لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة
Poets | Southbank Centre
جهة الأسبوع



















































 

مَحْضُ شَرَابٍ

صلاح بوسريف
(المغرب)

لاَ صَحْوَ بَعَدَ اليَوْم.

صلاح بوسريففي مَا تَبَقَّى مِنَ النَّهَارِ،
لاَ أَذْكُرُ المِسَاحَةَ المُتَاحَةَ لِي لِأَعْبُرَ الجِسْرَ دُونَ خَسَاراتٍ،
رَأَيْتُ، أَنْ أَسْتَبِيحَ الفَراغَ، وأدْرَعَ الشَّارِعَ، كَأَنَّنِي خَرَجْتُ لِتَوِّيَ مِنْ مَاءٍ ثَقِيلٍ.
لاَ مَكَانَ لِعَابِرٍ غَيْرِي
الحَانَاتُ كُلُّها كانَتْ فارغَةً
لاَ صَحْوَ بَعْدَ اليَوْمِ.

مَنْ شَرِبَ الكَأْسَ الأخيرةَ، قَبْلَ أنْ يَفْرَغَ الشَّارعُ مِنَ المَارَّةِ؟
لاَ أحَدَ يَذْكُرُ العابِرَ الأخيرَ
لَسْتُ أَنا، عَلى أيِّ حالٍ.

لَوَّحَ لِي شَخْصٌ مِنْ سَطْحِ عِمَارَةٍ نَائِيَةٍ
لَمْ أَسْمَعْ صَوْتَهُ
يَدُهُ، بَدَتْ كَما لَوْ أَنَّها مَشْدُودَةٌ بِحَبْلٍ قَديمٍ
شَرِبْتُ كَثِيراً، في مَا يَبْدو !
هَذِهِ لَيْسَتْ يَدٌ
إنَّها مِرْوَحَةُ طِفْلٍ نَسِيَ أَنْ يَرْبِطَها قَبْلَ أنْ يَتْرُكَ السَّطْحَ.

لاَ أَعْرِفُ
هَلْ ما رَأَيْتُهُ عِمَارَةً، حَقّاً
أَمْ أَنَّ الكَأْسَ الأخيرَةَ لَعِبَتْ بِرَأْسِي، فَبَدَا السَّطْحُ ذِرْوَةَ الشَّرَابِ، واليَدُ، حَبْلَ غَسِيلٍ، عُلِّقَتْ عَلَيْهِ ثِيابُ جُنُودٍ، عَادُوا لِتَوِّهِم مِنَ الحَانَةِ.

في المَقْطَعِ الأخِيرِ مِنَ الأُغْنِيَةِ
كَانَتِ المَرْأَةُ تُوشِكُ أَنْ تُفْرِغَ كَأْسَها
المُغَنِّيُّ كَانَ أَعْمَى
لَمْ يَتْرُكَ الصَّوْتَ يَسِيرُ بِوَتِيرَةِ اللَّحْنَ

أَدْرَكَتِ المَرْأَةُ أنَّها نَاشِزٌ، وَأَنَّ المُغَنِّيَ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ في الغِنَاءِ
نَسِيَ أنْ يُغْلِقَ النَّافِذَةَ، لِأَنَّ الضَّوْءَ هُوَ مَصْدَرُ النَّشَازِ.

لَيْسَ في الشَّارِعِ مَارَّةٌ
الوَقْتُ مُتَأَخِّرٌ
وَحْدَهُم السُّكَارَى يَبْحَثُونَ عَنْ نَاقِلَةِ جُنْدٍ
كَانتْ وَضَعَتْهُم هُنا، قَبْلَ أَنْ تُغْلِقَ البُيُوتُ نَوافِذَها.

كَأْسٌ أخِيرَةٌ، ثُمَّ نُغَادِرُ.
لاَ أَحَدَ غَادَرَ الحَانَةَ، إلاَّ بَعْدَ أَنْ شَرِبَ الفَجْرُ مَا بَقِيَ مِنْ ظَلاَمٍ.

شَرِبَ كَثِيراً
وَقَبْلَ أنْ يُغَادِرَ الحَانَةَ، سَأَلَ النَّادِلَ عَنْ مَوْقِف الحَافِلَةِ.

المَرْأَةُ الَّتِي فِي فِرَاشِهِ
لَيْسَتْ هِيَ المَرْأَةُ الَّتِي كانتْ مَعَهُ في الحَانَةِ.

في الحَانَةِ
كَانَ إذَا أَحَسَّ بالمَلَلِ
اكْتَفَى بالبُكَاءِ، قَبْلَ أنْ يَشْرَبَ آخِرَ ما تَبَقَّى في الكَأْسِ.

يَجْلِسُ وَحِيداً في زَاوِيَةِ مُعْتِمَةٍ
لَيْسَ ثَمَّة كُرْسِيّ غَيْر ما يَجْلِسُ عَلَيْهِ
وَطَاولَة
لاتَسَعُ أَكْثَرَ مِنْ شَخْصٍ.

حِينَ تَرُوقُ لَهُ عُزْلَتُهُ
يَطْلُبُ خَمْرَةً لِلآخَرِينَ.

مَرَّةً
دَارَ الكَلامُ عَنِ الثَّوْرَةِ الشَّعْبِيَةِ
عَن الاشْتِرَاكِيَةِ، وعَنْ دِكْتَاتُورِيَةِ البرُوليتارْيا
.................................
.................................
شَرِبَ مَا بَقِيَ في الكَأْسِ، وقالَ:
" قَرَأْتُ رَأْسَ المَالِ وَلَمْ أَفْهَمْهُ ".

ـ لِمَ لاَ نُغَيِّرِ الحَانَةَ؟
ـ وَلِمَ لاَ نُغَيِّرُ الشَّرَابَ؟

قَالَ آخَرُ.

ـ المُشْكِلَةُ لَيْسَتْ في الحَانَةِ وَلاَ في الشَّرَابِ
المُشْكِلَةُ في أُفُقِ النَّظَر.
عَلَّقَ النَّادِلُ.

ـ لاَ رَغْبَةَ لِي في الشَّرَابِ اليَوْمَ
سَأَكْتَفِي بالذَّهَابِ إلى الحَانَةِ فَقَط.
..................................
..................................
كُلُّهُم غَادَرُوا الحَانَةَ
وَهُوَ وَحْدَهُ بَقِيَ يَنْتَظِرُ سَيَّارَةَ أُجْرَةٍ.

حِينَ ذَكَّرَهُ صَدِيقٌ قَدِيمٌ بِأَيَّامِ النِّضَالِ في الجَامِعَةِ
قَلَبَ الطَاولَةَ، وغَادَرَ الحَانَةَ، دونَ شَرَابٍ.

ـ " ما العَمَلُ " إِذَنْ ؟
سَأَلَ شَخْصٌ آخَرَ
قَالَ هُوَ مُخَاطِباً نَفْسَهُ:
ـ هَذا هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي قَادَنِي إلى الحَانَةِ.

مقطع من نص طويل، قَيْدَ الكتابة، يستوحي أفق الثورات الجارية
مُسْتَعيداً يوتوبيا ثوراتٍ بقيت محض شَرَابٍ.

أعلى