لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



















































 

الأربعون

(قصيدتان)

رشا عمران
(سوريا)

الدمعة

رشا عمرانلم يخبرني أحد
وأنا أجمع ذراتي الصغيرة
أن صفائي الذي لا لبس فيه
مجرد فضيحة لما تتخفى وراءه الرغبات

لم أكن أعرف و أنا أحفر بصمت النمل طرقاتي الضيقة
أنني ما ان أبدا بالمسير
ستتبعني شبيهاتي
وهن موقنات أن المسافة الى الضوء
محض انتحار
أو عبور صارخ
أو سقطة شاهقة

لم أنتبه أبدا
وأنا أنزع عن جزيئاتي قشور العتمة التي أسكنها
أن وقتي القليل
دليل الاشواك الى الوخز
ودليل االجرح إلى الملح
ودليل القسوة ضد برهانها
ودليل الحجر ضد صلابته

كثيرا ما رددت و انا اتكاثر في نفسي
أنني :
أنا الغياب في كل شيء
المطرودة من الفراغ الى حيث لا شيء يقطع استرسال فراغ آخر

كثيرا ما تساءلت وأنا أقف على عتبات الأحاسيس
من أنا؟؟!
لست أنا الشجرة لتسقط اوراقي
ولست العشب ليطأني أحد ما
ولست حتى الجدار لتعربش على خشونتي حشرات البرية

ومن أنا؟؟!
وأنا أقل من أن أرى
وأخف من أن يمسكني أحد

ومن أنا؟؟!
إذ لا لون لي ليهتدي بي التائهون
ولا رائحة لأجذب نحل الجبال
ولا كثافة بي لأشكل فارقا في الغيم

ومن أنا؟؟!
أولد في الحزن
وأختفي ولا يبالي بي أحد

أو أولد في أول الحب و في آخر الحب و في تلف القلوب
وأختفي ولا يبالي بي أحد

أولد في الألم وفي الفرح القليل
وأختفي ولا يبالي بي أحد

أولد بين أجفان الطفولة
ويشربني حنان الأمهات
وأختفي ولا يبالي بي أحد

املأ طرقات المقابر
وأبلل ورد الأضرحة
وأدل المعزين على الثكالى واليتامى والأرامل والعشيقات السريات
وأختفي ولا يبالي بي أحد

لكن سري في غيبتي
وسري في عودتي
وسري
أنني إذا ما عصيت أستفقد
وإذا ما تأخرت استحضرني هوس العشب في الارواح القاحلة
و سري
أنني إذا ما مررت
وهبت نقاء خواصي للطيبين
وكأي عابر فاتن
أمر ، أقيم قليلا ، أختفي
ولا أبالي
ان لم يبال بي أحد.

السيمفونية الناقصة

لم ينتبه أحد إلى وجودي
لم يصغ إلى انسياباتي أحد
لم يوقظني أحد من السبات الطويل الذي لفّني كما تلف كرة متداخلة
لم يهتد الحب الساكن في خلاياي إلى استمالة خطوات الصدى الواثقة
لم يتلقفني أحد كما لو كنت شهوة صاخبة
لم يعرف بي أحد
أربعون عاما وأنا مركونة كما تركن التمتمة في الأسواق الضاجة
لا الباعة يحررونني
ولا العابرون يدلهم توقهم إلي

أربعون عاما وأنا في المساحة بين خطوتين
أفكك أعضائي عني
وأخلع عن جسمي شبهة التشابه
وأرتب التناغم في خلاياي المتضادة

أربعون عاما وأنا حبيسة تردد الآخرين
أول ما بدوت
أطلقني شوبرت كرنين فكرة وغاب
ثم التقطني هوتنبرنر وقادني نحو مرآته كي أرى نفسي
وحين اكتفيت أعادني إلى سجني الطويل
إلى المساحة بين خطوتين
كيما أصبح أنا مرآتي
ولا أرى في نفسي غير نفسي

أربعون عاما ،
أتنقل في حركتين
تارة أدخل في ظلمة ليلي كبومة تائهة
وتارة أدخل في هذياني لأكشف من نفسي أكثر ما ينبغي:
غابات حزني
سواد روحي
ذلك الألم المبهم الذي بي
عذاباتي
وانتظاري ما يئست حدوثه !!
ولأنني أعرف عن نفسي ما لا يعرفه احد
ولأنني
أنتقل
في خطوتين واهيتين إلى نفسي
كي أنزع الليل عن أعضائي المتكاثرة
وأفرج ساقي كي أجذب كل ما يلمع من سحب الضوء حولي
ثم أتكور وأنفرد
وأتكور وأنفرد
قبل أن أطلق فراشات الفرح المتشبثة بي
وأنثر فوق المحتضرين
ورد الحياة !

أربعون عاما
وأنا أتدرب على خطواتي
وأعيد ذات الحدث
يوما وراء يوم
أهلكني أنني أنا من يصغي إلي
وأنني في كينونتي لست غير جزء مني
أهلكني الغبار ،
ذلك الغبار
رابطي الوحيد مع الزمن !

أربعون عاما
وأنا أنتقل بين حركتين اثنتين فقط
لكنني في انتقالي المتمهل
كنت أصوغ عوالم لم يعرفها أحد
وأكمل من نقصاني نفسي
كي اظهر ذات يوم كاملة
وحين بعد أربعين عاما ظهرت
وانجلت عني ظلالي القديمة
نفثت غضب السنين الكامن في عروقي
نفثت الشحوب العالق في غموضي
صرخت كما لو كنت الموت في قرية وادعة
ثم هدأت
وتهاديت
وحزنت
وفرحت
ثم فرجت ساقي أمامكم
كي تتناسل مني الحياة

أربعون عاما وأنا أحيا
خمسون عاما وأنا أحيا
مئة عام أحيا
مئات السنين سأحيا
لا الزمن يطفئ صوتي
ولا كتلته ستوقف تجددي في أذهانكم
لكنني سأبقى ناقصة
أتنقل إلى الأبد بين حركتين وحيدتين
وأشهر اكتمالكم بالموت.

المستقبل
السبت 28 آب 2010

أعلى