحذيرات المكتوبة على علب السجائر.

أما علماء النفس فقالوا إنها تشجع على الانحرافات السلوكية الخطيرة التي قد يكتسبها الطفل، كالعنف والعدوانية والتفتح المبكر على الجنس والميل إلى الإنزواء والإنطوائية، وأحياناً العزلة التامة. كما أنها تخفف من الذكاء وتقلل من الخلق وخصوصاً أن الأطفال يدمنون هذا العالم الإفتراضي ويمضون معظم وقتهم فيه، فيستيقظون في الليل للتحقق من شخصياتهم الإفتراضية والإطمئنان اليها، وأحياناً يهربون من المدرسة ويقصدون أماكن تمكّنهم من الإتصال بعالمهم الإفتراضي. دفع هذا الإدمان الدكتور كليفورد هيل، المشرف العلمي في اللجنة البرلمانية البريطانية لتقصي مشكلة الألعاب الإلكترونية في بريطانيا إلى القول: "لقد اغتُصبت براءة أطفالنا أمام أعيننا وبمساعدتنا بل وبأموالنا أيضاً. وحتى لو صودرت جميع هذه الأشرطة فإن الأمر سيكون متأخراً للغاية في منع نموّ جيل يمارس أشد أنواع العنف تطرفاً في التاريخ المعاصر".

غياب البراءة

مع غياب البراءة، بات كل شيء مباحاً ومتوقعاً من الأطفال. فغريزة "الجريمة" التي تسكن كل طفل، تجد تصريفها في الألعاب التي تجري غالباً في شوارع وأحياء ومدن افتراضية، تعمّها الفوضى والسرقات والقتل والإغتصاب. يمكن الطفل أن يفعل كل ما يريد في بعض الألعاب الإفتراضية. يمكن أن يضرب ويقتل ويمزّق ويحرق ويفجّر. يمكن أن يحتل ويسرق ويغتصب. له أن يفعل ما يريد. أن يطلق النار، أن يكون شريراً أو خيِّراً، لصاً أو شرطياً، جلاّداً أو ضحية. بكبسة زرّ يختار ما يريد. في الشوارع الإفتراضية يهيم، يبحث عن ضحاياه، يبحث عن نفسه، عن امه وأبيه. يحدث أحياناً أن يقتلهما عمداً في لعبة ما. يُنزلهما من السيارة، ويطلق عليهما النار. ثم يحييهما من جديد. ويعيد قتلهما في محلّ للمجوهرات، ثم يحييهما ويقتلهما في المقهى، وهكذا دوليك. هو مفهوم العقاب المتعاقب والمتكرر الذي يقول به الله في الجحيم. تتيح الألعاب ابتكار الجحيم التي نريد، أما الجنّة فليس لها روّاد كثر. غالباً تبدو في الألعاب كمعرض للرسم، رتيب ومضجر.
الأطفال لا يحبّون الجنّة، في الغالب الأعمّ، يفضّلون الجحيم!

مع ذلك، فقد لاقى العالم الإفتراضي الإلكتروني رواجاً جعله أمراً واقعاً لا مفرّ منه، فلانت أصوات علماء النفس الذين عادوا ورأوا في هذه العوالم بعض الإيجابيات قائلين إنها أداة مفيدة لمساعدة الاطفال في التمرن على ما يتعلّمونه في الحياة الفعلية. على اعتبار أن العالم الإفتراضي تفاعلي يتعلم الأطفال من خلاله الكثير من جوانب الحياة الفردية والإجتماعية من دون خشية التعرض الى عواقب أفعالهم أو الخوف من الوقوع في الخطأ او العقاب، كما هي الحال في العالم الواقعي. وقد استغلّت دول كبرى هذه النظرية فوظّفت اختراعاتها لتدريب الصغار على مستقبل ترسمه لهم.

حروبٌ افتراضية الأطفالُ أحصنةُ طروادتها

هكذا بدأت حروب العالم الواقعي لتدريب الأطفال من خلال العالم الإفتراضي، فأطلقت الولايات المتحدة الأميركية لعبة غزت السوق العربية عن احتلال الجنود الأميركيين لعواصم عربية من بينها بيروت وبغداد، ردّ عليها "حزب الله" بإطلاق لعبة "القوة الخاصة" تحت شعار الممانعة، مروّجاً لها بأنها نصر على العدو الذي يحاول بث معتقداته من خلال ألعاب أميركية مضرّة نفذت إلى عقول الشباب والأطفال. المفارقة أن هذه اللعبة لا تختلف في مضمونها عن الألعاب الأميركية من حيث العنف الموجود فيها، فهي تعتمد على القتل وإسالة الدماء، لكن تحت راية المقاومة.
"مسلّحاً" بالنجاح الذي لاقته لعبته الأولى، طرح "حزب الله" في عام 2006 لعبة جديدة تروي حكاية "الوعد الصادق" مطلقاً عليها اسم "القوة الخاصة -2". يقوم سيناريو اللعبة على عملية أسر الجنديين في 11 تموز 2006، وفيها يتمكن اللاعبون من إطلاق الصواريخ على المستوطنات الإسرائيلية. واعتبر الحزب أن "من حق الطفل اللبناني أن يعرف ما حصل في الجنوب ليقوم بمحاكاة للفعل الجهادي ولفعل تحرير الارض" (في مقابلة مع مسؤول الانشطة الاعلامية في "حزب الله" الشيخ علي ضاهر لجريدة "الأخبار"). وافاد "حزب الله" في لعبته هذه من تقنية الأبعاد الثلاثية التي يقول عنها رائد الواقع الافتراضي الباحث جارون لانيار إنها "الأخطر لأنها الأفعل"، فالإدراك والمعرفة الانسانية مصممان للعمل على الأبعاد الثلاثية، ما يسهّل عمل العالم الإفتراضي الثلاثي البعد للتحكّم في العقول.

يعود تاريخ دخول تقنية الأبعاد الثلاثية إلى الألعاب الإلكترونية من طريق الإنترنت الى عام 1999 مع الأميركي فيليب روزدال الذي أسس شركة "ليندن لاب" بهدف تقديم خدمة جديدة لزوار الإنترنت. مع هذه التقنية تخطى جمهور العالم الإفتراضي الأطفال فجذب الناس من جميع الأعمار، الأمر الذي استغلّته الشركات الكبرى فجعلت من هذا العالم الإفتراضي ميدان اختبار ثلاثي البعد لأغراض التسوق، كما فعلت شركات "سوني بي إم جي ميوزيك إنترتايمنت"، و"صن مايكروسيستمس" و"نيسان" و"أديداس/ ريبوك" و"تويوتا" وفنادق "ستاروود"، وقامت الشبكات الإخبارية بدخول هذا العالم أيضاً، من مثل شبكتي "سي ان ان" و"رويترز." وافادت الشركات من هذه الميزة الجديدة التى جذبت العديد من المستخدمين، فأطلقت عوالم افتراضية جديدة، كشركة "غوغل" التي أطلقت عالمها الافتراضي تحت اسم "لايفلي" "Lively".

حياة ثانية

في عام 2003 أُطلق موقع "الحياة الثانية" "second Life" تحت شعار "العالم عالمك والخيال خيالك". يملك زوار هذا الموقع الحقوق الفكرية لما يخلقونه، وبمجرد الدخول إلى "الحياة الثانية" ستجد الكثيرين من زوّاره يحاولون التعرف اليك، ويمكنك تكوين صداقات او الدخول في علاقات حب أو غيرها. وافاد بعض الباحثين من هذه البيئة فخلقوا شخصيات تعكسهم بأسمائهم الحقيقية، وتجوّلوا في هذا العالم الإفتراضي وقدّموا محاضرات وروّجوا كتبهم. وهذا ما فعله لاري ليسيغ الذي اتفق مع ما يقارب مئة شخصية افتراضية للتجمع في مكان افتراضي وتحدّث معهم عن كتابه الجديد "Free Culture" ووزّع نسخاً إلكترونية منه ووقّعها افتراضياً.
لو افترضنا أننا نستطيع أن نحيا حياة عادية. أن نسكن في منزل عادي، في قرية نائية، بعيدة من التكنولوجيا والعالم. لو افترضنا أننا نستطيع التواصل مع كائنات حقيقية من لحم ودم، ونلعب في الحقول. لو افترضنا أن علاقاتنا العاطفية يمكن أن تكون أكثر واقعية وأن القبلات ليست مجرد رسم لشفتين حمراوين، وأن الحب ليس مجرد رسم لقلب أحمر. لو افترضنا أن العالم الإفتراضي غير موجود، كيف كان عالمنا ليكون؟

لو...
حنين الأحمر

***

برمجة للحياة وللأبدية

برمجة للحياة وللأبديتدور الروايات والافلام التي تستشرف مستقبل البشر على كوكب الارض حول موضوعين أساسين، الاول يتعلق بفناء الجنس البشري على يد آلات اخترعها ثم سيطرت على الكوكب الازرق، والثاني يدور حول اختراع البشر لعالم افتراضي يحتوي على كل تفاصيل حياتهم السابقة بعد انتهاء الحياة على كوكب الارض نتيجة لتغييرات كارثية في المناخ او لحروب طاحنة استخدمت فيها شتى أنواع الاسلحة الفتاكة.
من هذه السيناريوات لنا أن نتصور أن البشر تمكنوا من صناعة آلات لديها مشاعر انسانية وتمتلك عواطف، على أن تساعدهم في إنجاز الاعمال الصعبة وفي التفكير لتطوير حياتهم على كوكب الارض. كانت الآلات ذات الهيئة البشرية تعمل بالطاقة الشمسية، ثم مع تطور مجتمع الآلات وتطور ذكائها ومعرفتها أسرار الحياة البشرية، قررت الانقلاب على البشر واستعبادهم والسيطرة على كوكب الارض، فلم يجد البشر مفرا من تدمير الغلاف الجوي بواسطة أعاصير من غيوم رمادية تخفي الشمس كي لا تتمكن الالات من شحن طاقتها.
كانت تلك الخطوة الاولى في تدمير الحياة على الارض بواسطة البشر، او ربما هي الخطوة الثانية اذا افترضنا ان الخطوة الاولى كانت في اختراع هذه الالات. لكن إخفاء الشمس لم يمنع الآلات الذكية من إكمال حياتها على كوكب الارض، والطاقة التي تحتاجها باتت تحصل عليها من أجساد بشر تصنعهم بواسطة الاستنساخ. فالجسم البشري يوفّر يوميا طاقة كهربائية يمكنها من إضاءة لمبة في غرفة. هكذا سيطرت الآلات على البشر بأجسادهم. لكن البشر كانوا في سبيلهم الى الفناء بعدما خسروا الشمس مصدر الطاقة الاول الذي يمكنهم من البقاء على قيد الحياة. لكن مجموعة منهم تمكنت من النزول الى نقطة قريبة من نواة الارض حيث تتدفق الحرارة وبنوا مدينة فيها، ومنها انطلقوا الى مقاومة الآلات. ولم تحقق هذه المقاومة أي هدف في مواجهة آلات تمكنت من صناعة أجساد بشرية في ماكينات هي أشبه بأرحام النساء.

لكي تتمكن هذه الآلات التي تملك أشكالا بشرية من إكمال الحياة على سطح الارض الذي أصبح رمادا لا حياة فيه، اخترعت برنامج كومبيوتر يشبه حياة الارض القديمة بكل تفاصيلها. وبات البشر الذين يولدون في هذا البرنامج يعتقدون ان هذه هي الحياة الحقيقية، وكانت كذلك بالنسبة اليهم. فهم يتنفسون ويأكلون ويهرمون ويموتون في داخل البرنامج. كل ما نقوم به نحن البشر في هذه السنوات من القرن الحادي والعشرين كان يقوم به بشر البرنامج الكومبيوتري الذي برمجته الآلات. هؤلاء البشر في الداخل، يمتلكون عقائدهم الدينية ويرتدون ملابس بحسب الموضة ويقرأون الكتب الجديدة والقديمة ويزورون المتاحف ويشعلون حروبهم الخاصة، وينتظرون الحياة الآخرة. لكن الفرق الوحيد ان جماعة من البشر كانوا يعرفون ان الحياة في هذا البرنامج ليست حقيقية ويعرفون من يديرها. وكان سكان البرنامج، كلما تمكن بشري حقيقي من الدخول اليه ليبلّغهم بما يعيشون فيه ويبشّرهم بالعالم الآخر، يتهمونه بالجنون. وكانوا محقّين، فهو يخبرهم بأنهم غير حقيقيين وبأنه عليهم كي يصيروا حقيقيين أن يحاربوا فكرة عيشهم في ذاك البرنامج وينتفضوا على سلطة الآلات التي لا يعرفون بوجودها لأنها محض برمجة الكترونية. الرجال الآليون الذين كانوا يديرون البرنامج، كانوا يعرفون بوجود هؤلاء الدعاة فيحاربونهم ويقتلونهم. وهؤلاء لم يكفّوا عن النضال منتظرين مخلّصا أنبأتهم العرّافة بوجوده، وهو سيولد داخل البرنامج لكنه سيكتشف سريعا كذبته، وسيساعده عدد من البشر المحاربين في اكتشاف نفسه وقدراته المكنونة كي يخلّصهم مما هم فيه.

استشراف المستقبل؟ لِمَ لا!

حين ألقى رجال الآلات القبض على قائد المناضلين، حاولوا تحويله آلة عبر مسح كل ما يعرفه من دماغه واعادة أدلجته بما يجعله يقبل بالعيش داخل البرنامج. لكن لشدة عزيمته وتمسكه بمبادئه لم تتمكن الآلات من الدخول الى مفاتيح دماغه، فقال له أحد الرجال المبرمجين: "لماذا تريد ان تبقى بشريا، فأنتم البشر كالفيروسات، تتقاتلون لتجدوا مستقرا، ثم تستنزفون كل قدرات المكان، فتعودون الى التقاتل من أجل مكان آخر، حتى يفني بعضكم بعضا، بينما نؤمّن لكم في برنامجنا حياة سهلة وبسيطة نبرمجها بحسب الحاجة الى الاستقرار فيها". لكن القائد لا يستسلم، والرجل "المنتظر" يتمكن بعد حرب طويلة مع برنامج الكومبيوتر من أن يدمره ويعيد سيطرة البشر الحقيقيين على الارض.
هذه باختصار القصة التي تطرح قضية العالم الافتراضي الذي ستنتجه التقنية المتطورة. الصورة الاولية، أن هذه التقنية المتطورة مستقبليا هي إبنة التطور التقني الحالي وثورة الاتصالات التي نعيش مراحلها الاولى في هذا العصر. بالطبع، لم يكن في إمكان كتّاب قصة الفيلم الشهير "ماتريكس" استشراف هذا المستقبل لولا اعتقادهم انه سيكون إبن هذا الحاضر، وأن ثورة الاتصالات التي نعيش في خضمّها اليوم ستكمل دورة تطورها حتى تصنع عالما بذاتها.

تريد القصص والافلام والنظريات التي تستشرف المستقبل أن يحمل البشر مسألة العالم الافتراضي على محمل الجد، على أساس ان العيش الافتراضي هو خيار وليس قدراً. فمن قال اننا في حياتنا التي نعتبرها حقيقية، لا نعيش في عالم افتراضي هو انعكاس لصورة عالم حقيقي آخر؟ يمكن كل فرد أن يعتقد أنه يعيش حياته الإفتراضية الخاصة في انتظار حياة حقيقية أخرى. أليس الوعد بالحياة الابدية بعد الموت تحويلاً لحياتنا هنا على الارض حياةً مفترضة، علينا ان نقوم فيها بمجموعة من المعاملات تخوّلنا الصعود الى الجنة او تهبط بنا الى أسفل الجحيم؟! هذه هي الفكرة الاولى التي يأتي منها "المخلّص". فهو أولا وأخيرا محوّل الحياة الافتراضية حياةً حقيقية بسبب قدراته العظيمة التي يمتلكها. هذا شبيه ببرنامج الكومبيوتر، الذي يستطيع أن يعيد خلق العالم في داخل الشاشة على هوى الذي يعمل فيه.

عالم الشاشة ليس أكثر افتراضية من العالم الذي نسمّيه "حقيقياً"، أي الواقع خارج الشاشة. وهو عالم ليس مسطحاً على ما قد يوحي، بل هو عالم بعوالم كثيرة ومتداخلة ومتشابكة، يؤمّن في داخله كل وسائط التواصل بين البشر وبينهم وبين الافكار، وهذا التواصل يدخل في صلب الحياة الحقيقية. لذا قد يكون العالم المخلوق داخل شاشة الكومبيوتر بالنسبة الى خالقه أكثر حقيقية من عالم الخارج، هذا اذا استثنينا اضطرار من يحيا في عالم الانترنت (في مواجهة الكومبيوتر) الى الأكل والتحرك اللذين يؤمّنهما عالمنا الحقيقي هذا، ما يجبره على ترك عالمه ذاك الى العالم الحقيقي ليتزود الطعام وليحرك عضلاته، قبل ان يعود اليه.
من الانترنت الى العالم الافتراضي... درْ!
فكرة العالم الافتراضي ليست بعيدة كل البعد عن الواقع، ولو أنه لا يمكن الجزم بها طالما أننا في بداية مرحلة التطور "التواصلي" الذي "يحوّل العالم قرية". لكن هناك بعض الشواهد التي يمكن أن تدلل على صحة مزاج "توقعي"، من مثل مزاج صنّاع فيلم "ماتريكس" وغيره من الافلام المستقبلية. ففي هذه الآونة بات الكومبيوتر آلة الكتابة الاولى في العالم، والمصدر الاول للمعلومات، وهذا ما يدفع الى الاعتقاد أن دور المطبعة والكتاب والصحيفة الى تلاشٍ. وليس خافياً على احد أن الصحف العالمية ودور النشر تشتكي في هذه الآونة من تأثير الانترنت على إنتاجها.
بات الكومبيوتر الموصول الى شبكة الانترنت اليوم من الوسائل الاولى والاساسية لعرض البضائع وبيعها، مهمِّشا الاسواق الواقعية. وهو مكان لإتمام الاعمال، فهناك عدد لا يحصى من الاعمال الجديدة التي لا تحتاج الى القوة البدنية، يمكن البشري أن يؤديها هي نفسها من قرية في جنوب لبنان او من قرية نائية في الهند. إنه استخدام جديد للأصابع على لوحة مفاتيح الكومبيوتر وللافكار المنهمرة من الرأس. ولا يظنن أحد أن حاجة البشرية حاليا الى العودة للعمل في الارض لإعادة الاعتبار الى الانتاج الزراعي الطبيعي، هي من قبيل المصادفة. على العكس تماما، فإن انتشار التعليم المترافق مع ثورة المعلوماتية هو الذي يؤدي بشكل مباشر الى ترك العمل بالقوة البدنية او بالارض، والعمل بالقوة الفكرية. أما البشر الذين يهربون الى الغابات او الى قرى نائية، على ما يجري في بلاد كثيرة تصنَّف بالمتقدمة، فإنما يهربون من عالم افتراضي يخافون أن يسحبهم الى افتراضيته، الى عالم يعتقدونه حقيقيا. انها عودة الى ما قبل ثورة الاتصالات المعاصرة. وهناك منظّرون كثر للافكار المناهضة لـ"العولمة الثقافية"، اي لتأثيرات العولمة على الثقافات المحلية والاجتماع والعلاقات الانسانية. وهناك مناهضون عالميون لنتائج ثورة الاتصالات والمعلوماتية على حياة البشر لم يتكرسوا كمراجع بعد، لأن التأثيرات الجديدة لثورة المعلوماتية لم تتكرس بدورها وهي في تطور دائم ومستمر. لم يصب هؤلاء شهرة حتى الآن كالتي أصابها مفكّرو مدرسة فرانكفورت الذين ناهضوا تأثيرات الثورة الصناعية على حياة البشر خلال الخمسينات والستينات من القرن المنصرم وكان في مقدمهم هربرت ماركوز ("الانسان ذو البعد الواحد") وأريك فروم ("الانسان بين الجوهر والمظهر"). وهذان النوعان من التنظير الجديد والقديم يدوران حول المقولة (الفكرة) نفسها، أي تشيئ الثورة الصناعية وثورة الانترنت للانسان وتحويله آلة.

عبر الكومبيوتر الموصول الى شبكة الانترنت تنشأ جماعات منتظمة، إن من الاصدقاء او من العاملين في المجال نفسه، او من أصحاب إيديولوجيات متقاربة. هؤلاء جميعا يمكنهم تنظيم لقاءاتهم واجتماعاتهم وأفكارهم وخططهم وعملياتهم عبر شبكة الانترنت من دون الحاجة الى اللقاء في مكان واقعي. هذا ينطبق على عرض الكائن "الانترنتي" لخصوصياته من أفلام وصور، وإمكان مشاهدتها لدى آخرين، وعلى تفشي معلومة او شائعة تفشيا لا يمكن وقفه بأيّ طريقة من الطرق. للقيام بهذا كله لا بد من استخدام الكومبيوتر وشبكة الانترنت لساعات طويلة من النهار، ولم يعد مهما المكان الذي يتم استخدامهما فيه طالما ان الانترنت باتت متوافرة في كل مكان، ومقاهيها منتشرة في كل المناطق السكنية حتى الفقيرة منها. لذا يمكن المداوم على الشبكة أن يمضي قسما كبيرا من نهاره أمام الكومبيوتر، وفي اللحظة التي يتوقف عن ذلك، يكون في حالة استراحة قبل العودة الى مواجهة الشاشة.
الحال هذه شبيهة بحالة الهاتف الخليوي. عندما تفرغ بطارية الهاتف او يتعطل لسبب ما ولو لوقت قصير، فإن صاحبه يشعر بأنه في حالة انقطاع عن العالم، وكأن الهاتف المحمول هو الذي يبقيه في حالة تواصل مع الحياة الواقعية. لا يمضي شاب يحمل الهاتف الخليوي وقتا طويلا من دون هاتفه، وإلا شعر أن هناك شيئاً ما يجري وقد أُقصي عن المشاركة فيه. الشعور نفسه ينسحب على علاقات التواصل في شبكة الانترنت. على المداوم أن يتفقد بريده الالكتروني وصفحة الـ"فايسبوك" خاصته وصفحات أصدقائه "الفايسبوكيين" في فترات قصيرة ومتلاحقة. انقطاع الانترنت لمدة قصيرة، سيشعر هذا المداوم بأنه منقطع عن عالمه داخل الكومبيوتر، وكأنه مطرود عنوةً من العالم الافتراضي الذي تشابك وجوده فيه مع شبكة الموجودين جميعا، وبات حضوره فيه عضويا. هذه المشاعر تجاه وسائل الاتصال ليست إدمانا البتة. إنها ارتباط بمجتمع آخر له حركته المنسقة والدائمة وتفاعلاته ذات التأثيرات المباشرة على الحياة الواقعية. كلّ انقطاع عن التواصل مع هذا المجتمع، هو بمثابة نفي، سواء أكان قسريا ام إراديا. لا فرق. هذا ينطبق على متابعي الشبكة من أجل إتمام الاعمال او التعارف او جمع المعلومات او المشاركة والتنافس في الالعاب الكثيرة والمتنوعة. هؤلاء جميعا ما عاد في إمكانهم نقل حاجتهم الى شبكة الانترنت من عالم الشبكة الافتراضي الى العالم الواقعي.

لقد فات الاوان على ذلك.

الآن في هذا الوقت من عمر البشرية، هناك فترة انتقال من عالم الحياة الحقيقية الى عالم الكومبيوتر الذي يصير بدوره حقيقياً، رويدا رويدا، ومرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالحياة الحقيقية. هي فترة انتقالية لأنها لم تثبت على قرار بعد. او لنقل إنها لم تدخل في طياتها جميع البشر بعد، وهناك من لا يعرف شيئا عن هذا العالم. انه أمر أكبر من قدرات البعض الاستيعابية لعالم التقنية عموما ولعالم الانترنت خصوصا، وربما فات الاوان للدخول في أطر هذا العالم واستيعابه ذهنيا بالنسبة اليهم، وهؤلاء هم من غير المتعلمين أو من كبار السن الذين يفترضون أن ما يجري هناك داخل الشبكة العنكبوتية لا يعنيهم. الشباب هم قادة الانقلاب على مؤشرات الحياة الواقعية، أي الحياة التي نختصرها بـ"من المهد الى اللحد". بعد سنوات، عندما يرحل أبناء الجيل القديم الى حياتهم الاخرى التي تقبع خلف الموت، سيكون الجيل البشري الذي يعيش على الارض، أي جيل الشباب الحالي والجيل الذي سيولد خلال السنوات المقبلة، قد أصبح جيلا "كومبيوتريا" بالكامل، وفي هذه الحال سيتكرس العالمان، عالم الكومبيوتر، وعالم الحياة، وسيتداخلان تداخلا مطلقا بدأت بوادره بالظهور منذ الآن

فيديل سبيتي

***

واقعي جداً... وإيروسي أيضاً

برمجة للحياة وللأبدي

كما أيقظ زلزال لشبونة في الأول من تشرين الثاني من عام 1755 الفلاسفة والمفكرين على واقع عالمهم، لا كأحسن العوالم الممكنة كما رغب لايبنتز، بل كعالم سمته الخراب والركام والدم، كذلك أيقظ "الافتراضي" (le virtuel) الناس من سباتهم وغفلتهم في كهوف الحجر والإسمنت التي بها يلوذون، وأخذ بأيديهم الى فضاءات وسموات من دون أعمدة أرضية ما كانوا ليحلموا بها في أفضل اليوتوبيات. ساءل الافتراضي الواقع وحاوره، وأتت الإجابات على لسان المفكرين والباحثين والفلاسفة في كل مجالات العلوم الانسانية.
في عام 1985 استخدم خبير المعلوماتية جارون لانييه للمرة الأولى تعبير "افتراضي" ذا الجذر التاريخي والحمولة الفلسفية، كي يصف حقل التكنولوجيا الجديدة. فقد أراد الإشارة الى الواقع (la réalité) في اللعب ضمن التجارب الحسية التامة حيث تكون كل الحواس مشتركة، بوساطة وسيط إلكتروني. يختلف هذا الواقع عن ذاك الذي اعتدناه، لذا كانت الحاجة الى إضافة وصف لتمييزه، فأتى تعبير "شبه واقع" أو "واقع افتراضي". بيد أن التصور هذا حمل دلالات أوسع وأدق من كونه شبه واقع.

الأصل والمآل

جاءت مفردة "افتراضي" (من اللاتينية

VIRTUALIS) المولودة في العصر الوسيط، كترجمة للمفردة الأرسطية DUNATON (احتمال، إمكان، فرض) ذات المعاني المتعددة. يشير المعنى الأولي المعطى في "الميتافيزيقا" الى "الإمكان" DUNAMIS المرتبط بمبدأ الحركة التي تسمح بفعل شيء أو الإنفعال به. فلا صلة إذاً بين الافتراضي والخيالي، ففيه مسحة من الواقعية. كذلك لا يبتعد توما الأكويني في "الخلاصة اللاهوتية" عن المقصد الأرسطي، فيعتبر أن في كل علم محتوى "افتراضياً" في مبادئه. غير أن العلم الافتراضي هذا أقل كمالاً من العلم القائم (الراهن) الا في حالة واحدة وهي الخلق، لأن العالم المخلوق موجود "افتراضياً" في الله.
في كل الأحوال، يحفظ تعبير العصر الوسيط لنفسه قدراً من الواقعية، اذ تعتبر الفلسفة المدرسية "الواقعية" صفة أساسية من أجل الكمال.
الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز لا يضع الافتراضي في إزاء الواقعي في "الاختلاف والتكرار"، بل يعارضه بالحالي (الراهن). ويقيم مربّعاً تصورياً: ممكن - واقعي وافتراضي – حالي. فالافتراضي جزء من الواقعي الموجود خلف الحالي، وكل حالي محاط بضباب من الافتراضي: "لا يُعارَض الافتراضي بالواقعي، ولكن فقط بالراهن. ويمتلك الافتراضي واقعاً تاماً، بما هو افتراضي. يجب القول عن الافتراضي، بالضبط، ما قاله بروست عن أحوال تجارب الرنين: "هي واقعية من غير أن تكون راهنة، ومثالية من غير أن تكون "مجردة"، ورمزية من غير أن تكون خيالية. بل يجب تعريف الافتراضي بوصفه جزءاً دقيقاً من الموضوع الواقعي" (الاختلاف، ترجمة وفاء شعبان، بيروت، 2009). الافتراضي عند دولوز هو علة التخالف، فتعدده الأولي، حين تحققه، يبقى خزاناً للاختلاف أكثر من كونه مبدأً للحركة: الافتراضي منبع التعدد.
يتبنى بيار ليفي المعنى القديم للافتراضي التي تعني حرفياً "قوة، إمكان" (PUISSANCE)، ويأخذه "في حالة إمكان" نسبة الى تحقق يمكن أن يحصل أو لا يحصل. في هذا المعنى، الافتراضي "واقعي" (RéeL) لكنه غير راهن (NON ACTUEL). وفي "ما الافتراضي؟" (باريس، 1995) يرى ليفي ابتعاد هذا الافتراضي عن الوهمي أو الخيالي وعدم تحدّده في مقابل الواقعي. بل يعدّه صيغة وجود خصبة وقوية، تفتح آفاقاً وتحفر معاني تحت سطح الوجود الفيزيقي المباشر.
يشبه الواقعي الممكن في حين أن الحالي (الراهن) لا يشبه في شيء الافتراضي: أنه يرد عليه. إحدى الميزات الأساسية لصيغ وجوده بحسب ليفي، هي انسلاخه عن "الآن وهنا". ففي معظم الأحيان الافتراضي "ليس هنا"، فالواقع الافتراضي مترحل، مبعثر، لا مركز جغرافياً له.
وكما أشار ميشال سيرس في أطلسه، فإن موضوعة الافتراضي "خارج الهنا" (hors- lá): الخيال والذاكرة والمعرفة والأديان حوامل للافتراضي جعلتنا نترك "الهنا" قبل المعلوماتية والشبكات الرقمية. ويعرّف ليفي الافتراضي بأنه الحركة المعكوسة للراهنية، يتقوّم في المرور من الحالي الى الافتراضي، في "ارتقاء الى الإمكان" (إمكان التحقق والقدرة على التحقق) للشيء المحدد. الافتراضية بحسبه ليست عدم تحقق (تحويل الواقع مجموعة ممكنات) لكنها تحول في الهوية، انزياح في مركز الجاذبية الأنطولوجي للشيء المعيَّن: تذهب الراهنية (actualisation) من المشكلة الى الحل، في حين تذهب الافتراضية من الحل المقترح الى مشكلة أخرى، وتكون على هذه الحال أحد الحوامل الأساسية لخلق الواقع.
فيليب ريغو، في "أبعد من الافتراضي" (باريس، 2001) يرى تقارباً بين الواقعي والافتراضي، اذ أظهر الفكر البنائي أن ما نأخذه مثابة واقع هو أصلاً بناء (construction)، ويدرك ذهننا العالم المحيط بنا في الوقت نفسه الذي يبنيه فيه، وتالياً يصبح التمييز بين الواقعي والافتراضي دقيقاً.
يشير بليز غالاند في مقالته "فضاءات افتراضية: نهاية الأراضي"، الى أن تاريخ مفردة الافتراضي خاضع للإستخدام الإجتماعي لها. ويسم غرانجر في مؤلفه "المحتمل، الممكن والافتراضي" (باريس، 1995) الافتراضي بأنه حقيقي "غير راهن"، ولكن virtus اللاتينية تعني أيضاً الفضيلة vertu بالمعنى العتيق، والتي تدل على "القدرة" و"الميزة". ومن المفيد الإشارة الى أن الباحثين الإنكليز يشددون على الموجبات الأخلاقية لهذا التراكب الدلالي بين التعبيرين. ويعتبر أحد الباحثين أن مقولة الافتراضي متجذرة عميقاً في "رؤية دينية للعالم حيث تتوحد القدرة والغنى الأخلاقي في الفضيلة".

تنوع الدلالة

تنوعت دلالة الافتراضي وفقاً للعلوم: ففي الميكانيك، في نظرية القوى والحركة، تحيل على ظواهر لا يمكن مشاهدتها، لكنها ذات قيمة سببية وتفسيرية. من هنا مصطلح "جزيئات افتراضية" متلاشية الى حد لا يمكن تفحصها إفرادياَ، في حين أن تأثيرها قابل للقياس إحصائياَ. وفي حالات أخرى، الحقائق الافتراضية للفيزياء هي محض بناءات ينتجها الذهن مُظهراً فكرة أن العالم الأمبريقي ليس إلا تحقيقاً مخصوصاً من بين "رحم (العوالم) الممكنة". وقد وسمت مقولة النموذج مفهوم الافتراضي إيجاباً. بيد أن الغموض الأساسي المحيط به يعود على الأرجح لإستخدامه في "علم البصريات" (optique) من خلال استخدام العدسات، الذي أدرج الافتراضي في خانة "الوهم".
ليس غريباَ أن تذهب الفلسفة والعلوم الإجتماعية مناحي أخرى في مقاربة الافتراضي: فثمة مقاربة ترى اليه تابعاَ للواقعي ويحيل على التمثيل، أي على المحاكاة. تنظر المقاربة الثانية الى الافتراضي على أنه "الحل" (résolution) لعالم ناقص بسبب من حاليته، الناتجة من سيرورة اختزال الممكنات والإفقار الشديد. يصبح الافتراضي تالياً وسيلة استكشاف و"إصغاء للواقع"، وتحرير النشاط الانساني من إلزامات المادة والفضاء والزمن، مفسحاً في المجال أمام ممكنات غير مسبوقة. في هذا المعنى، الافتراضي أغنى من الراهن. إنه فائق الواقعية. وتدرك تكنولوجيا الافتراضي أنها "محررة" لفتحها الأبواب على ثراء الواقع. اذ السمة الجوهرية للعالم هي الندرة، ويظهر التطور كأنه محاولة مثمرة للإضافة اليه، من خلال تحقيق بعض الممكنات المكملة. وكما يلاحظ برولكس (وزميله) في بحث "الافتراضية كمقولة لتفكر الأجتماعي" أن كلتا المقاربتين الآنفتين تعتمدان الفصل بين الواقعي والافتراضي. أما المقاربة الثالثة فتستلهم دولوز وتحيل على "خلاسية" الواقعي والافتراضي، أو بالحري حلولية الثاني في الأول، وتتصور واقعاً يكون فيه الراهن والافتراضي في علاقة تبادل دائرية ومنتجة، ينجم عنها "خلق وتجريب" مستمران. وقد رأى البعض في الافتراضي امتداداً للأنا، أداة اصطناعية مكملة تحمي الكائن وتسانده وتبث طاقة جديدة في حياته اليومية المقرونة بالرتابة.
يرى برولكس أن شبكة القراءات المعاصرة تترجح بين رؤيتين متطرفتين: واحدة أرضية وأخرى متعالية. الأولى ارتيابية، تميل الى وصف الافتراضي بأنه "واقع أصطناعي" في مقابلة طبيعة "أسطورية" تقف في وجه كل مثلنة مبسطة للحياة الطبيعية، داعية الى "مقاومة الحياة الافتراضية" لأن التقنية الافتراضية تبسط مظاهرها الخادعة على العلاقات الانسانية. أما الرؤية الثانية فتقع في الطوبى وتنظر الى تخطي الحدود وتؤمن أن التكنولوجيا الجديدة ستأتي وتحررنا من تخوم هذا العالم الناقص واحباطاته، فالفضاء اليوتوبي (الشبكة) ستكون في لا مكان حيَز ما (نظير ما روّج له فيلم "ماتريكس").

ايروسية الافتراضي

أعلن الكسندر لوبين في بحث له عنوانه "نهاية الجنس"، واقع التكنولوجيا الجديدة والعالم الافتراضي: اذ اعتبر العلم المستجد ضد الجنس لأنه يحدد الذات الفاعلة. فهو ضد الجسد الرمزي المعيَّن، اذ يشتغل كمشروع كبير مضاد للتجسيد: ينتزع العارض في الجسد الراغب ويزيل الهوية اللاواعية. باختصار، العلم الحديث هو الوجه الأقوى والأدهى في القمع والكبت، حيث يراقب الجسد تلاشيه في الصورة الرقمية.
أما فيليب دوناديني فذهب في دراسة مطولة حول "ايروسية الافتراضي" الى أن الافتراضي حمل في طيّه نمطاً من الايروسية (وحتى تحفيزها) تجاوز بعد الجنس الأحادي الذي أضحى مملاً وقد أُفرغ من كل محتوى. فأنى له أن يتمازج مجدداً مع الشعر والانبهار كما فعلت مارغريت دوراس في "العيون الزرق، الشعر الأسود".
والحال، تنمي المحاكاة والتفاعلية مدونة لغوية جديدة، مثابة صيغة تواصل محصورة بوسائط الإعلام الجديدة والتي قد تسمح ببروز تمثيل للجنس من صنف آخر، تعيد ربطه بالمعنى الأولي للايروسية أي بالإيروس (الحب)، ذاك الذي يتناول الحب وينشده.
فهل ثمة جمالية للحب في الميديا الجديدة؟
يتبنى دوناديني وجهة النظر التي ترى الى الانسان كائناً كاملاً، متوافقاً مع جسده ومشاعره "طفلاً قضيبه منتصب، كحال الفتى إيروس"، كما عرّف رولان بارت العاشق. بحسب أبي التحليل النفسي فرويد، تتوافق الجنسانية الراشدة مع التناسلية (الولوج فحسب)، ولهذا لم تمارس الشعوب البدائية الا هذا النوع من الجنسانية. فلم تختبر الحب ولا الحنان ولا الايروسية. فهذه الأخيرة دالة على الحضارة، تتطلب رقياً وتعليماً كحال اليابان والصين وفرنسا القرن الثامن عشر. وقد بحث جورج باتاي عن الايروسية، فوجدها في انخلاع الأجساد بعيداً من هدفها. والحوار الجسدي يضحي أكثر عمقاً وشدة ودواماً حين يتخطى الإشباع الجنسي. وأعتقد ليوتار أن المهم هو الطريق وليس الغاية، الجسد كطريق حيث تشترك كل الحواس. وحين تشبع الجنسانية، يجب البحث في مكان آخر، البحث عن "أحلام اليقظة الايروسية"، بمعنى سلوك الدرب نحو الإكتمال وتحقيق الرغبة. لهذا الغرض خلق الذهن طرقاً مواربة للتخفيف من عذاباته. ففي غياب الرضا الفيزيقي نما "الإنتعاظ العقلي" واللذة الافتراضية.
وفي حين رغب فرويد في علاج هذه الغرائز، بجّل باتاي ترقيتها والسمو بها فكتب "قصة العين"، حيث نجد، كما يقول دوناديني، كل ألعاب النصوص المتداخلة (Hypertexte): فكل حركة وصوت ورائحة تتشارك مع صور تتحاور وتتقاسم الإثارة الايروسية الكبرى القريبة من الغبطة.
يقترب فرويد من باتاي في التصور أن الجميل هو إحلال للجنسي، جنسي محتمل، جنسي افتراضي، ولكن غير متحقق، فالتحقق يقتل الجميل. والايروسي ينتمي أكثر الى الإنمحاق، الى الحرارة، في عبارة جيل دولوز.
للانسان فانتازيا يُعملها في ما يراه لكنه يشحذها أكثر في ما لا يراه: "تنقصه دائماً صورة". فهو يتحزر ويتخيل ويدخل في مجالات لا حدود لها ولا تقف على أرض، حيث يُسقط كل صوره الواعية والخافية، الماضية والحاضرة، المعيشة وغير المعيشة (يستطيع توليف الفوتوشوب إنتاج مثل هذه الظاهرة الذهنية).
يقيم ف. آلبيروني في كتابه "الايروسية" (باريس،1987) تمييزاً بين الايروسية الذكورية وتلك الخاصة بالأنثوية، فيجد الأولى تهتم بالمشاهدة والأعضاء الجنسية، في حين أن الثانية تهتم أكثر باللمس، عضلية، سمعية ترتبط بالرائحة والجلد والإحتكاك. تجري لعبة الجنس بين الطرفين، وهي محددة بالزمن، ويؤدي الانتظار فيها دوراً معتبراً، ويؤجج الإكتشاف المتنامي نيران الرغبة. وفي إطار "اللعبة"، غالباً ما يكون الجنس في مرتبة الكمون. إنه افتراضي، وفق دوناديني. إنه في الجو، في ما لا يُقال، في الفرجات.
بيّن مارسيل بروست أن مشاعرنا "الحالية" تدين لذاكرتنا، ولذة الرؤية لدينا تحفزها لذّات سبق أن رأيناها منذ زمن بعيد، والأمر عينه في المجال الايروسي. وأظهر فرويد أن محرك ميولنا الجنسية وانجذاباتنا نحو الآخرين هو الرغبة في العثور مجدداً على المشاعر الايروسية التي عشناها في فترة الطفولة مع أهلنا.
جيمس ستيوارت ممثلا في فيلم هيتشكوك vertigo، أراد ممارسة الحب مع امرأة لا وجود لها إلا في ذاكرته، وهو يعرف ذلك جيداً لأنها ماتت أمام عينيه، ولا يريد سواها. ولهذا يخلق واحدة أخرى "افتراضية"، فيطلب من امرأة تشبهها أن تتحلى بكل صفات الميتة. على هذا المنوال، يحلل بيترو سيتاتي، في "اليمامة المغدورة" (باريس،1977) "محنة سوان"، بطل بروست في "الزمن الضائع": في الحقيقة، كل انتظار، كل بحث عشقي يقودنا الى الجحيم، بين الأجساد المظلمة وبين أشباح الموتى، في أثر أوريديكيا (حبيبة أورفيه، الذي لم يعرف أين يبحث عنها وذهب مقتفياً خطاها حتى الى عالم الأموات)، لا يُعثر عليها قط، ينزل سوان: تغلق الأبواب خلفه، وفي خلال الفترة التي أمضاها مغرماً، تاه بين أشباح الموتى التي كانت ترسل اليه "رسائل من نار تحرق أصابعه".
بسبب من تبني دوناديني لنظرية الغرائز أو الدوافع التي لا ضابط لها (الا في أطار سنن المجتمع)، فإنه يرى في وسائط الإعلام المتطورة صمام أمان بسبب من إبحار المستخدم بحرية في عالم تفاعلي بامتياز. اذ يختبر على الأقل شعوراً بالحرية، محدوداً في نهاية المطاف بما تتيحه هذه الوسائط، فيتبع وهم الإختيار وإمساك زمام حياته وارتقائه في عالم خيالي موازٍ، يتفارق عن أعراف المجتمع. وتتنازع غرائزه الأساسية مع سنن هذا العالم الجديد المعيش كأنه حقيقي. أنه موجود بحق حتى لو كان افتراضياً. ما يفسر نجاح ألعاب الفيديو العنيفة حيث يتراكب الجنس والعنف ونكون في عالم "التنفيس" (أو التفريغ). ويبدو أن دوافع الجنس مقترنة بصورة العنف عند الرجال، في حين أنها ترتكز عند المرأة على الحب.
تتيح ألعاب الفيديو والإنترنت عموماً إفراغ هذا النوع من الغرائز من دون أخطار، في مزيج من تعلم الحب وإدارة العنف والتخيلات الجنسية غير المصرّح بها.
ثمة لعبة رائجة يُطلق عليها "ذكريات مؤثرة" تقدم فرصة إقامة علاقة غرامية بوساطة الشاشة مع واحدة من عشر نساء، لكل منهن ميزاتها وشخصيتها. في إمكان اللاعب التعبير عن رغباته وتخيلاته واختبار رد فعل شريكته من دون أن يخشى صدمها أو فقدها، اذ في وسعه دائماً العودة الى بداية اللعبة وتحقيق نتائج عالية. عملياً تمنح كل المواقع "الحمراء" اللاعبين فرصة التخفف من مكبوتاتهم.
في "الغرفة المضاءة"، يتحدث بارت عن الإيماءة، عن حركة اليد التي تتصفح الصور القديمة، وفيها يجد مرة أخرى جوهر الأم المتوفاة، ومن هنا افتتانه بالصور ودراسته السيميائية للصورة التي تعيد تركيب الحركة، والحركة تُعيد الفقيدة، وهكذا جرى الإنتصار على الموت وأُعيد الزمان. إنها لغة الجسد الذي يتحدث الى الجسد نفسه من دون تدخل من الوعي وما يضعه من معوقات. وتشبه هذه اليد كثيراً تلك التي تضغط (أو تداعب) لوحة المفاتيح وتلج العالم الافتراضي.
تحيل كل قصة حب على أخرى، وكل ما اختبرناه، واقعياً أكان أم افتراضياً، يبقى معنا، يناقش خبرتنا الراهنة. وبحسب ما سلف من رأي فرويد في دور الطفولة في توجيه حياتنا الايروسية، فإن دولوز في "بروست والإشارات"، يفسر هذه الظاهرة: نحن كالوتر المشدود دائماً بين الحاضر والماضي. هذه الظاهرة نجدها متفاقمة في الايروسية، وفي الحميمية والأشياء الحسية في شكل عام.
والحال، يمثل القرص المدمج والإنترنت بسبب من مبدأ الترابط الفائق، أداة المرور، والمعادل بين هذين العالمين. فالصور الايروسية على صلة بالصور القديمة، وتقترح الميديا الفائقة صيغة من القراءة تسمح بإعادة نقلها (نسخها). فبالضغط على صورة على الشاشة يمكننا الإنتقال الى صورة أخرى أو نص (هو صورة خيالية). هذا الأمر يستثير صيغة مخصوصة من التفكير، تستطيع من وجهة نظر الذهن، إشراك وجهة نظر الجسد (بالمناوبة). صيغة القراءة ليست من دون قيمة، اذ تدل على فلسفة، على حال فكرية محددة.
يتناسب الترابط الفائق مع فكر ما بعد حداثي: في الاقتباسات للنصوص والتداخل الدلالي والجذمور Rhizome (كما عند دولوز). انه يلزمنا الوصل بين كل الأشياء وإغناء حقل إلهامنا. انه يضفي صفة العمومية على الممرات بين الأنواع الأدبية والفنية (الموسيقى، الدعاية، ألعاب الفيديو، المجلات، الموضة...)، ويخلق جمالية إزالة الحواجز، التي تلاقي تعريف الايروسية كما وضعه باتاي: "يميل كل عمل الايروسية في مبدأه، الى تدمير بنية "الإنغلاق" التي يكون عليها كل شريك في اللعبة، أي في حالته الطبيعية...".
يقع سوان، بطل بروست، في غرام أوديت دو كريسي، لأنه وفي ومضة تذكّر يجد فيها تشابهاً مع زيفورا، ابنة جاترو، التي رسمها بوتيتشلي في كنيسة السكستين. وقد أدرك لاحقاً ومع مرور الزمن أنه أضاع وقتاً مع امرأة لم تكن حتى من نوعه المفضل. أُغرم بصورة، دخلت في مخيلته واعتقد تالياً أنها جزء منه. وقع في هوى صورة، أيقونة، شيء افتراضي.
تمثل المواقع الشخصية نوافذ مفتوحة على الموضوعات الحميمة، وتدمج كوسيلة تقاليد عدة: المذكرات اليومية، دفتر الفنان، السيرة الذاتية. وتُدخل تحسينات معتبرة على هذه الوسائط الكلاسيكية، اذ تسمح التقنية بالمزايدة على "البصبصة" (التلصصية) بفضل الكاميرا، إضافة الى صور الفيديو المبثوثة على الشبكة الإلكترونية. كما أن عرضها في وسائط الأعلام ولا سيما الإنترنت وتوافرها على محركات البحث، يسمح بنشرها على نحو شبه كوني، علاوة على أن البريد الإلكتروني للشخص المعني يتيح له صلة مباشرة ويبقيه مجهولاً في آن واحد. فغياب الخشية يسهل التواصل كثيراً، وهذه الصلة القريبة البعيدة تبقى محوطة بالإحترام لأنها افتراضية.
وسائط الأعلام الفائقة في نظر دوناديني، تثري العمل الخيالي، تالياً الايروسية. اذ تزيد الإنترنت من وتيرة هذه السيرورة بوصلها الشخص التفاعلي مباشرة بمخيالات كائنات بشرية أخرى بعيدة منه. انها تصل "ليبيدو" الناس بعضها ببعض.
الباحثة ليليان تريه ترى في التقنيات الجديدة نموذجاً يمكّننا من فهم حال العالم الراهنة، فهي تكشف الحقيقة، إنها مجاز المجتمع: المجتمع الليبيرالي خطر ومن دون رحمة. يجب عقد الصلات بوساطة الإنترنت للتآزر ضد تجاوزاتها، وبذا نعود الى قيَم احترام الآخر.
ينتهي دوناديني الى أن وسائط الأعلام الفائقة تفتح دروباً جديدة في تمثيل الايروسية. فالمخيلة التي أفصحت عن نفسها منذ آلاف السنين في شأن الجنسانية، تجد ترجمتها في المحاكاة والصلات الفائقة والأجساد المترابطة. إنها صيغ من التمثيل تجدد بعض الموضوعات القديمة، وجوه منسية من إيقونوغرافيا الايروسية تولد مجدداً مرتديةً أشكالاً أخرى .

عفيف عثمان

***

الفضاء الرقمي الافتراضي المشبع بالذكاء، بالتزامن مع خروج الذكاء الإنساني إلى الإنتشار كونياً عبر خطوة صغيرة على القمر، محاكياً ما فعله قبل ملايين السنين على الأرض، فكأنه وجد في الكون محلاً "شبيهاً". استطاع فريق علمي قاده ليونارد كلاينروك أن يربط بين كومبيوترين في جامعتين أميركيتين. أدى ذلك إلى ولادة عالم جديد، في أكثر من معنى. استعاد كلاينروك المناسبة أخيراً بكلام محمّل دلالات. قال: "عند ولادة الفضاء الافتراضي، لم نقل "إنها خطوة كبيرة للإنسانية" كما فعل رائد الفضاء نيل ارمسترونغ حين خطا على القمر".
ليست مقارنة كلاينروك سوى نموذج من البنية الخيالية المصاحبة للإنترنت: إنها فضاء. في اللغة الفرنسية مثلاً، يوصف متصفحو المواقع الالكترونية بأنهم "انترنوت"، Internautes أي أنهم رواد فضاء الانترنت. الكلمات تكاد تنطق لتفصح عن ظلالها. من اتصال عقلين اصطناعيين يقومان على فكرة محاكاة الذكاء الانساني والتشبيه عليه (بمعنى أنهما يحملان شيئاً ما عن حقيقة ذلك الذكاء، من دون أن يكوناه فعلياً)، وُلد فضاء افتراضي مملوء بتلك العقول "المحاكية". سرعان ما ظهر قلق أصيل، لمحه المفكر الفرنسي جان بودريار في كتابه الذائع "النسخ الشبيهة والمحاكاة" بحكمة توراتية منسوبة إلى الملك سليمان: "إن النسخة الشبيهة لا تخفي الحقيقي البتة، بل إن الحقيقي هو الذي يخفي واقع عدم وجود شيء حقيقي. إن النسخة الشبيهة هي حقيقية". جعل بودريار من تلك العبارة، مدخلاً لشرح مفهومه عن "الواقع الفائق" Hyper Reality، الذي يصف العيش الحاضر المتمازج بين الإفتراضي والحقيقي. امتلأ الفضاء الافتراضي سريعاً بالذكاء البشري فعلياً، وصار مساحة للتلاعب والتفاعل بين الذكاء التشبيهي للفضاء الافتراضي وعقول البشر. ثمة مثال شديد السخونة عن عيش الواقع الفائق حاضراً، المملوء بالتفاعل وتبادل الأدوار بين الحياة في فضاء الانترنت والإنسان نفسه، هو مواقع المحاكاة الافتراضية (أو التشبيه الافتراضي) مثل موقع "حياة ثانية" (Second Life). يشبه الأمر افتتاح تاريخ جديد لعلاقة غير مسبوقة بين الإنسان و"فضاء ذكائه" في زمن ما بعد الحداثة. أيّ علاقة لذلك الإفتتاح المذهل مع مفهوم الفضاء نفسه عند البشر؟
لنعد مرّة أخرى إلى التقنية. في عام 1969، أدّت "وكالة مشاريع البحوث المتقدمة في الدفاع العسكري" (تعرف باسم "داربا" DARPA، اختصاراً لعبارة Defense Advanced Research Projects Agency)، دور القابلة في ولادة ذلك الفضاء الإفتراضي، لأنها قادت فريق كلاينروك وموّلته، ثم استعملته في ولادة أول فضاء افتراضي في التاريخ، عبر شبكة "أربانت" التي ربطت بين الصواريخ الاستراتيجية الحاملة للرؤوس النووية ذات الدمار الشامل. ثمة قوة وعنف هائلان كانا مضمرين في ولادة الفضاء الافتراضي الرقمي، مثل خفاء صراع القوى الهائل في ألق الاحتفال بالسير الاسطوري على القمر. استطراداً، يقفز إلى الذهن فوراً وصف العنف بأنه قابلة التاريخ، وقد وصل إلى ماركس من هيغل، لكن الماركسيين لم يفهموا العنف إلا بأشكاله الأكثر رداءة. وأيضاً، ساهمت "داربا" في إعطاء البشر مكاناً "شبيهاً" في الفضاء. إذ أنشأت تلك الوكالة نفسها في عام 1957 للردّ على التحدي الذي رمى قفازه الإتحاد السوفياتي في وجه أميركا، عندما أطلق القمر الاصطناعي الأول "سبوتنيك"، فكانت نقطة انطلاق لمشاريع في الفضاء.
التقنية الإفتراضية
وعودة المكبوت اللاعقلاني
هل تبدو العلاقة التقنية بين الفضاءين الافتراضي والكوني قوية إلى حدّ كاف؟ رأى الفيلسوف مارتن هايدغر في كتابه "الكائن والزمان"، أن ماهية التقنية ليست شيئاً تقنياً على الإطلاق، ولا تُدرك علاقتنا بماهية التقنية، طالما اقتصرنا على تمثّلها والإنبهار بها وممارستها، وعلى محاولة التلاؤم معها أو الهروب منها. شدّد هايدغر على أن تصوّر التقنية كشيء حيادي، يمثل استسلاماً بائساً للعقل أمامها، لأن هذا التصوّر الذي يحظى بمكانة محبّبة في المجتمعات ما بعد الصناعية، يجعلنا غير مبصرين تماماً تجاه ماهية التقنية.
إذاً، فبالتحرّر من "الفضاءين"، يمكن العثور على خيط البداية في الإجابة عن ماهية الحدثين وعلاقاتهما المتشابكة، وتالياً، العثور على البنية الخيالية التي تربطهما بعالم ما بعد الحداثة الذي يبدو كأنه وُلد منهما.
من المستطاع الزعم أن مفهوم الافتراضي رقمياً، وفق المعنى الذي أبرزته الانترنت إلى الوجود، وكما يظهر في المحاكاة الإفتراضية Virtual Simulation، وبما يقدّمه من توسيع انفجاري لمفهوم "الممكن"، يشكّل الخيط الذي يصل بين الروبوت والجينوم والنانوتكنولوجيا Nanotechnology والمفهوم المعاصر عن الفضاء. كذلك يقف الإفتراضي في قلب ما يظهر في "الواقع الفائق" من تظاهرات مثل الرواج الانفجاري للشبكات الاجتماعية على الانترنت، وتجذّر ظاهرة العيش الإفتراضي ومواقعه إلى درجة تناوله في دراسات إجتماعية باعتباره "عيشاً إنسانياً"، والعودة "الملتبسة" لأشكال كانت مكبوتة من اللاعقلانية، ابتداء بالتباس تدريب إرهابيي تنظيم "القاعدة" على برنامج الطيران الإفتراضي "فلايت سميولايتر"، وصعود التنجيم، وعلم الأنساب "جينولوجيا"، وارتفاع نبرة الإنتماء إلى العرق واللون والعشيرة وتفكك الفردية العقلانية لمصلحة فردية ملتبسة تمتصها قوى لاعقلانية منفلتة وغيرها.
لنأخذ التنجيم مثلاً. "الرجال من المريخ والنساء من الزهرة". عنوان لأحد أكثر الكتب رواجاً حاضراً (نفتح قوساً: ليس بعيداً منه الرواج المذهل لروايات هاري بوتر المليئة بالعلوم القديمة والتنجيم والسحر الاسود وغيرها، وأفلام "سيد الخواتم" وغيرها). ماذا لو قارنّا فضاء اليونان وأساطيره وتنجيمه وفلاسفته، وفضاء الانترنت الإفتراضي؟ رأت أساطير اليونان السماء مكتظة بالآلهة التي تتحكم بالكون والإنسان، والنجوم نيراناً لمعسكراتها الهائلة البعيدة. وظنّ الفلاسفة الأجرام السموية عقولاً سامية (وجواهر للوجود)، تتصل بالعقل المطلق. لم يبعد أرسطو عن القول بذلك. بنى بطليموس نموذجه عن الكون بناء لذلك التصوّر الذي تضمّن حضور الإلهي في حياة الإنسان بكثافة، وإخضاع الإنسان لحتمية قدرية ترسمها النجوم الثابتة والمتحركة المرتسمة على الأبراج ودوائرها، وقصر الشر في الأرض على الإنسان. تبنّت الكنيسة، وخصوصاً الكاثوليكية، أرسطو وبطليموس، إذ اتفقا مع مفهوم "الخطيئة الأصيلة" من جهة، ومع تدخّل الكنيسة في تحديد الشر والخير في أفعال الإنسان، باعتبارها تحمل مفاتيح فهم الإرادة الإلهية. عندما أدار غاليله التلسكوب إلى القمر والنجوم، لم ير عقولاً ولا أجساماً روحانية، بل رأى كواكب وبُقعاً شمسية، كما نظّر كوبرنيكوس. وضع غاليله مؤلّفه "حوار بين النظامين الرئيسيين في العالم"، ثم سخر من البابا. ليس مجرد أن الأرض لم تعد مركز الكون، بل لم يعد الاتصال قائماً بين الإنسان والعقل المطلق (كناية عن الله). صار الانسان اقرب إلى ان يكون حراً ومسؤولاً عن أعماله، وخرجت الإرادة الإلهية من الأفعال الأرضية والوضعية. كانت تلك فاتحة مشروع العقلانية الكبير الذي أصابه الوهن لاحقاً. جاء ديكارت ليكمل القطيعة مع التصوّر اليوناني ومتفرعاته، إلى حدّ كبير، وعاد إلى تعريف أرسطو للفلسفة، مشدّداً على أنها بحث، فجعلها تستند الى المنهج، وخصوصاً الرياضيات. أثار الكوجيتو نقاشات كبرى، وضمنها السؤال عن العقل. بقي شيء من الإلتباس في تصوّر ديكارت عنه. الأهم ان ذلك لم يكن سيراً ظافراً صاعداً، ولم تنفخ العقلانية عاصفة اقتلعت ما قبلها وأسست لما تلاها. ليس ذلك إلا وهماً. بقيت لاعقلانية القرون الوسطى قائمة. من المهم استعادة ذلك، لأن العقلانية نقلت علاقة الإنسان مع الفضاء والطبيعة إلى الاكتشاف، وخصوصاً مع نظريات نيوتن التي كرست الأجرام السموية كموضع للكشف، ولأن القوانين التي تنطبق عليها، تسري على الأجسام كافة، والعكس بالعكس. تراكم ذلك كله ليصنع انقلاباً على الفضاء الذي يعجّ بالأجسام السموية السامية (المثل الجوهرية الأفلاطون) وبالعقول المتتالية لأفلوطين وأرسطو. بات الاكتشاف، بصيغ متنوّعة، هو علاقة تراسل بين عقل الإنسان والعالم. وعلى رغم الإبتسار، ترافق صعود الكومبيوتر وتبلور العالم الافتراضي، مع تغيير قوي (يضج بالتناقضات أيضاً) ومع الكثير من أسس عقلانية الحداثة وظهور ما بعد الحداثة، من دون المغامرة بالقول بالقطيعة معها. هل ذلك مكسب لمغامرة العقل الإنساني في الكون، أم أن شيئاً ما خرج عن النصوص من دون أن يتوصل إلى تفكير مناسب مع العالم الجديد الذي صنعته التقنية، في الفضاء والبيولوجيا والعالم الإفتراضي والنانوتكنولوجيا معاً؟ لاحظ هايدغر أن المجتمعات الحديثة ترتاح إلى تصور يجعل التقنية من فعل الإنسان حصراً (البعد الانتروبولوجي) وأنها تحقّق غايات إنسانية. ولم يرتح هايدغر إلى هذا التصور، الحداثي بامتياز، لأنه يقصر الحوار مع التقنية على مدى صلاحيتها واستعمالها الجيد، وذلك قول يتردد كثيراً من القنبلة الذرية الى الترفيه المتطوّر ووسائل الاتصالات السريعة والإستنساخ وغيره. ونظر إلى التقنية باعتبارها انكشافاً، بمعنى السير بالشيء من الاختفاء والغياب إلى الظهور. ولاحظ هايدغر ان للإنكشاف أمام التقنية حدّاً آخر هو الحقيقة. ورأى أن ما ينقذ الإنسان يكمن في الخروج من التفكير في التقنية باعتبارها أداة، وفي التحاور مع ماهيتها، للوصول إلى تأمل مختلف عنها أيضاً. وخلص الى أن لا يقين في الطريقة التي يستطيع فيها الكائن الإنساني الوصول إلى وضع اليد على ماهية التقنية (وتالياً الحقيقة)، داعياً إلى الاستمرار في طرح الاسئلة لأن "التساؤل هو تقوى الفكر". في "الكائن والزمان"، اقتبس هايدغر فكرة "عدم التيقّن" من الفيزياء الكمومية، وخصوصاً إرفين شرودنغر (صاحب مثال القطة الشهير)، وهي أبعد من النسبية التي تجذّرت مع ألبرت أينشتاين. اهتز العقل الرياضياتي المتكامل المرجعية، الصارم المنهج لديكارت، تحت وقع تعدد المرجعيات ونسبية حقيقتها، وكذلك ارتجّ تحت وطأة أن لا يقين للوعي الإنساني، التي دعمتها الرياضيات غير التقليدية ونظرية الفوضى، فصارت مرجعيتها متعددة الى حدّ التشظي، وقصيرة المدى، ومتحوّلة أيضاً. تظهر هذه الأشياء في الإفتراضي، وهو صنيعتها تقنياً (بالمعنى الهايدغري لـ"التقني")، خصوصاً في "نموذج الكومبيوتر" Computer Model. يُظهر النموذج سطوة وحدانية المرجعية الرياضية، وامتداداً سطوة المرجعية والحتمية المحمولة في المنهج الدقيق للنموذج. عندما صنع إدوارد لورنز نموذج الكومبيوتر الأول عن المناخ، وقع في الخطأ لأنه أخطأ في إدخال إحدى المعلومات. صحّح الذكاء البشري المعلومة، فتصحح نموذج الكومبيوتر. بقدر ما يسير نموذج الكومبيوتر بصرامة لا تقبل أي خروج على دقتها المرهفة، يفيد بأن كل ذكاء يستطيع أن يصنع نموذجه، وأنه يصعب القول مسبقاً بتفوق نموذج على آخر. المرجعيات صارمة الى حدّ أقصى، ولكنها منهكة ومتعددة ومتفككة الى حدّ التذرر. وكذلك تراوغها الحقيقة بقدر إدّعائها. يبدو وضع الافتراضي ونموذجه، كأنه مزيج من هايدغر وبودريار، بطريقة لم تستنفد أفقها بعد، بل حتى لم تشرع في التفتّح والظهور.
ثمة ما هو أهم. إن النموذج الافتراضي هو غير التراسل بين عقل الإنسان والطبيعية والكون. حلّ النموذج الافتراضي مكان التجربة. بالأحرى، صار النموذج الرقمي محلاً آخر إفتراضياً (و"حقيقياً" بمقدار) للتراسل بين العقل والطبيعة، الممثلة في رقميات الكومبيوتر. مرة أخرى، ثمة إنهاك واضح، لأن النموذج معتمد على الرياضيات التي تعبّر عن علاقات الأشياء، ولكنها لا تستطيع ان تكون أشياءه فعلياً، إضافة الى التحدي المضاعف الذي يرفع حدّ الارتياب واللايقين، ويأتي من الرياضيات غير التقليدية ونظرية الفوضى والفيزياء الكمومية. استولى الإفتراضي الرقمي ونماذجه المتعددة المتذررة على كثير من العقل، وأنهك العقلانية، وأفلت كثيراً من اللاعقلانية، لكنه أوحى أيضاً أن أنطولوجيا الوجود الإنساني في الكون والزمان وأسئلتها العميقة، لم تنته روايتها. ليس بعد!

أحمد مغربي

***

قاتل الكتب الورقية المتسلسل

قاتل الكتب الورقية المتسلسلالكتاب الالكتروني هو تحقيق لحلم بورخيس، بحسب إيريك اورسينا. هو إمكان حمل مكتبة كاملة في كتاب واحد صغير الحجم. كلّ تقدّم يحرزه انتشار الكتاب الالكتروني لن يكون إلا على حساب الكتاب الورقي، أي على حساب ذلك الشكل التقليدي الذي لا يسرّنا التفكير في أنه سيصبح من ذكريات الماضي في يوم من الأيام. يضم الكتاب الالكتروني، الى الكتب التي يختار كتّابها إصدارها بلا نسخ ورقية، عالماً من المدوّنات تكتنف دنيا الأدب والفكر والأبحاث والتحقيقات الصحافية المليئة بالمعلومات.
تضم المدوّنات الالكترونية المنتشرة على شبكة الانترنت كتابات ادبية وثقافية غزيرة، بعضها لأسماء مجهولة، وبعضها لكتّاب كبار اختاروا طريق المدوّنات لترويج أعمالهم. لطالما ردّد البعض القول بأن أفضل ما نعرفه من الأفكار ليس أفضل الأفكار بل فقط أفضل ما نعرفه، لأن البعض يقرر ألاّ يطرح أفكاره للتداول. مع عالم المدوّنات هناك فرصة لاكتشاف دائرة اوسع من التفكير البشري.
تزيد شبكة الانترنت من قدرة الثقافة المضادة، لأنها تلقي الضوء على أعمال وأشخاص كانوا مجهولين. من هنا تحارب الثقافة الرسمية هذا الصعود القوي لانتشار المدوّنات الالكترونية، لكنها لن تستطيع فعل شيء لأن الذي اعتاد على التحرر من كلّ الضوابط لن يقبل بالعودة الى الكتابة ضمن حدود، أيّاً يكن من يضعها.
يتوجّه الكتّاب الى أسلوب النشر عبر المدوّنات الالكترونية، لأنها تسمح لهم بنشر مواضيع لا تدخل في دائرة اهتمامات المجلات والصحف، كنشر يوميات هؤلاء الكتّاب، او لأن تحديد هذه المجلات والصحف لعدد الكلمات التي يمكن نشرها يدفع الكتّاب الى نشر كامل ما يكتبونه على مدوّناتهم الخاصة لتمكين قرائهم من الإطلاع على تمام ما يكتبون.
لكن سهولة وضع ما يُكتب على الانترنت، لا تجذب مستخدمي هذه الشبكة كثيراً الى قراءة محتوى المدوّنات، لأن كل إنسان يستطيع القيام بوضع ما يكتبه عليها، وتالياً تغيب المعايير التي تمكّن مستخدم الشبكة من التمييز بين الجيّد والسيئ. لا يزال القراء يثقون أكثر بالكتابات المطبوعة في كتب، ولا يزال إسم الكاتب وإسم دار النشر يمارسان تأثيرهما في انتقاء موضوعات القراءة.
إلا ان في كتابات بعض الهواة وعياً وتقنية كتابية لا نجدهما لدى من يعتبرون أنفسهم محترفين. هكذا فإن عالم المدوّنات كعالم الكتب، نجد فيه الغث والسمين. لكن الفارق يكمن في أن المدوّنات الالكترونية المهمّة يصعب اكتشافها، لأنه حتى الآن لم يتم ابتكار المعايير التي توجّه اختياراتنا، فيبقى الأمر في مهبّ المصادفة الى حدّ بعيد.
إمكانات مضافة للقارئ
يشتهر الكتاب الالكتروني، الذي تشكل المدوّنات احد اوجهه، باسمه الانكليزي المختصر، أي الـ"إي بوك" e-book، وقد فرض تركيبة إسمه المختصر على الكتاب الورقي الذي بات يعرف بالـ"بي بوك" p-book، وهو اسم يحيلنا على واقعة أن المكتوب محمّل على الورق papier. الخلاف بين الشكلين يأخذ في الإعتبار حامل المكتوب او دعامته. فهو "إي بوك" إذا كانت دعامته غير مادية، وهو "بي بوك" إذا كان مستمراً في الإرتكاز على الدعامة المادية الورقية في تداوله للمعلومات.
يعطي العمل الرقمي حلاً لاحتياجات القراء أكثر ارضاءً مما يقدّمه الورق. يمتلك هذا النوع من العمل مواصفات لم يكن قارئ الكتب في شكلها التقليدي يحلم بها حتى. فالقارئ بات يمكنه التدخل في النص ودمج تعليقاته الخاصة في المتون. لم تعد الفهرسة منفصلة عن إمكانات البحث، وهذا ما يوفّره الاسلوب الرقمي الذي يضيف الى عالم التعامل مع النص عنصر نقل القارئ الى حيث ترد أيّ كلمة تخطر على باله. وبات القارئ يمتلك القدرة على إبراز ما يراه هو مهمّاً في النص، وبالطريقة التي يختارها، فيتحوّل النص فعلياً عملاً مزدوجاً تلتقي فيه مقاصد الكاتب بالإضافات الخارجة عن فهم القارئ له، وينعكس هذا التفاعل على شكل النص نفسه وعلى ترتيبه.
الكتاب الإلكتروني هو منتظم مفتوح. فإلى تقديمه للقارئ القدرة على التدخل في النص، يمكّنه من إرسال محتويات هذا النص نحو محتويات أخرى او مصادر أخرى، ما يمنح الكتاب الرقمي الأفضلية بالنسبة الى مجموعات القراء الفاعلة (طلبة، باحثون، مجموعات قراءة...).
تبقى في الأساس الفرصة القيّمة التي يوفرها هذا الشكل من الكتب، وهي إمكان الوصول اليها والتمكين من التصرّف بالعمل أيّاً تكن الساعة او المكان الجغرافي.
يرى أنطوان غاليمار مدير دار النشر الفرنسية التي تحمل الاسم نفسه ان عام 2008 كان عام الوعي بالأفق الرقمي الذي لا يمكن الرجوع عنه في سوق الكتاب. وليس نادراً اليوم عقد لقاءات ومنابر حول الكتاب تسعى الى تثبيت خط الهروب للتحوّل الكامل عن المادية. لكن المنظور يهرب ايضاً من الذين يريدون رسم هذا الخط بحركة واضحة.
يتصل الكتاب الإلكتروني بمفهوم الديموقراطية. لم تعد دور النشر قادرة على استبعاد كتابات البعض عن التداول العام. فتداول الأفكار لم يعد محصوراً بما تقدّمه هذه الدور من وسائل تقليدية للتواصل مع إنتاجات الآخرين الفكرية. يستطيع كل كاتب أن يضع كتابه على شبكة الإنترنت ليتيح لمجموع سكّان الكوكب إمكان الوصول اليه.
مقاومة أم تكيّف؟
من ناحية أخرى، كتب بيار ألكسندر كزافييه في مجلة "الأزمنة الحديثة" ان إلقاء نظرة مستقبلية على السنين العشر المقبلة تقول لنا ان النموذج الالكتروني سيفرض نفسه على السوق، وسينضم اسلوب البيع على شبكة الانترنت الى الاماكن الاخرى، لا بل سيزيل بعضها. وستعاني المكتبات من انبثاق النموذج غير المادي لتوزيع الكتاب.
أما القارئ الإلكتروني، فسيفرض نفسه لا كجهاز توسّطي بل كمفهوم: مفهوم الكتاب الالكتروني، ليكون في النهاية متماهياً مع الكتاب بشكل كامل.
من هنا يرى كزافييه انه يجب على شبكات التوزيع الفيزيقية وعدّة النشر، ان تتكيف مع توزيعة جديدة ستحوّل المهن والمؤسسات والوسائل. كذلك، على الناشرين ان يواجهوا الصعود القوي للكتّاب الذين يستخدمون وسائط اجتماعية على الانترنت للتعريف بكتاباتهم وترويج انصرافهم عن الورق.
من هنا يرى ان على مهنة صناعة الكتب ان تقبل اتساع المنافسة التي يقوم بها داخلون جدد، من خلال منشقّين عن دور النشر الكبيرة وكتّاب يعلنون استقلالهم الكامل وشبكات توزيع متخصصة على شبكة الانترنت. أما التحدي الأكبر الذي يفرض نفسه على هذه المهنة، فهو انها يجب ان تواجه تعميم المجانية على الانترنت.
ويخلص الى انه ليس هناك سوى طريقتين للتعامل مع هذه التغيرات. إما ان نحاول المقاومة، وإما ان نحاول فهم التحوّل الحاصل ومتابعته من خلال التكيّف بطريقة واضحة مع الشروط الجديدة.
كتاب ما بعد حداثي
دخل الكتاب الالكتروني في صلب المناقشات ما بعد الحداثية. وقد علّقت مؤسسة "غارتنر" على التطور الحاصل مستنتجةً ان هذا الشكل من الكتب "يقدّم قراءة مطابقة لقراءة الورق، يشبه الورق ولكنه يستهلك طاقة أقل ويسمح لنا بأن نكون أكثر احتراماً للمعايير البيئية في المكتب: الورق الالكتروني يحظى بمناصرين أكثر فأكثر. وهذا ليس سوى البداية".
أما مدير موقع "سوس إي بوكز" على شبكة الانترنت غبريال غاسكون، فيرى ان الكتاب الالكتروني يحظى بميزات متعددة تجعله يتفوّق على الكتاب الورقي. فهو في رأيه يمتاز بـ"تلقائية... كلية الحضور... نفاذية... لا يبلى... سهل على النسخ... مكتبة محمولة... بحث سهل في النص... استشهادات اكثر سهولة... تعليم الصفحات ووضع هوامش... روابط متحركة وميتا قراءة... مرئي ومسموع... تركيب صوتي... تدريب مباشر... الوان وتوضيحات... سهل على التغيير... نستطيع قراءته في العتمة... صديق للبيئة... يسهّل التعليم... نستطيع تكييف شكله... بعض الكتب لم تطبع إلا كإي بوكز...".
يطرح البعض التساؤلات حول مستقبل الكتاب ومستقبل القراءة في ظل التحوّل نحو الرقمية. ولكن يجب ألاّ ننسى: "إي بوك" او كتاب ورقي، مستقبل الكتاب سيكون هو مستقبل القراءة. ومستقبل القراءة نفسه يواجه تحديات جدّية، ففي دراستين، الاولى نفِّذت في الولايات المتحدة الاميركية، والثانية في فرنسا، ظهر أن القراءة في تراجع، أقلّه في أشكالها التقليدية. أما في العالم العربي، فواقع القراءة مأسوي، في ظل تداول معظم إنتاجات الكتاب العرب عبر الكتب الورقية. ولكن هذا لا يعني أن تداولها في أشكال رقمية سيحسّن هذا الواقع.
السفر مع المكتبة
المدير العام لـ"سوني فرانس" فيليب سيتروين، الذي تُعنى شركته بتجارة أجهزة قارئة للكتب الألكترونية وتسويقها، يقول ان الـ"إي بوكز" تروق للناس الذين يسافرون وللقراء الكبار. لكن المشكلة الوحيدة التي يواجهها القراء في رأيه هي أنهم يتحدثون عن "الكبت الذي يتسبب به النقص في العناوين المتاحة".
يتحدث البعض عن "بداوة دوائر المعلومات" ويقصدون بذلك الحقبة الجديدة التي تمتاز بالحركية. فـ"البداوة" هذه هي مفهوم اساسي لبداية القرن الحادي والعشرين، يقترح على الجميع الوصول الفوري الى المعلومة، على كل مساحة الكوكب، من دون عقبات فيزيائية او ميكانيكية او جغرافية.
يشكل الترحال الدائم مصدر جاذبية الكتاب الإلكتروني، فهو الوسيلة التي تمكّن الإنسان من الترحال برفقة النصوص التي يحبّها. يقول ايريك اورسينا: "الإي بوك هو وسيلة غير مألوفة لأولئك الذين، كما انا، يحبون في الوقت عينه الكتاب والسفر. لديكم كل الكتب في كتاب واحد. هذا هو حلم بورخيس الذي اصبح واقعاً: مكتبة بابل في متناول اليد، أكنتم في عرض الكاب هورن أم في العمق النهائي لكاماشاتكا"

حسن عبّاس

***

الفنون الجديدة استعاد العالم أبعاده الثلاثة

الفنون الجديدة استعاد العالم أبعاده الثلاثة

يظن البعض أن فنون ما بعد الحداثة السائدة اليوم بطريقة تشبه الهوس، خرجت فجأة من مكان ما يقع خارج التاريخ. هذا الظن يصدر عن شعور بالخيبة ممتزج بالرجاء. وهو شعور لا يخفي أصحابه رغبتهم في أن تنتهي سنوات الكابوس سريعا ليعود بعدها الرسم والنحت إلى سابق عهدهما، فنَّين يصنعان ذائقة الناس الجماليين ومزاجهم بأسلوب مثالي مغال في ترفعه. غير أن الحقائق التاريخية تقول إن فنون الفيديو والتصوير والتجهيز والانشاء والاداء الجسدي والمفاهيم وسواها من الفنون الجديدة، هي بالنسبة الى مسيرة التحولات الفنية في عصرنا أشبه بالجنيات اللواتي كنّ نائمات، ثم استيقظن. وما يحدث اليوم تجسيد لحيوية الفن وهو يسعى الى اللحاق بجوهره المتغير.

الفنون الجديدة استعاد العالم أبعاده الثلاثة

ما الذي تبقّى من الحداثة؟

يحق لريتشارد سيرا أن يقول: النحت لا يزال ممكنا. معرضه في "القصر الكبير" بباريس، قبل سنوات قليلة، كلّف الملايين من الأورو بسبب التأمين والنقل البحري والبري والتنظيم والحراسة. في المقابل، فإن سي تومبلي سيقول مطمئنا: الرسم هو الآخر لا يزال ممكنا. كبرى القاعات الفنية واشهر المتاحف في العالم تتنافس في ما بينها لاستقبال معارض هذا الرسام الذي لا يزال يجد متعة كبيرة في التماهي مع الطبيعة الحية. هل هذان الفنانان هما الاستثناء الضيق واللامع في حقبتنا التي تشهد انحسارا منذ حوالى عقدين من الزمن لعروض النحت والرسم؟ سيرا وتومبلي هما في الحقيقة من بقايا تيار الحداثة الفنية الذي اخترق القرن العشرين طولا وعرضا. حرصهما على نقاء النوع الفني، عميق ومتماسك بقوة. مقوّمات العمل النحتي تظهر كلها بوضوح في أعمال سيرا، فيما تفصح لوحات تومبلي عن عناصر الرسم كلها، وهذا ما لم يخلص له فنان يضارع الإثنين اهمية هو الالماني انسيلم كيفر، الذي استطاع ان ينسلّ بخفة من قالب الفنان الحداثوي ليكون فنّه أشبه بالجسر الذي يقود إلى مناطق فنية لا يزال نزاع المفاهيم فيها مستعرا ومربكاً. بالنسبة الى الاجيال الجديدة من الفنانين، والتي تكاد تعيش قطيعة مبرمجة وصارمة مع فنون القرن العشرين، فإن الحلول الجمالية التي يقترحها فنّا سيرا وتومبلي (وحتى كيفر في معظم الأحيان) انما هي تنبعث من مكان لا ينتمي إلى الواقع الراهن. مكان وهمي تنعش ذكراه فكرة يعتبرها الكثيرون مضللة: الجمال. كان الجمال بالنسبة الى تيارات الحداثة بمختلف نزعاتها المتشظية قضية مركزية وملحة، فيما لا أحد اليوم يولي مفهوم الجمال أهمية تذكر. لقد تبدلت أشياء كثيرة، لا في طريقة النظر إلى العمل الفني فحسب بل وأيضا في طبيعة العمل الفني نفسه. مزاج خفي قلب الطاولة ومحا كل أثر لما تصورناه قوتاً خالداً. ذلك المزاج لم يفرضه الفنانون وحدهم، بل تبنّته مؤسسات كبرى كالمتاحف ومزادات الفن وصالات العرض ودور النشر والبنوك وسواها من حلقات المال الثقافي الداعمة. كان الدادائيون قد دعوا أوائل القرن العشرين في واحد من اعظم انفجارات الحداثة، إلى تدمير المتحف، فكرةً ومبنىً يضم بين ارجائه روائع الفن. كانت تلك الدعوة جوهرية في الفكر الدادائي. المفارقة أن الفن الجديد ورث أشياء كثيرة من ذلك التيار العبثي، مستثنيا دعوته تلك. ذلك لأن المتاحف وهي المعنية بالغضب الدادائي، قد تعلّمت الدرس التاريخي جيدا، فصارت اليوم بمثابة حاضنة لتيارات فنية أقل ما يقال عنها إنها تدبر مكائدها خارج التاريخ. حدثٌ ما دُبِّر في الخفاء جعل من بعض المتاحف حاضنة للفن الجديد.

شغب "فلوكسس"

كان جوزف كوست في العشرين من عمره عام 1965 حين عرض كرسيّه الذي قُدِّر له أن يدخل المعاجم الفنية باعتباره اختراعاً غير مسبوق: كرسيّ بثلاث حالات (الكرسي نفسه، صورته، ونص معلوماتي مكتوب عنه). في السنة نفسها كانت حركة "فلوكسس" (كلمة لاتينية معناها يجري) قد بدأت حراكها المشاغب. شغب لم يخطئ طريقه إلى الفن على الرغم من انكاره كل مواد الفن المتاحة يومذاك، وتقنياته واساليبه ومضامينه وأفكاره. أتباع تلك الحركة، وكان يوزف بويز واحدا منهم، مدّوا أيديهم إلى كل شيء باستثناء تلك الأشياء التي تذكّر بالفن كما نعرفه وكما كرّسه التاريخ. كانت اختراعاتهم صادمة للذوق العام الذي تبيّن له أنه صار يقف عند لحظة قطيعة تؤسس لما بعدها، نافيةً كل ما قبلها. والآن ما الذي فعله فنّانو تلك الحركة؟ كان لديهم الحصاد الدادائي جاهزا، وفي الأخص ما انطوت عليه تجارب مارسيل دوشان من جرأة في استعمال المواد الجاهزة، وفي الوقت نفسه لجأوا الى استعمال التقنيات الجديدة وفي مقدمتها تقنية الفيديو. من هذا المزيج، استخرج الفنانون يومذاك مفهوما جديدا للفن هو أكثر سعة وأقل تجهما، شاملاً يحرر الجمال من حساسية نقدية ثابتة ليطلقه في فضاءات تعددت عناوينها: فن المفهوم، فن الحدث، فن الارض، افلام الفيديو، فن المواد الجاهزة، فن الاداء الجسدي، فن الضوء، فن التركيب والانشاء والتجهيز،...الخ. هكذا فتحت "فلوكسس" الباب على مصراعيه أمام كل فكرة يكون في إمكانها أن تكون فناً. في تلك المرحلة التاريخية، أي في ستينات القرن العشرين، لم تكن تيارات الحداثة الفنية قد استنفدت جميع أسباب وجودها، وهذا ما جعل تمرد "فلوكسس" محصورا في أعضائها الرسميين. غير أن ما فعله أولئك الفنانون ظل كامنا في انتظار اللحظة المناسبة للانبعاث مرة أخرى، وإن لم يحقق انتشارا شعبيا في ذلك الحين. وكما أرى، فإن استمرار الالماني بويز في اختلافه المتمرد قد حفظ لتلك الحركة توقد نارها. قدّم بويز عروضا مذهلة في فن الاداء الجسدي في غير مدينة عالمية، مدعومة بأشيائه الجاهزة وتركيباته غير المتوقعة وألواحه السوداء التي كتب عليها دروسه في الفن. حتى وفاته عام 1986 ظل بويز عنوانا للفن المضاد. وهو ما يجعلنا على ثقة من أن شيئا من بويز موجود في تجارب جميع الفنانين الذين أتوا من بعده ليكونوا سادة التحول الذي صنع في ما بعد هوية عصرنا الفنية. وكما يبدو، فإن بويز مشى مسافة القطيعة كلها، هو الذي حرث الأرض ومهّدها لكل فكرة اختلاف. ولكن على الرغم من أهمية بويز، فلا بد من ذكر فنانين كان لهم أعظم التأثير في التحول الكبير الذي شهده الفن في عصرنا: هنري فلينت، جورج ماكنوس، الآن كابرو وهو مخترع فن الحدث، وولف فوستل الذي عرض شاشات كثيرة على جسد سيارة، فيتو اكونجي وهو يتلو القصائد نائما أمام الكاميرا، جورج برشت، جون كيج، ال هانسن، لاري ميلر، يوكو اونو، زوجة جون لينون، عضو فرقة الخنافس الشهيرة.

وصية بويز

يمكننا القول إن ثمانيات القرن الماضي وقد شهدت غيابا ملحوظا لأساتذة الحداثة الفنية (بويز وهو الأب الروحي لما بعد الحداثة غاب هو الآخر في منتصف ذلك العقد)، كانت الحاضنة التي أمدّت تجارب الفنانين الجدد بأسباب الحياة. وصية بويز كانت واضحة حين ألقى محاضرته الفنية الأخيرة على أرنب ميت. يمكننا أن نفهم أن القطيعة كانت كاملة. في نيويورك كان أندي وارهول يرعى صبيانا، مأخوذا بسوقيتهم الفاجرة، وبقدرتهم على الابتهال الروحي بلغة مبتذلة. لقد وجد وارهول في أولئك الفتيان تجسيدا لحماسته القديمة للجميل المبتذل. كان وارهول على معرفة شخصية وثيقة ببويز، حتى أنه رسمه غير مرة. وكما أرى الآن، فإن جزءاً عظيما من التحول الذي شهده الفن في عصرنا انما يرجع إلى ذلك المختبر الوهمي الذي امتزجت فيه رؤى الإثنين بكل ما في تلك الرؤى من تناقض. بويز الذي كره أميركا، ودخل إليها من غير أن يراها، ووراهول الذي صنع من رموز حساسية الاستهلاك الاميركي ما يتشبه بالايقونات الدينية. لم تتأخر المتاحف ولا صالات العرض في مدن الفن الكبرى كثيرا عن تبني تيارات الفن الجديد. شيءٌ ما لا يزال غامضا قد حدث لكي تنتهي المصائر إلى نقطة اللاعودة. من المؤكد أن جائزة تورنر لعبت دورا كبيرا في رعاية النزعات الفنية الجديدة وتكريسها. ويعتبر سرير تريسي امين ذروة ذلك التبنّي. ابنة المهاجر التركي من شمال قبرص، البريطانية المولد (عام 1963) جلبت سريرها إلى المتحف معبّأً بوقائع الليلة الفائتة، وخطفت به جائزة تورنر لعام 1999. لقد صُدم الكثيرون بما جرى. حدّثني أحدهم عن الواقي الذكري المستعمل الذي تركته تريسي إلى جانب سريرها، الى جانب المناديل الورقية المستعملة. في الوقت نفسه، كان داميان هيرست قد عرض خزانات الأدوية في محاولة منه لمناقشة فكرة الموت. كان كيث هارنغ ميتا في ذلك الوقت. أحد مدللي وارهول، تمكن منه الموت صغيرا بعدما أصبح نوعا من ماريلين مونرو. انطوني غورملي من جهته، كان منهمكا في اختراع أشكال لكائناته الصغيرة التي عرض آلافا منها في مشهد يذكّر بالمسيرات الكبرى في التاريخ. كائنات يضيق بها المشهد، غير أنها تعبّر عن ضمير جمعي صار هو الآخر يضيق بغيابه. ليست فرنشيسكا وودمان ومن بعدها خليفتها سندي شيرمان بعيدتين عن ذلك الضيق الوجودي. صورهما تشفّ عن ذلك الكائن العدمي الذي انتهى لدى وودمان منتحرا، فيما انتهى لدى شيرمان مهرجا. جيف كونز هو المهرج الحقيقي. يزور كونز محال الانتيك ويشتري العاديات من هناك ليعرضها باعتبارها تحفا فنية. فعلت كيكي سميث (1954) المحاولة نفسها، لكن بأسلوب حفظ للنحت شيئا من كرامته. في مكان آخر، كان سحر عروض اليوغوسلافية مارينا ابراموفيتش يفتح الباب على عالم الجسد بكل خفاياه المتعوية. وكانت كارين فانلي قد غطّت جسدها بالحليب لتذكّر بمهاراتها الروحية. أما الهندي من أم عراقية، أنيش كابور، فقد أغرق مساحات العرض بألوان توابله قبل أن تتاح له الفرصة لإنشاء مرآتين هما الكبريان في التاريخ، كل واحدة منهما كلفت عشرة ملايين دولار.

عالم رقمي

فن الفيديو هو غير تقنيته الرقمية. فإذا كانت تلك التقنية لم تُعرَف إلا بداية التسعينات من القرن العشرين، فإن الفن نفسه كان قد عُرف منذ خمسين سنة تماما. مع وولف فوستل العضو البارز في حركة "فلوكسس"، عرف العالم واحداً من أول العروض الفنية من خلال شاشة التلفزيون. غير أن المؤرخين يجمعون على أن الأب الحقيقي لفن الفيديو هو الكوري - الاميركي نام جون بايك (1932 - 2006) وهو الآخر كان عضوا في "فلوكسس" وصديقا مقرّبا لجون كيج. الإثنان جمعهما الشغف بالموسيقى، وهو السبب الذي حدا ببايك منتصف الستينات إلى اطلاق فن جديد، أشرطة الفيديو مادته التقنية. شهد عام 1971 بداية مغامرة طريفة من نوعها في هذا المجال. إذ عمد التلفزيون الالماني (الغربي يومها) إلى تكليف عدد من الفنانين التشكيليين المعروفين بتمردهم على الانواع الفنية السائدة، إنجاز أفلام قصيرة على أشرطة الفيديو. كان يوزف بويز واحدا من أولئك الفنانين. انتهت تلك المغامرة إلى الفشل الذريع. إذ أن تلك الأفلام لم تُعرض على شاشة التلفزيون إلا مرة واحدة، حيث قابلها الجمهور بالاستهجان والسخرية ولم يستوعب قيمتها الفكرية. لقد حالفني الحظ في رؤية جميع تلك الأفلام عام 2005 حين عُرضت في أحد متاحف باريس (متحف خاص بالسمعي والبصري). كانت تلك الأفلام تمثل لحظة قطيعة مزدوجة: فهي من جهة لا تمت بصلة إلى عالم الدراما أو السينما، ومن جهة أخرى فإنها تستعمل تقنية الفنين ذاتها في الصناعة والعرض. في طبيعة الحال، كان جمهور السبعينات ينتظر شيئا له علاقة بالدراما، ومن هنا جاءت صدمته. يوم رأيت تلك الأفلام، كان قد مضى على انتاجها أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، غير أن معظمها كان لا يزال يحتفظ بقوته التعبيرية على الرغم من الضعف التقني، قياسا لما انتهت إليه التقنيات الرقمية في زماننا. الآن، وبعدما أغرقتنا الثورة الرقمية بأجيال من ابتكاراتها الحاسمة، صار انجاز أفلام الفيديو ميسّرا لكل من يشاء. هذه الكثرة جعلت الحكم النقدي أشد صعوبة مما كان عليه في الأمس. الأمر نفسه يمكن تطبيقه على فن الفوتوغراف، حيث وجد الكثير من الرسامين والنحاتين في الكاميرا بنوعيها، الثابتة والمتحركة، بديلا من الممارسة التقليدية في التعبير عن أفكارهم اليومية. وكما أرى، فإن طغيان فكرة اليومي في الفكر الفني المعاصر كان هو الدافع الرئيسي الذي يقف وراء انتقال أولئك الرسامين والنحاتين (جون بلدساري على سبيل المثال) الى التصوير ليكونوا منافسين أشداء لمصورين محترفين من نوع سندي شيرمان أو نان غولدين مثلا. لقد اكتشف الفنانون أن فن التصوير، بعكس ما يشاع عنه من أحكام شائعة، لا يجمّد الزمن، بل يذهب باللحظة إلى فضاء المطلق. يحرر الزمن من حركته التقليدية وتقسيماته المقيدة. لذلك صار العالم أكثر سعة بفضل هذا الفن. فمن خلاله نعيش حيوات كثيرة ما كان في إمكاننا أن نحلم بها من قبل. ولأن انجاز فيلم أو التقاط صورة هو أمر متاح لكل فرد، ويكاد يكون مستحيلا بالنسبة الى الرسم أو النحت، فقد صار فرز ما هو فني عن سواه فعلاً نقديا في غاية الصعوبة، وهذا ما يجعل الكثير من الأحكام مرتبطة بمزاج فكري يظل عصيا على التفسير الميسر.

مصائر متعددة

مع الفنون الجديدة، وهي التي صارت تُجمَع تحت راية "تيار ما بعد الحداثة"، أصبح العالم كما قلت أكثر سعة، بل يمكننا القول بثقة إن العالم استعاد هيئته الأصلية: كيانا بثلاثة أبعاد أو أكثر. وهذا ما يبدو ناجزا في فن التجهيز والانشاء بقوة لافتة ومؤثرة في الفنون الأخرى. قد يقال إن النحت من قبل حقق شيئا من هذه القبيل، غير أن الطابع الوصفي الذي يتميز به فن النحت بحثا عن جماليات مصممة سلفا، وقف عائقا بين النحات والقدرة على اقتحام دائرة مشكلات معقدة كتلك التي يواجهها إنسان عصرنا الغارق في دوامة سعيه الاستهلاكي المتشعب. يتيح فن التجهيز للفنان حرية أن يكون صانع مصائر لا تحتكم إلى تقنية في عينها ولا تتقيد بخيال مادة دون سواها. صار كل شيء ممكنا إلى درجة العدم والتخلي. وهي الفوضى التي نظر إليها مؤرخ مهم هو هربرت ريد بعينين حذرتين قبل اكثر من أربعين سنة. ما لم يفهمه ريد في الأمس، صار اليوم واقع حال. فالتجهيز (الانشاء) هو في حقيقته فن متعدد بطريقة لا يمكن السيطرة عليها من أجل التعرف اليها على الأقل. على سبيل المثال، دوريس سالسيدو ومارك والكنر وجانيت أخلمان هم فنّانو تجهيز، ولكن لا شيء يجمع بينهم. سالسيدو رسمت شقّاً على الارض بطول مئات الأمتار، توهّم الكثيرون أنهم أمام انكسار أرضي، اما والكنر فهو ذلك الفنان الذي حصد جائزة تورنر بسبب عمل هو في حقيقته مجموعة اللافتات التي حملها متظاهرون بريطانيون ضد غزو العراق. أخلمان من جهتها تطلق شبكاتها المصنوعة من الأسلاك والحبال في الفضاء. عناصر كثيرة تجمع بين الثلاثة غير أنها ليست من نوع تلك العناصر التي تجمع رساماً برسام آخر، أو نحاتاً بزميله. وعلى الرغم مما يمكن أن يلحق بفن التجهيز من كلام فائض، القليل منه يصل إلى الهدف، فإن هذا الفن هو في واقع حاله التجريبي خلاصة لامتزاج فنون عديدة، بعضها بالبعض الآخر: فن الارض، فن الحدث، الاداء الجسدي وفن المفاهيم. هذا المزيج هو الذي يهب فناناً من نوع الان كابرو (ولد عام 1927) دورا طليعيا رائدا في تيار ما بعد الحداثة لا ينافسه عليه يوزف بويز الذي يعدّ الأب الروحي المباشر لكل النزعات الجديدة في الفن. هناك دائما كما قلت سلفاً، شيء من بويز في تجارب جميع الفنانين الجدد التي تشكل اليوم معيارا للفن في عصرنا. لو اقتربنا من خزانات داميان هيرست (1952) المكتظة بالأدوية، فلا شيء غير عادي يمكنه أن يستفز ذائقتنا الجمالية ويوجهها أو ينحرف بها، غير أن بيان هيرست الذي يتعلق بالموت هو ما يجعلنا نشعر بكابوسية المصير الذي ينبعث من تلك الخزانات ممتزجا بالأدوية. حينذاك فقط يمكننا أن نتخيل أمراضنا المؤجلة. لعبة شبيهة بذلك الدرس الذي ألقاه بويز على أرنب ميت. ألم يكن ذلك الأرنب الميت الذي اصغى إلى درس في الفن سوى صورة لمتلقٍّ سيظل مؤجلا؟ يكتفي بعض الفنانين بالنص المكتوب: كلمات متناثرة أو جمل ناقصة وأخرى تعني نقيضها أو تلعب على المفارقة. وفي كل الحالات فإن النص، مستعاراً أم مؤلفاً، لن يكون مقصودا لذاته. إنه السبيل الذي يؤدي إلى فكرة، تقع أحيانا خارجه. فكرة قد لا نقبض عليها غير أن كلماتها تتسلل إلى أعماقنا جارحة كالمسامير. سرير منى حاطوم الذي لا يصلح للنوم، هو نوع من الخديعة البصرية التي تعبّر عن مصائرنا في كل لحظة خيبة.

ضد اللغة

ينشر كريستيان بولتانسكي الثياب على حبال متجاورة. مشهد متكرر نراه على سطوح المنازل وفي ساحاتها الخلفية. غير أن المرأة التي نشرت تلك الثياب، وهي الأخت والزوجة والأم، لن تكون موجودة أبداً. آنا منديتا، زوجة كارل أندريا، الكوبية التي انتحرت، تنام عارية على بطنها فيما العشب يتسلق ظهرها. الايطالية فانيسا بيكروفت تطلق فتياتها العاريات في القاعة المغلقة لتصطادهنّ فرادى وجماعات بكاميرتها. جانين انتوني تطلي شعرها بالأصباغ وتبدأ بالرسم على الأرض مستعملةً رأسها فرشاة. مارينا ابراموفيتش، يوم كان هناك بلد اسمه يوغوسلافيا، تجلس على تلٍّ من العظام البشرية، جسدها العاري ملطّخاً بالدم فيما يسيل الحليب على جسد كارين فانلي. سلوك صريح ومباشر يصيبنا بالعدوى. لن نكون بسببه معنيين بالجمال باعتباره سلعة. شيء من انسانيتنا نراه وهو يتهدم. يشقى ويختفي. شيء يلوح في الريح مثل ثياب بولتانسكي التي نسيت على الحبال. ماذا عن صاحبتها؟ نختنق بالسؤال. ما المصير الذي ينتظر جسد آنا منديتا نائمةً تحت العشب، وهي التي ذهبت إلى الموت بإرادتها بعد سنوات؟ كل ذلك الركام من العظام الذي تجلس عليه مارينا ابراموفيتش كان يوماً ما ينعم بالحياة. ألا نفكر في أن نندسّ بين تلك العظام لنكون كما نحن فعلاً؟ نقيم في صورنا الشخصية. نتسلى في النظر إلى تلك الصور كما لو أننا نسعى إلى بعث الحياة في أجساد آخرين لم نتعرف اليهم إلا في تلك الصور. بوق أنيش كابور العملاق في "تايت غاليري" يذكّرنا بأن هناك صيحة ستوقظنا يوماً ما من منامنا. كما لو أن الفن يلعب دور الدين في عصرنا، كما لو أن الفنانين، وهم المفجوعون بسلبيتنا، قرروا أن يكونوا وسيطا بيننا وبين الملائكة التي تتحدث بلغة رقمية. هل عدنا إلى الترجمة؟ نعم. أقرّ بأن هناك عجزاً تعبيرياً عظيماً سببه شيوع اللغة السائلة. اللغة التي لا تقول شيئا في عينه. لغة السياسيين والاعلام والنشرات الدعائية الخاطفة. تلك اللغة الرمزية التي اختصرت العالم في مجموعة من الحفر والمضايق والفقاعات المتناحرة. إزاء اضطراب تلك اللغة وقلقها، فإن كل محاولة للوصف هي في حقيقتها تجسيد لخيانة سيكون الجمال ضحيتها الأولى. أقصد الجمال باعتباره مفهوما وليس مجرد حمولة عاطفية. لا يزال هناك من يتاجر بالحساسية والذائقة الجمالية. لا يزال هناك من يدّعي الرأفة بالحواس. ولكن الخراب الذي عم كوكبنا قلل من فرص النجاة. شيءٌ ما يشبه النهاية صار يرافق كل سلوك بشري. إزاء هذا الواقع، فإن دعابات الدادائيين لن تكون نافعة. يصرّ أوبالكا على الاستمرار في كتابة الأرقام على سطوح لوحاته. لقد وجد هذا الرسام في الارقام ضالته. وحدها الأرقام في إمكانها أن تعينه على مكابدة العيش. أسراره كلها تكمن في ذلك الجب الرياضي العميق. لقد اتسعت اللغة وضاق العالم. كان متحف اللوفر يوماً ما، الكون الخيالي كله. الآن يمكن اعتباره ذرّة منسية في كون ليس له أرض واحدة. ثياب بولتانسكي تظل محلقة في الهواء لتذكّرنا بجرحنا اللغوي. لم تعد هناك فرصة ممكنة واحدة لتجميل الحياة من طريق الفن. فمثلما استعادة الحياة من طريق الفن الجديد هيئتُها ثلاثية البعد، فإن الفن استطاع أن يستعيد من طريق الخراب كرامته: الصرخة التي اطلقها كائن مونخ الوحيد .

فاروق يوسف

***

عن فضاءات أخرى

الفنون الجديدة استعاد العالم أبعاده الثلاثة

إن كل تطور في المجالات العلمية لا بد أن ينعكس عاجلاً أم آجلاً على الاوضاع الانسانية كلها، والفنون على أنواعها خصوصاً. فالفن التصويري أو المعماري مثلاً تأثر كثيراً بالتطورات العلمية في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مما دفع أحد أهمّ منظّري العمارة، سيغفريد غيديون، الى طرح مفهوم معماري جديد يرتكز على فكرة الفضاء - الزمني أو Space – time ليشرح من خلاله تطورات العمارة في القرن العشرين على أنها ترجمة فعلية لهذه النظرية من خلال عمارة تتحدى المفهوم الكلاسيكي، المبني على تصوّر ثابت للبناء كشيء واضح وجليّ ذي أبعاد ثلاثية.
العمارة الحداثية بحسب غيديون، تتخطى ذلك من خلال ديناميكيتها التي تجعلها صعبة التصور أو الفهم، من دون التجوال فيها وحولها. من هنا يدخل البعد الزمني، أي الوقت، في هذا المفهوم، ومن أبرز أمثلته على ذلك مبنى الـ"باوهاوس" في ديساو، الذي قارنه غيديون بإحدى لوحات بيكاسو "التكعيبية"، وكلاهما، بحسب نظريته، يتعاطى بالطريقة نفسها مع "الشيء" بأبعاده الفضائية - الزمنية، كاسراً المنظار الكلاسيكي الذي سيطر على الفن التصويري كما المعماري منذ عصر النهضة. (1)

الفنون الجديدة استعاد العالم أبعاده الثلاثة

هذا التصور للعمارة كانت له تأثيرات كبرى على تطور العمارة في القرن العشرين، تخللتها مراحل شك وإعادة نظر، كما حصل مثلاً في الحقبة المسمّاة "ما بعد الحداثة" أو post modernism، من حيث العودة الى أفكار وأشكال كلاسيكية. هذه الأطروحات المضادة للعمارة الحداثية ارتكزت على نظريات فلسفية نقدية، منها تعليقات الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، الذي أعاد الحديث الى أصول العمارة، وتحديداً الى مفهوم "النزول في المكان" الذي يتفرع منه "المنزل" بمفهومه الاصلي. فالمنزل، في نظرية هايدغر، هو مكان تأسيسي في حياة الانسان وفي وجوده على الارض، يجمع بين المتطلبات المادية والمعنوية والروحية. إذ أنه ضمن المنزل يجد الانسان نفسه محوطاً بالآلهة تحت قبة السماء الحاضنة، وفي الحضور المعنوي للذين فارقوا الحياة، أي الاسلاف. (2)

الفنون الجديدة استعاد العالم أبعاده الثلاثة

هذا البعد الروحي للمنزل، كما ارتباطه العضوي بالطبيعة الحاضنة، يعطي فكرة عن "المأزق" الانساني العميق الذي يجد الانسان المعاصر نفسه فيه من خلال تجريد المنزل من خصائصه الاصلية وتحويله مجرد مكان موقت للسكن، كما يقول هايدغر. إلا أن هذا المأزق الوجودي لا يعني بالنسبة الى البعض أن على الانسان العودة الى مرحلة ما قبل الحداثة، وهو ما ينادي به الاصوليون من مختلف الاديان والنزعات، كلٌّ بطريقته، بل إن هذا البعض "التقدمي" يمضي قدماً الى درجة الترحيب بفكرة زوال المنزل بمفهومه التقليدي، والهروب الى الامام لاعتناق أفكار أكثر راديكالية مثل "الحياة من دون منزل" (Homelessness) ومن دون قيود مؤسساتية كترجمة فعلية للحياة العصرية.

هذا الاتجاه الرافض للأقانيم التقليدية في السكن والاجتماع، يتلاقى فكرياً مع الاتجاه نحو الانعتاق من الجسد، والتحرر من كل القيود الفيزيولوجية التي يفرضها الجسد كهيكل تقليدي ومنزل أصلي للروح البشرية. إنه تعبير آخر لرفض الخضوع لكل ما هو ثابت وزمني، ولكل ما يثقل الوجود الانساني. نجد بعض الترجمات السوسيولوجية لهذه الافكار من خلال لجوء البعض الى "العالم الافتراضي" (Virtual world) الذي فتح المجال له التطور التكنولوجي والمعلوماتي، فأصبح من الممكن الاستغناء عن الاشكال التقليدية للاتصال والاجتماع وتكوين الصداقات الاجتماعية. من النتائج المضحكة او السوريالية لهذه التطورات، أن كل شخص أصبح في إمكانه بناء شبكة واسعة من "الاصدقاء" الذين لم يلتق بهم ولن يلتقي بهم خلال حياته. إذا عدنا الى العمارة، وهي في طبيعتها، مهنة ترتكز على تكوين الاطار والغلاف المادي للنشاطات الانسانية المختلفة، نجد أن من الصعب ترجمة هذه الافكار الراديكالية الى واقع إنشائي. لكن التناقض أو الاستحالة لم يمنعا البعض من المحاولة، فأتت هذه الترجمات في أشكال مختلفة، لا يمكن بالطبع أن تصل الى هدفها النهائي في تكوين "عمارة لا مادية" أو "عمارة إفتراضية"، بل تلامس هذا الهدف من منطلق مجازي، وهذا ما يفسر مثلاً النزعة نحو أشكال تبدو كأنها مصنوعة من ستائر تنطوي على نفسها (folds) (3) أو من فقافيع اصطناعية (blobs) (4)، خالية من أي مواد ثقيلة، وهي بذلك تنقض فكرة الثبات والديمومة التي طالما ارتبطت بالعمارة الكلاسيكة وحتى الحداثية. نجد هذا الاتجاه في بعض أعمال الاميركي غريغ لين (5) كما في أعمال زها حديد (6) والثنائي هاني رشيد وليز آن كوتور (Asymptote)، وهم يحاولون بعملياتهم هذه تجريد العمارة من كل خصائصها التقليدية، فتزول تالياً العناصر التقليدية المكوّنة لها مثل الباب أو النافذة، أو الغرفة الداخلية، ليحل مكانها الفضاء الحرّ المغلّف بأخفّ المواد الاصطناعية. إحدى أبرز هذه المحاولات الابداعية، التي تلعب على الحدود بين الشيء والعدم، وضعها المعماريان إليزابيت ديلر وريكاردو سكوفيديو لمعرض موقت أقيم في وسط بحيرة نوشاتيل في سويسرا في صيف 2002.

صمم المعماريان مشروعهما على شكل هيكل معدني يحتوي على قاعة معـلّقة ومفتوحة على محيطها، لا يغلفها سوى غشاء من البخار الاصطناعي، ينتجه أكثر من 30 ألف بخاخ موزع في الاطار المعدني. يصل الزائر من الشاطئ الى هذه المساحة الداخلية العائمة فوق البحيرة من خلال مسار طويل يعبر به فوق المياه ليجد نفسه ضمن فضاء اصطناعي مغلّف بالضباب. هذا المبنى اللا - مبنى أعطاه مخترعوه اسم "الغشاء" (Blur) واصفين هذه العملية بـ"صناعة العدم"، وهما بذلك يعبّران بوضوح عن المنحى التجريدي الراديكالي لهذه العمارة التي تستحق أكثر من سابقتها لقب العمارة الـ"ما بعد حداثية". (7-8)

برزت أيضاًَ محاولات أخرى لترجمة هذا الاتجاه نحو "عمارة افتراضية"، الى أشكال إنسيابية تتحدى المفهوم المتوارث للعمارة كشيء ثابت، مثل مشروع Morphosis لناطحة سحاب في باريس (9) أو تصميم UN Studio لمنزل خاص يبدو فيه الناس كأنهم في فضاء اصطناعي يقع بين الواقع والخيال. (10) إلا أن هذا لا يضع هذه المحاولات، على الرغم من إبداعها في ابتكار الاشكال الجديدة، في هذا الاطار "الافتراضي". قد تكون أكثر المحاولات اقتراباً من مفهوم العمارة اللا - مادية تلك التي لا ترى النور أو لا تجد طريق التنفيذ، ومنها الاختبارات التي يقوم بها بعض المعماريين الشباب من أمثال مجموعة SPARC وهي مجموعة من المتخرجين من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، ومن تصاميمهم مشروع افتراضي لمعرض على ضفاف نهر التايمس في لندن، شبيه بمشروع ديلر وسكوفيديو، إلا أنه يذهب ابعد من فكرة ابتكار غشاء من الضباب ليصل الى محاولة تكوين غلاف لهذه الساحة العائمة على شكل شاشة كبيرة متحركة ومتغيرة بحسب ضغط المياه وعوامل أخرى. (11) من هنا تأخذ هذه المحاولات عنواناً آخر هو "التصميم المعياري" أو parametric design نسبة الى تأثرها بمجموعة عوامل أو معايير لا تخضع للتقويم الانساني والذوق الشخصي للمصمم، وإنما تنتج بشكل علمي من عوامل طبيعية مثل الضوء والحرارة والمياه، وأخرى اصطناعية مثل حجم التداول المصرفي أو درجة التضخم السكاني أو غيرها من العوامل.

تدور معظم هذه الافكار في بوتقة البحث الدائم عن أنظمة جديدة تتخطى الواقع الانساني وتزيل الحواجز الجغرافية والفيزيولوجية بين الناس، وكأنها لا تزال تبحث عن "يوتوبيا" تجسّد التوق الانساني نحو الحرية المجردة من أي قيود. هذا الانعتاق من القيود يلتقي كما أشرت سابقاً مع فكرة الانعتاق من الجسد، وهو بذلك يرتدي من حيث لا يدري ربما، معاني وأبعاداً ميتافيزيقية أو روحانية تذكّرنا ببعض الطقوس الدينية التي حاولت منذ أقدم الازمان تجريد الجسد لإعطاء الروح إمكان الخروج من هذا الهيكل وإعادة ارتباطها المقطوع مع الروح الإلهية. (12)

بالطبع قد لا يكون هذا مبتغى هؤلاء الاختباريين الجدد في الفن والعمارة، وقد تقع محاولاتهم في خانة أخرى، وهي خانة الاختبارات الفنية التي تجد في العمليات الابتكارية المطلقة المجالَ الافضل الباقي للهروب من الواقع، هذا الواقع الذي يرزح تحت تعقيدات المراحل المتقدمة للنظام الرأسمالي، بكل ما أنتجته من مشكلات اجتماعية واقتصادية وبيئية. قد يكون هذا الهروب من الواقع أحد التعابير الجديدة عن "الوعي الزائف" الذي تحدث عنه كارل ماركس، والذي يبحث اليوم عن مخارج جديدة للتعبير تعيد إنتاجه "طلائع فنية جديدة" في بداية القرن الجديد. وقد ينطبق على هذه "الطلائع الفنية الجديدة" ما لاحظه الناقد مايكل هايز في تحليله للطلائع الفنية التي برزت في الستينات من القرن الماضي حيث تحل "الرغبة" مكان الواقعية وتبرز كالاحتمال الوحيد الباقي للتعبير عندما ينغلق الافق المعماري وتجد العمارة نفسها في مواجهة خطر الزوال.

إلا أنه، بخلاف "الطلائع الفنية" السابقة، قد تشّكل هذه العمليات الابتكارية رغبة في المضي قدماً في عملية تجاوز الحدود المادية من خلال تقبّل زوال العمارة في مفهومها الانساني والاجتماعي والسياسي، وتقبّل فكرة زوال "الانسان" بمفهومه الكلاسيكي ليحلّ مكانه الانسان الـ "ما بعد الحداثي" المحرر من كل الاطر والمفاهيم والمؤسسات التقليدية

إيلي حداد

***

السينما تتحوّل وكذلك جمهورها
عالم من الغرائبيّات والمشاهدون يوالون الهرب الى الخيال

الفنون الجديدة استعاد العالم أبعاده الثلاثة

حين دارت عجلة إنتاج فيلم جيمس كاميرون الجديد "أڤاتار"، تم رصد 170 مليون دولار لهذا الفيلم الروائي الأول له منذ أن أنجز "تايتانك" قبل اثنتي عشرة سنة. بعد أشهر وضعت شركة "فوكس" خطّة تقضي برفع الموازنة الى 200 مليون دولار. مع انتهاء الفيلم كان الرقم قد وصل الى 250 مليون دولار. لكن الشائعات ترفع التكلفة الى 400 مليون دولار. سواء أكان الرقم النهائي لتكلفة هذا الفيلم الضخم 250 أم 400 أم أي رقم آخر بينهما، فإن التكلفة الأعلى ذهبت بلا ريب الى ما يُسمّى "المؤثرات البصرية" و"الكومبيوتر غرافيكس". الحقيقة أن ليس هناك من فيلم في الأساس من دون هذين، ليس لأنه مبني على نظام الأبعاد الثلاثة فقط، بل لأنه فيلم مؤثرات وتصاميم خاصّة يلعب فيه الممثلون، على أهميّتهم، أدواراً ثانوية.

الفنون الجديدة استعاد العالم أبعاده الثلاثة

المسألة لا تتعلّق بهذا الفيلم وحده. المؤثرات بدأت تلعب الدور الرئيسي على نحو غير مسبوق منذ بضعة أعوام وفي سياقات شتّى: في أفلام الرسوم المتحركة وفي أفلام الفانتازيا وأفلام الخيال العلمي وأفلام الكوارث وأفلام المغامرات المختلفة. ليس هناك سنة خلت، منذ مطلع هذا العقد، من فيلم او أكثر اعتمد كلّياً او الى حد يتجاوز الخمسين في المئة على المؤثرات المختلفة من "كومبيوتر غرافيكس" و"أنيماشن غرافيكس" او تصاميم بصرية وتقنيات تصوير ومؤثرات وتصاميم إنتاجية وفنية مختلفة.

كل واحد من هذه الأنواع، لم يعد يشبه أفلام النوع الذي ينتمي اليه وسبق إنتاجه. كلٌّ حفل بتطوّرات خلال السنوات القليلة الماضية توضح كيف أن التقنيات المستخدمة في هذه السينما تتجاوز نفسها باستمرار. تتبلور وتتطوّر وتتمدّد وتتوسّع وتتنوّع كخلية تنقسم على ذاتها مرّات، كل قسم منها يواصل الإنقسام على نفسه مرّات أخرى.
قال المخرج جيمس كاميرون في حديث خاص: "لا أدري ما سيكون المستقبل عليه، لكني أعلم أنه لن يتوقّف هنا". لا أحد سواه يستطيع أن يعرف أيضاً، وإن ذهب أحد منتجي الفيلم الى التأكيد: "ستبقى القصّة هي التي تسود. القصّة... القصّة... القصّة". ما يعنيه أن القصّة في إطار السيناريو او النص، هي التي تبقى عصب السينما وهي التي تقرر أي فيلم يتم إنتاجه بصرف النظر عن نوعيّته. هذه وجهة نظر مقبولة، بل واقع لا نقاش فيه. فحتى الأفلام الغارقة في الفانتازيا وأصناف المؤثرات التقنية، تحتاج الى قصة جيّدة. من دون قصة جيّدة تتحوّل الإنجازات المذكورة أشباحاً تتراءى من دون قيمة.
هذا لا يمنع مطلقاً من أن فيلماً من نوع "الحرس" او Watchmen للمخرج زاك سنايدر، وقد خرج في مطلع هذه السنة، يتقدّم تقنياً على فيلمه السابق "300" الذي خرج قبل عامين فقط، وأن فيلم "أغنية الكريسماس" الذي حققه روبرت زميكس وعُرض خلال الشهر الماضي، يتقدّم بأجيال على فيلم "بولار اكسبرس" للمخرج نفسه قبل خمسة أعوام. الأمثلة في هذا المجال كثيرة وكلها تُشير الى أن كل فيلم لاحق يبز معظم ما سبقه، بفعل التطورات التي تحدث في شتّى الجوانب المذكورة.

المسألة ليست مسألة مؤثرات خاصّة وتصاميم وبرامج كومبيوتر فقط. الحاصل أن هذا التقدّم الكبير، يشبه طوفاناً يصيب أركان صناعة السينما كلّها، وفي حقول مختلفة. من كاميرات التصوير الى نظم العرض ووسائطه المختلفة، مما يثبت أن السينما لا تزال عرضة للمتغيّرات، كما كانت حالها منذ سنواتها الأولى. الفارق الرئيسي أن التطوّر الذي أصابها في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن التاسع عشر، وطوال القرن العشرين، كان متباعد الوتيرة أكثر بكثير مما هو اليوم.

مفهوم الوهم البصري

الوضع الذي تعيشه السينما حالياً هو من ناحية، امتداد للرغبة في إدهاش المشاهدين على الأسس التي استخدمتها تقنيات السينما الأولى، وهو من ناحية أخرى، تفعيل للقدرات الحديثة المستمدّة مما حققته التكنولوجيات في ميدان الكومبيوتر للوصول بالسينما الى عهد جديد لم تنجز مثيلاً له من قبل.
في هذا الشأن من الضروري التذكير بأن العمل على تحسين صورة السينما أمام المشاهد لم يتوقف مطلقاً، لكن سعيها هذا ازداد إلحاحاً كلّما وجدت نفسها مهدّدة بوسيط مختلف. بعد انطلاقتها في ثمانينات القرن التاسع عشر أضافت الى إنجازاتها مكاسب جديدة بدءاً من عام 1901 حين تمّت المحاولة الأولى لتقديم فيلم بالألوان باستخدام التلوين باليد. فإذا بكل فيلم من تلك الفترة الأولى عبارة عن لقطة واحدة بكاميرا ثابتة، وإذا بالمخرجين الذين نعتوا بالسحرة كما نعتت الأفلام بالظلال آنذاك، يؤسسون لمفهوم لقطة ثانية تلي الأولى من زاوية ومكان مختلفين. هذا طبعاً قبل أن يبدأ آخرون في نهايات العقد الأوّل بالتوسّع محدثين النظام الأول لفيلم مؤلّف من لقطات مختلفة في زمانين متوازيين لأجل خلق إثارة الحدث عند الجمهور. المخرج الفرنسي ميلييس والمخرج الأميركي بورتر كانا من بين أوّل من دفع بتقنية السرد السينمائي الى الأمام على هذا النحو، الأوّل قبل سواه، راح يسبر غور ما يمكن فعله ضمن مفهوم الوهم البصري او ما عُرف لاحقاً بـ "الخدعة السينمائية".
مع مطلع العقد الأول ارتفعت المدّة الزمنية للفيلم في المتوسّط الى عشر دقائق، ومع منتصف ذلك العقد وصلت المدّة الى نصف ساعة ثم أكثر، حتى بات الفيلم في طبيعته يتألّف من ساعة ونصف ساعة وأكثر. في العشرينات تمّت إضافة الصوت، جزئياً في مطلع الأمر، ثم على نحو كامل في ما بعد. اللون لم يكن بعيداً عن مرمى السينما، لكن اعتماد الأبيض والأسود بقي سائداً حتى الخمسينات حين بحثت السينما عن وسائل أخرى أمام خطر داهم هو التلفزيون (او هكذا خُيّل اليها آنذاك): كلاهما صورة متحركة لكن الثاني يؤمّن الترفيه في البيت. مع ارتفاع نسبة الأفلام الملوّنة، ارتفعت أيضاً نسبة النظم المعتمدة بالنسبة الى التصوير والعروض من نظام السينما سكوب والتصوير بالسبعين ملم، الى نظام العرض المسمّى بالسينيراما، الى المحاولات الأولى لتبديل الطريقة التي نشاهد فيها الفيلم بإضافة بعد ثالث. هذا البعد الثالث يجسّد الصورة الماثلة على الشاشة ويخلق لها نتوءاً أمامياً، فإذا بالبعدين التقليديين (الطول والعرض) يندمجان مع بعد ثالث هو العمق.
على نحو مواز من تدرج عملية إدخال البعد الثالث، نجد أن نظام "آيماكس" الذي يتطلّب شاشة عرض أكبر في الطول كما في العرض من الشاشة العادية، وُلد ليبقى بدوره. هو أيضاً نتيجة محاولات مستمرّة مذ أقدمت شركة "فوكس" على إنجاز الفيلم الأول بنظام السبعين ملم. بعد انطفاء المحاولة، أعيدت الى الحياة باستنباط السينما سكوب بدءا من 1953 و"الڤيستا ڤيجن" بعد ذلك بعام واحد، الذي عرّض من الأفلام المصوّرة بنظام الـ 35 العادي. نظام "آيماكس" شهد ولادته في أواخر الستّينات وببطء، إنما بشكل متواصل، وتم تطويره إمعاناً في الغاية نفسها، وهي إحداث الوقع الأكبر لدى المشاهد عبر إذهاله وإثارته بصرياً وعلى نحو لا يوفّره الفيلم العادي.

جغرافيا وتاريخ جديدان

الدافع قد يكون اقتصادياً، بل هو اقتصادي بدرجة أولى. لذلك شهدنا، في موازاة ذلك كله، كيف تم اعتماد استنباط تقني جديد هو الديجيتال لتقليل تكلفة الأفلام المصوّرة على الكاميرا. منذ عقدين، ونحن نشهد ثورة الديجيتال التي تتيح تسجيل الصورة رقمياً وجعلها كائناً على شاشة الكومبيوتر قبل تحويلها فيلماً يُعرض، وذلك عوض التصوير بالكاميرا السينمائية المعروفة واستخدام مادة السيليولويد التقليدية، علماً بأن التجارب أثبتت نجاحات كاميرا الديجيتال وإخفاقاتها على نحو متساو. فهي حل اقتصادي بلا ريب نتج منه تمكين المئات من المخرجين الشباب حول العالم من اطلاق أفلامهم الأولى، لكنها لا تزال تعاني من قصور فني يتبدّى كلّما كان مدير التصوير غير قادر على معالجة النواحي التي لا يمكن الكاميرا المذكورة التغلّب فيها على امكانات الفيلم التقليدي.
هذه التطوّرات كلّها، لا تزال تعتمد على زواج المصلحة الإقتصادية الممثلة إما بخفض سعر التكلفة وإما باحداث عوامل جذب جديدة لجمهور جديد. لكن إذ هي تمشي على خطى السكة الحديد هذه، فإنها تستمد قواها من قدرة السينما على الإيهام بالحقيقة. منذ تأسيسها تسعى السينما الى فرض حياة واهمة تقع في موازاة حياة حاضرة. في الأولى عالم يشبه عالمنا وشخصيات تشبه شخصيّاتنا، وفي الثانية ذلك الحيّز (المحدود) من العالم الذي نعيش فيه. ما يحدث أن العالم السينمائي، او العالم الوهمي ذاك، هو أكثر رحابة كونه يستطيع الإنتقال الى جغرافيا وتاريخ لا نستطيعهما بحكم كوننا مربوطين باللحظة الآنية طوال الوقت مثل فرس تم ربطها ربطاً محكماً. بل هو أكثر تحرراً بحيث يستطيع أن "يخلق" للناظر اليه عوالم أخرى غريبة وأحداثاً لا يمكن أن تقع في حياتنا، كما شخصيات خيالية غير معروفة.
السينما في شكلها المعتاد أمّنت ذلك، محوّلةً فضول المشاهد ورغبته في الترفيه والهروب الى منصّة انطلاق دائم يبحث عن المزيد من الإيهام. التطوّرات التي أصابت كل شأن من شؤون الفيلم وحقوله، حافظت على استثمار هذا الفضول الذي يدفع بملايين الناس كل يوم حول الأرض لدخول السينما ومشاهدة الجديد الذي تطلقه كل أسبوع.
لكنّ هناك أثماناً يراها البعض باهظة.
المخرج التشيلياني اللاجئ الى فرنسا راوول رويز انتقد الغرق في الحياة التقنية وقيام هوليوود بفرضها على المشاهدين، حين طالب عام 1995، باستراتيجيا جديدة تحمي إبداع المخرجين. هنا واحدة من تلك المشكلات الناجمة عن تغليب التقنية على الفن، وتغليب الفني العامل في إطار تقنية الصورة على المخرج الذي تعوّد أن يأتي الفيلم مضماراً لنزعته الذاتية، عاكساً همومه وأفكاره وشخصيته.

حين خسر شابلن الحرب

إنه صراع قديم، الثابت فيه أن كل الأعمال الخالدة الى اليوم في تاريخ السينما هي كذلك بفعل فنانيها من المخرجين الذين سيطروا على التأليف التعبيري وخلقوا أسلوباً ومنوالاً ثريين لأعمالهم، مرتقين بمستوى الصورة ومستوى متلقّيها. فجأة، ومن العشرينات الغابرة الى حين قريب، امتد فرع رئيسي في السينما قوامه حرّية المخرج في التعبير عن موضوعه بطريقته الخاصّة. من غريفيت وايزنشتاين الى هيتشكوك وبونويل، ومن برغمان وانطونيوني وأكيرا كوروساوا وجان- لوك غودار الى تاركوفسكي وسوخاروف وترنس مالك، هناك نزعة تكاد تكون فطرية يمارسها الفنان المخرج، فإذا بها تفصل الفيلم عن باقي أترابه وتحدد رؤيته المختلفة الى العالم وقضاياه.
النموذج الصارخ لرفض الفنّان التقدّم التقني، نجده في موقف تشارلي شابلن الذي رفض أن ينصاع لنطق السينما من عام 1927 وصاعداً، فحارب السينما الصامتة بإنتاج ثلاثة أفلام ناطقة وإخراجها حتى منتصف الثلاثينات. شابلن خسر الحرب، كما قد يخسرها كل مخرج اليوم، إذا هو لم يستطع اقناع الجمهور الكبير بأن وسيلته تستحق التأييد. لكن المدرسة الذاتية والفنية في السينما لم تكن يوماً مهددة بالتضاؤل وربما الموت كما هي اليوم، ذلك لأن المتغيّرات مختلفة وخارجة على نطاق اضافة صوت من هنا او توسيع إطار الفيلم من هناك. إنها اليوم مرتبطة بتغييرات أكبر على صعيد كل التكنولوجيّات الحاضرة التي، ولأسباب اقتصادية واضحة، وضعت كل القدرات في أيدي المستهلك، من الهاتف النقّال الى الكومبيوتر النقال الى الهاتف الذي يعمل ككومبيوتر، وذلك كلّه في غضون خمسة عشر عاما تقريباً. ثورة الكومبيوتر دخلت كل حيّز ونطاق، من محرك السيارة الى تسيير الطائرات وتوليد الكهرباء وتفعيل الذرّة، وما هو أكبر من ذلك وأصغر.
في النتيجة، هو عالم أصغر اليوم مما كان عليه في الأمس، ونتائج ذلك تفوق كل قدرة على الإستيعاب. ففي حين من السهل النظر الى مسار حياة الفرد منّا وإيقاعه، وكيف يتم نقل الحدث ليتمثل أمامنا في لحظة وقوعه، فإن من الصعب تحديد الإنعكاسات المتوالية كذبذبات أثيرية للحياة التكنولوجية العصرية التي نعيشها. أحد أهم الأمثلة على ذلك، شهدناه في السنوات الأخيرة حين رغبت هوليوود بتقديم سلسلة من الأفلام تتعامل مع الحرب العراقية، وذلك طبعاً لأن الولايات المتحدة، شعباً ومؤسسات خاصة وحكومية، دخلت طرفاً في تلك الحرب مما جعل إمكان طرحها على الشاشة الكبيرة أمراً لا مناص منه، والا لكان التطرّق اليها ظل قليلاً ومتباعداً.
السؤال الذي طُرح ولا يزال في العامين الماضيين، هو لماذا فشلت الأفلام الأميركية التي دارت حول الحرب العراقية، ومن بينها "وادي إيلاه"، "أسود كحملان"، "وقف خسارة"، "وطن الشجعان"، "صياغة"، وفيلم "خزنة الألم" الذي يواصل حيازة الجوائز النقدية هذه السنة؟
معظم هذه الأفلام استقبلها النقاد جيّداً، في حين أن الجمهور استقبلها بفتور (بالغ أحياناً)، مما أدّى الى انتكاسها جميعاً، سواء صُوّرت بكاميرا 35 ملم كما الحال مع "أسود كحملان" لروبرت ردفورد و"وطن الشجعان"، او تلك التي تم تصويرها بكاميرات ديجيتال مثل "صياغة" لبرايان دي بالما و"خزنة الألم" لكاثلين بيغلو.
السبب ليس في أن الناس يريدون او لا يريدون أن يروا أفلاماً حربية بالمطلق، او على هذا النحو المجرّد، بل في حقيقة أن كل ما يودون معرفته عن الحرب العراقية كانوا استلهموه من قدرة التلفزيون الحديث على توفيره من اليوم الأول لها، ما جعلهم (في غالبيّتهم) لا يرون سبباً فعلياً لمشاهدة أفلام لا تهرب من واقع تلك الحرب ولا تستطيع أن تطرح معلومات جديدة.
هذا التغيير في صلب العلاقة بين المشاهد والفيلم السينمائي يزداد وضوحاً حين المقارنة بين ما حققته هوليوود في أعقاب الحرب الفيتنامية من أفلام وكيف استقبلت تجارياً (ونقدياً بالطبع) باهتمام كبير. حينذاك، في الستينات والسبعينات، كان الوسيط التلفزيوني غير قادر على نقل المستجدّات والوقائع حال حدوثها، فضلاً عن عدم قدرته على تغطية كل وجهات النظر فيها، ما سمح للسينما الأميركية بتوفير الأفلام التي تصوغ تلك السنوات الصعبة من التاريخ الأميركي بحرية فنية وروائية كاملة لم يكن ممكناً ان يغفلها الجمهور الأميركي الذي يريد أن يعرف، شأنه في ذلك شأن كل شعب آخر.

اختلافات جذرية

جيل اليوم، مرتبط الى حد ما بخيال قائم على خيال، أكثر مما هو مرتبط بخيال قائم على الواقع، وهذا بالتعاضد غير المنظور وغير المحدود بين الوسائل الحديثة التي تؤدي الى خلق الصورة. فيلم اليوم هو جهد مشترك ليس فقط بين صانعي الفيلم المعهودين، بل بين السينما والتلفزيون والكومبيوتر كوسائط وأدوات. لذلك فإن كل تغيير (او تقدّم) في أيٍّ من هذه الوسائط، يؤثر في الآخر خارج نطاق التقنية البحتة. التلفزيون واسطوانات الأفلام المرقّمة والكومبيوتر والكومبيوتر "غرافيكس"، دخلت جميعاً لعبة السينما، صناعة واقتصاداً ومفاهيم نظرية أيضاً، وذلك في زمن يعيش فيه الناس الثورة التقنية ويتعاملون معها في شتّى أغراض حياتهم اليومية. إنها تركيبة غريبة لم تعد وقفاً على بعض العاملين فيها، بل انتشرت بيننا ولا تزال من دون توقّف. ماذا يحدث لو توقّفت فعلاً؟ يسألنا فيلم حديث بعنوان "بدلاء" قام بروس ويليس ببطولته ويأتي الجواب صادماً: نتحرر!
الثورة التقنية في السينما نتجت منها في السنوات الأخيرة، والى جانب ازدياد التعامل مع الكاميرا الرقمية، عودة سينما الأبعاد الثلاثة بقوّة، الى درجة أن المرء لن يجد في هوليوود أي صدى لفكرة احتمال أن تكون هذه العودة مجرّد فورة تعود بعدها السينما الى ما كانت عليه. السائد القول إن سينما الأبعاد الثلاثة وُلدت لتبقى، وإن السينما بعد عشرين سنة من اليوم ستكون جميعاً على هذا النحو. ليس السينما فقط، بل التلفزيون والكومبيوتر أيضاً.
الفارق الرئيسي بين هذا الإستنباط التقني الواقع اليوم وبين التجارب السابقة، أن تكنولوجيا الفيلم تقدّمت بحيث أن إمكان إنجاز فيلم بالأبعاد الثلاثة يختلف جذرياً في وسائل هذا الإنجاز. سابقاً، لم يكن العمل لتحقيق فيلم بالأبعاد الثلاثة يتم عبر وضع كاميرتين متلاصقتين تصوّران الحدث الواحد. الآن، الكاميرا هي واحدة تصوّر الفيلم بنحوه المختلف الذي سيدخل عمليات تقنية معقّدة على الكومبيوتر لصياغة البعد الجديد وخلق النتوءات التي تجعله يبدو، حين العرض، كما لو كان بعض ما يحدث فيه يقع في الفضاء البسيط الفاصل بين الشاشة والمشاهد.
فيلم "أڤاتار" هو قمّة الإنجاز على هذا الصعيد. ما تراه حين تضع تلك النظّارات الغريبة على عينيك، هو معايشة ستزداد قوّة في السنوات القليلة المقبلة، عبر إحكام الطوق على بعض التفاصيل التي تجعل العملية أكثر دقّة. اليوم تُستخدم النظّارات، ومن يدري في الغد؟! إذ ربما تستطيع مشاهدة الفيلم الثلاثي البعد من دونها. على أهميّة ذلك، فإن فيلم جيمس كاميرون هذا لا يقوى على أن يستأثر بالنجاح الذي يريده (ولو من باب استرداد تكاليفه الباهظة) لولا عمليات خلق وإبداع تتم في تصميم العالم الذي يوفّره. كوكب "باندورا" الذي تقع فوقه الأحداث، هو عالم غريب في كل شيء. الشجر غير الشجر، والصخر غير الصخر، والبشر فوقه غير البشر. كل شيء لا يبدو من خارج هذا العالم، بل هو من خارج هذا العالم بالفعل. هنا تكمن قوّة الفيلم وأهميّته الفنية، علماً بأن هذه القوّة، من تصميم المؤثرات وتنفيذها، وستبقى مثيرة للعجب حتى لو لم يضف المخرج عامل الأبعاد الثلاثة مثل الكريما فوق الحلوى.

أنيماشن غير الأنيماشن

هذا الإمتداد الأفقي غير المتناهي لإمكانات الفيلم، مصحوباً بإمكانات خلق النتوء الذي يجعل المادة المصوّرة مجسّدة، سطا على نتائج مبهرة حين أطلق على جمهور الأولاد في أفلام الأنيماشن. ففي السنوات الثماني الأخيرة تم إنتاج 70 فيلم أنيماشن (بين طويل وقصير) عُرضت بالأبعاد الثلاثة وذلك باستخدام تقنية 3 D computer modeling الحديثة التي تمكّن الفنانين من خلق هذا البعد، والعمل لا يزال داخل أجهزة الكومبيوتر. كون الأنيماشن، تقليدياً، لا تستخدم الكاميرا (الا ما كان منها على نوع الطُمى المتحركة)، فإن كل الإنجازات في هذا الإطار مرجعها الكومبيوتر وحده. أفلام حديثة مثل "شرك 2" و"مونستر هاوس" و"ج فورس"، أنجزت مهامها في تلوين عالم الطفل ومن هم دون الرابعة عشرة عموماً باحتمالات مفتوحة بلا نهاية، جاعلة من كل فيلم بالبعدين التقليديين يبدو كما لو كان قديماً حتى ولو انتج حديثاً (كما الحال مع الفيلم الحاضر "فانتاستيك مستر فوكس").
إنه تطويع على تطبيع، لكن ما يطرحه لا يزال أكثر أهميّة. فإذا استولت التقنيات على كل هذه النواحي، كما هي تفعل الآن وكما تعد بأن تفعل، فما مصير المشاهد "العادي" والفيلم "العادي"؟
التوقّعات المنتشرة أن كل فيلم سيصير قائماً على الأبعاد الثلاثة في غضون العشرين سنة المقبلة، تماماً كما حدث مع السينما حين تسللت الألوان إليها. هناك الغطاء الذي شكل ذريعة، وهو أن الحياة في الحقيقة ملوّنة وليست بالأبيض والأسود، تالياً فإن الألوان تقرّبنا من الحقيقة. اليوم، الحياة، يقولون أيضاً، هي بالأبعاد كلّها، والأفلام التي تجسّدها إنما تقترن بالواقع. حينذاك، رفض الكثيرون هذا الواقع، لكن اليوم قد يقبل به كثيرون لأن التغيير الحالي لم ينبت من داخل الصلب السينمائي بل جاءه من التقنيات التي توافرت للحياة خارجها تماماً. على ذلك، وإذ يطرح الفيلم المسطّح أبعاداً تكاد تكون فلسفية بالمقارنة، فإن الواضح أن بعض الأفلام لن تستطيع أن تجتاز الفاصل التاريخي الذي تم إنشاؤه من البعدين الى الثلاثة.
خذ الأفلام الرومنطيقية مثلاً، او حتى الأفلام الكوميدية، تجد أنه لن يكون لديها أي واعز لنقلها من حالتها الحاضرة الى حالة مستقبلية. ربما أفلام البورنو ستستفيد أكثر من فيلم يتحدّث عن رجل يبحث عن حبيبته التي توارت منذ سنين، او عن الأم التي تجهد لتعيل ولديها بعد طلاقها، او عن هذين الكوميديين اللذين اعتادا فرض نفسيهما على الحفلات للفوز بالفتيات. الأبعاد الثلاثة ليست مطلوبة في هذه الحالات ومثيلاتها، لأنها ليست حالات خيالية. لكن الخطر على ذلك هو اضمحلال هذه الحالات أساساً، فنصل الى زمن لا ترفيه فيه سوى الخيال، والمزيد من الخيال. حينذاك، من يدري! لربما سيلاحظ بعضنا غياب مشاهدين جلسوا قريباً من الشاشة، فلفّهم الفيلم ومضى بهم الى أرض لا عودة منها

محمد رضا

***

الديموقراطية في عصر الانترنت

لطالما كانت الديموقراطية مثاراً لأهواء عارمة ومتناقضة، بين الدعوة إلى حكم الشعب لنفسه مباشرة ومن دون وساطة، وبين اعتبارها مجرد أداة تنظيمية واجرائية تقتصر على تحديد من ينبغي ان يتولى مسؤولية الحكم من بين الطامحين إليها. لئن كانت النظرة المشار إليها أولاً باتت بعيدة عن المتناول، مذ شبّت الدول عن طوق المدن اليونانية، فإن قصر الديموقراطية على الآلية الإجرائية يثير أسئلة، بقدر ما يثير من خيبات، ولا سيما حين يتيح المجال الافتراضي الانترنتي للفرد إمكان بناء هوية افتراضية وصوت افتراضي، ربما يستحيلان في الواقع. تحاول المقالة هذه رصداً لقواعد الديموقراطية وتطورها، ثم نقاشاً لآثار المجال الافتراضي والأخطار والتحديات التي يطرحها على هذه القواعد الديموقراطية في صيغتها ما بعد الحديثة.
من المعروف ان الديموقراطية تعني، اشتقاقاً، حكم الشعب. ولئن كان في المفهوم تحدٍّ لأنظمة الحكم الالهية والملكية، إلا ان الانتقال من حكم الشعب إلى حكم الغالبية ظل يطرح اشكاليات متعددة.

الاعتراض الحار على ديموقراطية اجرائية

زخم العداء المتراكم ضد الانظمة الاستبدادية قاد المجتمعات، حيثما بدا ان في الإمكان توسيع مجال الحركة السياسية، إلى الربط بين الحرية والديموقراطية والمشاركة السياسية، فكان لهيب الحرية دوماً يمد المطالبات بالديموقراطية والمشاركة بحراراته. بل إن الكثيرين لطالما استنكروا ونهضوا، كما في فرنسا القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين مثلاً، ضد النظام لاعتبار انه لا يمنح كل الفئات حق المشاركة السياسية المباشرة والفاعلة، وإحدى وسائلها التي كانت مثار نقاش طويل الاعتراض في الشارع، وكان شعار الشارع دوماً مرفوعاً ضد نظام الغرف والمجالس التمثيلية والبرلمانية.
للديموقراطية أيضاً تاريخ، في كل بلد، وعليه مترتبات تتفاوت ثقلاً بين الدول، وقد تقتصر على الشكليات كما في لبناننا. وفي التاريخ الأوروبي سبق للديموقراطية ان كانت أيضاً مرادفاً للفوضى والحروب الأهلية. لنأخذ مجدداً المثال الفرنسي الذي لطالما شكّل حلماً للبنانيين: اثر المرحلة النابوليونية، اختفت لفظة الديموقراطية تقريباً من معاجم أصحاب السياسات، وشكلت نوعاً من الفزّاعة يستخدمها بعض الكتبة والصحف للتحذير من مغبات المطالبات بتوسيع هامش الحريات والمشاركة الشعبية. بدلاً منها، حلّ شعار الجمهورية، ولا يزال، في المخيلة الفرنسية شعاراً لاهباً يتغذى من الطموحات والأحلام قدر استفادته من مخاوف الوقوع في براثن الاستبداد. غرض المثال المطروح التشديد على ان الديموقراطية مفهوم ملتبس، زاده التباساً الخلط بين الديموقراطية كنظام حكم والديموقراطية كإشارة إلى مجتمع يتضمن خصائص محددة لجهة احترام الحريات الأساسية. سبب الالتباس ربما غموض مفهوم الشعب، وحماسة كل مقصى للمشاركة وتقديمه المواطنية السياسية حتى على مقتضيات المواطنية الاقتصادية والاجتماعية. فمن ناحية أولى، إن تشكيل الشعب يلوح معطى طبيعياً أو ديموغرافياً في حين أنه، في الواقع، تشكيل تاريخي سياسي يتخلق في موازاة قيام دولة ذات حدود واضحة ويخلقها في آن واحد. فليس الشعب معطى بيولوجياً، بل تشكيل حقوقي واقتصادي متشابك ومقونن. كما أن الديموقراطية، من ناحية أخرى، لا يسعها، في مجتمع معقد وكبير، السماح لكل مواطن بامتلاك حق الاعتراض والتأثير الفوري على سير الأمور، وإن كان تسييرها يتم باسمه. أي أن أشطاراً من الشعب مقصاة بحكم الأمر الواقع عن التأثير الفوري والمباشر على حياة الدولة التي تستمد نظرياً سيادتها من هذا الشعب. هكذا كان حق الانتخاب دوماً حقاً مشروطاً، بالثروة أو القدرة على القراءة أو الجنس، أو في أهون الأحوال بالسن، كما كان دوماً حقاً يفرض شروطه على صاحبه، ومن شروطه القبول بأن تأثيره يقتصر على الحق في اختيار المسؤول وفي تجديد هذا الاختيار دورياً كل حين معين من السنين. وكان حصر المواطنين (هذا دون الإشارة إلى المقيمين من غير أصحاب الجنسية) وبرمهم الآني بسياسة أو بقانون ما، سبباً دوماً لتجديد التوتر حول مفهوم الحكم وللمطالبة بالادارات الذاتية والسلطات المصغرة، ومبرراً لتجديد الاتهامات لفئة حاكمة تتناسل من ذاتها وتتنكر للشعب او تخدعه مما يبيح الثورة العنفية ضدها، حتى وإن أدى ذلك في واقع الأمر إلى التضحية بإنجازات الاستقرار والتنمية التدريجية.

تعويض الفرد في الديموقراطيات الحديثة

نشأت الديموقراطيات الحديثة تحديداً على مداراة هذه الشروط القبلية ومحاولة تدوير زواياها. فكانت، بحسب بيار روزنفالون، آليات مثل حق الشعوب في فرض استفتاء شعبي على مسائل محددة (كما في سويسرا)، والصحافة كسلطة رابعة، واللامركزيات الادارية، والسلطات الادارية المستقلة عن جهاز الدولة (كالمجالس الاقتصادية والهيئات الصحية والاعلامية وسوى ذلك)، والمجالس الدستورية المشرفة على دستورية القوانين، فضلاً عن الدور الرقابي المتعاظم لجمعيات المجتمع المدني، محلية أكانت أم دولية. معظم هذه الهيئات في الواقع غير منتخب، إلا ان اقامتها واقرار السلطات المنتخبة بصلاحياتها يتيحان للمواطنين الاطمئنان إلى تعدد مواقع السلطات بحيث يأمن غائلة الاستبداد، بعدما بات الفصل التقليدي بين السلطات غير كافٍ حيث ابتلعت السلطة التنفيذية معظم القدرة على التأثير في غالبية البلدان الديموقراطية. كما ان اقامة سلطات محلية أوسع صلاحية والاقرار بحق فرض الاستفتاء، شكّلا متنفساً للرغبة الشعبية بامتلاك مشاركة فورية، وإن كانت بعض البلدان تحصر اثر الاستفتاء في الزام السلطة التشريعية سن قانون، من دون ان تلزمها صيغة قانونية محددة، مما يتيح دوماً هامشاً للتعديل والمواءمة القانونيين، وهذا ما لا يتيحه القانون السويسري مثلاً وما يؤدي إلى فرض قواعد متناقضة مع التزامات دولية أو دستورية اخرى، على ما تشهد قضية المآذن التي لم تنته فصولها بعد.
مؤدى القول إن الديموقراطية الحديثة قلّصت دور المواطن الفرد، وهو حامل شذرة من السيادة الوطنية، إلى اقتراع دوري رتيب، يشهد عليه تدني نسب التصويت في الدول المتقدمة عموماً. غير انها قابلت هذا التقليص، المثير للحصر والنقمة، بتوسيع دور هيئات ومنظمات يستطيع الفرد الانضمام اليها والتكتل فيها أو يستطيع ان يمحضها ثقته لاعتبار تكوينها من ذوي اختصاص مهني واضح واقتصارها على مثل هذه الاعتبارات.

ديموقراطيات ما بعد الحداثة

هل يعني السؤال عن ديموقراطية ما بعد الحداثة، وفاة الديموقراطيات الحديثة؟ رأى المفكر المصري عبد الوهاب المسيري ان الفكر الغربي يطلق عبارة "ما بعد" بديلاً من عبارة "موت" التي يخشاها ويرفضها. الملاحظة في الواقع خاطئة، ذلك ان الفكر الغربي هو الاكثر بحثاً لأفكار الموت، كموت المؤلف والفلسفة ونهاية التاريخ، بل إن "النهضة" في تسميتها الغربية إنما هي بعث واعادة ولادة. لذا الأوفق القول إن الحديث عن ديموقراطية ما بعد الحداثة إنما يعني المعالجة الديموقراطية لمعضلة الحكم وخلق المجال السياسي، التي تضم العناصر الموروثة عن تجارب قرنين ونيف (أوروبياً) جنباً إلى جنب مع عناصر جديدة تتولد عن الحراك الاجتماعي والتطور التقني والتطلعات السياسية الجديدة.
هذه العناصر الجديدة لا تزال غير مكتملة الملامح والتشكيل، إلا ان في الإمكان رصد بعض ارهاصاتها وسماتها، مما هو مرتبط بعمق باختراع الحيز الافتراضي أو الانترنتي:
- تزايد دور استطلاعات الرأي بما ييسره وجود الانترنت من تسريع للقيام بها، حتى بدا بعض السياسيين تابعين للرأي العام في بلادهم بدل كونهم قادة له بما يملكون من معطيات ليست متوافرة للجميع. هذا يعيد الديموقراطية إلى مربّع الخوف من ترجرج الرأي العام وفوضاه الانفعالية، فضلاً عن أثر الجهل ونقص الوعي في بعض المسائل.
- تراجع دور وسائل الإعلام التقليدية وتحول كل مهتم بالانترنت وسيلةً اعلامية مفترضة. يعني ذلك، مجدداً، تقليص دور السلطة الرابعة، والتقاليد المهنية والأخلاقية التي ينبغي ان تضبط عملها، لصالح دور لصنّاع رأي عام جدد على الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.
- تزايد دور مؤسسات وهيئات فوق - وطنية أو دولية أو خاصة، في اقرار التشريعات والنظم في جميع المجالات (هيئات الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، المحاكم القارية في اوروبا والأميركتين، منظمتا الصحة والتجارة العالميتان، شهادات الايزو، ...الخ). هذه جميعها لا تستمد شرعيتها من المستوى الوطني، وينبغي لها ان تلجأ إلى حملات توعية وإعلام لشرح قراراتها وانجازاتها وعملها لشعوب قلقة تشعر بأن زمام القرارات يفلت من يدها لصالح فئات متخصصة مجهولة الانتماء السياسي والطبقي.
تجدر الإشارة إلى ان مجتمعاتنا، التي لم تترسخ فيها حتى مبادئ المراحل الأولى من الديموقراطية، ولا تزال تتأرجح بين احلام الثورة ووعودها واحلام الاستقرار والدفاع عن الحريات، تبدو كما لو أنها، حين فاتتها فرصة الحداثة، فاتتها ايضاً فرصة اقامة توازن أدقّ واعقد بين السلطات على المستوى الوطني. إلا انها، على رغم محاولات العزلة، محكومة بالتأثر والخضوع لمرحلة الديموقراطية ما بعد الحداثية بما تتضمنه من عولمة وآثار يتركها اختراع المجال الافتراضي الانترنتي على خدّ الأنظمة. الأمثلة على بوادر ذلك كثيرة، من طهران إلى القاهرة وغيرهما.

أثر الحماسات في المجال الافتراضي

يطرح المجال الانترنتي تحديات عديدة على مفاهيم الديموقراطية. فإذا كان من بديهياته القدرة على انشاء هويات افتراضية أو بديلة، كما في لعبة second life الشهيرة، فما يظل من مفهوم الانتماء، وعلى أي أسس يتشكل حينها الشعب؟
كما ان المجال الانترنتي، على رغم محاولات القمع، ملتبس قانوناً وغير منضبط في إطار الحدود "الترابية" للسيادة، التي كان المرحوم صالح بشير يشدد على ضرورة العودة إليها لفهم تحركات الدول وقراراتها. وهذا عامل آخر يعقد مفهوم الانتماء وتشكيل الشعب المؤطر في حدود دولته وسيادتها.
كما ان نهوض الانترنت وسيطاً أساسياً لسير المعلومات داخل المجتمع، يقيم أمية جديدة تُقصي فئات كبيرة من الناس عن المشاركة في الحيز السياسي. بل إن ذلك يتيح الفرصة للوبي انترنتي ضيق العدد لكنه فاعل وناشط ومتأقلم مع هذا الوسيط الجديد كي يدّعي بتمثيله للشعب، في الاحصاءات واستطلاعات الرأي وعبر المراجعات التي يقوم بها اختصاصيو الحملات ومساعدو السياسيين لردود الفعل على الانترنت والمدوّنات. أي أن فئة "ناطقة" جديدة ستدّعي، بدورها، حق الكلام باسم الجميع، وستضغط لتوجيه السياسات العامة بامتياز سهولة اتصالها بالشبكة وتقنياتها، لا غير.
لكن أحد أبرز الأخطار قد يكون أن الانترنت تسمح للفرد ببناء هوية افتراضية متحررة من ثقل الجسد وضرورات الاجتماع، أي ان هذه الهوية تكون غالباً منعقد أهوائه الأكثر حماسة والأعلى صوتاً، متخففةً من واجبات التسوية ومراعاة الآخرين المقيمين في حيز ترابي محدود. فلئن كان الاعتراف متوجباً بأهمية الحماسة في دفع الناس إلى العمل السياسي والاجتماعي في المجال الافتراضي، إلا أنها تشكل أيضاً خطراً على الديموقراطية نفسها، كما أظهرت الحماسات الكثيرة، في العالم العربي أو قبل ذلك في ألمانيا النازية وايطاليا الفاشية والشيوعيات الكثيرة، من ثورات الصين الثقافية إلى غولاغات روسيا. خلافاً لما يحسب كونديرا، لم يكن حائط السجون مزيّناً بالأشعار الغنائية، بل كان مبنياً بعرق الحماسات اللاهبة لغد أفضل لا نطيق له انتظاراً. بل إن المؤرخين يحتارون غالباً في تفسير سبب صمود الجمهورية الفرنسية، على علاّتها، في الثلاثينات من القرن المنصرم، امام صمود الحركات المتطرفة في القارة الأوروبية. ولئن كان أحد الأسباب الظرفية قيام الفرنسيين بالجمع بين معاداة النازية والفاشية ومعاداة الشيوعية في آن واحد، خلافاً لألمانيا حيث غذّى العداء للشيوعية صفوف النازيين، فإن الأسباب العميقة ربما تعزى إلى عمل دؤوب طوال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، انتهى إلى تتويج نظري له مع استقبال الثقافة الفرنسية لنظريات كلسن وبوبر في الحقوق والديموقراطية. مناط هذا العمل الطويل النفس، تحرير الديموقراطية من كونها دليل سيادة الشعب وتعبيراً مباشراً عن رغباته، وهي قلقة ومتأرجحة وغير مضمونة النتائج، إلى كونها أداة اجرائية باردة يتحدد هدفها بتوسيع هامش الحريات وضمانها عبر تقنين حركة المطالب الاجتماعية. في مطلع القرن العشرين، انهمك منظّرو السياسيات والدستوريات الفرنسيون في "تبريد" العواطف، أو قل العواصف، التي تثيرها كلمات الحرية والديموقراطية، اذا ما تم اختزال المسافة والجهد الذي يتطلبه تحقيقها إلى مجرد المطالبة الآنية، والعنفية تالياً. هذا تحديداً ما يسمح بإقامة المسافة بين الرغبة وتحقيقها، ما يسمّيه البعض بـ"عمل الأمل"، أي الحياة.
الانترنت، كما الرسوم المتحركة أو الافلام الاباحية، هو عالم تنعدم فيه المسافة ويغيب فيه تراكم الرغبة وبناؤها. كما ان توم يجد دوماً في متناوله كل المطارق والأدوات التي يرغب في اصطياد جيري بواسطتها، وكما ان بطلات الافلام في عالم البورنو لا يردن يد لامس. لذا فإن بناء هوية الفرد من خلال الانترنت قد يثير أخطر كوامنه، أي رفض التسوية والانتظار والبناء لصالح الإشباع الآني لنوازعه، وليس الجنسية منها فقط بل أيضاً السياسية والمالية والعقائدية.
هذه العوامل معطوفة بعضها على بعض، ستمنح اشخاصاً، في معظمهم صغار السن، متنصلين من ضرورات التسوية الاجتماعية ومن قيود اقامتهم الجسدية، اصواتاً وازنة في الحيز السياسي، وتدفع بالآراء الشائعة إلى حدود متزايدة التطرف والعنف، باسم المشاركة الفاعلة والسيادة الشعبية وحكم الغالبية التي تنطق باسمها الفئة الناشطة. وما يفاقم أخطار هذا المنحى في بلادنا، رقة حاشية السلطة المركزية، وغياب السلطات والهيئات المتعددة والمستقلة، بحيث يبدو كل صراع لدينا صراعاً على قمة الحكم لا على آلياته وسياساته، وتختزل الأنصبة الاجتماعية والاقتصادية والقانونية إلى السياسي بمعناه الضيق.
يطرح المجال الافتراضي، إذا ما قطنه البشر وبنوا داخله هوياتهم، تحديات خطيرة على أسس الديموقراطية "الباردة" والهادئة، والبطيئة السير، بخاصة في بلد كلبنان مفعم بالرغبات والحماسات على أنواعها وبهوى استقبال آخر الجديد، من دون ترسيخ اسس صلبة لما سبق. للرد على هذه التحديات، قد تكون أولى الخطوات التفكر ملياً في دروس عيش الناس، في ظل الحروب الأهلية، حين كان القتل حماسة وانتصاراً، والمخدر والكحول عشقاً، والاغتصاب والتدمير الذاتي نشوة. لم تكن تلك فقط خدعة اللغة، بل كان أيضاً مكر المشاعر الدفاقة الممجدة بما يفوق قدرة الناس على التعايش محدودين بعضهم ببعض، بما يحفظهم سالمين من أذى أنفسهم قبل أذى الآخرين. اثر ذلك، تنبغي معاودة تعريف الأمل وشروط عمله

فادي العبدالله

***

الذكاء الجمعي
والانفتاح الشبكي للوثائق الرقمية

مع تطوّر التقنيات الرقمية دخل الكثير من المصطلحات والمفاهيم الحديثة إلى العلوم كافّة، ومن ضمن هذه المفاهيم الذكاء المشترك أو الذكاء الجمعي الذي نعرّفه "ببساطة" من دون الدخول في متاهات التعاريف التقليدية للذكاء بشكل عام. فهو، بحسب ما نراه، الذكاء الآتي من مشاركة عدد من الأشخاص في حل مسألة ما عبر التواصل والتبادل المباشر او الافتراضي.
لنفكر في الإفتراضي انطلاقاً من عينين مغمضتين غار منهما الضوء. ففي عماه، رأى الكاتب والشاعر خورخي لويس بورخيس الكتب يتواصل بعضها مع بعض، وكلماتها تتنقل من نص الى آخر، في عتمة الليل. ويبدو ان رؤى بورخيس ذهبت الى أبعد مما يدركه البصر. والحال ان نصوص الكتب وكلماتها تدخل بعضها الى البعض الآخر، وبحرية أوسع مما حلم به بورخيس، بفضل التقنيات الرقمية وشبكاتها. ويحمل ذلك معنى مختلفاً عما حملته كلمات بورخيس. وإذا فكرنا أن كل نص هو إنتاج لتجربة الذكاء البشري مع الوجود، فإن الوصلات الالكترونية تحمل أكثر من مجرد مد جسر بين نص وآخر، إذ تصبح علاقة إفتراضية (قد تدوم أبعد من عمر الورق) بين ذكاء وآخر. يخبرنا الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر أن الكائن له أبعاد تتصل بالوجود البشري كله، متعيّنا بزمانه ومجتمعه. في هذا المعنى، كيف يمكن التفكير في صورة مئات آلالاف من الشباب الذين يمارسون الألعاب الالكترونية عبر القارات؟ اي تفاعل وتداخل ومشاركة بين ذكائهم كأفراد، وما يتضمنه تفكيرهم الفردي من علاقات مع تاريخ الانسانية وزمانها الراهن وتطورها أيضاً؟
لا بدّ من القول أولاً إن النظم الطبيعية تقوم على أساس تعاوني لا تنافسي أو فردي، وإن الذكاء الجماعي (الجماعي) هو أصل التطور الإنساني. على سبيل المثال، من أهمّ الأشكال المعروفة للذكاء الجماعي - الجمعي هو مملكة النمل التي تنفّذ مجموعة من العمليات بشكل منظّم، وكلّ نملة لها دور محدّد للمساهمة في القيام بعملية ما. حتى انه في استطاعتنا القول: تعلّموا من النمل، فاتحادها المعرفي يؤدي للوصول إلى حلول ذكيّة دائماً.
ان معالجة موضوع الذكاء الجمعي يتم من خلال ارتباط هذا المفهوم بتطور التقنيات الرقمية، وخصوصاً النشر الإلكتروني، إضافةً إلى مراقبة مواقع الـ"ويب" التفاعلية ووسائل الإتصال الشبكية (الإنترنت)، وذلك بهدف تبيان آلية الوصول إلى إنتاج المعرفة وتحسين الأداء المعرفي والإنتاج الفكري من خلال الموسوعات الإلكترونية أو ترابط الوثائق في ما بينها أو من خلال المصادر المفتوحة. وكما نعرف، لا يمكن الشعوب أن تعيش بأمان إلاّ من خلال التشارك في نظم او أنظمة موحدة ورمزية كالإشارات، واللغات، والعادات، الخ.
إن مبدأ شبكة المعلومات وجد منذ 40 عاماً، حين تم في 29 تشرين الأول 1969 اول تواصل بين حاسوبين، اذ أرسل مهندسو جامعة كاليفورنيا في مدينة لوس أنجلس ومركز ستانفورد للبحوث أول معلومات بينهما، في ما عُرف باسم "أربانت". وكان ذلك مبنياً على التبادل والتشارك لحل مشكلة نقل المعلومات بين أجهزة الكومبيوتر. فهذا المفهوم الجمعي البارز حالياً ليس بجديد فعليّاً من حيث ارتباطه بالتطور التقني، بل هو قديم.
كما ان الذكاء الجمعي كعملية، وُجد عند الإنسان في اللحظة التي بدأت فيها عملية التواصل الإنساني من خلال اللغة مهما يكن شكلها أو رموزها. فذكاؤنا وإنتاجنا المعرفي مبنيان على إنتاج سابق، ألا وهو توارث المعلومات من جيل إلى جيل. فما يغني المعرفة ليس البشرية في ذاتها، بل الذاكرة الجماعية بشكل عام.
ولدت الشبكة العالمية "الإنترنت" من خلال تواصل الحواسيب وترابطها في ما بينها للتشارك في الموارد الرقمية على أنواعها. وكما يقول بيار ليفي، فإن هذا الترابط سيكون مؤشراً الى التطور وارتفاع الذكاء الجمعي.
الكلام عن الذكاء الجمعي مرتبط حاليا بالتطوّر السريع لأدوات تبادل المعلومات. فالتغيّرات الحاصلة ليست بارزة من ناحية الزمن، إنها حاضرة وواضحة للأفراد وتختلف ليس في عقود زمنية كما كان سائداً قبل التطوّر التواصلي، بل في حقبات زمنية بسيطة جداُ من عمر الشعوب. إذا أخذنا التغيّرات التي حصلت في زمن اختراع الطباعة، فقد حصلت تغيّرات كثيرة ومهمة لكن تأثيرها والأخذ بها لم يكونا مباشرة بل رويداً رويداً. أما في عالم الحواسيب والتواصل والهواتف النقّالة والساتلايت، فالتطور يحصل بفترة وجيزة جداً. هكذا فإن جيل الشباب مثلاً حصل في خلال 18 عاماً تقريباً على كلّ هذه التغيرات، ولم يكن انتقاله من نظام تواصلي إلى آخر خلال فترة زمنية طويلة بل شبه آنيّة.
اول ما يُبرز عملية الذكاء الجمعي هي الشبكات الاجتماعية. ذلك أن تطوّر الذكاء الجماعي استخدمته كل المؤسسات والطبقات الإجتماعية من خلال الوثائق الرقمية. البارز مثلاً، أن ثمة برامج معلوماتية "ذكية" تعمل على المراقبة الالية لمواقع الشبكات الإجتماعية واهتماماتها لتوجيه الدعايات المؤاتية لها كالعمر، والأصدقاء، الخ.

من هنا بدأنا نلمس تطوّر مفهوم الذكاء الجمعي المولّد ذاتياً وآلياً

auto generated لاستنتاج معلومات جديدة من خلال تفاعل المعلومات والمفاهيم في ما بينها، بطريقة بدأت تختلف عن الوضع الحالي للـ"ويب" المبني على الطلب من خلال الكلمات المفاتيح وتقويم الصفحات بحسب خوارزمية pagerank وتقويم الوثائق الرقمية من خلال العلاقات الفائقة النصية، التي هي علاقات فائقة وثائقية، ترتبط افتراضياً في ما بينها لتشكّل هذا العالم السيبرناتي. أي أن الوثيقة تحمل في طيّاتها معلومات تتفاعل في ما بينها للوصول إلى معلومات جديدة من خلال استخدام المعرفة المبنية على قاعدة الإستنتاجية الطبيعية (naturally deduction) لتشارلز سندرس بيرس.
إذاً، القيمة هي في المعرفة، وفي إنتاج المعرفة من معرفة سابقة أو معلومة سابقة. وهذا ما بُنيت على أساسه عملية التواصل عند كلود شانون في أولى مراحل اختراع الحاسوب. فالمعلومات، والمعرفة، وتنظيم المعلومات، وتحليل المحتوى، هذه كلها تساهم في إنتاج معرفي جديد.
لم يعد هناك مستخدم سلبي. كلّ مستخدم هو منتج للمعرفة ومستهلك لها. اذاً، لم تعد العملية التواصلية أحادية التوجه كما هي الحال في الراديو والتلفاز والكتاب، بل نحن في حركة معرفية ليست فقط دينامية انما تفاعلية.
تتطلب ضرورة التفتيش عن حلول لمعالجة الوثائق الرقمية وتعقيداتها، اتحاداً وتفاعلاً بين مجالات عدّة. فتطوّر الذكاء الجماعي لا يمكن أن يتم إلا من خلال خلق معايير للتحليل ولتبادل الرموز اللغوية. هكذا فإنّ أول معضلة لعملية التبادل قد حلّت من خلال معايير لغات توصيف الوثائق وخصوصاً الـ html وحالياً الـ xml . وبما ان الهدف هو التفتيش الآلي للوصول الى المعلومات، فعلى الوثيقة ان تكون "ذكية" بذاتها، اي ان تتفاعل مع باقي الوثائق وفي لغات عدة، وهذا مبني على الترجمة الالية.
بيد أن الرموز اللغوية لا تزال في طور البحث على رغم أننا نشهد تطوراً في برامج الترجمة الآلية التي ستساعد ليس المستخدم (الإنسان) فقط بل البرامج (الروبوت) التي بدورها تقوم بتحليل محتوى معين لاستخدامه، بالتلازم مع وثيقة أخرى وفي لغة مختلفة، وخصوصاً الـ"ميتاداتا"، لما لها من أهمية للوصول إلى المعلومات الرقمية المطلوبة من دون الإبحار في خضمّ من الوثائق ليست دائماً مؤاتية لما نفتّش عنه. هنا تأتي التوجيهات لاستخدام ما يسمّى الأنطولوجيا. لكن يبقى الاستخدام الطبيعي للغة من دون الدخول في ترميزها رياضياً، أكثر نفعاً للمستخدم من دون الغوص في تحليلات معلوماتيّة. فتوجهنا هو نحو بناء برامج معلوماتية سهلة وقابلة للفهم وللاستخدام كما كلّ الأشخاص، بغضّ النظر عما إذا كانوا ضليعين في عالم المعلوماتية أم لا. المشكلة في الدلالة! فإذا وجدنا طرقاً لرفع الالتباس آليّاً فإنّ مجموعة كبيرة من المشكلات ستحلّ.

البرامج "المفتوحة المصدر"

في الآونة الأخيرة، اتخذت مؤسسة أميركية مشرفة على تنظيم سريان المعلومات على الانترنت، خطوة عملاقة، وجديرة بالتأمّل. فقد جرت العادة منذ انطلاق الإنترنت على إعطاء عناوين الكترونية لكل كومبيوتر متصل بالانترنت (بقول آخر، لكل ذكاء متصل بالشبكة الدولية للكومبيوتر)، باستخدام اللغة الإنكليزية، التي صارت لغة معيارية، في هذا المعنى، لسريان المعلومات على المعلومات، إذ أنها اللغة التي تتحدّد بها جغرافيا كل ذكاء متصل بالذكاء الجماعي الذي تضمّه الإنترنت. وزيادة في رسم صورة التحديد جغرافياً، يجدر التفكير في أن هذه الهيئة الأميركية، واسمها "أيكان"، تدير الحركة الأساسية لإنتقال المعلومات (وما تحويه من ذكاء وجودي) على الانترنت، بالاستناد الى مجموعة محددة من الكومبيوترات العملاقة (عملياً، تسمى "الأُطر الأساسية" ("ماين فرايم" Main Frame). ثمة تحدّد جغرافي مركزي في لغة الإنترنت، فكأنها تنطق بلسان واحد عن تحدّدها في المكان. ويزيد في قوة التحدّد والمركزة، غلبة اللغة الإنكليزية على المحتوى المتوافر في أشكاله كلها. بقول آخر، هناك مركز جغرافي تمثل الانكليزية لغته الوحيدة. لذا، من المستطاع القول، من دون كبير مجازفة، إن الأمر يشبه اسطورة بناء برج بابل في التوراة. فبموجب ذلك النص الديني، تآزر البشر في بناء برج تشامخ باستمرار، طالما أن البشر استطاعوا التفاهم بلغة موحدة جمعت ذكاءهم وصبّته في عمل موحد. وإذ غضب الرب من السعي المتفاخر للإنسان - الديكتاتور، عمد الى حلّ لا يزال إدراك غاياته عصياً: إعطاء لغة لكل مجموعة. وتقول التوراة إنه لما تبلبلت ألسنة البشر، وفقد ذكاؤهم الجمعي عصب تواصله الأساسي، إنهار ذلك البرج. أتسير الإنترنت نحو مصير مشابه؟ وأيّ سماء كانت تروم التطاول لملامستها؟
يسير التجديد في حركة تصاعدية دائمة في ما يخص أدوات التواصل والمعلومات، ويصبح من الصعب اللحاق دائماً بما يتم إنتاجه. تصبح الوثائق الرقمية ومعالجتها معقدة وصعبة أكثر فأكثر. هذه الصعوبة مرتبطة بتعددية وجهات النظر، وتعددية تمثيل المعرفة، وبالأهداف المرتبطة بالتحليل والتأويل.
إنّ أكثر ما يترجم مفهوم الذكاء الجماعي والذكاء التعاوني، هي البرامج "المفتوحة المصدر" (Open source) المبنية على أن كلّ من يملك معرفة ما تساعد في التطوير، يمكنه أن يساهم في تغذية البرنامج. هذه الآليّة كانت قد وضعتها حركة حرية وبرامج مفتوحة المصدر free and open source software هدفها وضع آلية جماعية للتطور تساعد في الإنتاج المعلوماتي (من أهم مراجع الذكاء الجماعي هو نظام التشغيل Unix وبعده نظام Linux). هذه الآلية قريبة جداً من مبدأ بناء المعرفة العلمية أكثر منها الى مبدأ المعرفة التبادلية بهدف تجاري، على رغم أن المحركات البحثية عن المعلومات تستخدم الذكاء الجماعي باستغلال المعلومات الفردية للبيانات لكي توجه إعلاناتها.

يحدد فليكس ستاندلر مبادئ ما يسمّيه "الذكاء التعاوني" بما يأتي: أوّلاً الوصول غير المحدود إلى المعلومات التي وضعتها المجموعة الإفتراضية، بعد ذلك تقويم المشاركة في العمل لهذه المجموعة، ثمّ نظام السلطة المبنيّ على الإشتهار أو السمعة، فالناشر يصبح معترفاً به.
وأخيراً، فإنّ كل مستويات الأنظمة مبنية على الجدّية في الإنتاج، وبحسب أهمية الإنتاج، ولا يوجد "منع" لأيّ كان من المشاركة شرط أن تكون المساهمة مثمرة.

فمع انفتاح الشبكة على الجميع بدأت تتطلّب هذه العملية آليات اجتماعية، تقنية وقانونية. فالإنترنت سمحت بأن يكون للكلّ إمكان الكتابة والقراءة، والمساهمة في البناء واستخدام ما بناه الآخرون. كلّ كاتب هو قارئ ومنتج، وبالعكس. هذا اجتماعياً، أما تقنياً فهذه المبادئ مبنيّة على خلق محطات عمل معلوماتية تساعد الجميع. أما من الناحية القانونيّة فمبدأ معيار الـ "copyright" تحوّل "copyfree" أي إعطاء الحرية الكاملة للتوزيع وللتغيير في البرنامج.

"الويكي"
من الواجهات التي اصبحت معروفة، بما تحويه من معلومات منافسة لما هو مطبوع حتى من مئات السنين، فإنّ موسوعة "ويكيبيديا" مثال آخر على الذكاء الجمعي، فهي مبنية على نظام معلوماتي يدعى "ويكي" يسمح تقنياً لكل شخص بأن يبدأ بالكتابة. هذا البرنامج يحافظ على كل تواريخ التغيرات والزيادات في تغذية الموسوعة مما يسمح أيضاً بمتابعة تغيرات المحتوى زمنياً وبإمكان محو كل ما هو مصدر للشك في المعلومات وما يستخدم للتعمية أو التضليل.
مما لا شكّ فيه أن انضمام المتخصصين المتزايد الى "ويكيبيديا" أدى إلى تصحيح جزء لا يستهان به من المعلومات ومراقبة المعلومات الحديثة والجديدة. فالأخطاء الموجودة في تدنٍّ دائم لأن "العيون" الساهرة كثيرة، ما يجعل شخصاً آخر يصحح معلومة خطأ. وهكذا دواليك. فالـ"ويكيبيديا" تقدّم المثال "الحي" على ديناميّة المعلومات الرقمية.
إذاً، العمل التعاوني فعّال والمعلومات موزّعة. إن عملاً كهذا لا يمكن أن يتم من فرد واحد حتّى للكتابة في مجال أو اختصاص محدّد ومن اختصاص باحث محدّد. أيّ باحث لا يمكنه أن يلمّ بكل ما يحيط بمجال ما. فالذكاء الجماعي يساعد في تنظيم هذه الآلية بشكل سليم وجيّد ومفيد.

صدقية الوثائق الجماعية

التأكد من المعلومات أو من المعرفة المنتجة والمنشورة يبقى مسألة مهمة بالنسبة الى النشر والإنتاج التعاوني. المسألة محلولة بالنسبة الى البرامج المفتوحة "open source"من خلال تنفيذ البرنامج المعلوماتي. فإذا تمّت عملية التنفيذ، وعمل البرنامج بشكل صحيح ومتطور مع وظائف جديدة، فإنه يصبح مطوّراً ويُقبَل ويصبح معتَمداً في ذاته. من ناحية الموسوعات المطبوعة والوثائق، ترتبط المسألة بمجموعة مصحّحين ومدقّقين من كلّ النواحي، وإذا كان العمل جيّداً يُنشر. أمّا بالنسبة الى الوثائق الرقمية فالمسألة مختلفة لأنّ الإنتاج أو النشر يتمّان آليّاً في الوقت عينه وتصبح الوثيقة تحت تصرّف القارئ. ولكن يوجد تدقيق مفتوح، وهذا ما يمكن أن يؤدي إلى "تفاهم" جماعي حول ما تمّ نشره. وهو تفاهم مقبول من المساهمين، ويعني أن وجهة النظر مقبولة من الجماعة. ولكن إذا كان هناك خطأ لم يُجرَ كشفه، ووافقت عليه الجماعة، فإنه يصبح مشرّعاً، مما يؤدي إلى ضعف ما تحويه "ويكيبيديا" من معلومات. النقاش دائر حول هذه النقطة حالياً لإيجاد حلّ لهذه الإشكاليّة: فمنهم من يقترح أن نميّز بين من هم خبراء ومن هم "عامة" novice أو ناقصو خبرة في مجال ما، وأن يكون هناك مراقب للمعلومات. ولكن تبقى هذه المسألة صعبة نظراً الى ضخامة المشروع الموسوعي، على عكس البلوغ "blog" الذي يهدف إلى المساهمة حول مسألة محدّدة.
أخيراً لا بدّ من التنويه أنّ مبدأ المشاركة والتعاون والذكاء الجماعي دخل إلى عالم الصحافة والإعلام، حيث يتم الحديث حالياً عن الصحافة المفتوحة المصدر، الصحافة المواطنية، لكي نعرّف بآلية التعاون المماثل للنشر وللنقاش حول نصوص صحافية وإعلامية.

الذكاء الجمعي وآلية الاستخدام

ان الذكاء الجمعي للمستخدمين يتولد من حاجاتهم. وقد أتى هذا التطور في عالم التقنيات من فكرة الاستخدام والممارسة والالمام، وليس من فكرة المستخدم، بما يعني ان استخدام التقنيات غير مبني على ما يحدّده المنتج من الوظائف المتاحة للالة، ولكن على ما يحدده المستخدم. فتطور الانترنت لم ينشأ في المختبرات كما تجري العادة في عملية الانتاج والتسويق التقني بل على أيدي المستخدمين، بذاتهم ولذاتهم. البنية الهرمية من ناحية خلق البرامج المعلوماتية والتواصلية ليست من الاعلى الى الاسفل وانما بالعكس، وذلك من خلال الالية التعاونية التي جمعت متطوعين فاعلين على شبكة المعلومات. فالتجديد تصاعدي، وهذا من اهم الخصائص الاساسية لتطور مجتمع المعلومات. هذه المبادئ نتجت من المدرسة الوظيفية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي لتجيب عن السؤال: ماذا تفعل الميديا بالناس ولكن بطريقة معكوسة: أي ماذا يفعل الناس بالميديا؟ اذاً، هذه التغيرات الـ"براديغماتية" ادت الى البحث عن العلاقة بين المستخدم وادوات التواصل. فالفرد يصبح شخصا فاعلا من خلال اشهاره لاحتياجاته الاجتماعية واليومية. لم يعد المستخدم ملزماً أخذ ما يُصنَع، ذلك أن المستخدم يجبر المنتج على انتاج ما يحتاجه. من اهم الامثلة على ذلك خدمة "اس ام اس" SMS في الهواتف النقالة التي لم تكن مأخوذة في اعتبار المنتجين. يسمح التملك بتطوير المعرفة من خلال معارف الافراد الذين يستخدمون التقنيات يومياً وهم على تواصل دائم مع هذه الادوات، وهذا الاستخدام الدائم يؤدي الى الخلق والتطوير. على سبيل المثال، فإن العاملين في "غوغل" يفرّغون من وقتهم ساعات اسبوعياً ليحلوا محل المستخدمين.
مثال اخر: جاء تطور الـ"وي في" على يد مجموعة من الطلاب مغرمين بالموسيقى، وهذا ما ادى ايضاً الى تطوير في استخدام خدمات الارسال السريع في شبكات الانترنت.
تشير الابحاث الى أن من 10 الى 40 في المئة من المستخدمين يعيدون تطوير ادواتهم لكي تساعدهم في حل مسائلهم وتحسين اداء ما يستخدمون، كما انهم يتبادلون ما يطورونه. فالمستخدم يفتش عن ادوات تقوم بخدمات جديدة اما المنتج الصناعي فيقوم بتطوير ادوات تنفذ العمليات نفسها ولكن بطريقة اسهل وافضل.

التحديث بالاستخدام على عكس التحديث من المنتج، يوزَّع ويصبح شائعاً من خلال تبادل الفاعلين وتقاسم ما ينجز في غالبية الاحيان بدون مقابل مادي، على عكس الانتاج الصناعي الذي يتم لاسباب تجارية، كما انه معياري. فآلية التحديث تبدأ دائما بنواة لتصبح دائرة، ومن ثم تتشابك لتصبح عنكبوتية. اخيرا صح المثل القائل: الحاجة أمّ الاختراع

غسان مراد

***

عن "أَوْبَمة" السياسة وأسطورة الديموقراطية الرقمية!

يتحدث بيار بورديو أثناء مناقشته فكرة "اريستوقراطية الثقافة" عن خطيئة "لا يمكن أن تكون جمالية في أي شكل من الأشكال"، تقتضي دحر ما يسمّى "الحد المقدّس" الذي يجعل "الثقافة الشرعية" عالماً منفصلاً بذاته. بحسب بورديو أيضاً، تصبح عملية الدحر هذه ضرورة كي يكتشف المرء علاقات تجمع بين خيارات تبدو غير قابلة للقياس ظاهرياً، كالمفاضلة بين الطعام والشراب، الرسم والرياضة، الأدب والشعر وغيرها.
وجدت هذه العملية معادلاً لها في مكان آخر غير متوقع: لحظة فوز الرئيس الأميركي باراك أوباما بالانتخابات الرئاسية، حين خبرت الجماهير "انفجاراً ناعماً" فدحرت حدوداً غير مرئية تعزل الافتراضي عن الواقعي. كان ذلك ضرورياً لاكتشاف علاقة تبدو أيضاً غير قابلة للقياس ظاهرياً بطريقة تقليدية. إذ جرى بسهولة قياس تفوق الرئيس الأميركي باراك أوباما على منافسه جون ماكين، وبدا مستعصياً الجزم في شأن المفاضلة بين الانترنت ووسائل الإعلام التقليدية، وخصوصاً التلفزيون، في أثرها على الناس.

في هذا المعنى، لو قُدّر لهذه العملية ان تتحول لوحة مرسومة، لظهر أوباما بوصفه الرجل- البطل الذي لا يخشى "تهشيم" مواقع مكرّسة كانت سائدة قبلاً، تتصل بالطرق السليمة لاستمالة الجماهير، وخصوصاً سطوة وسائل الاعلام التقليدية (والتلفزيون) وتلاعبها بالعقول. من دون كبير مجازفة، يمكن القول إن انبهار الجماهير بجمالية لحظة الانتصار الأوبامي، عكس قوة الوسيط الإفتراضي (الانترنت) وقدرته على التلاعب بالأفكار المسبقة والمخزون الثقافي والسياسي وحتى الاقتصادي، في حكم الناس على أوباما وصورته الجميلة أو حتى السامية، كما قدِّمت حتى بعيد انتخابه.
الأكيد ان وصول أوباما إلى البيت الأبيض طرح على بساط البحث مدى تغيّر وجه السياسة كما نعرفه، مع دخول الانترنت. ظهر أن أوباما أول رؤساء الانترنت وأجيالها. هذه بداية للوقوع في فخ جمالية لحظة انتخابه. أوباما رئيس غير تقليدي بكل المقاييس. إنه شاب، يسهل تماهيه مع الشباب، وهم الشريحة الأبرز لمستخدمي الشبكة. أوباما أسود البشرة، كأن قوة الانترنت قبضت على حقوق حارب الأميركيون والأفارقة لأجلها مدى عقود من الزمن. صعد أوباما من طبقة كادحة، في إشارة الى قدرة الوسيط الرقمية على دحر مفهوم النخبة التقليدي.

لنتمهل. إذ لا يشكل فوز أوباما بالرئاسة سوى رأس جبل الجليد في ظاهرة تأثير الانترنت في السياسة، على رغم أنها، أي الانترنت، حصدت الفضل كله في بروز تلك الظاهرة بجلاء. ثمة نقد مديد للإنتخابات الأميركية تقول إنها تعكس فكرة "الرابح يحصد كل شيء". بعض هذا حدث مع أوباما، وهذا نقد أيضاً، إذ حصد التصنيفات الأولى في محركات البحث، وحصد عدداً غير محدود من "الطرق" والوصلات المؤدية إلى مواقعه الرسمية، وحصد مرتبة قياسية في أكثر الاسماء بحثاً على الانترنت، في حركة إلغائية لمن سبقه. سطوع أوباما، أعمى الأبصار عن حقيقة مفادها ان أولى بوادر نجاح الانترنت في تغيير الهندسة السياسية جاءت مع حملة المرشح الديموقراطي هوارد دين، في 2004. دين هو "المغامر الافتراضي الأول"، بعدما أثبت قدرته على تحريك مواطنين كانوا في سبات سياسي، ما حقّق له صعوداً لم يكتمل. بعد أربع سنوات، تضاعف عدد الذين يلجأون إلى الانترنت والهواتف النقالة للحصول على معلوماتهم السياسية في الولايات المتحدة. أتى أوباما مستفيداً من أخطاء حملة دين، فاجتمع حوله أرباب عالم الانترنت. ووصل إلى البيت الأبيض.

مواجهة شرسة

أثناء حملة أوباما وبعدها، قُدّمت الانترنت في وصفها وسيلة نقدية وأصيلة، في التضاد مع التلفزيون الذي بدا تقليدياً فيه، وحتى زائفاً. على رغم كل ما تحمله كلمة "نقدي" من ادعاء، تكرّرت الأوصاف المنبهرة بالانترنت في آلاف المقالات التي تناولت تأثير الشبكة العنكبوتية في حملة أوباما والسياسة. أدى الأمر الى إشكالية، إذ قُّدم امتلاك مفاتيح التعاطي مع الانترنت باعتباره قوة في ذاتها. لكن الشبكة الافتراضية مجرد وسيط، وتستلزم نظاماً متكاملاً لتحقيق مبتغاها في امتلاك القدرة التقنية نفسها. في إيطاليا مثلاً، لم يفض مع رئيس وزرائها سيلفيو برلوسكوني، إلى نتيجة إيجابية. وفشلت الانترنت في الدفاع عن برلوسكوني وطرد أشباح فضائحه الجنسية المتكررة. لم يمنع ذلك من تداول عبارة "السياسة اون لاين" باعتبارها السياسة نفسها. يذكّر الأمر بمقولة ميشال فوكو عن "نظام الحقيقة"، حين لا تعود عبارة "المعرفة هي القوة" تعبّر عن العلاقة بين هذين الطرفين. رأى فوكو ان القوة تكمن فعلياً في كيفية انتاج الحقيقة، التي هي عبر علاقة دائرية بمنظومات تنتجها وتصونها، ولا تعود المشكلة محصورة في ضرورة تغيير وعي الشعب بل في النظام السياسي، الاقتصادي والدستوري، المنتج لهذه الحقيقة.
تنطبق المقولة الفوكوية على حملة أوباما التي برعت في استخدام الانترنت ليس كمجرد وسيط، بل كطريقة لإنتاج الحقيقة عن الرئيس، والتواصل مع الأجيال الشابة. انتج نظام الحقيقة الافتراضية أوباما كرجل يحمل لواء التغيير. وراج الكليب القصير "نعم نستطيع" عبر "يو تيوب" بشكل فيروسي ليتفوّق على عشرات الساعات الاعلانية المتلفزة. نابت مواقع الشبكات الاجتماعية (فايسبوك وماي سبايس) عن الإعلام التقليدي في تعريف أربعين في المئة من مناصري أوباما بـ"حقيقته" كمرشح منقذ. وتحالف موقع "ماي باراك أوباما" (ترجمته: أوباما الخاص بي، أو أوباما كما أعرفه، وهذا يحمل دلالة الإيهام بإنتاج الحقيقة)، مع حشد من المواقع لدعم الحملة الأوبامية.
بعد أشهر من أرشفة البيانات حول ملايين الداعمين، ظهرت قاعدة معلومات رقمية، فتحوّل هؤلاء قوة. مكّنت قاعدة البيانات الافتراضية من تحويل التبرعات الصغيرة (62 في المئة منها عبر الانترنت) قوة و"شيئاً" يمتلكه مرشّح وحيد، فتكرّس استهلاك الإعلام كوجه للصراع السياسي ذي البعد الثقافي والذي تمارس فيه كل أنواع التنازع على السلطة. استطاع أوباما ان يؤمّن انعطافة نحوه، والتفافاً على حملته من خبراء الشبكة العالمية، واستخدام تقنيات متقدمة فيها. كان التجاوب هائلاً عبر تنظيم فائق السرعة أتاحته الشبكة للمناصرين، والذي عنى قرباً وحميمية لم يستطع التلفزيون ولا الصحف مجاراتهما.
باتت الرسالة الانتخابية تُسلّم من الرئيس إلى المواطن، بعد منحها صفات افتراضية مشخصنة، فكأنها صُنعت لأجل ذلك المواطن. هذه الحميمية التقنية هدفت الى التمويه على حقيقة ان تلك الرسائل ليست شخصية البتة، وأنها جاءت من واسطة عامة، وأنها تكررت ملايين المرات!

إلا ان ظاهرة أوباما في السياسة، أو "الأوبمة"، لم تكن نتيجة لبراعته في تسخير التكنولوجيا لصالحه فحسب. زاوج أوباما بين حمله راية الشباب والتجديد، ورمزية أفعاله وأقواله، وأضاف إليها افتراضية الإنترنت، ومزجها مع التركيز على شخصه بذاته (بالمقارنة، ركزت هيلاري كلينتون على انها امرأة مثلاً). أخذت تلك الأمور الحوار إلى أرض أعلى، أكثر فلسفية. للمفارقة فإن أهم الفلاسفة الأميركيين الذين تداول الرئيس اسماءهم، كان راينولد نيبوهر الذي يعرّف الديموقرطية بأنها "إيجاد حلول تقريبية لمشكلات لا حل لها". اتّبع أوباما الفيلسوف نيبوهر بطريقة ما عندما قدّم مفهوماً متضارباً للأمور، وهو ما لم يكن لينجو بفعله عبر وسائط تقليدية. أي انه ابتكر لنفسه هوية من دون أن يحدّ نفسه بحواجز، مدعوما بالآف الاحتمالات الالتفافية: أريد ان أغيّر العالم لكن لا أعلم كيف حتى اللحظة، وهو في حقيقة الأمر حل تقريبي لمشكلة لا حل لها، على طريقة ديموقراطية فيلسوفه المفضل.
يمكن القول ان "أوبمة السياسة" ظاهرة لا تزال بعيدة من تناول معظم سياسيي بلداننا العربية، ولو ان الغيرة من نجاح "الأوبمة" أصابتهم، وخصوصاً اننا شاهدننا في أكثر من مكان كيف يتم تحويل شبكة الانترنت أداة بيروقراطية تشبه غيرها من وسائل الترويج التقليدية. يكفي تذكر استخدام جمال مبارك موقع "فايس بوك" للرد على رفض شريحة واسعة من المصريين للتوريث.
في هذا المعنى يبدو أن "أومبة" السياسة ليست محض تكنولوجية، ولو انها تستمتع بلعبة التكنولوجيا بدءاً من الجهاز الـ"بلاكبيري" الخاص، مروراً بالحرص على جعل موقع البيت الأبيض "متصلاً" بالأميركيين ودائم التحديث. هذا كلّه يعيدنا إلى عام 1960 تاريخ المناظرة التلفزيونية الشهيرة بين المرشحين جون كينيدي وريتشارد نيكسون، وما قيل وقتذاك انه لولا صورة التلفزيون لما وصل جون كينيدي إلى سدة الرئاسة. ثورة التلفزيون أوصلت رئيساً. ثورة الانترنت أوصلت رئيساً أيضاً.

أخذت الانترنت تحقق وعدها مع أوباما، يقدم نفسه بصفته حامل راية الديموقراطية الجديدة. تبدو سياسات الفضاء الافتراضي متحمسة لإلغاء ديموقراطي للتفلزة عبر إدانته بالأحادية. الأكيد ان الانترنت تقدّم آلاف المصادر، فتبدو أكثر ديموقراطية من الوسائط التي ترتكز على المصدر الوحيد للمعلومة. ولكن، ثمة مخادعة أيضاً. ماذا لو عدنا الى الأسئلة التي طرحها المفكر الأميركي ماثيو سكوت هندمان في كتابه "أسطورة الديموقراطية الرقمية"؟ هل الانترنت تجعل السياسة أقل حصرية حقاً؟ وهل تعطي الناس العاديين القوة على حساب النخب؟ هل زادت أنواع المشاركة السياسية بسبب الانترنت؟
الأكيد ان نجاح سياسة الانترنت يتصاعد بوضوح، لكن ذلك صنارة مغرية للقيام باستنتاجات خاطئة. لا يمكن نكران نجاح الانترنت في دمقرطة السياسة، لكن هناك أكثر من فشل لهذا الوسيط ينبئ بأزمات لا تقل عمقاً عن تلك التي تسببت بها وسائل الاعلام التقليدية.

عند النظر في مدى قدرة الانترنت على ردم الهوة الواضحة بين النخب وعامة الناس، يقفز مصطلح "الهوة الرقمية" إلى الواجهة. فعلى رغم توسع استخدام الانترنت بشكل هائل خلال التسعينات، فإن الفئات المحرومة من الملوّنين وغير المتعلمين وسكان المناطق الفقيرة، بقيت متأخرة في ذلك. ثمة فارق آخر يأتي من الفارق بين الاستعمال المتمكن للإنترنت ومجرد الدخول إليها. ثمة احصاءات حديثة تشير الى تباطؤ درامي في نمو جمهور الشبكة العنكبوتية، منذ 2001، ما يضرب فكرة ان صعود الإنترنت هو مدّ جارف يكتسح اللامساواة.
من جهة أخرى، تلغي الانترنت وجود طبقة متعددة الاهتمام أو وسطية في خياراتها، وتبدو كأنها تزيد الوعي بين الأشخاص المهتمين أصلاً بالسياسة، لكنها تحدث مفعولاً عكسياً تماماً بالنسبة الى غير الخبير بها أصلاً.
بعكس الانطباع الأولي، لا تتساوى كل الخيارات على الشبكة. فكلما تدبّر موقعٌ ما دروباً أكثر للوصول إليه (بالتشبيك مع المواقع الاجتماعية تحديداً) أصبح اكثر عرضة لزحمة المتصفحين، وارتفع موقعه في محرّكات البحث. لا تعوز البعض قوة القلب للحديث عن "تمييز عنصري على الفضاء الإفتراضي" ("سايبر أبارتيد" cyber apartheid). منذ أواخر القرن الماضي، ساد حديث عن تلكؤ الفلسفة وتباطئها في تنظير الموكب المتسارع للتقدم في العلم والتكنولوجيا. يزيد ظهور التلكؤ مع القوة التي تصب فيها التقنيات في الحياة اليومية وتغيّرها. لعل ظاهرة أوباما والانترنت ليست سوى قمة جبل الجليد في إلحاح الحاجة الى الفلسفة وتوليها مهامها الأكثر إساسية وعمقاً

مايسة عواد

***

عن الجينوم بوصفه ميتافيزيقا محتملة ومعيشة

انطلاقاً من "المحاكاة" (Simulation) المنبثّة في نسيج المعلوماتية الافتراضية وثقافتها وانغماساتها في العيش المعاصر، من المستطاع التقاط خيط مركّب يمتد من انجازات البيولوجيا المعاصرة، خصوصاً الإستنساخ والجينوم (شيفرة ذكاء الطبيعة في صنع الحياة، التي تشكل معرفتها مدخلاً الى محاكاة الكائن الحيّ)، والروبوت الذي هو "محاكاة" للبشر والفضاء الافتراضي للإنترنت الممتلئ بعقول الذكاء الاصطناعي المشابه للبشري.
في كتاباته المتنوّعة، وخصوصاً كتابيه "التبادل الرمزي والموت" و"النسخ الشبيهة والمحاكاة"، تحدّث الفيلسوف الفرنسي جان بودريار عن "الواقع الفائق" Hyper Reality فرأى أنه يصف العيش الراهن للمجتمعات الحديثة بفضل افتراضية الكومبيوتر والشبكات الرقمية في الاعلام العام المعاصر وهيمنة التلفزة المحمولة عبر الأقمار الاصطناعية على العقول، مستعيداً مثالاً من الروائي خورخي لويس بورخيس عن امبراطور قرّر صنع خريطة تُظهر تفاصيل مملكته كلها بدقة متناهية؛ فكانت النتيجة أن جاءت الخريطة بقدر مساحة الامبراطورية نفسها. واعتبر أن المجتمعات ما بعد الصناعية أدخلت الاستعارة التي تتضمنها حكاية بورخيس في دورة كاملة بحيث وصلت الى عكسها ونفيها. لم تعد النسخة الشبيهة صورة بالمرآة عن أصل ما، وإشارة عنه. بل النسخة أيضاً وقد انفصلت عن كل أصل. كذلك فإنها لم تعد تشير الى "أصل" موجود، وبذا صارت إشارة الى انتفاء الوجود نفسه. وصل الأمر الى أن الواقع نفسه صار يُصنع كلياً من تناسل تلك النسخ الشبيهة، التي تنفي وجود الواقع. في هذا المعنى، من المستطاع وصف النعجة "دوللي"، بأنها بداية تبادل مميت للجنس البشري مع الطبيعة، وينطبق الوصف عينه على الأطعمة المعدّلة جينياً. يصعب الحديث عن الروبوت من دون التفكير في تبادلاته مع فكرة الجنس البشري عن جسده وذكائه وخلوده وقدراته. استطراداً، هل تخفي المرارة التي رافقت هزيمة الذكاء البشري أمام الروبوت في الشطرنج، إحساساً بشرياً قاتماً بالتبادل المميت مع الروبوت والذكاء الاصطناعي؟

عنف اليوجينيا والمحرقة
وعدم تعلّم التاريخ

الأرجح أن الجينات تمثّل البؤرة الشديدة الكثافة في مجال البيولوجيا، لمناقشة الخيط المركّب المجدول من أفكار المحاكاة والنسخ الشبيهة للواقع الفائق. اهتم بودريار بعرض السياق المؤلم للواقع الفائق على شاشة السينما، عبر مشاركته في صنع فيلم "ماتريكس" (الاخوة واتشوفسكي، 1999). كما تقف فكرة "الواقع الفائق"، المستند الى العدم - الموت، في صلب تفكيره في الفن الرقمي.
في الصالات البيروتية راهناً فيلم عنوانه "زوجة المسافر عبر الزمن" (إخراج روبرت شوانتك، 2009)، يحكي قصة رجل يتمتع بجينات من نوع خاص، تتحرّك من زمن الى آخر. ليس الفيلم قابلاً للمناقشة علمياً، فلا شيء أكثر بعداً من الحركة في الزمن، وهذا احتمال يعتمد على السفر بسرعة الضوء أو باختراق أحد الثقوب السود، والحركة البيوكيميائية الساكنة في خلايا الكائن الإنساني. لعل هذا التباعد الهائل هو الذي أغرى صانع الفيلم بأن يجعله مساحة للخيال. الفيلم حلقة في سلسلة هائلة من أشرطة في هوليوود حاضراً، استولى عليها خيال قدرة الجينات على التحكّم بالكائن الحيّ. من الأمثلة البارزة "إكس مِن" X-Men وهو سلسلة مسلسلات تلفزيونية وأفلام سينمائية استهلت أشرطتها في مفتتح القرن 21، بشريط من إخراج براين سنغر، ترتكز على فكرة أن الجينات تعطي الإنسان صفاته وتحدّد هويته وانتماءاته وتشكّل الشرط الأساسي المتحكّم في وجوده في العالم. عند إطلاق أول فيلم سينمائي عن "إكس مِن"، صرح مخرجه الى مجلة "تايم" بأنه فكر في شخصيات أبطاله وقواهم العجائبية، لكنه لم يجد طريقة سهلة لتبرير ذلك للمشاهدين. ثم خطرت له فكرة الجينات، وأنه يكفي إيراد تلك الكلمة حتى يصدّق المشاهدون كل شيء تقريباً. إلى هذا الحدّ بلغت قوة الجينات في المخيّلات المعاصرة. ويبدو ذلك مفهوماً أكثر إذا تذكّرنا أن إطلاق تلك الأشرطة جاء بعد الاستنساخ الإعجازي للنعجة "دوللي" والتوصّل الى تفكيك الشيفرة الجينية للإنسان (الجينوم) والحديث المتصاعد عن القدرة على التحكّم بالتكاثر الإنساني وصفاته من خلال الجينات، فكأنها تضرب بعصا قوتها السحرية لتنجب أنسالاً بحسب الطلب والرغبة، إضافة الى سيول تنصبّ يومياً من وسائط الإعلام المتنوّعة لتعلي شأن الجينات وقوّتها.

ماذا تعني الجينات وما هي محمولاتها؟ بداية من الأبسط، تعني الوراثة والصفات العائلية المتوارثة من كل نوع، والأعراق والأنساب واللون، وقبلها الجنس أيضاً (بمعنى ذكر وأنثى) وغيرها. تجد تلك الصور أخيلتها في الأزمنة المعاصرة، من خلال العودة القوية الى الصلات القائمة على ما تختزنه فكرة الجينات، بحيث أن حروب أوروبا ما بعد انهيار جدار برلين سارت في هذا المسار، مؤدية الى انهيار سلم مديد ساد جنباتها طيلة عقود الحرب الباردة. وفي أوروبا الغربية، عادت الصراعات بين الفلامان والوالون في بلجيكا، ودخلت الأعراق في لعبة السياسة في أحدى الأزمات الهولندية الطاحنة السنة الماضية. ومارست فرنسا سياسة ترتكز على الجينات وفحوصها في التعامل مع مواطنيها، بحيث صار ذلك جزءاً إجبارياً من ملفاتهم. بديهي القول ان التعامل مع المهاجر المختلف شكلاً ولوناً وعرقاً، يشكّل جزءاً أساسياً من إشكاليات متنوّعة في القارة الأوروبية، قلب المشروع العقلاني للإنسانية. لم يكن نصر الفردية العقلانية حاسماً. وعاد جسدها الفرد ليسلّم نفسه الى الجماعات. ويمكن الذهاب في الحديث عن هذا الأمر الى ما لا نهاية. فقد انبعثت على الإنترنت علوم الجينولوجيا (علم الأنساب)، وتكاثرت، أسرع من الفيروسات، المواقع التي تبحث في أصول العائلات، وتتحرى الجذور البيولوجية للأفراد، وتلك التي تنطق عن الإثنيات وروابطها وهويتها، بحيث أصبحت الجينات عابرة لمؤسسة الدولة التي تعتبر أقوى إنجازات الحداثة. باختصار، ثمة جنون الإنتماءات البدائية المعتمدة على صلات الدم والقربى والعنصر والعرق. وتقلّص الإنسان الى مجرد جينات، بعدما تمدّد، عبر قرون ثلاثة من الحداثة، خارج قيد معطيات البيولوجيا، محاولاً، بتعثّرات كبرى، نسج كينونة تعتمد على الفكر والعقل والحرية والفردية والعدالة والقانون وما إليها. ارتقت الجينات الى مصاف الميتافيزيقا الحديثة، كمرافقة افتراضية للانترنت، كأنها آلهة معاصرة. وانفلتت أشياء مع تلك الميتافيزيقا المركّبة. ليست تجربة أولى. ثمة تجربة في قلب الحداثة أيضاً مع إعلاء شأن الإنتماء على أساس البيولوجيا، بدل الإنتباه الى الإنسان وفكره وحريته. ذلك ما كانته التجربة مع النازية، وهي من توحّشات العقلانية الصارمة. ارتكزت النازية على مفهوم اليوجينيا Eugenia، المنطلق من مقولة ان الجينات هي التي تحدّد الإنسان بالمعنى الوجودي والانطولوجي. واشتغلت على فكرة الجينات. صار اليهودي قابلاً للموت، لأن جيناته تعطيه صفات لا فكاك منها. وجاءت ترجمة السياسة المعتمدة على رفع الجينات الى حدّها الأقصى مع المحرقة ومعسكرات الإبادة الجماعية في أوشفيتز وداخاو وبشنفالد وغيرها. ومثّلت المحرقة زلزالاً من العنف الهائل، ترافق مع الحرب العالمية الثانية، وارتدّت موجات ذلك العنف الى الشرق الأوسط، لتولّد صراعات مديدة.
باقتباس من هيغل، يصعب القول ان البشر يتعلمون فعلياً من التاريخ، على رغم بداهة القول بالعكس. بعد الهولوكوست، حدثت محارق إبادة عنصرية في البوسنة والهرسك، وفي أفريقيا بين قبائل الهوتو والتوتسي، وفي دارفور مذابح اللون، وفي أفغانستان مذبحة الهزارة وغيرها.

صراع اللايقين مع الديني

في زمن ما بعد الحرب الباردة، أحصى عالم الإجتماع الأميركي بنجامين باربر، مؤلّف "الجهاد يواجه عالم الماك"، ما يزيد على تسعين حرباً في تسعينات القرن الماضي، معظمها مستند الى الجينات ومشتقاتها. ثمة قسوة في القول بأن زمن ما بعد الحداثة، فيه الكثير من انفلات ما ظُنّ أنه صار خلف ظهر التقدّم انسانياً. في السياق عينه، انهار الجسد الفردي، الذي استخلصته الحداثة، ولو جزئياً وبتناقضات شتى، في صراع مرير مع الأساطير والأديان والميثولوجيات التي حرمت الفرد من امتلاك جسده، وجعلته ملكاً للمقدّس الديني بأشكال شتى. افتتح القرن العشرون على الصراع بين مشروع العقلانية الكبير والديني على الإنسان (بتوحّش أحياناً) عبر علم النفس وطبّه، بهدف إيكال مسؤولية وعيه ونفسيته الى ذاته وإنسانيتها (وتخبّطاتهما أيضاً)، وتخليصها من امتدادات الديني (الأرواح، الجان، اللعنات الغيبية وغيرها). سعت العقلانية الى الإمساك بالنفس من الداخل، وبتوحّش أحياناً، بعدما راكمت ثلاثة قرون سابقة كي تحرّر الجسد. جاء سيغموند فرويد ومدرسة التحليل النفسي في مطالع ذلك الصراع. تعددت مدارس الطب النفساني وعلومه، لكنها ظلت تشهد للفرد بمسؤوليته وحقه، في العلاقة بين النفس والجسد، في حاليهما الطبيعية والمضطربة. في أزمنة ما بعد الصناعة، ظهر مذهب السيانتولوجي Scientology التي ترجمتها العلماوية، لتظهر ارتداداً شديداً عن ذلك الأمر، ولتعود الى ما يشبه التفكير الأفلاطوني القديم عن عيش حيوات سابقة، تتلبث بقاياها في الإنسان لتصنع مرضه، وتزيل مسؤوليته وحريته تجاه نفسه. شهد القرن العشرون تصاعداً لمسار الفردية وعقلانيتها، وخصوصاً مع حبوب منع الحمل التي فصلت بين الجنس والتكاثر وأعلت إرادة الفرد عليهما معاً، وحبة الفاليوم التي أعلنت سيطرة الإنسان على نظام الطبيعة في نومه ويقظته، والبروزاك الذي فتح أفقاً للسيطرة على الكآبة والقلق الآتيين من ضغوط المجتمع ونظامه على نفسيته وجسده. وعلى رغم حربين عالميتين، والقنبلة الذرية، وما لا يحصى من التناقضات، فذلك قرن سعى الى وضع البيولوجيا في يد حرية الفرد وإرادته، بالترافق مع انهيار فكرة الحتمية في العلوم والفلسفة، مع نسبية أينشتاين ونظرية الإرتياب في القياس عند ماكس بلانك التي وضعتها الفيزياء الكمومية في مرتبة اللايقين.

في ستينات القرن العشرين، رسمت فردية العقلانية المعتدّة بالإرادة الإنسانية وحريتها، ذروة عالية. إذ تضافرت انتفاضات الطلبة (بداية من باريس 1968) المتمردة على النظام الإجتماعي كمفهوم يصارع الفرد وحريته، مع سير الإنسان على القمر في تمرّد على قيد الطبيعة التي ربطته بالأرض وجاذبيتها وشروط حياته عليها، وتمرّد حفل "وود ستوك" الذي أعلى نبرة التحرّر الجنسي للرجل والمرأة معاً. لماذا انحسر هذا المناخ الاحتجاجي العقلاني المرفوع القوة، بحسب منظور المفكر المعاصر يورغن هابرماس، لتحلّ محله الاحتجاجات اللاعقلانية والمتصلة بتاريخ صراعها مع العقلانية؟ يبدو ان ذلك نسج خيوطاً أساسية في ثقافة الافتراضي الرقمية، التي تعتبر من الأمكنة المكينة لذائقة ما بعد الحداثة. يبدو الأمر كأن البيولوجيا أفلتت من عقالها، بفضل قوة الجينات وسطوة صورتها على البنى الخيالية التي تسير بالعيش اليومي في العقول، لترتد على الفرد وحريته وامتلاكه لجسده. بات كل فرد يحوك رؤيته للجسد من دون الاهتمام بالتناقضات وعدم تجانس الإستعارات. أصبح الجسد كأنه "كولاج" سوريالي في المجتمعات الحديثة، ما يذكّر بصور مرضى الشيزوفرينيا عن أجسادهم. في هذا المعنى، تأتي استجابة الأفراد المضطربة للصور المنمّطة، كالأوشام والأعضاء المعدّلة بجراحات التجميل، إذ تتغافل عن سياق استجابتها للتنميط ومدى تخليها عن تفرّدها، بحيث انها تحبطه في اللحظة التي تظن أنها تمعن فيه. يكفي النظر الى ملاعب كرة القدم لرؤية الفردية المتخبّطة التي ينكشف عمق عدم إدراكها لتخليها عن فرديتها لمصلحة هويات جماعية. ليس عبثاً أن يستعيد مشجعو المنتخب الهولندي مثلاً ملابس من زمن الفايكنغ، وأن تشهد بريطانيا بروز ظاهرة الهوليغانز. في المقابل، هناك النصر الصغير الذي صنعه انتخاب الرئيس باراك أوباما، ضد العنصرية والجينات. تزيد في تألّقه تلك العلاقة التي نسجتها لحظة أوباما مع الانترنت وممارساتها وافتراضيتها. وربما يشير ذلك النصر المتواضع الى الالتباس المستمر في مسار الإنسانية، ما يبعث على القلق والأمل معاً. مسار العقلانية كان صارماً وجامداً بحيث تصادمت نظمه ومؤسساته (خصوصاً الدولة باعتبارها حامية الثقافة السائدة، بحسب تنظير ميشال فوكو) مع حرية الأفراد. وبلغ التصادم ذروته في الأشكال المتعددة لـ"العقلانية المتوحشة"، تلك التي تجمع النازية والشيوعية والنظم الشمولية وممارسات من مثل القنبلة الذرية أيضاً. وسارت تلك الأمور متداخلة ومتضاربة مع اشكال اللاعقلانية الموروثة من قرون قديمة، ومع إنجازات العقلانية وتألقاتها أيضاً. تلك صورة متمازجة بالتنافر والخطر والتفاؤل والتقدم والموت والفناء. ينطبق الوصف عينه على زمن ما بعد الحداثة. من المستطاع القول ان الجينات، وغياب التنظير الفلسفي والفكري الذي يؤدي الى حوار معمق وقلق معها، رُفعا الى مرتبة الميتافيزيقا المعاصرة. ويمكن ملاحظة آفاق فناء الانسان في "النسخ الشبيهة" له في الروبوت والإستنساخ. ومن المستطاع التحسّر على انحسار حرية الجسد تحت التباسات التنميط والارتجال التي صادرها الإعلام المرئي والمسموع والانترنت، إضافة الى استجابة الطب المشبّعة بمركنتيلية الربح العالية التي وصلت الى أزمتها، فكرياً، في الأزمة الاقتصادية الراهنة. لا يعني ذلك إلا أن تلك الأمور تجري في قلب حراك الإنسانية الساعي الى التحرّر من قيد الأرض، عبر روبوتات الفضاء وتلسكوباته، وعالمها المتواصل على مدار الساعة في الفضاء الافتراضي، وتعاملها للمرة الأولى مع شكل ملموس من الذكاء الجماعي الممتد بين النصوص الفائقة الترابط والألعاب الالكترونية. أين المناخ والطاقة في هذه الصورة الفائقة الحراك؟ سؤال يحتاج الى مناقشة مستفيضة

أ. م.
بقلم أحمد مغربي

***

فصل من رواية
واحدة من سبع حيوات على الـ"فايسبوك"

انطونيو لوبيني (تاجر مجوهرات ايطالي)، روبرتو لابازردي (صحافي ومترجم اسباني)، شفيق السرداب (استاذ جامعي)، عابر سبيل (رسام)، عبده سنبلي (صاحب مطبعة وجامع طوابع)، رجل الهواء (مدرب رقص)، الياس البحري (موظف في مصرف)، سبع شخصيات متخيلة، لكل منها حياة افتراضية، على ان محركها ومديرها شخص واحد، أطلقها في موقع الـ "فايسبوك" سبيلاً الى مراسلة نساء، وعقد علاقات غرامية، وقد تقاطعت احياناً الحيوات السبع الافتراضية مع الواقع المعيش. في ما يأتي، فصل من احدى تلك الحيوات.
لم يتوقع الياس البحري ان تعاود السيدة العمياء مراسلته. فقد مضى اسبوعان على ايميلها الأخير الذي ضمّنته مواقف وافكاراً جريئة، بل صادمة. فلو كانت تنوي المواصلة لما غابت طوال تلك المدة. ذات ليلة، كتب رسالة محكمة، وبعث بها كعادته، الى عدد من النساء الجميلات اللواتي ينشرن ألبومات صورهن على صفحات الـ Facebook. صودف ان السيدة العمياء كانت في عدادهن. وفوجىء بإيميل منها يأتيه ما بعد منتصف الليل. وفيه تكرر انها امرأة فقدت بصرها قبل عامين، وتستجير بإحدى الصديقات لقراءة الايميلات والردّ عليها، وعليه ان يأخذ هذا الامر على محمل الجد، إن كان ينوي إقامة علاقة معها. كانت تتفادى وصف نفسها بالعمياء، آملة انها ستشفى ذات يوم. وأخذ يقرأ ايميلها الجديد مذهولاً. قرأه مثنى وثُلاث ورُباع، ثم طبع منه نسختين، واحدة ليحتفظ بها في جيب سترته، والثانية لأرشيفه. هاله اعترافها "اصطياد الشبان الوسيمين اجمل طريقة لمعرفة مدى قدرتي على الجذب والإغواء". ردّاً على سؤال يُطرح احياناً، من باب المجاملة، او عندما لا يجد احدنا موضوعاً للنقاش، وهو: "ما هواياتك؟" كتبت:

"هواياتي قليلة. أهمها القراءة والسباحة ويليهما اللعق. بلى ان الكلمة الأخيرة تعني تماماً مثلما خطر في فكرك الآن. لست مستغربة، فأنت لبيب، واللبيب ليس في حاجة الى اشارة ليلتقط المقصود. أرى عينيك جاحظتين لدى قراءة هذا الاعتراف. بين هلالين اهوى أيضاً إبداء آراء صادمة، غير متوقعة من سيّدة بلغت الأربعين، ترى ولا ترى. لماذا اللعق؟ لا جواب واحداً لديَّ. هنالك اجوبة عدة تكتشفها في الوقت المناسب. أتوقّع انك ستحبّ ذلك. أتوقّع؟ يا لي من بلهاء تجهل قدرة لسانها الماكر اللعوب على المناورة والرفرفة والكر والفر. لن ازيد. دع التجربة هي المحكّ. ثم أحكمْ. أجزمُ أنك ستتذكرها ما حييت. ولا أدّعي النبوّة او قراءة الغيب إن أفصحت اني اعرف ماذا تفعل خلال قراءة هذه السطور أو بعدها. اراك تداعب الملك، ملكك، وتعاود القراءة. ووددتَ لو أطلتُ الحديث عن اللعق كي تُستثار أكثر فأكثر. يسعدني هذا الشعور وقد بدأ مائي يرشح من اسوار مملكتي الحميمة. رجاء، لا أبغي توصيتك، اهتمّ برفاهية الملك، ملكك، كي يكون جديراً بالعرش...".

عندما قرأ الياس هذا الايميل صُدم فعلاً. لم يتوقّع جواباً كهذا عن سؤال عادي. شاءت إفهامه انها تريده، خصوصاً بعدما بعث اليها ببضع صور شخصية، وراقها، على ما يبدو، شكله بحسب وصف صديقتها لملامحه. وشاءت ايضاً ان تشغل مخيلته بها وحدها. وذكرت في اسفل إيميلها بخط صغير مختلف عن السطور اعلاه، انها تتنظر في البيت جارتها التي ستزيّن شجرة عيد الميلاد، وقد هيّأت علبة الشخوص والورق المرقّط وسائر المستلزمات. ومن وحي هذين السطرين الأخيرين، كتب صباح اليوم التالي:
"ليلة أمس كنتُ أنا وانت معاً.
لِمَ الاستغراب؟
كانت الرياح تعبث بستائر الشرفات وتفرك ظهور الشجر. فجأة أراك آتية مبتلّة بالمطر، تعرجين، قدمك مربوطة بقماش ابيض يستخدم عادة للكسور والرضوض. كنت تئنين من الوجع. واخبرتني أنك تعثّرت بالكرسي لدى تزيين شجرة الميلاد. لا أعرف أين جلسنا وأين كنا.
أتذكّر أني أخذتُ رجلك الملفوفة بالأربطة والقيتُها في حضني. وطلبتِ أن أدلّكها لعلّ ذلك يفيد. ففعلت بعدما حرّرتها مما يطوّقها.
في البدء، لم يراودني ذاك الشعور الذي يجتاح المرء لدى دنوّه الى هذا الحدّ من امرأة تنكأ إغفاءة شهوته.
حقاً، اذهلني جمال أصابع قدميك، الناعمة الفارهة، المطيّبة المطلية أظفارها بالأحمر الذي يجرّ الشيطان من قرنيه، ورحتُ أدلّكها بيدين ترتجفان من فرط الاشتهاء، وأتعمّد إمرار اصابعي عليها وفي ما بينها، ومعاينتها معاينة دقيقة متفحصة. فالمشهد مغر جدير بالمتابعة حتى الثمالة.

يا الهي، ما اجمل أصابعك. صدقاً بلا مداورة كانت كذلك.

وبعدما جيّشتْ أربعاً من حواسي، فلم أتمالك. أخفقت في لجم نفسي عن تقبيلها، إصبعاً بعد إصبع، متأمّلاً الشكل والحجم والأخاديد والتفاصيل الأخرى. كنت كالمذهول الذي وقع على شيء نفيس لم يتوقّع العثور عليه. ورحت أمصّ اصابعك، فُرادى مرّات، وخمساً خمساً مرّات، واثنتين اثنتين مرّات.
وجعلتُ لساني يقلّد أصابعي عندما احتضنتُ قدميك، فأخذتُ أمرره بين إصبع وأخرى حتى أتمّ زيارته للقنوات الثماني، وألعق هذه الاصبع او تلك لعقاً متواصلاً، على مهل تارة، وتارة ببعض الشره الذي يداني الالتهام. كنت ألعقها كمن يذوق شيئاً لم يذقه من قبل. مذاق غريب وشهيّ جعلني طائراً كأني على بساط الساحرة.
أما أنتِ في تلك الاثناء فكنت تتأوهين تأوّهات ليست متأتية من ألم إنما من شيء يموج باللواتي أوشكن أن يبلغن بوابة السماء من دون أن يبرحن مكانهن. ولم.
عند ذاك، استيقظتُ... ولا يزال هذا المقطع من الحلم قبالة عينَيّ، كأنه يأبى مغادرة شاشة مخيّلتي".
ردّتْ:
"أصبتَ. اصابع قدمي رائعة. هذا ما قالته قبل ايام، المتخصصة التي تتولّى مرة كل اسبوعين تقليم أظفارهما واظفار يديّ، ونشر الطلاء وبعض التدليك. إذ تقول امرأة كلاماً مثل هذا الكلام في امرأة أخرى، فهو شهادة قاطعة. استحلفك، الى كم امرأة ارسلت هذا الايميل؟ ومن انت ايها الغريب الذي ايقظ الشيطان فيّ، وجعل ليلي عابقاً بألذّ مؤانسة؟".

هي ايضاً أصابت، وما حدست به في محلّه، فقد اعتاد الياس البحري ارسال الايميل نفسه الى نساء اخريات. حتى انه انشأ، لدواع شخصية صرف، حسابين باسمَي امرأتين زوّدهما صوراً توحي انهما حقيقيان، وقد استلّها من مواقع بورنوغرافية، حذف منها عنوان الموقع واسم الفتاة بعدما لقّنته زميلة له في العمل طريقة التشذيب والقصّ او حذف ما قد يفضح زيفها. يبدأ عادة بإيميلات فرنسية او انكليزية. وحالما تتوطد العلاقة، يكتب بالعربية مدّعياً أنه اسرع في النقر على الحرف العربي منه على الحرف اللاتيني. وقد جازت هذه الذريعة على الغالبية. لم يكتف بحساب واحد، فأنشأ بضعة حسابات كي تكثر حظوظه، واختار اسماء صريحة عربية وايطالية وفرنسية، واسماء ذات طابع شعري من مثل "رجل الهواء" و"عابر سبيل"... فعل ذلك بعدما علّمته التجارب ان هذه الطريقة تتيح له مراسلة أكثر من امرأة، في الليلة الواحدة، على ان ينتظر الأجوبة بعد ساعات او في اليوم التالي، او على ابعد تقدير في الايام المقبلة. كثيراً ما خسر صداقات كان من الممكن ان تتطور وتفضي الى الغاية المتوخاة. لكن الحساب الواحد لا يبيح سوى اطلاق عدد معيّن من الرسائل. صحيح ان الموقع ينذر مرة ومرتين قبل إلغاء الحساب، لكن الياس كان ينسى نفسه ويسترسل في اطلاق الرسائل، مأخوذاً بالصور المغوية التي تظهر عبر خط عمودي على شاشته في لائحة الاصدقاء المتصلة بصفحة امرأة فاتنة ما، فيتعدّى الرقم المسموح به. وفجأة يتوقف الحساب، او عقب ساعات. فيشعر عندئذ بندم شديد، ويضطر الى تأسيس حساب آخر بغية متابعة الاتصال مع اللواتي كان يراسلهن من الحساب الملغى. فكاترين، السيدة العمياء، مثلاً، رافقت ثلاثة حسابات، وهو كان مصرّاً على إضافة اسمها الى لائحة أصدقائه في كل حساب جديد. كانت رسائلها مميزة، صريحة، خارجة على المألوف، تجلب الدفء الى ليله، والشهوات الى مخيلته، ويمنّي النفس بالنوم معها عمّا قريب. عندما أخبرته ذات رسالة انها فاقدة للبصر، وعمرها ناهز الأربعين، لم يصدّق. حسب انها تمتحنه لترى هل يستمر انجذابه اليها أم يلوذ بالفرار على غرار آخرين كثر. ظنّ انها تريد أن يحبّ رأسها أولاً قبل جسدها. داوم على الكتابة اليها وبدا حريصاً على ان لا يغيّر الاسلوب، مع انها ذكّرته في رسالة أخرى بفرنسية بالغة الاناقة: "ذهبتُ امس الى البحر، ترافقني المدلكة، وقد تعثّرتُ ووقعتُ ولم أصب بمكروه. جروح طفيفة في مرفقي آلمتني قليلا. لم تعتد المدلكة طريقة مشيي. ليس سهلاً ان تقود أعمى. فمثل هذا النوع من القيادة يحتاج الى تدرّب، فضلاً عن التيقّظ الدائم وبعض الصبر". حتى هذه الاشارة، قرأها الياس مناورةً يُراد منها معاودة امتحان قدرته على إكمال مراسلة امرأة عمياء تحتاج الى مساعدة متواصلة. فلم يعلّق على ما حدث ولو من قبيل إيهامها أنه صدّقها. وقد ظنّ انه يجاريها في لعبة الممازحة. اكتفى بإرفاق نص فرنسي بردّه تلقّاه قبل أيام من واحدة من اللواتي يراسلهن. يروي النص قصة أعمى دأب، والفصل فصل ربيع، على الوقوف في ساحة عامة مستعطياً، وعلى صدره تتدلى لافتة صغيرة مكتوب عليها "أنا أعمى. ساعدوني". صودف أن شاعراً مرّ بالمكان فأبدل بهذه اللافتة واحدة أخرى بعدما أقنعه بالتجربة. انهالت القروش على كيس الاعمى، وازدادت غلّته زيادة ليست في الحسبان. وعندما عاود الشاعر المرور عرفه الرجل من وقع خطواته، فسأله "ماذا كتبت في اللافتة الجديدة؟ واستلذ الجواب: "الربيع آتٍ، ولن أراه".

كانت كاترين صاحبة فكرة ارسال الايميل الواحد الى الـ"فايسبوك" والـ"هوتمايل" في الوقت نفسه. لعل وعسى. فإن تعذّر فتحه في الاول، ففي الامكان قراءته في الثاني. وقد عاتبها ذات مرة:
"قادتني المصادفة الى الـ"هوتمايل" الساعة الثانية عشرة ليلاً، ففوجئت برسالتك تشير اليَّ بالسبابة: تعالَ، إقرأني واكتب الردّ وإلا فسأقلق طمأنينتك. كالشاطر الذي تغنّي له نانسي عجرم، سمعت الكلمة وبدأت بالكتابة. علماً أنك انت طلعتِ بفكرة ضرورة المرور بالـ"فايس بوك" قبل الذهاب الى الـ"هوتمايل". غريب، تسنّين القانون وتكونين أول من يخرقه. كأنه لم يكن".

لم تكن تعلّق على جميع ما يرد في رسائله. كانت تنتقي المثير للجدل، والذي قد يتضمن ردّها عليه ما يستفزّه ويحرّضه على البوح. كتبتْ في إيميل مسهب عما فعلته في يومها الطويل، وختمته: "قرأت لي الطبّاخة أكثر من مرة النص الذي امتدحت فيه قدمَيّ. هل تصدّق انّي بتّ أتخيّلهما أكثر جمالاً؟ ليتك تراهما في الصيف عندما تكونان برونزيتين من فرط بسطهما تحت اشعة الشمس، ومطلية اظفارهما باللون الابيض".
ماهرة في العزف على الوتر الحساس، خصوصاً بعدما اصبحت على بيّنة من معظم استيهاماته. فلم يخلُ ايٌّ من ايميلاتها من ذكر قدميها "عندما كنت اجرب السكربينة في محل الأحذية ابدى البائع الشاب اعجاباً بأصابع قدمي" أو "كثيراً ما همست مرافقتي أن أحد المارّة لبث يحدّق الى قدميّ حتى تجاوزناه" او "أمضيت النهار في البيت حافية... قدماي تؤلمانني جراء انتعالي الكعب العالي طوال يوم أمس".
وهو دوماً على أهبة الاستجابة. لم يجرؤ على سؤالها ارسال صورة لقدميها مخافة أن تكشف انحيازه المضمر الى هذا الجزء من جسد المرأة. لم يعرف ان سرّه مُفتضح، والتستر غير مُجدٍ. لكنه في المقابل، كان يعرف ان عقلها يطير، وشهوتها تضطرم عندما يخبرها انه قرأ ايميلها هذا او ذاك، وملكه في أقصى العزّة، او داعبه بعد قراءة جملة معيّنة. داوم على اختلاق اخبار كهذه ما دامت موضع ترحيبها واستحسانها "انقر الآن على ازرار الكيبورد والمَني لا يزال على اصابعي". مثل هذه العبارة، يحثّ كاترين على شرب نصف قنينة ويسكي وعلى ملاعبة نفسها، أقله، مرّتين، بحسب اعترافها. توسّلت اليه بأعز ما لديه ان يصف لها ملكه في أوج الأبهة، والشعور الذي يساوره لدى ملامسة تاجه. لم ينزل على رغبتها ظنّاً ان التمنع يزيدها تحرّقاً. لكنه في أحد إيميلاته كتب:
"تصفّحتُ ألبوم صورك اليوم. ولعبت بي المخيلة لعبتها المغررة:
شَعرك الرائع استضيفه على صدري العاري. تمضي اصابعي تداعبه على وقع موسيقى هادئة، لا تكاد تُسمع. ألمسه وكأني غير مصدّق أنك تنامين، ههنا، واعبره خصلةً خصلةً من المنبت الى المنتهى. وأتفحّص الخصلة شعرة شعرة، ثم أشمّها. احاول ان اشمّ رائحتها الاصيلة. فأغرز انفي عميقاً في الغابة الجميلة لعلي ألتقط شيئاً من تلك الرائحة. وأمرر الخصلة بين شفتَيّ، واتذوقها.
انا الذي قد يبقى بلا طعام يومين واكثر إنْ عثر على شعرة في صحنه، يمسّد شعرك بلسانه، يلحسه، يتأمّله، ملياً يتأمّله، كأنه يراه للمرة الأخيرة. آخذ خصلة وأداعب بها وجهي وعنقي، ودوماً أشمّها لدى مرورها من هنا الى هناك. أشمّها وانظر اليك، وأنت مسترخية على صدري. الآن أيضاً، يشرئب المَلك، مَلكي، على فحيح أنفاسك، وعلى حفيف شَعرك بين أصابعي. ويرفض الاستكانة، فاستلّه، صلباً، حاراً، ممتلئاً غروراً، كأنه الملك الوحيد على هذه الأرض، أو كأنه مالكها ومَلكها الأوحد، وانتِ في غفلة عما يجري لي وله. فألفّه بخصلة، أروح بها أغنّجه صعوداً وهبوطاً، ببطء أغنّجه كي تعلو لذتّه رويداً رويداً، واستقدم باليد الثانية خصلةً اضافيةً اجعلها تلاعب رأسه الأحمر الذي يزداد تصلّباً وعصياناً متى تمادت الخصلتان في غيّهما المستحب والمشتهى. وانتِ بحدسك الخبيث تتابعين المشهد، تتابعينه وتذرف مملكتك ماء صامتاً، وتوهمينني أنك غافلة".

هالها جنوح مخيلته الى أمكنة لم يسبق ان خطرت لها هي التي تزعم انها "سندبادة" معاصرة زارت انحاء كثيرة من العالم، ولم تترك بلداً يعتب عليها، وعاشت مغامرات وافرة برغم انها متزوجة وتحبّ زوجها. وقد تزوجته بعد قصة عاصفة لم يحل دون بلوغها الخاتمة السعيدة الفرقُ في العمر، وهو فرق حثّ أهلها على التدخل بغية توعيتها وتعداد الصعاب المتوقعة في المقبل من أيامها. لكن للحب كانت الكلمة الأخيرة، وتزوجت. وبعد عامين رزقت بنتاً هي الآن تدرس الطب في إحدى جامعات بريطانيا. ذكرت في ايميل كتبته في مستهل تعارفهما: "اعترف اني نمت مع رجال كثر. فعلت ذلك ارضاء لجسدي الذي سنة فسنة يخسر بعض الجاذبية. وأبغي أن أفيد من شبابي على قدر المتاح. لكن ما أحببت أحداً سوى زوجي. ولمزيد من المعلومات، فالى الآن، أغفو ممسكةً بطرف سترة بيجامته".

سمّت ذلك الايميل "الملك المجنون"، وقد درجت على عنونة الرسائل تسهيلاً للعودة اليها بعدما ناهز عددها الخمسين، من دون احتساب الرسائل القصيرة الخاطفة. وعقب قراءته مليّاً، كتبت: "أذهلني هذا الفانتازم. يا لك من فاسق شهواني. تأسرني مخيلتك الماجنة. هل طبّقته مع إحداهن أم طرأ على فكرك في خلال تراسلنا؟ تنتظر أن ابادلك بالمثل. لن اخذلك. لكني أحتفظ بأكثر فانتازماتي جنوناً الى موعد لقائنا. من يدري، قد نلتقي. في هذه اللحظات تحديداً، لديَّ رغبة حارة في تخيّل ملكك في عزّ المهابة عقب توغّله في كأس الويسكي. رجاء، لا تصفه. تجنّب الكلام على حجمه ولونه وسائر سماته. دعني اكتشفه. فالاكتشاف هوايتي ايضاً. أحبّ المفاجآت ايّاً يكن نوعها. أعرف انك تخبئ لي منها الكثير. ارسل إليَّ فانتازماً جديداً لعله يثيرني ويصعد بي الى السماء السابعة قبل الذهاب الى السرير. فأنا اليوم تعبة واريد ان انام نوماً عميقاً. أأُذكّرك مجدداً أنّي أحبّ التفاصيل لدى الوصف؟".
ذكّر مشهد كأس الويسكي الياس البحري بستيفاني التي راسلها طويلاً باسم تاجر مجوهرات اسباني. وقد اخبرته في غضون تبادل بعض الاعترافات الحميمة، أن اصابع قدمَي الرجل توقظ شهوتها، وتغمسها بالويسكي وتمصّها تماماً كطريقة كاترين في المص. وأفصحت أن الرجل الذي تصاحبه اليوم لا يتمتع بقدمين جميلتين. وتتخيل عندما تكون معه في الفراش، اصابع قدمي المغنّي الوسيم الذي يظهر في الكليب حافياً، كي تحصل على الرعشة. وردّد في قرارته "وللناس في ما يعشقون مذاهب" عندما باحت بإنكليزية مرتبكة: "مصّ الاصبع الكبيرة للقدم ألذ عندي من مصّ قطعة اللحم المدلاة بين فخذي الرجل".
شاء ان يبتكر فانتازماً لم يسبقه اليه أحد كي يلهب مخيلة كاترين وجسدها. زار مواقع ايروتيكية على شبكة الانترنت وقرأ نصوصاً وقصائد ولم يظفر بالمبتغى، فاعتذر متذرعاً بأن الفانتازمات، كي تحتفظ بمفعولها المهيّج، يجب ان تلبث في العالم الداخلي للمرء. وكتب: "تخيّلي: انت مستلقية على ظهرك، أجيء واقفاً من ناحية رأسك. ترفعين قدميك نحوي. وفيما انا أمص أصابع قدميك، تتولين أنت أحبّ المهمات الى لسانك وفمك. إذّاك، يطيب لي نشر ثلجي الساخن على نهديك السخيين بحسب وصفك الذكي لهما. وأتخيّل فمك يتلقف النقاط المتبقية بعدما جلبتْ اليه اصابعك مجمل ما هطل في رحاب صدرك".
وذات ليلة، استعجلت مواعدته عقب بلوغها قرابة الأولى فجراً ايميله:

"فيما تتذكّرين نص "مديح القدمين" في العتمة الدافئة، تخيّلت أن يدك رفعت طرف البيجاما من جهة البطن، وتسللت ببطء من تحت الكيلوت، واستراحت بين فخذيك، وراحت تضغط مكمن لذّتك، ثم بإصبع منها، تداعب ذلك الرأس الصغير الملتصق بالمكمن، والذي سرعان ما بدأ يكبر ويقسو. في الأثناء، رحتِ تحكّين فخذاً بأخرى. وعلى ايقاع المشاهد المتسلسلة، تمضي يدك مترجمةً ما يستثير خيالك، بحركات تجعل لذّتك تعلو وتعلو، واصابعك الجميلة تبتلّ بمائك المحيي، بمائك الذي يسيل قليلاً الى المجرى المنحدر من وادي الشفاه الاربع المبتلة هي أيضاً. وها الصور بدأت تزعزع هدوء جسدك، ويدك الممسكة بالاوراق تسترخي على طرف الاريكة، وتسترسل الأخرى المبللة في مناداة شهوتك القصوى، ذاهبة وآتية على ايقاع متكرر يرافق خفقات صدرك ولهاث أنفاسك، ولا يستكين إلا لدى بلوغك اعالي القمة، فتعودين مترنّحة الى دنياك المعتمة وتنامين نوماً عميقاً. مهلاً، لا تغسلي أصابعك المبتلة بماء لذّتك، دعيني ألعقه عنها، فأنا عطش جداً".

كالعادة، ترك في اسفل الايميل بخط رفيع "قبلة أزرعها على رؤوس أصابعك كي تحظى بالنعمة المباركة متى زارت يدك باب المملكة".
كانت كاترين تستعين بالطبّاخة التي تزورها ثلاث مرّات في الاسبوع، لقراءة الايميلات. وتملي عليها الردود. واحياناً، تطلب ذلك من صديقاتها. وإذ شعرتْ ان القراءة وكتابة الردود غدتا عبئاً عليها أخبرته: "ليس بمقدوري تكملة هذا التواصل الرائع. كلما شئتُ قراءة رسائلك والكتابة اليك استعنت بإحدى الصديقات. وهنّ لا يلبّين حاجتي سريعاً، وانا اتحرّق لمعرفة رأيك في مسألة ما، او جوابك عن احد اسئلتي. ابغي وقف هذا العذاب اليومي على أمل ان تجد امرأة اخرى تضيء ليلك بألف حكاية وحكاية".
بعد هذه الرسالة، وُجِب البحث عن حلّ. فارتأى ان يتحادثا هاتفياً، وافقت وبعثت برقم هاتفها اليه. كرّت المكالمات على مدى ثلاث ليال. في بحر المكالمة الاخيرة، سألها أين تجلسين وماذا تفعلين؟ أجابت "في غرفة الجلوس، أسمع موسيقى واشرب كأساً. أعرف الى أين تريد الوصول. لا، لا أداعب نفسي مع اني مهتاجة. انتظر لسانك كي يقوم بالمهمة. لستُ من النساء اللواتي يهتجن لدى سماع صوت رجل. تعالَ".
فقال "نصف ساعة وافتحي الباب. هل اجلب شيئاً معيناً؟".
ضحكت ومازحته: "لسانك"

جورج يرق

النهار الثقافي
26 -12-2009

أعلى