" لكن هناك سبباً، يجعلُ وجود النقد ضروياً هو أن النقد قادر على الكلام
بينما الفنون كلها خرساء".
نورثروب فراي
... وردةُ المُهاجر و السيدة من مدينة دراوير
أعالجُ الغياب بحضورٍ مبكر ،
فالعاشق يحبو ، يتهجى الغياب برسائل ملتهبة ،
وبالخيالِ يتهجى يومه مثل فوهةِ كهف تتكهنُ العالم .
لا تخف أيها العاشق وامض ،
فالعشق ، أولادٌ صغار لا يكبرون
وفي كل حادثة عشق ،
يضيء العالم مغاورَهُ بفناراتٍ ، بعدد قصائد العالم .
كيف أتهجى يومي
لأنُجزَ فناراً يهتدي به الحالمون بماض مُزهر ،
مَنْ علّمني يومي ؟
قد بَصَمتُ على جمهرة الأحلام منذ الصغر ، أنا العاشق .
هنا أو هناك ، خلف الحصون أو خلفَ أهداب الحياة ، لا أبحثُ عن شيء . خطوتي في الظلام مضيئة . لها هاجسٌ بعيد ، ونهارٌ قصيٌّ . لها همهماتٌ ، تتوالد وتملأ محابر الموتى . ونحن عجائز العصر نصطادُ خطى العابرينَ بالكلام . الشتاءُ يعرضُ ثمارَهُ كل خريف و تزدهرُ رمادية الفلسفة . وفي كل ليلة صيف متأخر ، ينبعثُ الشاعر من مواقد أشباحه . النظرية في كل أحوالنا رمادية . أعرف هذا . لكني أسألُ إن كانت بعض قصائدنا خضراء.
كنتُ اتفقتُ مع الخريف نيابة عن الشجر ، وأذنتُ للغروب أن يبات الليل في بستان النخل .
أرى وأغيب ، وأعالجُ الغياب بقيامة .
لستُ مديناً لأحدٍ بشيء . فقط لتعرف أيّها الغدْ ، يا عائلة الماضي .
***
كل شيء يبحرُ بالذكاء ويبات على طويته . علي أن لا أنام . أنا ليلةُ صيفٍ متأخر ، أنا حُمى دراويش .
ـ عليَّ أن أدقَ على الأبواب .
كانت ليلةَ صيفٍ متأخرٍ في دراوير ، المدينة الساحلية ، وكنت مع صاحبي توبياس . طرقنا أبواباً وسألنا الساكنين ، إن كان عندهم فائضاً من ورد .
جمعنا ما جمعنا ، وبدأنا نسير في أزقة وساحات ، نوزعُ الوردَ على النساء ونتمنى لهنّ ليلة هانئة . قلنا لهنّ :
ـ ليلة هانئة يا ربات الخلق ، أما نحن فسوف ننام على رماد المواقدِ ، علّنا نُبعَثُ أبداً أو نتوارى في النوم .
ـ دعونا ننام أيها الأصدقاء ، في النوم لنا أرشيف العالم ، حلم الكائن و نجمة البدوي .
لسببٍ لم أدركهُ ، خبأتُ وردةً في جيبي ، وقلت لنفسي ممازحا :
ـ انتَ كذلك أنثى ورب صعاليكَ و رغبات في أمسياتك ، هذه الوردة لك .
لكن ، وفي مقهىً عند الشاطيء ، قابلتُ سيدةً في الأربعين . ونظرنا إلى بعضنا البعض وكأننا أصدقاء قُدامى :
ـ خبّأتُ لكِ هذه الوردة .. هتفتُ صوبها !
ـ هل هذا أنت الذي أنتظرُ منذ أول المساء ؟ .. بادرتني بلهفةٍ غير معهودة ، بالسؤال ، وراحت تقصَّ علينا ، توبياس وأنا ، كيف أنها وزوجها قد أبحرا في قاربهم حتى أول المساء .
في الظهيرة ، وهمُ في البحر ، هاجمتها إغفاءة موجزة . حلمَتْ بأنّ والدها المتوفى ، قد كان معهم على متن القارب ، ليخبرها : قد أرسلت لك بهدية مع مهاجر .
قد اعطيته مواصفات لهفتك ، وسوف تحصلين عليها خلال هذا المساء .
سورين، سورين .
بغضبٍ صاحَ ، كأنما إثرَ صاحبه :
ـ سورين ، سورين ، أجبني بحق الجحيم ، يا سورين !
وبنوعٍ من توسلٍ وصلاة :
ـ سورين ، سورين ، أجبني بحق الرب ، يا غائط ، يا سورين !
سألتُ صاحبهُ أن يردّ على توسلات هذا المسكين ، لكن صاحبهُ بادرني :
ـ كان بودي يا صهري ، لكن اسمي توماس ، هذا الذي يزعقُ وينادي هو ذاته سورين . ماذا تريدني ان أفعل ؟
سورين يدقّ ، يدقّ بقوة مريرة على أبوابهِ وما من أحدٍ يسكنُ مغاوره ، ليجيب !
أن تكتب قصيدة
المقبرة تحفزُ على موتٍ حيوي !
لهذا وذاك ، يجلس باسم الأنصار هناك . عند قبرٍ مجهولٍ ، تنبعثُ منه رائحة تبغ وعقاقير .
يتفحصُ مسرح كيركجورد المحترق ، بقايا كراسي محطمة ، نتفاً من ذعر الجمهور ، ونياشينَ من حقائب الزمن .
ـ مسرح الوجود يحترق بعد انتهاء كل عرض يا أخي ! .. بادرني باسم .
ـ ما الجديد في الأمر ؟ .. قلتُ .
ـ لا أبحثُ عن جديد السؤال ، ما القديمُ في الأمر ؟ .. تسائلَ بنوعٍ من صلاة ، ثم أكمل :
ـ دعنا من كل هذا ، لِمَ لمْ يسلم أي وجود بشري من الحريق بعد انتهاء العرض ؟
ـ لا أدري .. أجبت باسم ، لكن الذي أدركهُ الآن حماستك ، لا أدري .. انظر ، فالسماء صافية .. هل إفترستَ حَمائمَ المقبرة ؟
قد سَلِمَ أحدنا بعد عرض غابر يا صديقي ، وفرّ من بشريتهِ وصاحبَ الحيوان . هذا ما كانهُ أنكيدو . لكن حضارتنا أرسلت بطلبه ،
ليحضروه مكبّلاً كمسيح . و لربما سيرسلون بطلبك ، فحاذر يا أخي ، أنتَ تصاحبُ الموتى ، والحشائش الصغيرة والحمائم ، إحذر ، فالحشائش حيوان .
وبعد أن أكملتُ كلامي ، طلبت من باسم أن يلحق بنا إلى الكونسرت في الثامنة مساءً .
صمتٌ عميمٌ بيننا .
كنتُ بصحبة أيمن أبو الهيجا ، نحضرُ كونسرتاً لموسيقى الراب جاز ، حيث وقفنا حول وبالقرب من بنتٍ صيفيةٍ ،
وكانت فكرة أيمن ، أن نتنشّق بين الحين والآخر لزخّاتِ عطرٍ من نهديها عندما تُصفق .
اتصل باسم بي ، بعد منتصف الليل وطلبَ مني المساعدة :
_ أخذتني سهوةٌ وغفوت ، الوقت متأخر وبوابات المقبرة مغلقة . قد مللت النّط من على الأسيجة ، تعالوا ، خراء بكيركجورد !
_ دعنا نتقابل عند سياج المقبرة من جهة الكابيل فاي ، فهو أهدأ . سآتي إليك ومعي سُلّماً من المقهى ، لا تقلق ..
_ أنا قريب من جهة شارع النيروبرو ، هل التقيكَ هناك ؟ ..
_ لا ، شارع النيروبرو مكتظ ، ولا أرغب في أن يلقوا القبض عليّ بتهمة تهريب جثة !
_ وحدتك يا باسم في المقبرة مع مسرح كيركجورد ، لن تقرضك سيجارة وكبريته بعد انتصاف الليل .. بادرته بقولي هذا عندما شكرني والسُلّم محمولاً على كتفينا كرجال إطفاء مخمورين .
***
القصيدة ورقة وقلم خلال كامل التاريخ البشري .
أنت شاعر عندما تكتب .
أنت شاعر عندما تقرأ ما كتبت .
بين كل هذا وأن تُقرأ من الآخر ، ثمة عصور من الإساءة .
عليكَ ان تموت في أروقة الدورة الدموية للقصيدة كي ترى الرب .
وفي رصيف كل قصيدة مكتوبة تختفي فلعة من روح الشاعر .
الفوتوشوب لديه عرض خاص :
أربعة صور هوية ، وأُحجية ـ اختيار مفتوح ـ خلال أربعة دقائق وبخمسين !
على الرغم من رخص العرض وحرية اختيار الأُحجية لكلٍ منا كخلفيةٍ للصورة ، فإن البدو لا يحفلون بكل هذا العرض . البدويّ يتوجّس من التصوير و يسميّه" العَكِسْ" مثلما يتوجّس النحل من وردة البلاستيك . يرتأون ، أن مع كل صورة تختفي فلعة من أرواحهم . سكان استراليا الأصليون يعتقدون بذات الشيء .. على الأقل هذا ما قالته الممثلة الأسترالية كييرا نايتلي ، لذلك فهي وبرغم مهنة التمثيل تحاول أن تكون شخصاً آخرَ عندما يقترب المصورون منها .
ثمة روح قديم للعالم ، أقرب ما تكون توأمية ، حتى انني وكلما سمعت غناء مسعودة العمارتلي ، هتفت : الله يا بيلي هوليداي .
القلم والورقة يمكن في حالات عقم الكتابة ان تُستخدم للفافة حشيش بعد منتصف الليل :
ـ عبقرية ساشعة .. يقول الإنحنائي كلاوس ، لكن اللفافة لا تشتعل ، أوه، يا للجحيم ، نسيت ان أزيل القلم . هل لكَ بسحبة الآن . وفي حالات عقم الكتابة ، بإمكانك ان تضع الورقة على الإسفلت و ترسمُ بالقلم حوّاف قدميك . ارفعها نحو الضوء كفيلم أشعة ، لترى إلى خارطة الجروح المبهمة في وجهك . من يدري ، ربما في روحك . الوجه ، سبورة الله والطبيعة ، وهما يتمرنان أبدياً على تشريح الحكمة .
***
في وقت متأخر بعد منتصف الليل ، يبادرك الناقد مترنحاً :
ـ على النص ، هِق ، عفواً ، هِق ، أن يكون كبيراً وخطيراً !
ـ يؤسفني ، ليس لديّ هكذا نص ، أنا سُحاقيةٌ ! .. أجبته .
***
رسالة أس أم أس من زير النساء الأيرلندي وورن : هاي رهمن ، ليس على القصيدة ان تعني شيئاً ، لكن عليها ان تبقى . أنا في حانة لويزا الداخلية ، أعالج قضية بشرية شائكة . مع الود . وورن .
ـ وورن داخل لويزا ! على الرغم من مهماته المُلحةِ الآنَ ، إلاّ أنه يفكر في الشعر .. تمتمتُ مبتسماً مع نفسي .
ان تكتب قصيدة ، يعني أن تهاجم بصحوٍ تام ، لغةً بلحيةٍ كثّة .
ان تكتب قصيدة ، يعني أن تهاجم بصحوٍ تام ، لغةً في حالةٍ ثملة .
العجوز الخرفة إيديث من ساحة البلوكورد ، قصيدة كبيرة و خطيرة . وجهها خال من أي انطباع ، مزدحم كما سبورة حساب الطلبات في المقهى . لا هي بالسعيدة و لا هي بالحزينة . لديها عربة سوبرماركت مليئة بأغراضها وبيتها العربة . تستيقظ في الساحة و تنام في الساحة . هذه العجوز لا تشعر بشيء و لا تتعب . لا تعرف ان كانت حيّةً أم ميته . انها حيّة ، حين ينظر الأحياء إليها ، و يصفق لها الموتى على أنها ممثلتهم الوحيدة في الحياة .
العجوز إيديث قصيدة كبيرة ، ينطبق عليها شرط الأيرلندي وورن ، لا تعني شيئاً وباقية .
***
في عام 1710 حاصر النرويجيون مشارف قلعة البلوكورد من جهة الفيلَد فاي الحالي ، و قد هرب الكثير من حاشية الملك انذاك ومنهم سيدة كانت تتذوّق نبيذ الملك قبل ان يحتسيه . قد هربت لأن مهمتها عصية ، ان تتذوق وفي كل جرعة ، موت محتمل ، وعليها ان لا تسكر لطالما الملك لا ينام . العجوز الخرفة إيديث هذه ، هي السيدة الهاربة ، تتوسّد ارض الساحة تحت كل الفصول و لثلاثة قرون خلت ، كنوبة حنين ونشأة . مثلما شاهدة القبر ، مدببّة نحو السماء ، كزقورة وكنوبة حنين ونشأة .
ومرة أخرى ، إن كانت الحروب ، هي الحنين لماضي الأجداد العنيف المتوحش و نشأتهم ، هل القصيدة حنيننا نحو روح العالم القديم التوأم ؟ آنذاك حين العاشق الصغير يحبو ، ينصتُ طويلاً ولا ينبسُ ببنت شفة ، كما فوهة كهفٍ تتكهن العالم .
* المقطع الأول من نص بثلاث مقاطع