لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

قاسم حداد بصوته قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع























































 

سـامـر خيــرم

  • من مواليد الناصرة، عام 1971.
  • حصل على اللقب الأول في الأدب العربي والأدب المقارن.
  • عمل لمدة 10 سنوات محرراً ثقافياً في جريدة: الإتحاد، التي تصدر في حيفا.
  • يعمل مركّزاً لرعاية المواهب العربية في المراكز الجماهيرية.
  • محرر في جريدة: العين، التي تصدر في الناصرة.
  • تُرجم بعض شعره إلى اللغات الإنجليزية والإسبانية والألبانية.

صدر له:

  • أمشي على قلبي، شعر، 1987.
  • من كل جرح قطرة، شعر، 1989.
  • تقاسيم على عود الجرح، شعر،1991.
  • لم أولد لأموت، شعر، 1994.
    لن يعيش حياتي سواي، شعر، 1997.
  • المكان يغادرنا كالغيوم، شعر، 2000.
    أعود مثل غيمة إلى الشجر، شعر، 2001.

طالَ عيشُك يا مَوْت

أهدئي يا سماءُ قليلاً
لنخُرجَ في نزهةٍ
أو ليدخلَ بعضُ الهواءْ
الدخانُ الذي يتهيَّأُ كالغيمِ
هل فِيهِ ماءْ ؟
هل نُسقِّي أزيزَ المدافعِ رعداً ؟
ونارَ المدينةِ برقاً ؟
إذا ليسَ مِن مَطَرٍ
غير وَرْدِ الدِّماءْ.كم أريحا سيُحرقُها يوشَعٌ في أريحا ؟
وكم مرَّةً سنقولُ:
الحريقُ ضياءْ
والقبورُ
أسرَّةُ أَطفالنا الشُّهداء ؟.هل مضى ما مضى تحتَ لَيْلِكِ
أم أننا لم نكُنْ
غيرَ ما خطّهُ كاهنٌ بابِليٌّ
تخيَّلَ هذا الهباء ؟
هل تُشرِّدُنا كلماتُ العَبِيرِ القديمةِ
تمسَحُنا كالغُبارِ
وتزعُمُ أن المدائنَ أرضٌ عَراءْ ؟
أيَتُها الكلماتُ اللَّعينةُ
ليسَتْ دمائي دواةً
لكاهِنكِ المَيْتِ
كُوني غُصوناً بلا شَجَرٍ
وايْبَسي في الخَلا !.أهدئي يا سماءُ قليلاً
تحْتَ شمسِكِ
ما يستحقُّ إنتظارَ التُّرابِ طَويلاً
لَكِ مِنَّا البُخارُ
وَلكن دَعينا
نموجُ قليلاً
لَكِ منّا إصفرارُ الوُجوهِ
ولكن دعينا
لِنَخْضَرَّ فَوْقَ الغُصونِ قَليلاً
لَكِ نحنُ
اهْدَئي يا سماءُ قليلاً.آن يا موتُ
أن تترجَّلَ عن سرْجِ أكتافِنا
كُلَّ فَجْرٍ نُشيِّعُ صُبحاً إليكَ
ونقطفُ أثمارَنا فجَّةً
طالَ يا موتُ ظِلُّكَ فوقَ مصابيحِنا
فَلْتَدَعْنا نَعِشْ عُمرنا كامِلاً
ثُمَّ قد نتمنّاكَ حُفرةَ نُورْ.طالَ عيشُكَ يا مَوْتُ
في أرضِنا طالَ نابُكَ
أكثَرَ ممَّا على عَظْمِنا مِن لُحومٍ
وطالَ سرابُكَ
قُلْ:
إنَّكَ الغيْثُ لا نَستَغِيثْ
قُل لَنا لِنُصدِّقَ أنَّ البُذُورْ
بعثُها دفنُها
قُل لنا
وأنبعِثْ
قَمَراً في القُبورْ
قُل لنا نجمَةً في سوادِكَ
حتى نظلَّ نُزغردُ في زفَّةِ الشُّهداءِ
ولا نَكْتَرِثْ !.طالَ عيشُكَ يا موتُ
في أرضِنا
هل لَنا كالرّصاصةِ أن نَتَنَزَّهَ في الحَقْلِ
دونَ دَمٍ في الخُطى ؟
هل لنا أن نُطِلَّ على شارعٍ هادئٍ ؟
هل لنا أن نُزَوِّجَ أبناءَنا قبلَ تأْبينِهمْ ؟
هل لنا أن ننامَ كماءٍ زُلالٍ وننهضَ من جَدْوَلٍ دافئٍ ؟
هل لَنا أن نموتَ على مَهْلِنا آمنينَ بلا طَلْقةٍ في الجبينْ ؟
هل لنا أن نسيرَ ولا نَتَلَفَّتَ ذاتَ الرَّصاصِ وذاتَ الكَمينْ ؟
هل لَنا أن نُفَوِّتَ نشرةَ أخبارِ هذا الصَّباح ؟
طالَ عيشُكَ يا موتُ
طالَ نعيقُ السِّلاحْ !.سنُسمِّيكَ حقْلاً ونحفرُ أثلاَمنا
كُن رفيقاً بنا
حينَ نبذُرُ أجسامَنا فيكَ
يا مَوْتُ كُن في المناديلِ بَرْداً
كَفى
لا تَكُن
أنتَ أُمنيةً
لا تكُن أنتَ أَحْلامَنَا !. أهدئي يا سماءُ طويلاً
كأَحزانِنا بعدَ صَحْوِ الرَّحيلِ
سيَحْلُمُ جَدِّيَ بالفَجْرِ
دونَ مناقيرَ تَعْزِفُ نارَ العَويلِ
يقومُ إلى حَقْلِهِ
ويُعِدُّ زفافَ عَروُسَتِهِ الأرضِ
لِلْغَيْمِ قبلَ إحتفالِ الشِّتاء
أين قريتُهُ ؟
أين غيمتُهُ ؟
أين خطوتُهُ ؟
كيفَ ينهالُ صَخْرٌ كَرَمْلٍ
وتنهارُ شمسٌ كَرمْشٍ
وترحَلُ أرضٌ كغيمٍ
وَتَفْنى سَمَاء ؟
كيفَ تَخْلو القُرى من عَصافيرِها فجأَةً
لا نساءَ على العَيْنِ يحلبنَ ثَدْيَ الصُّخورِ
ولا صبيةٌ يلعبونَ
(هل أختبأُوا منذُ دهرٍ
وظلُّوا هُنا يلعبونَ ؟)
ولا بَيْدَرٌ
لتدورَ الحياةُ
ولا نسوةٌ عائداتٌ
بصيدِ الحَطَبْ
لا رجالٌ غَدَوْا ثُمَّ عادُوا
ونامُوا مَعَ الشّمسِ
أو سَهِرُوا كالشّهُبْ
لا حميرٌ
ولا ثَمَرٌ في السِّلالِ
ولا فَرْحَةٌ بالغِلالِ
ولا نَأْمةٌ
غير نَوْحِ الرِّياحِ
فيَا لَلْعَجَبْ
كيفَ تَخْلو القُرى مِن عَصافيرها فجأةً ؟
ولا يُبَلِّلُ قَطْرُ النَّدى
أَوْجُهَ النّائمينَ على أَسْطُحٍ مِن خَشَبْ ؟
هكذا
دُونَ أيِّ سَبَبْ
وتحطُّ الثِّمارُ على أرضِها
وَحْدَها
دونَ أيْدِي التَّعَبْ ؟
هكذا
دون أيّ سَبَبْ
وتصيرُ البيوتُ خِرَبْ ؟
هكذا
دونَ أيّ سَبَبْ !.أهدئي يا سماءُ
كأحْزانِنا
كم أريحا سيَحْرِقُها يوشَعٌ
فوقَ أكفانِنا ؟
كلُّ أرضٍ حَلَلْنا بِها
هَزَّها يوشَعٌ
وأراقَ تُرابَ النُّجومِ
وكلُّ سماءٍ حَلَلنْا بِها
رَجَّها يوشَعٌ بالدُّخانِ.اهْدَئي يا سماءْ
أَكَثيرٌ
عَلَيْنا
البَقَاءْ ؟.

أشخـاص

أحمدٌ
لاجئٌ من جبالْيا
يُعَلّمُهُ الموجُ حكمتَهُ كُلَّ يومْ
فيهُبُّ على رملِهِ
عَبَثاً
ليسَ في يدِهِ غيرُ دَمْ.عُمَرٌ
من رَفَحْ
كادِحٌ كالمياهْ على صخرةٍ
أمْسِ غادَرَ منزلَهُ كالسُّنونو
ليصطادَ بعضَ الفَرَحْ
للفراخِ
ولكِنَّهُ ما نَجَحْ
خلفَ سورِ النهارِ أنذَبَحْ.حَسَنٌ
طالِبٌ مُجْتَهِد
في حقبيتِهِ كُتُبٌ وحجارة.فاطمَةْ
وردةٌ تفَتّحتْ تحتَ شمس العذابْ
كانت الريحُ تعشَقُها
عِطرُها كان يسبُقها
لم تكُنْ لِتُفكّرَ أنّ الترابْ
سوفَ يسرقُهاآمنةْ
أمُّ فاطمةٍ.وائلٌ
منذُ قتْلِ أبيهِ يُرتِّبُ أسماكَهُ
فوق بسطتِهِ وينادي البَجَعْ
لم يَطُلْهُ من البحرِ
غيرُ الوَجَعْ .مالكٌ
طالبٌ يتعلَّمُ في بير زيت
لم يكُنْ جاهزاً لإمتحانِ الرياحِ الأخيرْ
عندما سَقَطَتْ قنبلة
فجأةً فوق غُصْنِ السَريرْ
فتناثرَ كالسُّنبُلة.مُنذِرٌ
يتفقَّدُ ـ في السجنِ ـ أشياءهُ
مُغمِضاً كالعصافيرعينَيْهِ
يُطفِئُ الكهرباءَ
يُقبِّلُ زوجتهُ السَّاهرَة
ويُحَلّقُ في غيمة الغرفةِ الماطرة
قَمَراً راجفاً
ويَحِنُّ إلى الناصرَة.سَوْسَنٌ
عندما خَرَجَتْ
لم تكُنْ في الطريق إلى المقبَرة.حَسَنٌ
(ويُسَمُّونَهُ حسَنَ الأعرجْ
منذُ أصبَحَ عُكّازُهُ رجلَهُ الثانية)
يَتَأمّلُ زيتونَةً قُلِعَتْ
ثُمَّ صارت على الزّاوية
حطَبَاً أخضراً.وَعَليُّ
الضَّريرْ
منذُ أن نَقَرَتْ وجهَهُ صليتانْ
صارَ يُبْصِرُ أكثرَ من قَبْل
عَتمةَ هذا الزَّمانْ.

***

سليم النفّار

  • من مواليد غزة، عام 1963.
  • درس الأدب العربي في جامعة تشرين السورية.
  • عضو اتحاد الكتّاب الفلسطينيين.

صدر له:

  • تداعيات على شرفة الماء، شعر، 1996.
  • سور لها، شعر، 1997.
  • بياض الأسئلة، شعر، 2000.
  • شرف على ذاك المطر، شعر، 2004.
  • هذا ما أعنيه، سيرة، 2004.

حصة الرّسم

لو نستريحُ
ماذا سيخسرُ كوننا غيرَ التعبْ ؟
ونظرتُ حوليَ في الفضاء الملتبسْ
فلربما سمع النداءَ
وردّ ليْ
قلقي سلاماً
لو نستريحُ
ـ أأجبتني...؟
وصرختُ من ناري إليهِ:
ـ قد غمَّس الأولاد خبزتهمْ
بدمعيَ وابتهالي
فهنا قلوب الناسِ
مثلَ الناسِ في كلّ الحقبْ
لا تبتغي حرباً
على الأقمار
والأزهارِ
ـ أسمعتني ؟!
قد قال لي طفلٌ يداني العاشرة:
ـ ها إنهم أخذوا أبي
ونظرتُ حوليَ ساهما
ـ ها إنهم...،...
أرأيتهم يا سيدي ؟
وتعبتُ مِنْ نظري
ومِنْ سفري
ومِنْ قلقي على الأيامِ
يا أمي تعبتُ.
هذي مباهجنا ـ متاعبنا ـ
يعضُ فراشها السفر.ُ
لو نستريحُ
لا لم تَعُدْ للصحو ذاكرةٌ
ولا للنومِ أمواجُ تؤوبُ
فرسي على الصحراءِ مصلوبٌ يُبَاحُ

وقبائلي
نطفٌ ملوّنة بريحِ العابرينْ.
ستون عاماً أو أقلُّ
ولربما ستونَ من وجعٍ
تزيدُ على الحساب ولا تضلُّ
فالوقتُ كلُّ الوقتِ مقتولٌ
وقاتلهُ على مهلٍ يفرّ.ُ
لو نستريحُ
فهنا على كانون ليلتنا الحزينةُ
ما زالتِ الجدّاتُ تحكي
عن لوعةِ الماضي
وأحلامٍ كسيرةْ
وتسافرُ الحسرات من قلبٍ إلى قلبٍ
لتفسّرَ الأحلامَ بالأحلامِ
إذ ضاقت بلادٌ في بلادي
وأنا الذي حفظ الحكاية
من منابعها على صِغرٍ
ضاقت بي الدنيا
فجنَّ الشّعرُ في رأسي
ورأسيَ لا تجافي
ستونَ عاماً أو أقلُّ.
تمضي أمانينا إلى خلجانها
والدربُ ظلّ.ُ
لو نستريحُ
الغائبونَ الحاضرونَ
قد أودعوا سرَّ اليفاعةِ في الأغاني
وتمنطقوا غيماً
لكي تصفو المعانيَ في المعاني
من يا ترى سيرى خطاهمْ
في عتمةِ وسعتْ فؤادي ؟.

في حصة الرسم
قد كان لي وقتٌ على شَرَفِ البياضِ
طفلٌ يلاعب ظلَّهُ يُملي على رملِ الشواطئ شكل بسمتِه
وميقات الكلامِ.
في حصة الرسم
كانت معلمتي تلوّنُ وقتنا
بخرائط الأوطانِ
أو بحكايةٍ عن فارسٍ
ركل الزمان بروحهِ
تحكي معلمتي...،...
وتنطُّ أفئدة المكان من المكانِ
لكلامها صورٌ
وأجنحةٌ تهشُّ بشوقنا
نَحْوَ السؤالِ عن السؤالِ
مَنْ ضيَّعَ الأوطانَ آنستي ؟.
غَابَتْ معلمتي
غابَ الرسمُ والحلمُ الجميلُ
وتعبتُ من سفريْ
وأسئلتي
ومن وجعي الذي...
في عمرهِ طولُ
مَنْ يا ترى سيرى خطاهم ؟
الغائبون ترمّلوا
وخَبَتْ مواقدهمْ
لأنَّ الدربَ واقفةٌ على غيماتهمْ
خلعوا الفضاءَ
وغيّروا رتمَ الزمانِ.
لو نستريحُ
ستطولُ رحلتنا على ذاتِ الطريقِ
لم نعتقدْ
أنَّ الطريقَ ستنكسرْ
لنؤوب مرّاتٍ على ذاتِ الرؤى
ـ من أوهمَ الأولاد بالدربِ البعيد ِ؟.
طريقُ غنائنا واضحْ
فَمَنْ يُعطي نشيدَ الحبّ
وقتاً للنشيدِ ؟
ومن سَيُدرّبُ الإيقاعَ
في فرحٍ وعيدِ ؟
لأقسم بالأُلى ذهبوا
وما ذهبوا
بأنَّ الله صاحٍ في نوافذنا
وهذي صرخةٌ حرّة
وصافيةٌ
كعينِ البحرِ في القاعِ البعيدِ
متفاعِلُنْ
"أو"
مُفَاعِلتُنْ / مُفاعِلتنْ
وعيلَ
ستختلطُ النّواةُ بهامشِ الإيقاعْ
يدورُ
على رحى فلكِ الغناءِ
خفيفُها حيناً
وحيناً قد يداهمها الثقيلُ
إذا لا ضيرَ
في مزج الأغانيَ
واللغاتِ
هنا تاريخنا مثلٌ
فمدّي للورى عيناً وهاتي
ويا أعداءنا
أهلاً.
بلا خوفٍ
بلا بحرٍ يَشقُّ
بلا أمٌّ
تلمُّ نحيبها ليلاً
لينفرطَ الصباحُ بها
أيا أعداءنا.. أهلاً.
بلا حَلُمٍ يُراقُ على نصالِ خُرافةٍ ثكلى
فهذي الأرضُ ليْ
حقبٌ على حقبِ
"وهذا البحرُ لي"
مُذْ هاجرتْ
فرقُ الشعوبِ
مِنْ قلقٍ
ومِنْ سغبِ
إذاً أهلاً
بلا صلفٍ.
على مهل
تَرَفقْ،
أيُّها الغازي
برمل الشطّ والأصدافِ
فإنَّ الوقت منقلبٌ
وأخشى لوعةٌ
مِنْ ظلميَ الخافيْ.

***

سميـة السوسي

  • من مواليد غزة، عام 1974.
  • حصلت على درجة البكالوريوس في التربية من جامعة الأزهر قسم لغة إنجليزية.
  • تعمل باحثة في الدائرة الاجتماعية بمركز التخطيط الفلسطيني بغزة.

صدر لها:

  • أول رشفة من صدر البحر، شعر، 1998.
  • أبـواب، شعر، 2003.

raama2000@hotmail.com

نـاي العتمـة

آية جسدك غربة الروح فيه
وروحك فيها يغترب الجسد
تنفرد بلحن اتساعه النغمة
سيرة للبياض يشق بها غبار النفس الباردة
صمته حنين
ورغبته روائح مكدسة منذ أول الخلق
لدهشته حلم راعٍ في بحارٍ أثلجت
هل يضج البحر من أبيضَ جديد ؟
كرغوة موج طائش يبلل بها عطش شاطئ بعيد
أو كملح أذابته جنية عشق بكاءً ولهفةً لأسود عتيق.

تألق البراءة يرصع تاج ليلة تكاسلت
ولم تشعل نارها إلى الصباح
لن يسوق الراعي سوى بياضٍ في رحم ليلته
كلاهما أوثق راحلته وأنتظر على جانب الطريق
ناي عتمة يرقب شغفهما
كم تلكأ ذاك الصباح ؟.

الأسود في تلك السهرة حزيناً كرغبة غرائبية بعناقٍ
مرّغ جناحه الطويل بالنوافذ، صرخته أعيت الريح
أحتواه الفَنَاء
حزيناً كما يليق بأسود
صامتاً بروح غادرها الشوق لجنيٍّ يوزِّع الفكرة
يحمل هديته
ملامحها نافرة
متوانياً
يبحث عن طريق الأبيض
لم تكلله رعشة
أرعبه فرحٌ ما في عيني قط رمادي
تجاوزه متفادياً بريق المواء
صار عبقاً برّياً
يشغل حيزا دائما في جدار اللعنة

من تلك التهليلة أدرك الغريب فكرته التي نضجت
في عناق الأبيضين
أخفاها في عباءته
لم يفهمها جيداً
وهي توارت بخجل
أبيضٌ قمريٌ يهرب من صفحة الحكاية إلى ربَّة العتمة
ناضج حتى عروق التعب
تفاحاته غادرن النبوءة
دم القبيلة لم يوشم بهن
تعطَّر ببرتقالي كأنه فَرِح
والبرتقالي في غربة اللوحة
أدهشه الهرب
غادر به
إلى مصعد وحيد.

العـارفـة

طرق نافذةٍ هشة
يصاحب نغمةً
تخربش جداريات الكلام
كائن الصباح يدرك جيداً
كيف يسرق النوم ببراعة قِطٍّ ؟
لا يترك مساحة للمزيد من الإختباء
ضوء ما
أحمر ربما
أو صباحي عنيد
يفتح عين الصبية على وقت لا يدركه ليل أو نهار
وقت غرائبي للعبث الجميل بثنايا النوم
المعلَّق بأجفان الكلمات
يضيف ما يلزم تماما.ً

يا العارفة بكِ:
أناديكِ صهيلاً في أجنحة الرقة
لنتم المشوار.

يا العارفة بي:
أضيئي شموع الحلاوة
لليلٍ يشتاق إلى رائحة التراب.

يا العارفة بهِ:
ضمّي إليكِ خوف الروح
لن يحتملَ برد الصباح
على كتفيه
شدي غطاءك أكثر
أغمريه
أغمريه
يفوح ملاكاً
وخاتم نور الليل
حين نربطه قليلاً بساقية الخرافة
يتأخر
هل يحتمل لقيانا ؟
لنتذوق بعضاً من تمر الحكاية
ولحنها الجنوبي.

يا العارفة بنا:
رحيمة أنتِ
بكل روح تشق بذرتها
لتكتمل.

بانـتظـار اللـهفـة

مزاجكِ ضبابي
أحيطكِ بي
ترفلين في بياضكِ
يغمرك اللون
ناعماً يسكب انحناءاته
يدّخرني مزاجكِ لطقس مكتمل.

أراودكِ الآن
من خلف النحت
تلوح نهاية في ثغر يمد عتمته
صوتك يهدهد تنهيدتي.

لصباحكِ حميمية قصاصة تبحثين عنها
أفاجئكِ
بالكلام كما تريدين
لكن الحقيبة لن تحتمل.

بانتظار اللهفة
يرتكب الوقت آثام لهجة مارقة
صدفة تحيكين مناخاً
متعمدة
أمطر كشباط
القطط على سياج الأمنية أكتفت بالنداء
أظنني ممحاة
تريدينني حبراً
نكون كما يُلزِمنا السياق.

يقدس الليل عباءتكِ
أفرغُ من كل ما ينجو
أصطفيني لكِ.

تجذبينني كملاح
أحبكِ كرغبة لأكون
ترتد لي مرآتكِ الأخيرة
يمامة وليدة غفوة
تنقر حبل الغياب
يتوحد طينكِ في صهيل الغيم
تراوغين كعادتكِ
أمسكُ بلقطة تمطر فيها
يرسمكِ الوحل
غديراً متوحداً في تيهه
الحصاة على طرف الشارع
شامتكِ ما تسرب من شقوق اللحظة
تلك اللحظة
هرب عارفاً بكِ.

ما تمليه اللحظة

أبدأ لأجدني
يحتسيني وجه ورقي
كأنها التي تسوقني لي
وكأنني أجلدها بمعطف من قلق
أشَّبه وقتكَ بكَ
للتعرف على لحظةٍ فقدتني
حين نقفل عائدين إلى حجراتنا الباردة
نقطة تقلب مروحة الحديث.

ـ كان شكلاً يوشك على الخوف، أروع من قطة تتمطى في صبيحة شتاء ـ.

احتمال الصعود لفكرة ممتلئة يتفكك
فتلت الحيرة ذيلها وأنحنت تقطف أعشاب صوت بعيد
هي الأغنية إذن
تشكل الخرافة والفكرة
قاموس الأزرق مختلف تماماً
يتردد بين ضحكات الزبد
دائماً يصافحكَ
منبسطاً كحلم
بعيداً كذاكرة
جميلاً كخدّ رائحته الصباح.

لكنه بياض ليل غائم يؤشر في محطة توقف
إليَّ تعالي
غبار خفيف يطرز الصفحة
تتجمل بلون يفكر بأحمر ما
جنيتها تعشق اللوز
خيطها يلف ثوباً يتسع
تتماهي المحطات مع صوتها المطمئن.

في النوم قالت:
هو مرة يأتيك، يحمل طالعك، تهرب فيه، تجدكَ فيكَ
لا يضمر وجعاً يقدّس النور.
وفيه، أيضاً:
من ملاذها هربت صحوة، فيما وراء السهم يتعبك الوداع
لكن النوم يأتي لمن لم يعرف ويهجر من عرف.

من شق تالٍ في نسيج العتمة يتبدى صحو
ومن لهفةٍ تتشكل أولى حيرى
ومن صمتٍ ينكشف أنين الكلام
فإلى أي قبيلة تهرب حين تقسم ذاتك أنها تنام ؟
ينبؤني وجهكَ بنجمة تقترب
لحمرتها شغف بالتي تدور
لغمازتيها شهوة رنين
ويقطف من يشاء كرمتها
تتبدى لمن يرغب
وتنخسف عمن جهل.

يطل نهار كقطعة مرمر
يمل إنتظاري
وفيَّ هبت نداءاتي التي أضافت وليداً ليوم غريب
تركت الندي يغادر
تكون نبوءة ورحلة تبسط صمتي بكارة لحلم
بلا رغبة تجولت
لا هناك تنتظر القادم
الغريب كعادة ملّها يحلق بدهشة !
يرتكب المسار خربشاته
أورق فعلاً
في ليل ينبش حرمة الأفكار.

أفرط قشرتي
يهزني فراغي اللعين
بريقها الأسود
لوعة تنتظر

(الليل سارق أبدي
متعة النهاية للفراغ
تراث مشاغب هي الحكاية).
أغادر اللحظة
أدوّن معرفتي بنهاية لن تكون قريبة
لم يعدِّها أحد ولم تصفع النهار على خدّه
كعادة قديمة أطل على وجهي
يسبقني قلقي
علَّ شيئاً يبقى معي
للحظةٍ ولعٌ بما تتصفحه
وللألم مهر غرير المشية
تنزلق كفئة من علاقات متشابكة
هنا أقفل باباً من رياح
هنا أتفرج بدهشة عليَّ
للغير ما يشتهي أي بنفسج من طلته
الساحل مرتبك بثغر مكتنز
الملوحة لم تشققه
كتلك الريح التي عرفت في نهاية حلم
عناقاً لقبلة.

تسوقني تلك الـ"نور"
انتظار يشبه الوقت
أحترم ما تناثر
ألعب بلحن مختلف
ما كان لم ينته
ما سيكون لن يجيد العودة
الآن أؤدّي ما تمليه اللحظة
أفكر بالأبعد
علامة على سفح غيمة تطل باستمرار.

***

سميح فرج

  • من مواليد مخيم الدهيشة بيت لحم، عام 1955.
  • دَرَس في مدرسة المخيم ثم في مدرسة بيت لحم الثانوية.
  • حاصل على درجة الماجستير في أساليب تدريس اللغة الإنجليزية من جامعة القدس.
  • عمل في التدريس في مدارس مخيم الدهيشة التابعة لوكالة الغوث.
  • كما عمل محاضراً بشكل جزئي في جامعتي الخليل وبيت لحم الفلسطينيتين.
  • أشرف علر تحرير الصفحات الأدبية في صحيفتي: المهد، وصوت الوطن، ومجلة: الضياء.
  • عضو اتحاد الكتاب الفلسطينيين.

صدر له:

  • عبّأني موج البحر وقال، شعر، 1981.
  • المخيم.. أنشودة الإعصار، شعر، 1985.
  • المقّنع، شعر، 1990.
  • احتفال، شعر، 1997.
  • شتاء، شعر، 1999.

samih_faraj@yahoo.com

خذوا نتيجتي إذاً

تقومُ في الصّباحِ مِثْلَ سائرِ البناتْ
ومِثْلَ سائرِ البلادِ والعبادْ
ومِثْلَ قريةٍ رشيقةٍ تقومُ آيةٌ
وتَغْسِلُ اليدين
تَرْشُقُ المياهَ في عُجالةٍ على الجبينِ
إنّها أواخرُ الحياةِ أمْ بدايةُ الحياةِ
مَنْ يُفَسِّرُ السؤال للطيور في سمائِها ؟
ومَنْ يُفجِّر الجوابْ ؟
تقومُ آيةٌ وراءَ آيةٍ
وتَصْطفي دقيقةً
تضمُّ بين إصْبعينِ
مولعين بإنسيابِ نرجسِ الحروفِ فوقَ دفترٍ
تضمُّ أو تُكَثِّفُ الحياة في وميضِ لحظةٍ
هنا صرامةُ النشيد للحياةِ
أو حصافةُ المسيرِ في عوالمِ الترابْ
تقومُ آيةٌ
تشقُّ بابَ وَقِتها
تُجَمِّعُ الدفاترَ التي
وهكذا
أَظنُّ أَنّها توقَّفَتْ دقيقةً:
اليومَ كُلُّ شيءٍ لا يَتمُّ غيرَ مرةٍ
ولا يعودُ حسبما
اليومَ يا عذابُ
يا فخامةَ العذابِ
لن أَعودَ للوراءِ بعد لحظتي
ولَنْ أَسيرَ في مهالكِ السرابْ
اليومَ هذه مِخدَّتي
سَتَسْمَعُ الهُتافَ في المساءِ عالياً
وتَعقِِدُ اليدينِ رُبَّما وراءَ رأسِها
وتستفيضُ في شقاوتي
وهذه الطريقُ بانعطافِها اللدودِ
سوفَ يكثُرُ الضجيجُ فوقَها
وهذهِ
وهذهِ
وكيف أُمّيَ التي
تُعِدُّ وجبةً لذيذةً
ستسمعُ المذيعَ حينما
وكيف حينما
تُرتِّبُ الثيابَ في خزانةِ الثيابْ
وكيف حينما تُعَلِّقُ الثيابَ
في خزانةِ الثيابِ حيثُ يَدْهَمُ الحريقُ قَلبها
فتلتقي حرائقٌ على حرائقٍ
اليومَ
يا فخامة العذابْ
أنا وُلدتُ مِنْ سُلالةٍ يُقالُ إِنَّها
سُلالة الخرابِ
هكذا يُقالُ إِنَّنا سُلالةُ الخرابْ.

تقومُ آيةٌ:
إلى اللقاء يا صديقتي
تقولُ بعدَ أَنْ تَقَدَّمَتْ
كسائرِ البناتِ لامتحانها
خُذوا نتيجتي إذَاً
وتسقطُ الدموعُ
تصعدُ القِبابُ نحو أُفْقِها
تقومُ آيةٌ وتستقيمُ نحو روحها
إلى اللقاءِ يا صديقتي
مُعلماتُ صَفِّنا
تُسَجِّلُ الحضورَ في دفاترِ الحضورِ والغيابْ
إلى اللقاء يا...
فَمَنْ يُسَجِّلُ الحضورَ
في شوارعِ الحضورِ والغيابْ ؟!.

هُنا أمجد

إلى الشهيد أمجد فرج الذي ناضل ضد الإحتلال حتى أدركه المرض وربما..

هُنا أمجدْ
هُنا بيّارةُ الليمونِ نَستهدي بنكهتها
ومَن يَستأنسُ الليمونَ لا يخبو
ولا يتعبْ
هُنا بيارةُ الليمون نَستجلي
فتأخذنا إلى الأَشهى
وتحْملنا إلى الأبعدْ.

هُنا تستيقظُ الأيّامُ مِنْ لحمٍ
ومِنْ دمنا
هُنا نشقى
هُنا نبقى
هُنا إيقاعنا العالي
هُنا "بُرشٌ"
هُنا عَرشٌ
يُقلِّبُ في صبيحتِهِ
قُصاصات
ويقرأُ صُوتها العاتي
ويَفتحُ بابها الأوحدْ
ولِـ"الكتسيم"
حَسراتٌ وحَشرَجةٌ
هُنا أمجدْ
لقد أَسقيت مَنْ أَسقيت يا أَمجدْ
لقد أسقيت مَن غضبوا
ومَن قرأوا
ومَن كتبوا
يحب الناسُ أَنْ تبقى
تُعبّئ صفحة أُخرى بنرجسها
يشاءُ اللهُ أَنْ تَصعدْ
هُنا لُغزٌ
وفلسفةٌ
هُنا الفردوسُ في المشهدْ
هُنا الأمجدْ.

سَيِّدةٌ

دَرَجٌ
يَتَسَلَّلُ نحو المنزلِ
أو يهبطُ نحو الدارْ
سَيِّدَةٌ تجلسُ
والوقتُ مساء
كانت
في يَدِها سُبَّحَةٌ
وَرَفيفُ حَمامٍ
ومشاهدُ
لا أحدٌ يَعرفُ
في أَيِّ بعيدٍ كانت تمضي
أَو تذهبُ في أَيِّ مدارْ
لا أَحدٌ
في أيِّ غِمارٍ كانت تدخلُ
أَو تخرجُ مِنْ أَيِّ بِحارْ
سَيِّدَةٌ
دَرَجٌ
والأَرضُ قِفارٌ
إِلا مِنْ دَمِنا المُتسلِّقِ
ُلُّ الأَحلامِ حِصارْ.

***

سميح محسن

  • من مواليد قرية الناقورة نابلس، لعام 1953.

صدر له:

  • الخروج من الغرف الضيقة، شعر، 1992.
  • الممالك والمهالك، شعر، 1997.

s_e_56@yahoo.com

المؤجل

على الرِّف سفرٌ مؤجل
قصاصاتُ أمكنةٍ
بشر ذاهبون إلى الموت
وجه جميل يمرُّ
يداعب هذا الخيال الشقي
فاتحاتٌ مشوهةٌ للكتابةِ
حبر يسيل على الأبيض المتألقْ
أحاول أن أمسكَ الوقتَ
أحيي الوجوه
تفر
على الرفِّ عمرٌ مؤجلْ.

تكوين
على حافة النهرِ
شَرقيّ عَدْنٍ
توَقف
حيثُ بنى اللهُ جنتهُ قربَ جيحون
ثمَّ انحنى كي يغبَّ من الماء.
رأى ظِلّهُ
ـ عارياً كان مثلَ الظمأ ـ
تَفَحّصَ ذاته:
تلك التي بين عُشبِ البراري
وتلك التي فوق ماءٍ تموجُ
أصيب بنار الذهولِ
وقال:
أرى فيّ ما ليس فيّ !
على حافة النهرِ
عاريةً وقفتْ
وأنحنتْ كي تَغُبّ من الماء
رأت ظلّها
تفحصتْ الظل والذات

قالت:
أرى فيّ ما ليس فيَّ !
على حافة النهر
من غير أن يشربا الماء
همّا ينامان كلٌّ على ظله
ليطابق ذاتيهِ فالتصق الجسدان
وصرنا.

المنزل
غبارٌ يغطي المقاعدَ
والرملُ يكسو الملاءات فوقَ الأسرةِ
شاحبةٌ نبتةُ المنزلِ
الضوءُ يبهتُ لونَ الجدار المغطى
بأسرارِنا العائليةِ
فوضى
بها يرسمُ البيتُ صورَته الراهنةْ.
ـــــــــــــــ
لأيِّ الفضاءاتِ أطلق روحي
وقلبي
على الأرض ملقى ركامٌ من الذكرياتِ الحميمةِ
فوقَ البلاطِ تعرى
وحيداً أطلُّ عليه بعينين ذابلتين
أراقب هذا الخراب المفاجئَ
أنبشُ عمري الذي في الركامِ تجلّى
فأصطادُ صورةَ امرأتي
رسائلَها من بلادي البعيدة
محفوظة في غلاف أنيق
مكاتيبَ والدي الآتيات مع الريحِ
من قلبه المتعب
الكتب المستعارة من أصدقائي
الذين استفاقوا وحيدين
أوراقَ بنتي الصغيرة
مريولها المدرسي
قصائِدَ لم تكتمل.
لأي الفضاءات أُطلق روحي
نوافذُ قلبي إلى الموت تفضي
وتحجبُ عني الستائرُ لونَ المساء
الضجيجَ الأليف
نميمةَ سيدتين تمران تحتَ الشبابيكِ
دفءَ المكان.

انتظار

تزيح الرياحُ الستائرَ عن جنبات النوافذ
يُعرّي الزجاجُ البناءَ المقابل
ألمحُ صورة سيدةٍ في المرايا
تمر أمامي
وكانت تمسّد شعراً
تدلّى على الكتفين كغابة لوز
يزاحم عند الصباح شعاعَ الشموسِ
على صفحة الأفقِ المشرقيّ
بعيداً عن الضوء
عن عين امرأتي
أستبيحُ المكانَ وأسرارَ سيدة في البناء المجاورْ
أزيح الستائرَ في الليل
يفضي الزجاجُ إلى امرأة في الثلاثينَ
تعبر كل مساء إلى غرفة النوم
وهي تمارس طقسَ التزيّن والإنتظارْ
أراها: تراقب ساعتها بانتظام
وتفتح بابَ خزانةِ غرفتها
تتناول ثوباً تلوّن بالضوء والعشبْ
تسلم أسرارها للمرايا
وتختار زينتها باعتناء تبالغ فيه لتزدان لليلة المقبلة
للمواعيد
للعاشق المشتهى.

ألاحظ:
كانت تنام على وحدةٍ قاتلةْ
وذات مساء رأيت المرايا براويزَ خاويةً
قد تعرت زوايا أمام الجدار البعيد.

"لقد وجدوا امرأة في الثلاثين فارقتها الحياة تنام على صورة الذي نام تحت التراب يطارده صوتها: عُد من الحرب، عد يا حبيبي، لكنه لم يعد. لكنه لن يعود".

طنين

على قدمي تَعْبرُ الريح
تمرُّ السواقي
ونحلَةُ رأسي مطوقة بالرذاذ الطريّ
وبالنار والموج.
أمدُّ يديَّ وأفصلُ رأسي
أدحرجه فوق طاولة الأبنوس.
أمدُّ يديَّ وأفتحُ رأسي
وأنزعُ منه الفتيلْ
ولكنَّ نحلة رأسي تطنُّ
تطنُّ
تطنُّ
تطنُّ.

دهشة

أدحرج رأسي على الرمل
أحملُ نظارتي كي أراني
تطيرُ إلى البحر نحلةُ رأسي
لتبحث عن زهرة الأقحوان
عن الطفل يحبو وراء الفراشة
بين "المسايل"
وسرواله الداخليُّ تلوّن بالطين والغائط.
اليوم نحلةُ رأسي تعودُ من البحر
تحمل لوني
أمدّ يديّ إليها
فتسقط مني يداي
تراني
ولكنني لا أراني
أرى ظلّ أعمدة الكهرباء.

***

صالح حبيب

  • من مواليد دير حنّا بالجليل، عام 1974.
  • حصل على اللقب الجامعي الأول في اللغة العربية وآدابها.
  • يعمل حالياً مدرّساً.

صدر له:

  • قفز النّظر، شعر.

كئيبٌ كَطَيرٍ بَعِيد

كَأنْ صَدَّني بَعدَ هذا الهلاكِ عن الإنطواءِ بصَبَّارِ غابتِكِ اليَابِسة
مَدَادٌ على مَدِّ كُمِّي
تَشَظَّى كَما أنّهُ جَسَدٌ يَنْتَهي في شُجيراتِهِ
يَتَبَجَّحُ عِنْدَ الغِيابِ
وَيَكشِطُ أَفكَارَهُ البَائِسة.

أُصَارِحُ فيكِ يَديَّ وأَجْعَلُ أَقْدَحُ مَنْفاكِ
مَنْفىً لهَ ألسنٌ تَفتَفي أَثَر الوَطَنِ السَّرمَديّ
يَبُوحُ بأَسْرارِهِ للمفارِقِ ثُمَّ يُنادي على العاشِقِنَ بأسمَائِهِم
وَيُكاتِبُ كُلَّ الذينَ يُحبّونَ جَمْعَ الطَّوابِع
في مِصْرَ
تُونُس
لُندُنَ
بَاريس
مِنْ شُعَرَاءَ ومُحتَجَزين.

مَدَادٌ
سَيَكْرُجُ حَتّى الكُهُولة
في الشَّطحَاتِ وفي بُؤْبُوِ العَينِ، فَوقَ المَرَاتِبِ والرُّدُهاتِ
وَفِي الاستِرَاحةِ
يَلْهَجُ مِثْلِي وَمِثْلَك
لكِنّهُ يَسْتَريحُ إذا ما تَعِبْنا
كَأنْ صَدَّني عَنْكَ هَذا التَّقاطُعُ
هذا التَّوَلُّهُ.

مَا كَانَ صَوْتاً ومَا كانَ مَعْصيَةً مَوْسِمُ الكَلِماتِ.

سأَسقُطُ حَتْماً عَلَى رُكْبَتيَّ، سَأَسقُطُ في ظِلِّكِ المُخْمَليِّ، وأَخْرُجُ مِنْ صُلبِكِ المُتَعَالي
أَمَامي
وَتَتْبَعُني حَالةٌ تَطْرُقُ الوَقتَ ثُمَّ تُشَبِّكُهُ بالمواسِمِ
تَطْرُقُ كوخَ التَّمَلمُل والذِّكرياتِ
أَمِنْ لُدْنِ وَقْعَكِ بَيْنَ الأَصابِعِ والخاتَم المَلَكيِّ أُحَضِّرُ أَسئِلَةً
عَنْ هَزيعِ السُّقُوطِ بِلُدْنِ الحَدَاثَةِ والبُوهيمية ؟
أُنْعَتُ بالإستِعَارَةِ حَتّى أُجيدَ مُكَاتَبَةَ الأَصْدِقاءِ وَهُمْ لا يُجيدُونَ
غَيْرَ تَذَكُّرِ ما قَرَأوهُ عَنِ الشَّرقِ
يَغْشَوْنَ فيَ الوحْدَةَ القَارِسةْ.

فَكُلُّ خُلُوصٍ من الإنتظارِ إنتظارُ
وفي كلِّ نافِذَةٍ أرقٌ ذاهِلٌ في البَراري
وَفي كُلِّ شِعْرٍ نُثَارٌ وفيِ كُلِّ رَقصٍ كُلُومٌ.

سَمِعتُكِ تَرْتَشفينَ مَسافَاتِنا مِثْلَ أيِّ سَحَابٍ
وَتَشْتَبِكينَ بأيِّ سَرَابٍ كأيَّةِ عُصْفُورةٍ في قُرَانا القَدِيمةِ
تَنْأى وَتُوغِلُ في عِشقِها
تَتَملَّى المَدَى والحَدَائِقُ في حُرقٍ
سوفَ أَشْهَدُ أنَّ المَدائِنَ كَانَتْ بُكَاءاً وما دَخَلَتها الحُرُوبُ
سَأَشْهَدُ أَنَّ الحَدائقَ آخِذةٌ باليَباسِ وبالإنتحارِ
وآخِذةٌ مْنْ يَديَ ما يُشابِهُهُ حُزْني
سأشهَدُ أنَّ اللُّغاتِ تُمارسُ فِينَا طُقوسَ البَداوَةِ
تَجْتاحُ مَمْلَكةُ الرَّملِ واللَّيل
تُغمِضُ أَجفانَهَا
وَتَنَامُ عَلى حُزْمَةٍ مِنْ وَدَاعٍ بِمَهوى اليَدَيْنِ
سَأَشْهَدُ أَنَّ النِّداءَ يَهُونُ ولكنَّهُ لا يُوارى
وَيَسْقُطُ كَالوَردِ في آخِرِ الشُّرُفاتِ
إلى أَنْ يَعُودَ الكَلامُ إلى أَوَّلِ السَّطرِ في أَحرُف غَيْرِ مَنْقُوطةٍ
وَيُصَوِّبَ نَحْوَ النَوَّاعيرِ غُرْبَتَه
وَيَراني كَئِيباً كَطَيْرٍ بعيدٍ عَنِ السِّرْبِ.

هَأَنذا أَنحَني بَيْنَ ضِدَّينِ
لا أَرضَ لي غَيْرَ
قَلْبِي.

انتحار

قمرٌ واحدٌ لا يُضيءُ تلكَ البِدايةَ
تلكَ النوافُذُ لا تشبعُ الأرضَ
أَفرغَ من جَيبِهِ ذكرياتٍ تعودُ خِفَافاً إلى الحربِ
لا شيءَ يخلعُ عنه المدارجَ
أو رِقَّةَ النّومِ
غَيرُ هواءٍ يهبُّ مِنْ الشرقِ
يَلْفَحُ
أَوَّلَ أَوراقِهِ.

منذُ شهرٍ يفكِّرُ بالإنتحارِ
وَها هُوَ يُقَدِّمُ
شَيئاً
فَشيئاً
وَيَقْلَعُ هاتِفَهُ
فَيسيلُ دمُّ الأصدقاءُ.

الحبّ

البارِحَة
قتلتُ شَخْصاً كانَ يزرعُ الهَديلَ في الحَمامْ
البارِحَةْ
رَأيتَني أَهدُلُ
فِيَ
قَصِيدَتي.

***

صـباح القلازيـن

  • من مواليد غزة، عام 1973.
  • حصلت على درجة البكالوريوس في اللغة العربية من الجامعة الإسلامية بغزة.
  • تعمل في مجال التدريس.

صدر لها:

  • إعترافات متوهّجة، شعر، 1998.
  • النّوافذ، شعر، 2002 .

في الهزيع الأخير من العمر

غابتا عينيك موغلتان في العمق
أخشى الإقتراب من حدود مملكتك النائية
الموحشة
وأُبقي على مسافة فاصلة ما بيننا
كأنَّ ما بين عينيك مقتلي.

2
كغريق لا يملك طوقاً
أطرق بابك في الهزيع الأخير من العمر
أستجدي عشقاً
وأحلم بهاتين العينين
والقلب يئجُّ شوقاً
جئتك كحورية منعوها من ماء البحر أعواماً
جئتك أبتغي سكينة وسلاماً
أوسدُ عينيك فؤادي
وأغمدُ شفتيك في مخيلتي الناضحة باللهفة
فرددتني خائبة عن أعتابك
جرحاً راعفاً
وعينين زائغتين.

3

عيناك المسيجتان بالليل
منعتا فرسي أن ترد الماء
مدائنك أوصدت أبوابها في وجهي
تركتني أستأنف حزني كغزالة
وسط قطيع ذئاب
أتراني أخطأت حين طرقت ذاك الباب
في الهزيع الأخير من العمر؟
أم قدري أن أموت عشقاً ؟

السنـدبـاد

السندباد يغادر الميناءَ
لكنّ المدينة أنكرت عشاقها
فبكت وأيقظ موكبُ الموتى بها أشواقَها
حورية البحر الجميلةْ
هي بين أصداف السواحل كالقتيلةْ
تركت لموج البحر ذكرى السندباد
وبعثرتْ أوراقها.

2

السندباد يغادر الميناءَ
فيما موجتان من السؤال تبللان ملابسي
والبحر يخطف من يديَّ عرائسي
من جاء كي يلقي التحية في المساء على المكان
ويردّ وحشة الإغتراب عن الصبايا
والمرايا
والزوايا
ويُعيد فستان الندى للأقحوان ؟.

3

السندباد يغادر الميناء
قل لي:
من سيمسح دمعتي ؟
لا شأن للمنديل فهو بدوره يبكي
كأني لا أحد
السندباد يغادر الميناءَ
لكنَّ المدينة أنكرت عشاقها
لا شيء غير الوجد يفقأ مقلتيَّ بإصبعيه
ويحتوي جسد المكان إلى الأبد.

امرأة تراوح في الضباب

في المائدةْ
زهرية مكسورة
وورودها متناثرة
وعلى الجدار إطار صورة
ضاعت ملامحها
ويعلوها غبار الذاكرة.

2

وهنا
مناديل تَهيَّأُ للبكاء
وعلى الجدار حكاية لم تكتملْ
عبثٌ سؤالي:
هل سيمعن في الغياب ؟
أطفأتَ فانوس إنتظاري
وأضأت عينيك المطلة من بعيدٍ
سرمديٌّ حزننا
والحزن يولد من جديد.

3

الآن
في ظل المساءات التي لا تنتهي
ظل لعاشقة تراوح في الضباب
وخطى مكسرة على رمل الرصيف
ونورس حمل السواحل في جناحيه
وغابْ
حيث الشوارع موصداتٌ
والرسائل لا تصل.

4

ملل
ملل
وأصابع امرأة تلم ضفيرة لحكاية
قد بعثرتها الريحْ
الشرخ يكبر في جدار الروحْ
والقلب آل إلى السقوط
من يسند العمر المطل على الغروب ؟
الباب يطرق في المساء
نار الحكاية تشتعل.

بارد هذا اللقاء

حبات دمع فوق جفني تستفيقْ
منديلك الباكي يلوِّحُ في الطريقِ
وجدولا عينيك جفّا
واستحالا شوكتين.

2

ها قد أتيتكِ
جثة بيضاء تملأها الجروحُ
ومعطفاً أبلته شمس الغربةِ
أخفي جراح العمر كي لا تلمحيها
من ثقوب الروح
وَسْط العتمةِ
ها قد أتيتك
جرّة عطشى لمائك
غير أن الماء في صحراء عمري لا يلوحْ
والصبح امرأة تقول غداً أجيء
ولا تجيءْ.

3

بعد عامين ونصف العام من جرح الوداع
تحملين الورد لي
أم تحملين الهمَّ في حمَّى الضياع ؟
بارد هذا اللقاء
بارد والقلب غطّاه الرماد.

4

ينتابني حزن كبير في المساء
والملح يزحف فوق جرحي
غابتا عينيك فاتحة المكانْ
فأستنهضي فيَّ الحصان
وعبئيني بالصهيل
فإن طير العمر يُؤذن بالرحيل.

5

عيناك شباكان مفتوحان
لكنَّ الوصول إليك صار المستحيلْ.

الوعد المستحيل

عيناك وعد مستحيل
والحزن ينبت من عيوني كالنخيل
حزن كأيامي طويل
لكنه حزن جميل
حزن يقربني إليك
حزن يطيرني لديك
من الرحيل إلى الرحيل.

2
عيناك وعد مستحيل
لكنني أمشي إليكَ
أقاتل الدنيا عليكَ
ولا سبيل إلى الوصول.

حق اللجوء

قلبي حمام لا يكف عن الهديلْ
فهبي دمي حق اللجوء إلى عيونكِ
لو قليلْ
هل تسمحين بأن أقيم على ضفافك لاجئاً
فلقد تعبت من الرحيل ؟
هل تسمحين بأن أسرِّح ناقتي
كي تلمس العشب المضمخ بالندى من مقلتيك ؟
قطعوا شريط الحلم حتى يوقفوني
أغلقوا كل النوافذ في عيوني
عيناك نافذتي الأخيرة
عيناك آخر ما تبقى لي هنا
في هذه الصحراء
وحدك واحتي
لا واحة إلا عيونك
زرقتي
لا زرقة إلا سماؤكْ
لا هاجس إلا الرحيل إلى يديكِ
إني أحبُّ الليل في عينيك
أن أُنفى إلى تلك العيون المخملية والمقيل
يا وردة نبتت بقلب القلب
ثم تلقفتني في الرحيل
مدّي جديلتك الحرير إليَّ
تسحبني من البئر السحيقة
وأمنحيني موطناً
حتى أكف عن الرحيل.

***

طـارق الكرمي

  • من مواليد طولكرم، عام 1975.
  • حصل على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال من جامعة النجاح الوطنية.

صدر له:

  • قصائد إلى أنثى النّدى، شعر بالإشتراك، إصدار خاص، 1997.
  • مساءات للمقامرة، شعر، إصدار خاص، 1997.
  • ضيوف النار الدائمون، شعربالإشتراك، بيت الشعر الفلسطيني، 1999.
  • ضحى الوحيد، شعر، مركز أوغاريت للنشر رام الله، 2002.
  • مَدْرج الثور، شعر، بيت الشعر الفلسطيني، 2003.
  • عين الأعمى الجميل، نص سردي، مركز أوغاريت للنشر، 2007.

إيـروتيكا

وكأنَّ يُبَلِّلَها الضَّوءُ الْيتَسرَّبُ كرائحةٍ
(الضّوءُ هُوَّةٌ سماوية)
كأنَّ أَوجعَتْها عُشبةُ البرقِ
(عَ مرآةِ اللّحمِ يَرْتَدُّ الضّوءُ مُنهكاً)
ليلُ المرأةِ حديدٌ أَشقرْ
المرأةُ التُصابُ بِنَوَّةِ جسدِها
بِظلِّها اللّزجْ
بنومها الأَعمقِ شَغَباً
لمْ تحلقْ عشبَ ساقيها
مُذِ الرجلِ الـ (7)
لمْ تَدْلكهما بالصَّباحِ حليباً
وعندَ حركةِ كَتِفِها القُطْبِيّةْ
تُقَشِّشُ حدأةُ
اللُّعابْ.

ملحمـة

حليقةً تبدو السَّماءُ بعنقِها
كعورةِ الماءْ
ملاءةً منْ حزمةِ الليلِ الحافِ
لكنَّ رجفةً سرّيةً للطينِ
وعِرْق النَّدى اليصِلهُ (إِنْ يصله)
ناحلاً فِ أيدينا
أَتقرأُ لطخةَ الرّمادِ
كيفَ تجمع قزَّ الشمعةِ
بمهاميزِ الريحِ
لنصنعَ جرَّتنا الأخيرةَ
فوقَ جبلِ الفجرِ نَركِنها
فاغِرةً رنينها
لبكاءِ سقفنِا العظيمِ
للمطرِ المجدولِ
كالأجسادْ.

قـتـيـل

كأنَّهُ فِ نُقْرُسِ الصَّباحاتِ الحالكة
يَسْتَحمُّ بالغَفْوة
مدهونٌ بنعاسِ القُّبرِةْ
بلا حركةٍ غَثَّةٍ بيضاءْ
لا شيءَ يهمسُ سوى الصوت الْيَتَخثّرُ
أو يَتَّسِعُ تدريجاً
لا يُومِئُ بالسُّكوتِ الصّارخِ
سوى لَفْحةِ الظهيرةِ لِغُرةِ العُشبْ
ساعةِ اليدِ المضبوطَةِ لَدْغَةً
وعينُهُ الْتَغْرِسُ جُرْحاً يَعْرَقُ زُرْقَةً
فِ كتِفِ الظّهيرهْ.

لـعـبـة

كأيِّ أَحَدٍ صغيرْ
نلعبُ الغُميضَةْ
(غير غُميضَةِ الكبارْ)
شجرةً كنتُ صعدتُ
شجرةً تُلِحُّ بِرعدِ الكرزْ
تَتَشعَّبُ كالبروقِ بساقِ الفضاءِ
مُتَعَمشِقةً به
وكانَ عُشٌّ يُصغي مُتَفتِّحاً
كشعرِ المرأةِ الأولى
أَيُّها الدوريُّ الْيَصدَحُ شزراً
لا تَدُلُّهمْ عَ مكاني
أَرجوكْ.

أرق

ما الذي جاءَ بهِ
فِ حُنجرةِ النّافذة
كيفَ متعثراً جاءِ فِ ثلجِ
هذي السّاعة
(هل) بريشتِهِ يفتحُ جرحاً
بُخارياً قديماً عَ الزّجاج المُطفأْ
بمنقرِهِ يُطرِّزُ عَ الزّجاجِ
(7) نبضاتٍ لَبَنٍ لِسَببِ
القلبْ
اَلأَنَّ لقلبي ريشَهُ السّريْ
أمْ مرضي مذ أيامٍ (7)
بالجدري اليحسَبُهُ الطائرُ
حبوبَ القمح
أَيُّها الطائرُ مذ (7) أَقمارِ الليالي
ببساطة لمْ أنمْ
إحكِ لي حدّوتَةَ
قبلَ النومْ.

***

طاهر رياض

  • من مواليد عمّان، عام 1956.
  • أسّس دار: منارات للنشر في عمّان بالإشتراك مع القاصّ إلياس فركوح.

صدر له:

  • شهوة الريح، شعر، 1983.
  • طقوس الطين، شعر، 1985.
  • العصا العرجاء، شعر، 1988.
  • حلاّج الوقت، شعر، 1993.
  • الأشجار على مهلها، شعر، 2000.
  • تجوال، رواية لهرمان هسّه، ترجمة، 1990.
  • حرف الحرف، مختارات من النثر الصوفي، 1998.

تلويحات

في ذكرى ما يَنسى في الحَلَبةِ
رقصُ الدرويشْ
في ذكرى رملٍ يحبَلُ بالبحرِ
فيأخذُه عسسُ الشُّطآنِ
إلى غُرفِ التفتيشْ
في ذكرايَ
أصادفني أتسكّعُ فوقَ رصيفٍ منسيٍّ
من مدُنٍ منسيّاتٍ
رأسي في كَفّي قنّينةُ خمرٍ
وهواءٌ كالطائرِ
يهوي في رئتي منتوفَ الريشْ.

2

يومَ تبدو السماءُ أطرى من العِهنِ
وغيماتُها أحرَّ وجيبا
يومَ يغدو الّذي مضى طيَّ كأسٍ
طيَّ مقهىً
ووحدَكَ المشروبا
يومَ
أعني
تَراكَ تهذي
بأسماءِ من أستنكفوا
حبيباً
حبيبا
وترى اللهَ سائلاً عنكَ حيناً
وترى اللهَ سائلاً ومجيبا.

3

يأتي بكَ المطرُ
يا بَردُ
لا حطَبٌ لديَّ ولا نبيذٌ
لا امرأة
لا شيْءَ يصلحُ أن يكونَ مِظلّةً أو مِدفأة
يا بَردُ
أعتذرُ.

4

نَدماني الليلةَ كُرسي
يَشغَلُه كالعادةِ ظلاّن
ظلّي وأنا أحضنُ كأسي
والآخَرُ ظلُّ الكرسي.

آلاء

بيديَّ أرفعُ عالياً ثوبَ الترابِ
وأبيحُ عوْرتَه البتولْ
بيديَّ أكملُ زينةَ الأشجارِ
قبلَ رحيلِها
وأُعدُّ مائدةَ الشتاءِ لعابري هذا السبيلْ
ويدايَ فيْضُ الرملِ عن آنائِه الحرّى
وقرقرةُ السرابِ
ويدايَ قائمتا سحابِ
تقِفان دونيَ
هكذا
مركوزتيْن على خرابٍ عِفتُه
وتلوّحانِ
فلا أرى
وتلوّحان
فلا يرى الأضيافُ بابي
ويدايَ نهرانِ أحترقتُ إليهِما
ونذرتُني طفلاً يُعمّدُ شهوةً بهما
ويسيلُ في دميَ النحيلْ
ويدايَ شكلُ منارةٍ عمياءَ
تطفئُ كلَّما أقتربَت سفائنُ من شواطئِها
أو اقترَبَت عجولْ.
بيديَّ هاتينِ اقترفتُكِ
كانت الدنيا عماءً خالصاً
والربُّ يبعثُ خِلسةً بنسائِه
وبمائِه
وأنا
إبتلالاً يابساً بخطيئتي
ومعمّراً طفلا
حين أقترفتُكِ
لم تكن للريحِ أجنحةٌ
ولم يكن اتّصالٌ بينَ أرحامٍ
ولا خصبٌ بمجدِ قطوفِه انهَلاّ
حين اقترفتُكِ
قلتُ فلتُرفَأ مرافئُ
ولْيكن صدَفٌ وملاّحونَ
وليُشرِعْ ترابٌ باتّجاهِ اللهِ سرّتَه
ويُطلِقْ روحَه نخلا
ولمَستُ بالدمِ هجعةَ الموتى فقاموا
الآنَ يُنفَخُ في الرمادِ
وتُنصَفُ الهامُ
الآنَ تُنزِلُ حَملَها العذراءُ
تَرفعُ حَملَها العذراءُ
يُفتَتَحُ الكتابُ
وآيةٌ من صُلبِه تُتلى
والتينِ والزيتونْ
والتينِ لم ينضجْ على حجَرٍ
ولم تخبزْه أمّي ساعةَ الإفطارِ
والزيتونْ
مُلقىً على حرفِ الضياءِ بزيتِه
ما بينَ مِشكاةِ السماءِ ودرِّها المكنونْ
والتينِ
معراجي إليكِ
بُراقيَ الأعمى إليكِ
وصوتِه العنّينْ
والآمنِ المذبوحِ في البدِ الأمينْ
والعافراتِ عليَّ من رهَجِ انخذالي
ما يتوّجُ غارَ رأسي بالطحينْ
والعصرِ
إنّ العصرَ آخِرُ قطرةٍ منّي
وأوّلُ قطرةٍ منّي
تنِزُّ بها شفاهُ الميّتينْ
ويديْكِ
حين ترَبّتانِ على خريفِ يديَّ بالصيفِ المُرائي
حين تتّكئينْ
بلهاثِكِ الأسمى على جسدي العجينْ
فبأيِّ آلاءِ الخرابِ تكذّبينْ ؟!.

***

طلعت سقيرق

  • من مواليد طرابلس لبنان، عام 1953.
  • نال الإجازة في الأدب العربي من جامعة دمشق.
  • مدير دار: المقدسية، للطباعة النشر والتوزيع في سورية.
  • صاحب ورئيس تحرير مجلة: المسبار.
  • مدير رابطة المبدعين العرب.
  • عضو اتحاد الكتاب العرب والصحفيين الفلسطينيين.
  • عضو اتحاد الصحفيين في سورية.
  • عضو اتحاد الكتاب العرب.
  • عضو رابطة الأدب الحديث في مصر.

صدر له:

  • لحن على أوتار الهوى، شعر، 1974.
  • في أجمل، شعر، 1975.
  • أحلى فصول العشق، شعر، 1976.
  • سفر قصيدة، شعر، 1977.
  • لوحة أولى للحب، شعر، 1980.
  • هذا الفلسطيني فأشهد، شعر، 1986.
  • أنت الفلسطيني أنت، شعر، 1987.
  • أغنيات فلسطينية، شعر محكي، 1993.
  • قمر على قيثارتي، شعر، 1993.
  • طائر الليلك المستحيل، شعر، 1998.
  • القصيدة الصوفية، شعر، 1999.
  • ومضات شعر، بطاقات ديوان مفتوح زمنياً.
  • أشباح في ذاكرة غائمة، رواية، 1979.
  • أحاديث الولد مسعود، رواية، 1984.
  • الخيمة، قصص، 1987.
  • السكين، قصص، 1987.
  • الأشرعة، قصص، 1996.
  • احتمالات، قصص، 1998.
  • زمن البوح الجميل، نص، بالإشتراك مع ليلى مقدسي، 1999.
  • الإسلام ومكارم الأخلاق، دراسات، 1990.
  • الإسلام دين العمل، دراسات، 1991.
  • الشعر الفلسطيني المقاوم في جيله الثاني، دراسات، 1993.
  • عشرون قمراً للوطن، دراسات، 1996.
  • دليل كتّاب فلسطين، دراسات، 1998.
  • الإنتفاضة في شعر الوطن المحتل، دراسات، 1999.

فلسطيني

لطفلٍ يرتدي قمراً وأغنيةً
لطفلٍ يرتدي شجراً وموالاً
لشارعنا الذي في القلبِ
والأقصى يدق جدار هذا العمر
فانتفضوا خفافاً
تطلع الأحلام من وعدٍ فلسطيني
هنا الآمال من عشق
ومن شوقٍ
إذا ما جئت
أو ما جئت مذبوحاً
على خيل من الأحلام
أحلامي
فهزي سدّة الميلاد
هزي صرخة الأعيادِ
هزي كل ما في القلب من نبضٍ
وهزيني
يعود الجمر من حجر
تسيل النار من حجر
يطل الفجر من فجر فلسطيني
صباح الخير
يا وطناً له الشمسُ
صباح الخير
يا أعلى
ويا أحلى
صباح الخير
يا وطناً
يذوب بحبه الهمسُ
أتيت إليك يا قلبي
فكنْ عمري وأيامي
وأحلامي
وكن نبضي

صباح الخير
يا وطني
أجيء إليك يا قلبي الفلسطيني
ويا عمري الفلسطيني
ويا شجري الفلسطيني
ويا حبي الفلسطيني
فأنت هواي أحلامي
وكل العمر
موالي الفلسطيني.

عيد بعيد

عيدٌ سعيدْ
ماذا أقولُ وليس لي
إلا النشيدْ
حلقي تيبّسَ
وأنذبحتُ من الوريدِ
إلى الوريدْ
عيدٌ بعيدْ
يا أمّ يقتلني الأنينُ
وفي فمي طعم الصديدْ
هذا زمانٌ شائكٌ
يقتاتُ من لحمي
ومن عظمي
ومن عمري
تطاردني ابتساماتٌ
فأرسمُ ظلّ أفراحٍ
أمدّ يدي
أصافح
أنحني ألماً
وأضحك
من سيفهمني!!
سوى تلك التي نامت على دمها
هناك وأشعلت ذكرى
خطاي رصيف آلامٍ
إلى فوضاي أمشي حاملاً نعشي
ومن دقات هذا القلبِ
أصرخ من سينقذني ؟
أنا المجنون في أحزان أحزاني
فلي من صورتي منفى
ولي من ضحكتي منفى
ولي من شهقتي منفى
وأصيح عيدْ
عيدٌ بعيدْ
ما عاد يغريني السلامْ
ما عاد يطربني الكلامْ
هذا زمانٌ مالحٌ مرٌ
ولي من كل قافية سوادْ
أمضي على جسد السطور فيكتوي
من نار آهاتي المدادْ
يا غربتي ماذا تبقى
من أمانيَ عشتها
غير الرمادْ
عيدٌ بعيدْ
يا حرقة الأيامِ
قد ضاع الزمانُ
وليس لي
إلا الصديدْ
وليس لي
إلا الصديد.

***

عبد الرحيم الشيخ

  • من مواليد القدس، عام 1973.
  • حصل على البكالوريوس في الأدب العربي.
  • دكتوراه في الأدب العربي والدراسات الشرقية.
  • دبلوم في الصحافة المكتوبة.
  • عمل في عدد من الجامعات الأمريكية والبريطانية.
  • يعمل حالياً في جامعة بير زيت أستاذاً للفلسفة والدراسات الثقافية والتاريخ الفلسطيني. كما يعمل باحثاً وموجد برامج للكتابة الإبداعية في مركز القطان للبحث والتطوير التربوي في رام الله.

صدر له:

  • دواليب الرماد، شعر، بالإشتراك مع أشرف الزغل، 1998.
  • ضيوف النار الدائمون، شعر، بالإشتراك مع شعراء آخرين، 1999.
  • أشياء المدينة، شعر، 2002.

غسـق

ها وحدَهُ طائرُ الليلِ
وَحْدَهْ
يُعِدُّ شمسَ أيارَ لجناحيهْ
يسبقُ الشرقَ إليها، يؤثثهُ بها، ثم يمضي غاسلاً طرَفَ الأعاليِ، قيثارةُ الريشْ
يعرفهُ الأحبَّةُ برمشينِ شُدَّا ليرقُصا رغبةَ البهلوانِ، قدميهِ، على حبلٍ من مسدْ
أسودانِ، وكلُّ شيء زائلٌ إلاهُ، وغالقُ الكاميرا، وألوانُ قزحْ
سرمدٌ لا سوءَ فيهْ
لم يكن سادنَ الليلِ يؤذِّن في الناس، صُبحاً، أنْ آتيةٌ في المغيبِ بقيةُ الليلْ
كانَ بقيةَ الصبحِ فيهم، قيثارةَ الريشِ كانَ
وكانْ:"عاشقاً سيءَ الحظْ"
حظاً سيء العشقِ، ملتقىً، نهراً ونارْ، ضفَّةً في الخارجٍ الكُلِّيِّ ثالثةً
لم يكن صبَّاً يناورُ
يثبتُ بالنهد كرويةَ الأرضْ
لم يكن يدحو فَراشَتَهُ فِراشاً للتي ستئنُّ، أنثاهُ النعاسْ
حلمهُ وجعٌ تقدِّمَ، لا خرائط للعبورِ تقولُ للوداي انتبهْ:
ها طفلُ بحركَ خالعٌ نعليهِ، متكئٌ على جبلِ القمرْ
برزخٌ متباعدٌ الخطواتِ، أزرقُهُ ارتواءٌ، لؤلؤُهُ مؤجَّلْ
يا لنارهْ !
يا لنايهْ !
يا لـ"تبديلِ العوالمِ"
والعواملِ في تحوُّلِهِ الأخيرْ !.

أن تكون ثالثاً

شبحي يجولُ أزقَّة الريح القديمةْ، شَبَهي يدورْ
ههنا كانا معاً
وأنا كذلكَ، ثالثُ الغرباءِ طائفْ
متفرِّدانِ هما، ومتَّحدانِ في غيرِ المسارِ:
فواحدٌ وُهِبَ الحقيقةَ،
واحدٌ حازَ المجازَ،
وثالثٌ ضلَّ الطريقْ
وأنا الذي ضلَّ الطريقَ، فقال لي، هذا الذي بيني وبيني، قالَ لي:
"وجهٌ جديدٌ للصباحِ الملحِ في هذي المدينةِ
مُحْدِقٌ بكَ، هل تَرى؟، حَدِّق بوجهِكَ، ما ترى ؟"
ـ وجهٌ جديدٌ للقناعِ ـ أنا، أقولُ
يقولُ:
ـ وصفٌ للمسافةِ ـ الإختزالِ
أقولُ:
ـ لا.. هرمنيوطيقا الصمتِ
ـ أغنيةٌ، يقولُ، "تجولُ فيكَ، وحيدةً، فلكَ العبورِ إليكَ
رسمٌ لإنتصاف الممكناتِ على شفاهِ المستحيلِ العذبِ"
تصفعُني أكفٌ أربعُ (وجهايَ ينقبضانِ)
ـ هل هذا قِناعُكَ
وجهُ آخَرِكَ الجميلُ
مسافةٌ للفهم أو للرسمِ، رسمِ الفكرةِ العذراء في ألواحِ أوديبَ الأخيرِ ؟"
أقولُ:
ـ ما الألواحُ، مَنْ أوديبُ ؟"
تصفعُني أكفٌ أربعٌ للمرةِ الـ.../
ـ أوديبُ مَنْ أَلْهَى "أداةَ الماس" عنِ قطعِ المسافةِ
تصفعني أكفٌ أربعٌ للمرةِ الـ.../
ـ أوديبُ أنتَ
أقولُ:
ـ أعرفُ مَنْ أنا، أو لستُ
تصفعُني أكفٌ أربعٌ
ـ أوديبُ أنتَ، وأنتَ مَنْ هدَّمتَ "كهفَ القلبِ" فيكَ، هتكتَ سترَكَ، كنتَ أقربَ للحجابِ من الحجابِ
فقلتُ:
ـ أجهلُ ما الحجابُ ؟
وقلتُ:
ـ أجهلُ مَنْ أنا، مَنْ صاغَ لي قدمي الكليمةَ مرةً، من داسَها للمرةِ الـ.. "تغتالني هذي الطريقُ
أقولُ:
ـ تُدمي نزعةَ المجهولِ، تعرِفُهُ، وتنكِرُني
فتصفعُني أكفٌ أربعٌ
(وجهايَ ينقبضانِ)
تتسعُ الطريقُ إلى أثينا أم تضيقْ ؟.

دَيْــنْ

الذي أنتصفت خطاهُ بينَ حينينْ
عرَّفتُه شهوةُ البدءِ بالحمقْ
وأسلمتهُ تجاعيدُ النهايةِ للغيابْ:
أوديبُ أنجبَ إرميا
قُلْ هذه مرآةُ ليليَ مرةً
أو مُرَّةً
أوديبُ إرميا
وأنا وريثُ الراحِلَيْنْ.

مَنْ إرميا ؟
إنَّ الذي بيني وبينيَ إرميا
ربٌ لحبٍ لن يعودْ
وثنٌ كذاكرة السجودْ
"من للمحبِ ومن يعينهُ، والحبُ أهنأُهُُ حزينُه
أنا ما عرفتُ سوى قساوته فقولوا كيفَ لينهُ
إن يُقضَ دَينُ ذوي الهوى فأنا الذي بقيت ديونُه
الحبُ سجدةُ عابدٍ ما أرضُهُ إلا جبينُهْ
أفقُ الملائكِ نفسُهُ في البدء كانَ له لعينُهْ"
وأنا
لعينُه.

ـ هذا مقامُ السطحِ في عُمقِ النبي
ـ بل ذا تناوبِ عاشقٍ وفراغِهِ دورَ الغياب !.

عينٌ على امرأتي المدينة

على غيرِ عينِ اللهْ
تَصْنَعُ هذي المدينةُ أضواءَها
وعلى غيرِ عَيْنِيْ
تصنعُ امرأتي بريقَ الذكرياتِ
كلاهما امرأتي
وليلكُ هاجسي بفرادةِ المعنىْ
تتنافسان على رفيفِ مقاصدي نحو اليقينْ
أو تُبقيانِ محارَ شكِّيَ مُثْقَلاً بالممكناتْ
لا سرَّ خلفَ الإثنينِ ولا حجابَ
هما الحجابْ.

وأنا هنا
في سِدرة التأويلِ
ربٌّ عاشقٌ
أو عاشقٌ ربٌّ تشاغلهُ المدينةُ عن هواهْ
وتقودهُ امرأةُ المدينةِ كاحتمالٍ طائشٍ في منحناهْ
وتقولُ لَهْ:
ـ لم يبقَ منكَ سواكَ في جدلِ الحروفْ
ـ لم يبقَ من إنليلَ، تردفها المدينةُ بالتشفِّي، "غيرَ معناهُ الخرافةْ"
ـ ها نحنُ لكْ، تتغامزانِ كوردتي دُفلى طُرِدْنَ من النهارْ
ـ ها نحنُ، سيدنَا الهواءُ، ببابِ ليلِكْ.

وأنا هناكْ
نجمٌ على أبديةِ البابِ الكبيرْ
أحشو دمي بمفاتنِ الليلِ الذي سأُمِدُّهُ باللاوصولِ لماءِ معرِفَتي
وليسَ يمدني إلا بسخرية ابتعادِ معارفي عن مائِها:
ـ كمْ واحداً وَهَبَتْهُ إمرأةُ المدينةِ جازَها ومجازَها ؟
كمْ واحدٌ دخلَ المدينةَ، جهرةً، من غير بابكْ ؟
كم واحدٌ عشقَ المدينةَ
في غيابِكْ ؟.

بهجة الانتصاف

وردةً من فَراشِ الأَعالي
تَدخُلُ الشمسُ سريرَ هذي المدينةِ واسمَها في البعيدْ
توقِظُ في الملحِ بهجتَهُ
تؤثِّثهُ باليقين، وتمنحُ الناظرينَ ذريعةَ الحبْ
ثم تدعو لوكريتيوسْ إلى سماءِ السقوطِ من أرضِها:

"ههنا، مرَّتْ ظِباءٌ قبلَها في المغيبْ
ههناك، تغيبُ أغنيةٌ، بفعلِ الحبِّ، عن وجهِ الخليقةْ
ههنا طيرٌ تحاوِرُ في المعري ضوء رحلتِهِ الأخيرْ
ههناك، الطائراتُ تحرِّض الأشياءَ في أنقاضِنا أو في قليلِ زجاجنا للإنسباكْ
وأنا الذي في المنتصفْ، ينَ الهنا والههناكْ
أقطِّرُ الأشياءَ هابطةً مِنَ التَّكوينِ سَرعى للشَّفِيرْ" .

عنوانٌ واحدٌ للبـريد

في طريقي إليهمْ أمرُّ بهِ
في طريقهِ إليهمْ يمرُّ الله بيْ
ولا يرى اثنانا سواهمُ عندما نفترقْ
هُمُ الأعلى.

وحدهم يُمْضُونَ ليلَهُم الأبدْ
يتقاسمونَ أسِرَّةً من أرجوانِ الفجرِ قبلَ الإنفجارْ
يتناثرونَ على حدودِ الشوكةِ الكبرى، فلسطين، إنتظاراً للنَّدى
لا وردَ إلا هُمْ عليها.

مِنهمُ
الواقفين على شفيرِ الجنةِ الأولى
ومِنْ حكاياتِ الصغارِ الراسمينَ خريطةً بالشوكِ فوقَ الجنةِ الأُولى
ومنها سوفَ نبني في سماءِ الله قوساً للعبادةِ، قِبْلةً أُولى .. وقُبْلةْ
للذينَ يغادرونَ بلا حقائبَ أو وثائقَ للعبورْ.

همُ العبورْ متعمِّدينَ، كما الحقيقةِ
هَهُنا تركوا حقائبَهم ليحملَها بريدٌ مِنْ أَكُفِّ اللاحقينْ
واللاحقونُ سيتركونَ بريدَهم كالأوَّلينَ
بريدُنا صعبُ الوصولِ لجنَّةٍ أخرى
ولا عُنوانَ خارجَ سُرَّة الدُّنيا، هنا، أبداً سيعرفهُ البريدْ.

خارج فتنة الحَجَر

في ساعةٍ عَجْلَى
ـ كقهوةِ عارفٍ بالنارِ حينَ تخونُ عارِفَها
وحُبلى بالمقاديرِ الصغيرةِ والكبيرةِ والوَسَطْ ـ
كانت سماءُ اللهِ تنتظرُ انحناءةَ شمسِها لمسائِهمْ قبلَ الأخيرْ
خرجوا منَ الدنيا وكانوا
ـ مثلما كانوا ـ
صغاراً لا يريدونَ النجاةَ ولا العدمْ.

الليلُ يأتي لا كما يأتي النهارُ
ولا كما تدنو المدينةُ من بُحيرةِ ظِلِّها عندَ الظهيرةْ
والياسمينةُ تشتهي لونَ اليدِ الصُغرى التي لا تنحني في البدءِ.

تحترفُ البقاءَ
ـ الياسمينةُ ـ
لا تَرى لونَ البعيدِِ منَ الكلامِ
ولا تُرى في غيرِهِ
سِيَّانَ:
تَبقى
أو يزولَ الشِّعرْ
ـ أُمنيةٌ صغيرةْ.

في ساعةٍ عَجْلَى
ستبدأُ قصَّةُ الأشياءِ ـ "سِفرُ العارفينْ"
هُمْ:
واحدٌ
اثنانِ
بلْ
كانوا جماعةَ ذاتِهِم
ذاتَ الجماعةِ حينَ كانوا آخرينْ
عرفوا بأن غوايةَ العِنَّابِ تُفاحُ الخطيئةْ
وعليهمُ أن يجهلوا سِرَّ الخليقةِ كي يكونوا
ـ مِثْلَ باقي الخلقِ ـ
تيجانَ الفراغْ
لم يعرفوا أن الخطيئةَ
ـ كالحقيقةِ ـ
معرفةْ
لكنَّهمْ عرفوا الطريقَ إليهما بالقُبلةِ الأولى، وقد كانت صغيرةْ.

في ساعةٍ عَجْلَى كدورةِ ساقيةْ
هَرَبَتْ منَ الظمأ القريبِ إلى ارتعاشةِ ظِلِّها في صورةِ الماءِ البعيدةْ
هربوا مِنَ الماضي إلى الماضي
وحيناً خبَّأوا دمعَ الخطيئةِ والخُطى
لكنَّهُمْ لَمْ يكتبوا للعمرِ سيرتَهُ الصغيرةْ.

***

عبد السلام العطاري

  • من مواليد بلدة عرابة في محافظة جنين، عام 1965.
  • مستشار رئيس بيت الشعر الفلسطيني.
  • مدير تحرير المجلة الفصلية: أقواس الأدبية الصادرة عن بيت الشعر الفلسطيني.
  • معد ومقدم في إذاعة صوت القدس للبرنامج الثقافي التربوي: قناديل.
  • مؤسس ورئيس تحرير(سابقاً) لمجلة: أدبيات الالكترونية.
  • رئيس ومؤسس لاتحاد كتّاب الإنترنت في فلسطين.
  • عضو لجنة العلاقات الدولية لاتحاد كتاب الانترنت العرب.

صدر له:

  • دوثــان، شعر، بيت الشعر الفلسطيني، 2007.

Email: abedatari@yahoo.com

ثَوبْ

إلى أمي في رحمةِ الله.

لونها الأرجوان يروق لي
أنا
المتُْعَبُ مِنْ خطواتٍ تتآكلُ فَوقَ الطرقات
وهذا الطينُ تَبْغي
وَشَميمي ثَوبكِ
هذا أنا
وهذا وَجْهي
وهذا ضِلْعي مكسورٌ كساريةٍِ
ونجَمي يَسري تَحتَ خطى قَلْبي
ويَقْطَعُ رسومَ المُشاةِ سَريعاً.

هذا ما يُسْكِرُني
الحناءُ والتِبنُ
ويَرُدّني حيثُ اليَقظةُ
وترابُ الأرضِ يترنّقُ بِعَرَقِها
ويدُ أمي تَمسّدُني بيضاءَ كَلَوْنِ الرَّغْبة
يدُ أُمي تُعَلِّمُني ما لا أنسى.

أُرْجوحَة

على شجرةِ التوتِ
نَصَبَت أُمي أُرجوحةً
وأُختي (باسمة) تلهو بها إلى آخر القوسِ
أَما أَنا فلم أشترِ الهواء.

وبعدَ أنْ كَبُرتُ
مازالتْ أرجوحَتُها في صدري
تخفقُ
وضفائرها السنابل
أتبَعُها
وتَخفِقُ
تَخفِق
وتهفو الآن على وجهي !.

بِئر

ما زلتِ تسمعينَ القهوةَ
وتشربينَ فيروزَ كلَّ صباحْ
وأنا أنتظرُ المذياعَ
لكي أدركَ أنكِ في الشغف العالي
ذَبُلَتْ رائحةُ القهوة
وأنطفأَ بلّور الشجَن
وما زلتُ
أنتَظرُ
إحتساءَ ما تبقى من الوقتِ في نُحاس دلَّتنِا.

همس السيرة

هذا المساءُ
المتعبُ كقلبي مِنْ الرّصاصِ
وهذا النهارُ الطويلُ كَخُطْوَتي التي لا تصِلُ
فيهما تزدحمُ كلُّ خيولِ الغيومِ عندَ الغروبِ
والنسيانُ حديقةُ تفاحِ العتمةِ
ـ سنابلُ نيسانَ تعرفُ وُجْهَتي ـ
أبحثُ بين أوْراقي المبعثرةِ
عَنْ سيرةِ الطفلِ الذي كُنتُهُ
عَنْ حكاياتٍ بفمِ البلابلِ
وعَنْ نسمةِ صيفٍ حَملتني غداً
إلى رصيفِ أغنيةٍ تَذبَحُني.

متعبٌ إيقاعي كهذا الغبش العائم الْلَزِجِ
ووحدَكَ تحْمِلُ المقاديرَ
وهذا بحري هائجٌ وقاربي أضلعُ إبن نوحٍ
ومجدافي من يدي المقطوعةِ.

لكنَّ قَلْبيَ بوصَلةٌ تُشيرُ
إلى خُطايَ على الموْجِ
أينَ ستكونُ لي موجةٌ من خُطىً ؟.

(لَوْ كانَ يا امرَأتي شَعْرُكُ رصيفَ ميناءٍ ما تُهْتُ)
الليلُ صرخةٌ فاحمةٌ
والفَرْقدُ مثلُ مليّمٍ صَدِئٍ
أرْتَدَّ صَوْتي
شظايا وغبرةً.

صَوْتي يَتَكسّرُ على ألوان الطَيفِ
كانَ وحيداً بلا عائلةٍ
صوتي يشربه الموجُ
والفراءُ العذْبُ
و(السكسفون) القريب.

عرّاب الريح

الريحُ لُهاثُ البحرِ
والشرقُ وجهتُها
أتساءَلُ أينَ الشرقُ ؟
أنا الشرقيُّ عرّابُ هَدْأتِها.

إلى أين أيّتُها الريحُ تحملينَ ظمأَ الشقوق ؟
هُزِّي الجناحَ قليلاً لِيسّاقَطَ ريشُ القلبِ
ويهمسُ الرعدُ في الضلعِ العاري
ويَتَحَسَّسُ البرقُ الشَّمْعةَ في الزوابعِ.

ليهدأَ رأسُ الليلُ
وتَتَبدَّد أصفادُ العتمةِ من طيرٍ مبللٍ بالنعاس
فضِّي قمصانَ اللّيلِ
لِتَهدأَ أَجْنِحَتي على غَيْمَةِ وَقْدَِتها
أنا عرّابُ الريحِ
والشّرقُ وجْهَتُها
أين الشّرقُ يكونُ ؟.
بُحَّةُ صوتٍ ونعاسُ العنّاتِ
سأحملُ الريِحَ التي أٌدَوِمُّها لأطيرَ في الريّحِ
أطيرُ حيثُ أطيرْ.

حداء الشمس

على نِعْناعةِ نَبْضِنا
على وقْعِ سَبَلاتِ الشَّعرِ المُتبّلِ بالمَطرِ
تتلو قصائدَ الليلِ
وتملأُ راحَتَيْكَ بأنفاسِ الفراشاتِ
والبَيْدَرُ يلْسَعُ شَفَةَ القَلْبِ
بطَعْمِ أصابعِ الجدّاتِ والأثافي
بطعمِ البَرَدِ حينَ يَصْحو في نهار المَساءِ.

على وَقْعِ خُطى الرَصاص
يبتهج الموت
وسنسمِّي غدَنا ذكرى
هلْ نسمِّي أمسَنا غدَنا ؟
كيفَ نُسمّي الآتي عُمْرَنا الفائتَ
وشمسُنا عجوزٌ مرتبكة في الأنفاقِ ؟.

نُسَمي عيونَ الحنينِ شوكةً
ودمُنا ماءُ بئرٍ بلا قرار.

***

عبد الله عيسى

  • من مواليد دمشق، عام 1964.
  • حصل على الدكتوراه من جامعة موسكو المركزية.
  • عمل في الصحافة الثقافية مع منتصف الثمانينيات.
  • ترأس تحرير مجلة: الغد الجديد، وجريدة: عالم بالروسية، كما عمل ضمن أسرة تحرير: روسيا وأوراسيا، باللغتين العربية والروسية.
  • يشغل منصب أمين عام إتحاد الكتاب والصحفيين العرب الدولي في روسيا.

صدر له:

  • آلاء، شعر، 1999.
  • موتى يعدّون الجنازة، شعر، 1998.
  • حبر سماء أولى، شعر، 1998.
  • قيامة الأسوار، شعر، 2001.
  • مرايا الأصلاب، شعر.
  • الحبة الأخرى، مسرحية.
  • مختارات، رؤية نقدية، 1996.
  • الكلمة والروح في الشاعرية العربية المعاصرة، دراسات.
  • الشعر الروسي الحديث، ترجمة من الروسية إلى العربية.

قدود شامية

وإذ أرى صوتكِ العالي أصدق سورك القديم
دمشق
الياسمينة والحطّاب
الدمعة التي تجرَح والتمثال
ذاكرة الموتى، وحيرتهم فوق الصليب تبقّع الغد بي
أمّ اللغات وقبرها.

ليس نهراً ما حفرتُ، بل المجرى الذي أرّق الرواة
والعابرين المائلين على أسفارهم
ليس وجهي ما أرى في مراياي القديمة
بل أشباح أعدائيَ الأولى تؤول صورتي وكفيّ
فاحتمي بي من المحراث
ما زال الناي مثلنا
يطبع الأنفاس بيّنةً من غير سوء على أصابع غيرنا.

العناق طويلاً
موقظ الورد والدوريّ فوق سياج سوّرته ذراعاي
الكلام المعافى من أنين طغاة لا يحدّون ساوروا نقوشاً على الأحجار
والجبلُ الذي رأيتُ أعلى من الأوصاف يسجد من أجلي لظلّي
مآذن تبللّها ضراعتي كلما آخيت سرب حمام طاف في المسجد الأموي بي
وكنائس
كأنْ هبطت من السماء هنا بخبز عيدي القديم
الغوطتان
وما لم تطعما غرباء لا يزالون يلاطنون أسماءهم
وحبر حيرتهم خلف البحار التي جاءت بهم بدم ومنجلٍ كذبٍ.

لم يعرفوني، بظنّي، بينهم
بسلام مسّني برضا الموتى فساورني قتلاي، مثلي، على فحوى شواهدهم
أنا كليم الدرب، والدرب ذاته
أقود خطاي خلف ذاكرتي
بخيبة أسلافي وأدراج أوصاف أقلدها
فلا أنادى بغير إسمي
وأرفع دلواً آخرَ من غياض البئر
حتى أربّي الخرائط، بعدي، بين خبط جناحي طيرنا.

نفذت عيناي في مدن أخرى يعلّق أهلها مصيري على الأسوار
والأمل الذي لهوت على ضفافه بدمي
وغفلة الغد عن عقارب لدغت يدي بما أبطأت وقدّمت.

وأنا الماضي إلى حتفه مستبشراً
لا كمن يموت يأساً
ولكن متّ أكثر مما ينبغي
ورأيت القبر أوسع مما خصّني عابرون بدّدوا جسدي
على سريري الذي أقاموا طويلاً فيه
أعلى كثيراً من ملامستي لحصّتي من سماء فوق أكثر من أرض
يغذ الأقربون إليها بالمهاميز والرقى
وإلا فكيف لرعاة الماء ذاكرة الدفلى ليحفظوا وجهي ؟.

ليس في خبزهم ملح، مذ صرت فيهم نبياً، لا يخون وصايا بحرنا.

وبشقّ الأنفس أرتفعت كفّي بمفتاح بيتنا القديم
بما أُوتيت من أمل من فرطه قص رؤياي على قاتليّ
فلم يروني جميلاً بينهم
وأنا الذي، هنا وهناك، جيء بي
لأقايض الجنازير والحمّى بألمي
وأقتفي أثراً لنجمة ضلّلت قبلي جبابرة عادوا بألقابهم
كي يمدحوا غرّتي التي رمت قمراً على غريب سبى رأسي.

سدىً أستردّ ما أضعت
بمزماري وطبلي ومنشديّ
قد وهنت منيَ أنفاسيَ الأُولى
ومثلي جفّ الحبر في صحف الأُلى
ولم أرني أخفّ من حسرة أمحو ظلالاً غريبة
وما رطنت على حصى رأفت بسيرنا.

فغذّيني من خطاياي
لا بمرتقاي معارج القيامة
أو بظلمتي وسط مدّاحين ألقوا على وجهي قناع مذلّلي الروايات
لا بحاجتي لتلطفي بريبة أعدائي التي نهضت بعبئها بين أقراني
ولا بمجيئي قبلهم قاصداً ما شبّه ليدي التي تسلّم أنسابي وملكي لغالبيّ
ولا براصدي محنتي يؤولون كتابي في يميني
ويرون الموت مغفرة لي
بل بآثار زفرتي على وحشة الزجاج لا تطمئنّ للذي وهب الغافين رحمة قتّاليّ
بالطعنات المستبدات بي تخثّر الأبد المكلوم في ظهرنا.

ما جئتُ بي
لأهيئ القراطيس حتى يستوي الفاتحون
آيتي أن أنادى كي أصدّق أني صرت أجمل إخوتي
وإلا لماذا لا يزال قميصي راعفاً في "مغارة الدم" (1) بالمعنى وسيرة أحفادي
وما عدتُ كي أرمي على قاسيون الملتحي بلعاب الثلج والشيح قفازاتيَ البيض
لكن لأنجو مثله من قناع اتخذتُه وكيلاً
لا لألقي بأشواقي وفيض وجودي خارجاً
بل لأعلو عن مشيئة سارقي دواتي وما دّونته درجات
الثقالِ على النقود والأرض
أفسدوا ثماراً على الأغصان، واستدرجوا الأفعى إلى دنّ خمرنا.

برماد خافقيّ وقد أغواه نهرك
بالريح التي حرست مصير ظلي على أحجارك الأُولى
بجلجلة الموت الذي زارني في كوز تين
بأيامي التي سقطت أطرافها دون بواباتك السبع
بالذي ورثت من الصحاف تمحو جهالة المغيرين
والأختام ِ تروي الذي آلت إليه العروش
أسلك ما أريتني وسط مقتني المعاني
وعابري العذارى بأنفاس تؤرقنا فوق الأسرّة.

يا لخطوتي!
كأنْ
وحدها في الريح
ترفعني عن همّة القادمين بالثواب الذي لمستِه بيدين خصّتاني
فصاحبتُ النهار ونجمة السلالة حتى تهت فيكِ.

أمارتي علوّك بين النجدتين
لترفعي الذي هدّنا من وزرنا.

وكأنني أناديك بالأسماء كاملة
هنا ولدت شهيداً
بين مقبرتين أغوتا شهداءنا بما أنهمكت به يد الأبد البيضاء
كم كنت أصحو في الليالي على عهن النبوءة في عناقهم تصل الأرحام ؟
من قام في "نجها" (2) لينتدب المقيم، قبلي، في "اليرموك" (3) شاهد طعنتي
قد أنصرف الأهلون عني مروضّين فوق نمارق السلالة
مولمين للعابرين شهقتي ودمي اللّذين صارا قيامة تنزّهني فوق الشواهد.

عبرتي يدي لوّحت لي أن أعود
ولم أجد سوى جسدي يبعث من قبرنا
دمشق
كوني إذن ما شئت
حتى أكون ما أشاء
شفيعي ما أنال من العرجون بين حواريك العتاق
من النعناع إذ يتأمل الصبايا على الشرفات
أو يوقظ الغد المكابر في شاي الصباح
بما أُسرّ حين تجمّلينني بالذي لم ينكشف لسواي في مراياك.

ذاتي عين ذاتك
مذ أضاء قلبي بها
والحب ديني.

فأشتكي مني لخوفي عليك
للمعارج مطمئنة الغد بين "الصالحية" بي وطلعة "الشيخ محيي الدين" (4)،
للمطر الذي تلطّف بي فوق الصليب.

كأنني أموت لأحيا بين موتى رأوني ميتاً بينهم
فتوّجوني على أطيافهم حارسا
ليكسبوا ودّ أعدائي
ويمتحنوا الأقدار في صبرنا.

***

عبد الناصر صالح

  • من مواليد طولكرم، عام 1957.
  • حصل على درجة البكالوريوس في علم النفس والإجتماع من جامعة النجاح الوطنية نابلس.
  • عمل في مركز أبحاث جامعة النجاح الوطنية، ومدرّساً في كلية النجاح الوطنية نابلس.
  • أعتقل لسنوات في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
  • يشغل منصب مدير عام وزارة الثقافة لمحافظة طولكرم.

صدر له:

  • الفارس الذي قُتل قبل المبارزة، شعر، 1980.
  • داخل اللحظة الحاسمة، شعر،1981.
  • خارطة للفرح، شعر، 1986.
  • المجد ينحني لكم، شعر، 1989.
  • نشيد البحر، مطولة شعرية، 1990.
  • فاكهة الندم، شعر، 1999.

امرأة في الحديقة

ثَمّةَ امرأةٌ في الحديقةِ
ثَمّةَ وَجْهٌ جَميلٌ كشَمْسِ الصّباحِ
وعَيْنانِ تَنْتَسِبانِ للبحرِ
غادَرَ سِرْبُ العَصافيرِ
وَهْيَ جالِسَةٌ حولَ نافورةِ الماءِ
(تُشْعِلُ سيجارةً)
تَتَأمّلُ غُصْناً من النّورِ
بينَ خلايا الشّجَرْ
ـ كنتُ أرْقُبُها ـ
وهي تُضْفي على الوردِ
رائحةً من شَذاها
وتُحرّر ضحكَتَها من إسارِ الضّجَرْ.
ــــــــــ
ثمةَ امرأةٌ
ـ كنتُ أرْقُبُها ـ
تتأمّلُ خاتَمَها الذّهَبي
وتقرأُ في سِفْرِها قصصَ العشقِ
تَضْحكُ للطيرِ حين يُظلّلُها بجَناحيْهِ
ترسمُ في صفحةِ العُشْبِ تُفّاحةً وقَمَرْ.
ــــــــــ
ثَمّةَ امرأةٌ
تَتَبوّأُ مَقَعَدَها الخَشَبيّ
وتَمْشطُ أهدابَها في المرايا
ـ ما الذي يَتَراءى لها في الحديقةِ ؟
قلتُ أَحُثّ الخُطى نَحْوَها
وتَقَدّمْتُ
لكنّني عُجْتُ مُنكَسِراً مثل غَيْمةِ صَيْفٍ
وتَمَلّكَني الخَوْفُ
حينَ سَمِعتُ صدى الصّوتِ يأتي
ورأَيْتُهُما
....
....

كانتِ الشّمْسُ تَرْسو بعينيها
وتَوارَتْ في الظّلْ.

حالاتُ البحّار العاشق

للبحرِ أخيلةٌ
وهذا الموجُ أزرقُ
غيمةٌ غسلتْ ضفائرَها
وبحّارونَ يحتفلونَ
رائحةٌ تجيء من المدارات البعيدة
شاطئٌ يرنو لأغنيةٍ
وأطفالٌ يحثّون الخُطى
في البحرِ
كم في البحرِ من صدفٍ
وأسمالٍ تزيّن طقسَها في الماءِ
وامرأةٍ تشيّد معبداً للعشقِ
فوق الرملِ
ترسمُ ظلّها المحفوفَ بالرغباتِ
تنثرُ نبضَها
فأشمّ رائحةً تهدهدُ نبضيَ المُلْتاعَ
أطلقُ رغبتي
وأدقّ أجراساً لها وقْعُ القداسةِ حين تأتي
قلبي على الشطآنِ يحرس حلمها
وربيعَ فرحتها
فتكتملُ القصيدةُ
يقفز العبقُ المخبأ في الضلوع
الشمسُ تلبسُ تاجها
وتفكّ قيدَ حنينها للبحر والأشجارِ
مسرعةً تمرّ كخُطوتي
لتضيءَ أجنحةَ الحروفِ وغابةَ الكلمات
مسرعةً تمرّ كلهفتي عند اللقاء
كلهفةِ العشاقِ ينتظرون ليل جنونهم
لا شمسَ إلا وجهُها
لا نسمةٌ تأتي مع الأمواجِ تعبر جذب أيامي
سوى مطرِ الجدائلِ
كنت أسكن نارها
وبراعمَ الرّمان في دمها المؤلّه
انتشي بندىً يلامسُ خضرةَ العينين
ترْمقني بنظرة وَجْدها
وأسائل الغيمَ المكدس عن جوانحِها
فيسبقني صدى صوتي
لموعدنا الذي قد كان
أيُّ قصيدةٍ ستعيدُ موعدَها الذي قد كان
أيُّ براعةٍ ستضيء جمرَ الخوفِ والصّبوات
أذكرها تجيء بثوبها الريفيّ
يَعْمُر صدرَها ألقُ الأُنوثةِ
تستفزّ أيائل الغابات
حين تطير بين ظلالها
وتهزّ جذع العمر
تسقط صورةٌ لربيعها الأبديّ
أذكرها تراقصُ موجةً
فتحتْ ذراعيْها كعاشقةٍ
أمام البحرِ
أذكرها
تجففُ دمعَها الملكيَّ
عائدةً إلى عذرية الزيتونِ
كيف أردُّ نبض القلب حين يفيض رقراقاً إلى لغتي
فيأتلفُ الكلام ؟
يمّمت وجهي نحوها
وأضأْتُ ليلَ قصيدتي من فيْض نظرتِها
لكأنّ بي عطشَ الترابِ لخطوها
سمّيتُها عمري المؤجّل
بَوْحَ ذاكرتي الخصيبة
كلما جفّ السحابُ رأيتني مطراً على شباكها
مطراً يدغدغ حُلمها بفراش أُغنيتي
ويمسحُ صورةَ الجرح القديم على الضفاف
هو ذا فضاءُ قصيدتي
صوتي الذي يمتدّ من وجعي إلى زمنِ البشارةِ
حاملاً لغةَ البكارةِ

كلما خلعتْ ظباءُ الحيّ نصْل الخوف عن وجناتها
أدركت أنك سوسنُ العمر الذي يلتفُّ حول أصابعي
ويعيدني لبراءتي الأُولى
لعشبِ صلاتي الأُولى
ودالية يراقصها خشوعُ الناي
كم قلتُ:
وجهك مبتغاي
كم قلتُ:
أكتبُ
ثم تسْبقُني خُطاي
هل قلتُ شيئاً غير ما لفظتْه أنفاسي
أمامَ البحرِ
فأنْبَجستْ مزاميرُ الصبابة
هل حفظتُ العهد حين رميتُ
غُرّةَ شعركِ المسدول
بالسمك الملونِ ؟
أم أرقت مساءك الطّلليّ
فوق يباب صدري ؟
في البحر أخْيلةٌ
بحّارٌ يزين طقسهُ المائيَّ
وامرأةٌ على شباكِ معبدها
استقامَ الوزن
واكتملتْ قصيدة.

***

عثمان حسين

  • من مواليد رفح غزة، عام 1963.
  • حاصل على درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني من جامعة العالم الأمريكية غزة. عضو إتحاد الكتاب الفلسطينيين.
  • مؤسس ورئيس جمعية ومجلة: عشتار، للثقافة والفنون.
  • شغل منصب رئيس القسم الثقافي في صحيفة: الوحدة الظبيانية، الإمارات.
  • كما شغل منصب المدير التنفيذي لمؤسسة: بيسان للإعلام.
  • ويشغل حالياً منصب مدير الدائرة الثقافية في مركز التخطيط الفلسطيني.

صدر له:

  • رفح.. أبجدية ومسافة وذاكرة، شعر بالإشتراك مع خالد جمعة، 1992.
  • البحّار يعتذر عن الغرق، شعر، 1993.
  • من سيقطع رأس البحر، شعر، 1996.
  • له أنتِ، شعر، 2000.
  • الأشياء متروكة إلى الزرقة، شعر، 2004.

نكوص

تنبعين الآن
أيضاً
ستعبرين غداً
ذلك المستور في انسيابكِ المطمئن إلى جروحك الأربعين
وأحياناً تشبهينَ الكتابةَ في ضوءٍ خافت
أو لعنةً قديمةً
كم تشبهينني !!
تقدّمي
تقدّمي
صحرائيَ تجلدُ النبعَ
والقوافلُ على رسلها مذ كانت تروّجُ شائعةً خرساء
ستحمي الغيمةُ خيبةَ الصحراءِ
وسأبدو قطرةً على رأس إبرةٍ
تقدّمي إذاً أيتها الأربعونَ
مضيئةً كفتنةٍ ومسكونةً بالأحوالِ
لن تفهمي الموتَ عنوةً
ولن تخسري خسارةً ترصدُ التفاصيلَ والضعفَ
والمؤخراتِ
جرّبي
وأدخلي رأسي كأيةِ فكرةٍ حادة
سينزفُ الوقتُ ويبحثُ في أروقتي عن خيباتٍ
لم أسمع عنها
(الطريق تجري إليكِ، وتشرب لهاثها)
فجراً
يدقُّ جارُنا الجدارَ ويأمر الليلَ:
أُخرجْ ذليلاً
تثاءبْ بعيداً هناكَ.

الفجرُ يدق جارنا في الجدار
ويمضي كالحاً
وأمضي نبياً تجاهلته السماءُ
ومن أعلى شاهقٍ
أنثر الحكمة والعتمة
أُسرج الناهياتِ
وأخرج إليكِ نافضاً غبارَ النبوءة
ومتبوعاً بأربعينَ مارقٍ يملكونني
مانحاً فكرتي نداها
يخرج الليلُ حاملاً فضاءهُ
صاعداً إلى رحلةٍ دافقة.

مخيم بلوك (o) (*)

كان يجب عليّ الذهاب، قلت: كان يجب. البرابرة يحاصرون الوقت والمكان، يحاصرون تلك الأنفاس اللاهثة في الزقاق المتفرع من خيبة الرحلة الطويلة. الإنفجارات تتلاحق والخوف سيد الموقف. الخوف المبرر والمنتصب في وجه التاريخ بمفترقاته الشاسعة. يرصدوننا ونرصدهم ونحاصر مجدهم بضعفنا. قذائف الدبابات ورصاص الأسلحة الخفيفة وحقدهم، جميعها تتدحرج أمام آلة الهدم.
سأذهب الآن. الأطفال الكثيرون، النصف نائمون يتعثرون ويسقطون أثناء تدافعهم من بيوتهم عند ساعة الفجر الأولى. البيوت التي ستسوى كلعنةٍ مفاجئة بعد لحظة واحدة.
يحمل الأب أطفاله ويندفع كقذيفة خارج كومة الإسمنت التي ستصير بعد قليل جداً آه.. لو لم أنسحب قبل لحظة منك، لظل "أحمد المنسي" تحت الكومة التي صارت، كأنني على موعد مع النسيان المبرر، أيضاً.
الساعة تجاوزت أول الفجر والقذائف تدك البيوت المتهالكة، وآلة الهدم العمياء تتقدم صوب بيوت المخيم الغارقة في بؤسها.
لكنهم يفرضون شروط المعركة، ويهندسون ملامحها ومع ذلك يتساقط الأعداء كثمرات فاسدة، رصاصات غاضبة تصرخ في وجوه جنودهم، من أسلحة هزيلة.
يشتد وطيس المعركة. مساجد المدينة تكبر بصوت واحد. تدعو مسلحي كافة الفصائل إلى الدفاع عن بلوك (o) المتهم في جغرافيته، وبرجا الحراسة الإسرائيليين يغطيان جرحاهم بمزيد من النار. المساجد تواصل صراخها، والمقاتلون يستحكمون في مواقعهم الطارئة وينشرون الرعب في ترسانة العدو.
يزداد الضغط على ساكني المخيم، آلاف الصُّدَف تملأ ساحة المعركة، كل واحد يحمل صدفته الملقاة تحت قدميه ويهرب إلى المجهول البيوت لم تعثر على صدفة واحدة، كذلك الأشجار المشتعلة بصواريخ ضالة، لم تعثر على صدفتها، أيضاً، سكان المدينة يملأون الشوارع يجيئون ويذهبون دون غاية أو هدف، يشبهون أسوداً تدور حول نفسها في أقفاصها المنيعة. الانفجارات تصم الآذان.
الخوف ما زال يملأ رؤوس الناس. والقلق يحدق في ملامحهم الباهتة، عتمة الفجر تعيد تشكيل القلق لديهم. سيارات الإسعاف تداهم توقعات البارود. أما ذهابي فقد كان مبرراً، حين تركت الشاشة ولحظة مسروقة تبصرها عيناك الجميلتان.

مناجاة

هنا
بين يديك السماويتين
تركت مخاوفي مضيئة بفتنة المجد
أترجل ذراعاً شهوة
أو
عابراً بينهما:
في الحالين لن ترتجف سبابة القناص
بثبات سيضغط مرة واحدة
أنفجرت تلك الضحكة المتروكة
لوثت عقارب الأمام
ـ الرعد ينفجر، أيضاً
ـ وعين جارنا الصغيرة أنفثا سحرها
يا لفضائحي
البليغة.
كنت كذلك، مغرماً برائحة الشيء، تقرأ التفاصيل بأنفك النبيل
وأنت الذي كنت تمسح روائح العابرين بين يديك، تتذوق أرواحهم
تميزها
تميز ما تشتهي
فضحية أُخرى أو رائحة.
لكنه دمي
يفضحني
تلك التي لم أطأها (يهرب إلى شرفة البيت)
أعلّقه فارداً دفأه على الجدار
تنهض البقايا ـ يا لها الكائنات تظل دائماً إليّ ـ
ويعلن الدم تحيته.

هكذا أنت
أعطيك دمي
خلاصة النار
وأبدو كمن أدرك الله بغتة
يشعل السحر فكرةً على حافة الرصيف.
يشعلها في سرير عشيقين (المكان ليس مهماً)
لفكرة ذات شاربين ناعمين
هي التي تقول:
لا أنثى سواي، كم كنت رشيقة هذا المساء ؟
يا لهولها
يا لهولي
(الموت يشتد إنتصاباً بين يديك الترابيتين).

من تكونين أيتها الفكرة حتى تعزفي الأنوثة أمام ذكورته ؟
يا لهولها
حين تسبل شاربيها
يا لهولي جميعاً
لم يحمني سواي
أو للبيت رب يحميه
سأهتف دائماً:
يراني دمي ملطخاً بيوم غامض الليلة
لم يحمني سوى دمي
ولم تحترس "الأباتشي" من سمائك العارية
(أبتسم إلى قسوة المشهد الراعف)
تدفعني الفراشات
أقتبس من فيضها بلاغة
أزاحم النار بكتفي النحيلتين
الفكرة حمراء
أيضاً.
أجلس هذا المساء بين يديك الحافيتين
يقتحم اللحظة
يجلس معي
الضجر على حافة الكرسي
تكسر القذيفة ضجيجه
فأسقط بين قدميه صارخاً:
أحمني أيها الضجر.

يا إله المكدسين في جيوب الطريق
تراك لاهياً، معفراً، وهازئاً، مجيداً ببحيرة تدوسني بنعليها الأحمرين
أما أنت يا إلهنا جميعاً:
أمنح دمي لونه
مزيداً من الثرثرة
خلاءً شاسعاً ذا ساعدين.
سأروض شكله كإلهٍ أحمر
ـ في أي ماخور سأعثر على مفتاحه، ومن أي باب سأدخل ؟ ـ
الجدران تراقب دفأه المفرود على هامش الوقت، وأنت تراقب الجدران ويديك
وهذا المساء المكتنز
هذه العتمة الوارفة
الرصاصات الحائرة في سمائك الباردة
وهذا أنا أحدّق في دم الليل:

ـ الأمر بسيط وينزوي ضجيجاً أحمر.
ـ أية فاكهة مغرية تلك !، أية محنة تقدس الضحية !.
ـ إنه البارود، حاصد الهواء والأنفاس.
ـ كل قذيفة جائعة.
ـ سأنتظر حتى يرجموك بالطحين.
ـ سننتظر بهجته في عتمة الجوع.

***

علي أبو خطاب

  • من مواليد غزة، عام 1976.
  • تخرج من جامعة الزيتونة الأردنية تخصص ترجمة لغة إنجليزية.
  • يعمل مدرساً للغة الإنجليزية في التربية والتعليم.
  • أمين سر جمعية شموع للثقافة والفنون.
  • مؤسِّس جماعة تجريب.

لم يصدر له أي كتاب.

هايكو عشتارية

جسدكِ سماءٌ
وجسدي أرضُ
فمتى يختنقُ الهواء ؟.

كانَ حبٌّ
ثمَّ كانَ موتٌ
ومنهما كان الخلود.

هل سماحٌ موسيقى
أم إله تعرّى
أم زمناً لا يموت ؟.

جسدكِ نورٌ
ونفسكِ نورٌ
لكن عقلكِ مصدرُ كلِّ نور.

إذا كانت الجنَّة عيناكِ
وشفتاكِ النارُ
فماذا يكون الجسد ؟.

رسالة إلى عشتار

على شفا الحبِّ أنا
عيناكِ غابتانِ من البنفسجِ
شعركِ مساحةٌ للرحيلِ
شفتاكِ لؤلؤتانِ من الشهوةِ
نهداك سماءانِ من التفاحِ
ردفاك عصارةُ المستحيل
لم أرَ قبلكِ امرأةً تمارسُ الجنس بكل أعضائها.

2

جسدكِ وطني الذي نفيتُ عنه
فهل تمنحيني حقَّ العودة ؟
أنا لاجئٌ لا منتمٍ
فهل تمنحيني حقَ اللجوءِ لعقلك ؟
هل تقبلي تزاوجَ عقولنا
ودعوتي للجنون ؟.

3

في صباحاتٍ من عدم
أشتهي النبيذَ من بؤبؤِ عينيكِ
واحتضانَ شفتيّ لشفتكِ السفلى
يا كعبتي
أريد الحجَّ لفوضى وجودك
- كم يرتفعُ نهداك عن مستوى تفكيري ؟
- كم أحبكِ لحظةَ قصفِ الأباتشي ؟
- كم أموتُ حينَ يموتُ صوتك ؟.

4

أنتِ شكلٌ آخرٌ للموتِ
أو لغةٌ أُخرى للصمتِ
أحبك رغمَ نزيفِ العبثِ من وجعِ النهارِ
ورغمَ اندلاعِ النارِ في بخورِ القلبِ
أشتهيكِ فكرةً
يراوغني جسدكِ
تملأني نفسكِ
يا نصّي المفتوحِ على احتمالاتي.

5

على حافةِ الجنونِ أنا
أريدُ أن أنتحر
فأموتُ بكاملِ سعادتي
فبعدَ أن عرفتكِ
أصبحتْ رائحةُ أّنثى في دمي.

تنويعات على سفر التكوين

في البدء كانت الرغبةُ
تدورُ في اللامكانِ
عانقتُ الوهمَ
فماتت كالدخانِ
وحينَ انتشت بنورِ الحقيقةِ
ضاعت في صمتِ الزمان.

2

في البدء كانت القنبلةُ
أشعل فتيلها الإلهُ
فتتناثرُا أشلاء.

3

في البدء كانت التفاحةُ في يدِ حواء
ويدِ قابيل تحملُ السكينَ
وعنقُ هابيل سالَ دمهُ
حين أكلَ آدم التفاحة.

4

في البدء كانت الجريمةُ
وهي الأولُ والآخرَ
وكان الحقدُ
وهو الظاهرُ والباطن.

5

في البدء كتبَ الإله سيرتهَ الذاتيةَ
على اللوحِ المحفوظِ
وحين حيَّرنا القدرُ
قلنا الخير من اللهِ
والشرَّ عبثُ الشيطان.

6

عذراً للشيطان.

بعض تعاريف لبعض العبث

[ الحيــاة ]
رغوةٌ تعانقُ الغبارَ
رائحةُ خصيتين في صيفٍ قائظِ
ملابسُ داخلية اعتراها الذبول.
[ القــدر ]
بوصلةٌ تعاني التفسخَّ
وحلٌ من بلورٍ
إلهٌ من ضباب.
[ الشهــوة ]
رائحةُ لوز مرٍّ
انعكاسُ دخانٍ في مرآة
رمادٌ على نهد عاهرة.
[ المـوت ]
عقوبةٌ ليستْ أسوأُ من الحياة
مصيدةٌ تعانقُ الدهشة
فخٌّ من هشيم.
[ الكتـابة ]
شظايا مجهولةُ المصدر
فرصةُ اللاوعي قبلَ الوعي
مضاجعةُ القلبِ للعقل.

***

عماد الموعد

من مواليد دمشق، عام 1965.
يعمل مترجما.

صدر له:

  • غبار، شعر، 2000.

يباس

مثل ماء يسيلُ من إناءِ مثقوب
ثقلت
الرغبة من يديّ.
*
كان الصبي
يشاكس مسيحه:
أنا برية الغزالات
أنا نحلة النشيد.
كان يحترف الغواية:
أنا الهواء
أنا
ثم جاء في غفلته
من رمى جمرته في الغياب.
*
هزمني اجترار الكلام
هزمتني امرأة سلمت نفسها للنسيان
فنستني.
كانت غيماً
وكانت كرزاً تناثر على بابي.
هزمتني وحشة المدينة
ما من ساحة عادت لي
ما من جدار يظلِّل غفوتي.
منّ سرق الشام من ياسمينها
من سرق قلبي من شهوته ؟.
*
أذكر فيما يذكر العاشق
أن قلبي كان وسادة
وأن براري
النهد
كانت تغسل نهاراتي
كان وجه المدينة طفلاً، والورد النائم في عينيها بزهو.

أذكر فيما يذكر العاشق أن الفصول كانت تجيء ولا تجيء
كان
للكلام
موجه
كان للسرير ماؤه.
أذكر فيما يذكر العاشق
هذي
البلاد
كانت
بلادي
وهذي النساء كانت جنوني.
*
لا شيء تغيّر
الطاولة
كما هي
المزهرية
الكرسي
المقعد الخشبي
السرير
المرأة
رفوف الكتب
الدمية
صور الجدران
لا شيء
تغير
سوى نرجسة ذوت روحها.
*
هناك
في آخر الأشياء
يحدث أن تصحو الطفلة من طفولتها
لا دميةّ تلاعبها
لا فراشة تركض وراءها
يحدثُ أن يصمتَ نحو المدينة
لا ماء يحمله
لا وردةُ يسقيها
يحدث في آخر البراري أن يصير العشاق تماثيل شمعٍ تذوبّها النار.

ما عاد لنا

ما عاد لنا
أن نراقص الرمل
لنظفر بقبلة.
ما عاد لنا
أن نرفع القلب
راية وأن نجعل الحلم شرفة للجنون.
ما عاد لنا
أن نترك
العصافير
على مقصلة الوعد
وكلُ القطارات مضت دون أن تجيء
نافذة لاحتمالات
السماء.
ما عاد لنا
أن نصلي
لباب يدنس براءة الوجوه
التي غادرتنا، وما كفت تساور الدم بوردة دفلى.
ما عادت
خاصرةُ المساء لنا
دون أن يتراخى
زبدُ الكلمات
عن مواجعنا
ما عاد لنا
ما عاد لنا.

موت

أردنا
أن نرقص بين هلاكين
وأن نبدعَ لليل
امرأة.

وأردنا
أن نفرغ البحر من مائه.
هل سنجدُ ـ الآن ـ بيتاً على أمواجه ؟
هل سنجد موتاً
يطفئ
وقت الإنتظار ؟.

هروب

لا وقت لدي
كي أمنح عري الهواء
لأن أسرق مرة أخرى الفراش.
لا وقت
وذئبة العرش
تكتمن
بلا عناء روحي
وتدحرجُ ظلي للرماد.
لا وقت لدي
أنا من كان يحلمُ
أن يكون سيداً لسهرة
صباه ؟
من كان يعانق طينَ الغوايةِ
ويهدهدُ الطفل ليراه إلهاً
يخلعُ بطش الأقارب على ستائر كذبته ؟.
لا قوتَ
لا وقتَ لدي
إلا أن أمضي
لأترك
لك كل هذا الإرتباك.

***

عمر شبانة

  • من مواليد عمان، عام 1958.
  • نال درجة البكالوريوس في الأدب من الجامعة الأردنية.
  • عمل في مجال التدريس.
  • كما عمل في الصحافة العربية كاتباً للمقالات ومراجعات الكتب.
  • يعمل حالياً مسؤولاً ثقافياً في صحيفة: الخليج، الإماراتية.

صدر له:

  • احتفال الشبابيك بالعاصفة، شعر.
  • غبار الشخص، شعر.

الشاعر

مقدمةٌ:

...
هنا
سيقول نقادٌ:
قصيدته غنائية
ونقادٌ:
رثائية
ونقادٌ:
مباشِرةٌ
ونقّاد:
معلّقةٌ تصوِّر ذاته
وتقول سيرته
وفي المقهى
يقول شويعرٌ:
هذي القصيدةُ جدُّ تافهةٍ
عمودية !.

1

هنا
في الطابق العاشرْ
يقول لنفسه الشاعرْ:
بدايات هي الدنيا
نكون هنا
ونرتحلُ
ونبدأ من هناك
كأنما ننسى
وننشغلُ
بدايات تمرّ كما الفجاءةُ
نحضن الأيامَ في حزنٍ
وتحضننا على ألمٍ
ونكتهلُ
بدايات حياة المرء
رحلته
حدائقه
منازله التي يبني
خلايا الحبّ في دمه
كؤوس العمر يشربها
على مهلٍ
بداياتٌ هي
الأزلُ
هي الدنيا
تقول:
تعالَ
والأملُ
يجيء كما الحقولُ
كما الينابيعُ
وبين بدايةٍ وبدايةٍ
نمضي
كأنّ العمر ليلٌ نستريح إليه
من موت طويلٍ
أو عناقٌ عابرٌ
فجراً.

2

هنا
في الطابق العاشرْ.
هنا
في غرفة
بالطابق العاشرْ.
هنا
فوق المدينة
بين أبراجٍ المدينة
فوق بحرٍ هادئٍ
بين إرتعاشاتٍ وضَوءٍ ساخنٍ
بين إنكساراتٍ وحلمٍ
يرقد الطائرْ

هنا
في ليله
في الطابق العاشرْ
ينام الذئب مكتهلاً
ينام الكهل ذئبياً
ينادم ليل غربته
ويشرب لحن منفى الكأسْ
ويرسم عن مدينته
شظايا ذكرياتٍ
أو ظلاماً ساطعاً يكتظّ بالشهداءْ
ويعزف في ليالي عالم الموتى
أغاني الحبّ والحرية البيضاءْ
ويكتب من مدينة عشقه حباً
يغني حالماً بمدينة الأحلام
يرقص ذكرياتِ تشرّدٍ
ويطير محتشداً بوهم الموتْ.
هنا كهلٌ
يحاول أن يعيد طفولةً
ويعيد أشجاراً
وحقلاً كان يلسعه بشمس الغور
كهلٌ يستعيد بيادرَ انتُهكتْ
على إيقاع بحرٍ ميّتٍ
وصدى فدائيين عند النهر
كهلٌ ناهز الخمسين
كهلٌ لا يحسّ كهولةً في الروح
بل في الذكريات
كهولةٌ تنمو كما الشجرُ.
هنا
في الطابق العاشرْ
تجيء الذكريات
كما يجيء الموتْ.
هنا
في الطابق العاشر
هنا طفل يخبِّئ في حقيبته
دفاتر من رصاص للفدائيينْ.
هنا
في الطابق العاشرْ
فتىً حمل الرسائل
من مخيَّمه إلى منفى المكاتب
حالماً بهواء قريته وراء النهر
يتبع نهر أفكار
ويسبح في مياه الغربة السوداءْ.
هنا رجلٌ
تشرّد في العواصم
حاملاً وهماً جميلاً اسمه:
الثورة
وضلّ وضاع
ضاع وضلّ
حتى ضاقت الدنيا بقامته
وصار فضاؤه حفرة.
هنا
في الطابق العاشرْ
هنا تتجمع السنوات يوميا.ً
هنا كهل
يجمِّع ذكريات العمر
جدات وأحفاداً
يرى ما لا يرى الناسُ
يرى في عمره برقاً عجوزاً
قادماً من عهد آدمَ
أو
يرى السنواتِ أيّاما.ً
هنا كهلٌ
هنا
في المنزل الملمومِ
في (ماركو)
قُرَيبَ بحيرةٍ صغرى.
هنا
ما بين فيروزٍ وكورساكوفَ
بين البحر والجبلِ
وبين حضارة دالتْ
وبين حضارة همجية
تحتل صدر الكونِ
بين الصين والرومان والهكسوس
يأتي الراحلون إليهِ
يحضر كل عشّاق الزمان إليهِ
يحضر طرْفةُ بن العبد
مصطحباً جحيمينِ.
هنا أوفيد مصطحباً جحيم "المسخْ".
هنا دانتي وكوميديا الإله يصوغ رحلته
ويأتيه ابن برد والمعرّي
والنواسيّون
يأتيه البدائيون والغجرُ
أتى دالي وبيكاسو وجرنيكا
ولوركا جاء يحمل سِفرَ نيرودا
ليشهد أنه قد عاشْ
كافافي جاء يكتب لوحة المدن الخراب
وجاء من جاءوا
وجاءت صورة أخرى من "الأرض اليباب"
وجاء صاحب "وردة" رسم الكنيسة
جاء هنري في "مدارات" الفضيحة
جاء ويتمانْ حاملاً أوراق عشب يابسٍ وبكى
أتى السيّابُ
يحكي قصة عن مومس عمياء
يعرفها
ويبكي غربةً فوق الخليج.
هنا
هنا في الطابق العاشرْ
أتى الجنديُّ والعدوانْ
أتى عمران
من ملاّجة الشعراءْ
أتى القيسيّ
يقرأ في الوداعيّة:
"لأيامي
لدفقة زعتر الجبلِ"
أتى من مهرجان جرشْ
ليبكي مقتل الحنّونْ
أتى من موته
ليقول غربته
أتى ليقول:
(كم سنموت كي نبقى معاً)
وأتى
ليعزف نايَ أيام المخيم
أو ليعزف نايه في شارع المنفى
هنا سيبوح صوت الشعر والشاعرْ.
هنا في الطابق العاشرْ:
لروحك يا محمد
يا صديق الصعلكات
وسيد الغزلِ
أعبّ الكأس تلو الكأس
أشرب ما تبقى منك في روحي
وأسكر من قصائدك التي حفرت
دروباً ليس ينساها الزمانُ
أعبّ أياماً شربناها معاً
في المكتب السريّ
أو في بيت ليلى
يا أمير الشعر والترحال
وجهك لا يفارقني
بلحيتك المهيبة
أو بصوتك
ذلك الجبليّ
أو بحدادك الأزليّ
فأذهب في الخلود
إلى نهايات الخلود
ودعْ دمي يبكي.
هنا في الطابق العاشرْ
بكى الكهلُ الوحيدُ رفاقَه المتشردين
بكى شعوباً كالهنود الحمر تنقرضُ
بكى شمساً يغطّيها غرابٌ معدنيٌّ داعرٌ
وبكى
بكى قمراً صديقاً غاب في الحاناتِ
يشرب بالكؤوس "مجرةَ القتلى"
وآخرَ دمرته قذيفة
والثالث اخترقت خلايا روحه
دبابة السرطانْ.

***

عيسى الرومي

  • من مواليد يطا بالخليل، عام 1969.
  • يعمل موظفاً في مختبرات وزارة الزراعة.

صدر له:

  • بيت الزمان، شعر، مركز أوغاريت للنشر والتوزيع، 2007.

Abu_ roumi@yahoo.com

الاعـتـقـال
كانت الليلةُ ريحاً ورعودْ
والليالي في بلادي ماطرةْ
وقع أقدامٍ على زهر الحديقةْ
يتدلّى من سقوفٍ نافرةْ.
*
كسروا البابَ
وقالوا:
أين أحمدْ ؟
أين من أشعل في الأمس الحرائقْ ؟.
*
أخذوني
وأخي يبكي عليّا
قلت للجندي:
مهلاً!
قبلتي ليست دويّا
يا أخي:
لست أنا وحدي النبيّا.
*
وضعوني وسط غيهبْ
والزنازينُ حرابْ
قلت للسّجانِ:
إني
أبصر الآن براكينَ وكوكبْ
تجعل السجنَ خرابْ.
*
عندما جاء الصباحْ
صلبوني فوق أعواد اللهبْ
قال قلبي للرياحْ:
رغم موتي
سيظل الرأس مرفوع الجبينْ.

الكلمات الأخيرة

1

فلتكتبوا إن مِتُّ فوق القبر يا أهل البلدْ:
هذا ارتأته حبيبتي وأنا وفيتُ إلى الأبدْ.

2

ستمضي حياةٌ بين روحي ومهجتي أُوزّع فيها الحزنَ يوماً وَأَجْمَعُهْ
ولولا كتابُ الله حرّم نَزْعَهـا
لَبَلّغْتُ للرّحمنِ ما هو مُوْدِعُهْ.

3

إذا ما الندى جرحَ الطيرَ يوما ً
وعضّ الوليدُ يدَ القابلة ْ
وضاق بأمواجه البحرُ
وأستأمن الذئبَ والجارحاتِ
على نجمةٍ زينت ساحِلهْ
إليك إعتذار الربيع عن السنبلةْ
يعطر في شفتيك ابتسام الهلال الأخير.

4

كان مظلوماً
ولكنْ
لم يُذِعْ أي خبرْ
وأبتغى العدلَ لديكِ
فإذا أنتِ بشرْ
فدعا الله منيباً، وصبرْ.

5

من يغنِّي
مأتمي عرسي
وعرسي مأتمي ؟.
6
يا امرأ القيس أجزْ:
نُواحٌ عراقيٌّ بقلبي ولوعةٌ.

7

البيت ضمَّني وما عرفْ
بأن قلبي قد نزفْ
وأن شيئاً غامضاً دلفْ
براحتي وهامتي عصفْ
ومسَّني ما مسَّني
ودارَ واسْتدارْ
غطَّى النهارَ طيفُهُ والمنعطفْ
ونخبَ طفلتي أرتشفْ
والبيت ضمَّني
وما
عرفْ.

8

الموعد المضروبُ من قلبي أقتربْ
سيغيب ضوءُ الشمس عن عيني
وينطفئ اللهبْ
كم كنت أنفض عن يدي
رملَ العواصف والتعبْ ؟
وأمر
فوق الرأس تاجٌ من ذهبْ.

أزفَ الرحيلْ
بلدي تعانقني
وتحضن رعشةَ العشاقِ
تؤوي من يؤوبُ
تُطمئن الأعشابَ
والحرَّانُ فيها يبتردْ.

أزف الرحيلُ
وكم بلدْ
طارت خُطايَ إلى شوارعها
وغاصت في الزبدْ ؟.

حُمَّ الجسدْ
والنار في قدمي
وفي كبدي
تهب من الوسادةِ والسريرْ
والنهرُ شق الصخرَ
صاحِ: أصغ
إستغاثته تناهت من بعيدْ.

نادوا بنيّ كبيرهم
وصغيرهم
وحفيدتي
نادوا على الجيران
والأصحاب
والأحبابِ
قد حُمَّ الجسدْ.

إغماءةٌ
وإفاقةٌ تتناوبانِ
وضاق بالصحب المكانْ
والناس حولي ساهمون
وواجمونْ
يبكونَ
ينتحبونَ
يبتسمون حين يرون رفّةَ رمشيَ الكسلى
بيانُ حفيدتي:
لا تجزعي
فالأمر هانْ.

لم يعرفوكَ
ولم يروكْ
لم يُنْزِلوك
ويكرموكْ
مرحى لزائري الجليلْ
أنت الرسولْ
لقد أنتظرتك
وأستوى عودي النحيلْ
لك وردةُ العمر الطويلْ
لك غلةُ المحصولِ
والزيتُ المضيءْ
لك ما احتجنتُ من المعاني الصافياتْ
والجهرُ
والإسرارُ
والحبُّ النبيلْ
والطهر في قلبي البتولْ.

الصمتُ حولي كالغسقْ
والروح في جسدي الفلقْ
يا سيدي:
جمد العرقْ
فخذِ الأمانةَ
وأنطلقْ
وَدَعِ المحطةَ تحترقْ.

الغبش

ماشيا
قطرةٌ من عرقْ
سقطت فوق نظارتي
قاعداً
قطرةٌ من قلقْ
سقطت فوق قيثارتي
فإذا الأرض تحتي بياض بيوض الغرابِ
وفوقي السماء حصىً في ضباب النَهَرْ.

ماشياً
قاعداً
قطرةٌ
قطرتان
ثلاثٌ
وكان الغبشْ
غبشٌ كاسحٌ كالجراد انتشرْ
غبشٌ كالهشيم استعرْ
أصفرٌ أرجواني
دائريّ الخطى لولبيّ المعاني
غبشٌ ذو فمٍ ويدٍ وبلاغةْ
يصوغ قوامي
ويهدمه
ويعيد الصياغةْ.
غبشٌ في لهاثي ودمع المراثي
في الولادات والوفياتِ
في إنصرافي وفي مقدمي
إلى الحبّ والنبضُ حافِ.
غبشٌ منهمرْ
يبلل وقتي ويمتد من قونسي
إلى أخمصي
غبشٌ داخلي
خارجي
في دمي وانتمائي.
غبشٌ في الضياءِ
غبشٌ في الغبشْ
غبشٌ في النمشْ
ونثار العطشْ.
غبشٌ كاسحٌ مستبدْ
فأركعوا وأسجدوا
وأنزلوا وأصعدوا
إنه الدربُ والمرشدُ
ألا تسمعونِ
ألا فأسمعونِ:
سأجتث رأسيَ من جذره
وسأمسكه بيدي
وسأمضي ألوح بهْ
ولتكن قمةً
ولتكن هاويةْ.

أفكر في الطفل

أفكّرُ في الطفلِ:
كيف
وفيم يُفكّرْ ؟
وكيف يُكسّر بين يديّ القصيدَ
ويجبرْ ؟.
أفكرُ
كيف ينام ويسهرْ ؟
وينمو ويكبرْ ؟.
أفكرُ
كيف يهزُّ مداري
ويهزأ مني، ويسخرْ ؟.
أفكرُ
أسْودُّ
يسْودُّ حولي الضياءُ
ويبقى كما كان، أخضرْ ؟.
أفكرُ في الطفلِ
كيف يقطرني، ويبخرني من دمي
ويقيم من العشق للروح مطهرْ ؟.
ــــــــــ
سريعاً
سريعاً
صَغرْتُ
أختفى شاربيّ
قَصُرْتُ
نحفتُ
أستعاد المدادُ سيولتَه ونضارتَهُ
صرتُ أعثر في مشيتي
وأتعتع في لغتي
وثلاثين عاماً وخمسَ سنينٍ طويتُ
بطرفةِ عينٍ
وها أنا أرضى بحبةِ سكرْ
وقبلة زعترْ
وأرجوحتي بين نجمين ـ مثلي ـ
ترى
وأرى
للبساتين وردا
وللورد خدّا
وللخدّ نهداً ونهدا
وبينهما كانت الأرضُ مهدا لروحي
وكانت أصابع أمي تؤرجحني
في الفضاء / الهديل / السلامْ
ويدٌ فوقها
تترفق بي وبها
وتمدّ المودةَ مدّا
وفاض النعاسُ رحيقاً وشهدا.
ــــــــــ
وكنت قريباً من الكشفِ
أذكرُ أني كأني دُعيتُ
ونوديتُ:
إن اللغاتِ تخونُ
وإن اللغاتِ هنا خائنةْ.
ــــــــــ
طويتُ إليه
وما قد طويتُ طواه إليّ
يُفكرُ
كيف وفيم أفكرْ ؟
وكيف أنام وأسهرْ ؟
وأبقى
كما كنت أزرق، أصفرْ ؟.
ــــــــــ
وكان قريباً من الكشفِ ـ مثلي
ونوديَ:
إن اللغاتِ هنا خائنةْ.

أختر لقلبك

كتابك الأصفرُ المنقوشُ مسغبةٌ
والآخر الأزرق المنفوش ليس ندى
لا تنتظرْ أحداً يموت في غده
ولا تُبعثرْ من الأمس البعيد صدى
فأظمأْ لتروى، فبعد الحلم جمرته
وبعـد بعـدك نهرٌ يخفق الأبدا
هذا وذاك جبالٌ ثم أوديةٌ
مـن فوقها قمرٌ يستكنه البلدا
وطفلُ أميَ ما زالت به فكرٌ
عن حادثٍ غامضٍ قد مرّ متئدا
وحادثٍ لامعٍ أريجه خببٌ
وملحه مددٌ لم يُبْقِ لي مددا
أهاج حبري ولم يكشفْ سوى زبدي
يا ليته رصد البستانَ والومدا
أهزّ عشري ؟ بل المعشارُ أتعبه
فأغلق الرقّ بالضدين وأبتعدا
وحادثٍ كضجيج الموت في ندمي
ما زال يهتف مجمولاً ومنفردا
حملتُ روحي على قمحي فما فرحتْ
وحين بدلتُ ألقى الروحَ والجسدا
عشقٌ تخدّدَ لم ألبسْه من رهبٍ
رأيته ورآني نازلاً صعدا
أمسكتُ أولَه فبان آخرُه
أدفأتُ مخدعَه فأرفضّ مرتعدا
ثقبان في الباب من ذكرى ومن غسقٍ
فأخترْ لقلبكَ حبراً منهما ويدا.

***

غسان زقطان

  • من مواليد بيت جالا، عام 1954.
  • دَرَس في معهد المعلمين في عمان وتخرج منه.
  • عمل في التعليم والصحافة.
  • تسلّم مسؤولية القسم الثقافي في مجلة: الحرية.
  • يعمل محرراً ثقافياً في صحيفة: الأيام، الفلسطينية، ومديراً عاماً لدائرة الآداب في وزارة الثقافة.

صدر له:

  • عرض حال، شعر بالإشتراك، 1977.
  • صباح مبكر، شعر، 1982.
  • أسباب قديمة، شعر، 1982.
  • رايات، شعر، 1984.
  • بطولة الأشياء، شعر، 1988.
  • ليس من أجلي، شعر، 1992.
  • ترتيب الوصف ـ مختارات، شعر، 1998.
  • استدراج الجبل، شعر، 1999.
  • سيرة بالفحم، شعر، 2003.
  • سماء خفيفة، رواية، 1992.
  • وصف الماضي، رواية، 1995.
gzaqtan@yahoo.com

عندما تذهبين لقطف السفرجل

1

يا ابنتي
عندما تذهبين لقطف السفرجلِ
لا توقظيني
أنا ميتٌ منذ وقت طويل
كما تعرفين
أنام على حجرٍ باردٍ مثل صيف قديم
تقلّبني الشمسُ ذات اليمينِ وذاتَ الشمالِ
وتنقرُ رأسي العصافيرُ.

مرّرني الضوءُ للظلّ
والظلُّ للضوءِ.

كانت لغاتُ العبيدِ ولهجاتهم تملأُ الليلَ
لمّا عبرتُ
وكانت تعاويذهم تمسكُ الذكريات
وتسحبها خلفهم مثل نمل كثيف
وكانت دفوفُ المغّنين تسبحُ كالطوفِ حولَ الشعاع
وترفعني في هواءٍ سعيد
وكنتُ على حافة الكرم
كرم السفرجل
أقرأ روميّةً
ربما
للأمير الأسير:

فليتك تصفو.

2

يا ابنتي
عندما تذهبين لقطفِ السفرجل
لا توقظي حارسَ الكرم من نومه
إنه ميتٌ منذ وقتٍ طويل
كما تعرفين
مخدّته من عظامِ البنات
وفرشته من أساور زوجاته الميّتات
وفي خُرجِهِ رأس زوجته الهاربة
حاولي أن تغنّي قليلاً أمام الشجيرات
حتى تحبك.

كم كان عذباً غناؤك في ليلةِ المولدِ النبويّ
ونحنُ على طَرَفٍ من مكان.

فقيران نسعى
وكان الغناءُ يمرّرنا في تعاريجهِ طائرين من القش!.

كان الدراويشُ يلقون أجسادهم في الدوائر
والماءُ يخرجُ من حبّة الصخر
والصخر في أثر الصيف
والصيف من منعة الشمس

هكذا تؤخذ النفس !.

3

يا ابنتي
عندما تذهبين لقطفِ السفرجل
لا توقظي حارسَ الكرمِ
أو بنَه
ابنهُ ميتٌ منذ وقتٍ طويلٍ.

ثلاثُ رصاصاتْ
في قلبه يغتسلنَ.

ثلاثةُ أشباحْ
كانوا على بابه عند منتصف الليلْ.

ثلاثُ نساءٍ
تنهّدن في صوتِه قبلَ أن يفتح البابْ.

ما يُشبه الحبّ
أو ما يليه
وما يترك الأمرَ مبتذلاً كالوشايةِ.

لا توقظيهِ
إذاً
إنه ميتٌ عند منعطفٍ في الحكايةِ
رائحة النهر فيه.

تمنّي قليلاً أمام الشجيرات
كي يستطيع التذكر.

كم كان عذباً غناءُ المغاربة السابحين على صفحة النهر قبل الزوال
النساءُ اللواتي اتكأن على الجسر بين سلالِ الخضارِ وأضرحِة الأولياءِ وأطفالهن.

الرباطُ البعيدةُ في أهلها حيث تختبئُ الأندلس
والرباطُ التي كلما أذهب من بهوها أفردتْ للنوايا بساطاً
ومدّت بساط !.

أفاطم
لو مِلْتِ لي
أو تذكّرتني
تلك أغنية النهر
لأهتزّ قلب
وأسعدتني
وأهتدى
في التلال الغزال
ولكنَّ فاطمةً لم تكن غير أغنيةٍ
أطلقها القواربُ
والنسوةُ الميّتات على الجسرِ
في أمسياتِ الرباط !.

4

على بابها دق رحالة في الصباح
ولم تستفق.

وعند الظهيرة أيقظها طائر
من كتاب ولم تستفق.

وفي الليل جاءت من الكرم بنت
بشعر قصير
وكمّين متسخين
وحمل سفرجل.

نادت على أهلها الميّتين
لسبع ليالٍ
وسبعة أيام
كاملة في الحساب.

الفتاة التي دقّت الباب في الليل
كانت هناك
بشعر قصير
وكمين متسخين
وصوت غراب.

قالت لها امرأة في الثلاثين
أيقظها الصوت من موتها:
ولدتك في الحلم
لست حقيقةً كي نحبك مثل البنات
أذهبي كي نحبك عشرين عاماً
وكي نستطيع إنتظارك
لا تكبري في الضباب
لئلا نموت.

***

غياث المدهون

  • من مواليد دمشق، عام 1979.
  • طالب في كلية الآداب بجامعة دمشق.
  • عضو اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين.

لم يصدر له أي كتاب.

أنا لا أحبك مرتين

هي
بين
بينْ
مجبولةٌ بالخمر تُكسر من رأى
من رشفتين
يا جارة الحلم الذي
يجتاح عيني كلما أغمضت عينْ
تأتيكَ لا تدري لأين !!
تسبيكَ لا تدري لأين !!
هي مثل أرتال التتار
تُبيد كل الواقفين
بدربها في لحظتين
وإذا تبدى ثغرها عن موعدٍ
فأعلم بأنَّ وعودها سلفٌ ودينْ.
هي
بين
بين
أتقى من الينبوع شاطئ خصرها
وأهم من كل القضايا
حمرةٌ في الوجنتين
ولكي يزيد الله حجة خلقهِ
أضفى على لمس الحياء بخدها
غمازتينْ
إن أسدلت جفنين فوق عيونها
تبكي الجداول من تشرد مائها في الضفتين
أو حركت جيداً تعمدَّ بالنبيذ وبالمدى
طارت عصافيرٌ وما رجع الصدى.
هي
بين
بينْ
أحلى من الصبح البهي بمرتينْ
وألذّ من خمرٍ إذا ما شفَّها كأسٌ
بكتْ من دمعها في الراحتينْ
ولها من الفجر الندى
ولها مع العشب النديِّ على الحقول خميلةٌ
ترتاح بين فراشتين
إنْ كان قلبي من أحبك مرتينْ
أنا لا أحبك مرتينْ.

أنا لا أريدُ الانتحار

عبثاً أحاولُ أن أنامَ
وليس يُسعفني الخيار
عبثاً أحاولُ أن أكلم صورةً ترتاحُ في صمت الإطارْ
وعلى الجدارِ تنام أغنيةٌ كتبناها على سطح الجدارْ
وتظلُّ من بين الحقائب نكهة العمرِ المبعثر في محطات القطارْ
وأنا أودِّعُ كلِّ شيءٍ ها هنا
الصيفَ
شرطيَ المرورِ
طريقَ بيتكِ
بائعَ الخُبزِ
الكنيسةَ.
صاعداً من حانة الليل الطويل
إلى محلاتِ الخضارْ
وأنا أوَدِّعُ كلِّ شيءٍ ها هنا
إلاّكِ يا شمس النهار
وأنا أحاول أن أمثل دور غيري في الصمود
وليس يسعفني القناع المستعار
وأنا هنا كالمستجير
ولا أجارْ
ويجيء وجهكِ راسماً في وحدتي أطياف شوقٍ وانتظار.
كم ها هنا قبلت ثغراً
لاحَ من خمرٍ تعتقَ في الجرارْ
كم داعبت أنفاس صدري منكِ شعراً هاطلاً
شلال ليلٍ في بحيرات النهار
كم سافرت كفاي تبحثُ في محار الصدر عن سر المحار
أنا لا أريد الإنتحار
أتأمل البيتَ الذي مُذْ غِبتِ يلتحف الغبار
أتأمل الفوضى
وأعقاب السجائر
والمنافض
والجوار
وجرائد مصفرة تبكي مرار الإصفرار
حتى الجرائد لم تعدُ تفي لإقناع الصغار
واللهفة انطفأت
وأخبارُ الإذاعة لا تثير
ولا تثار
والخمرُ مثل الماءِ صارتْ ها هنا
لا نشوةٌ تأتي ويتبعها دوارْ
حتى صحون الأكل تسأل عن رنينٍ كان يطربها إذا أهتز السوار
أنا لا أريد الإنتحار
كلا ولا فكرت يوماً في خلودٍ
غير أني لا أريد الإنتحار
كلُّ ما في الأمر أني الآن أخرجُ من حصارٍ
ماتَ في صمت الحصارْ
أنا لا أريد الانتحار لأنني
أهوى الحياةَ
لأنني أهواكِ يا شمس النهارْ
لكنَ هذا البؤس يعطيني
انطباعاً واحداً
من دون أنثى
تُبهجُ الدنيا علينا
كلُّ شيءٍ سائرٌ للإنهيارْ.

لا تسأل من أنا

وحدي أنا
أطاردُ طيف البلاد التي شردتني
يلاحقني صوت فيروز سيفاً
"سنرجعُ يوماً إلى حيِّنا"
وحدي أنا
أسافرُ مثل القطار القديم
أصاحبُ كل البلادِ
لأجل بلادٍ ستصبح يوماً لنا
وحين أعود إلى البيت وحدي
أفتش جيبي
أفتش ذاكرةً للطفولة
أبحث تحت السرير
وفوق الغروبِ
وبين الحقائب
وأبحث بين ثقوب الجوارب
ترى أين ضاعت بلادي ؟
وأسأل ليلاً طويلاً كنخل العراق
ترى هل أضعت البلاد هناكَ ؟
تجاوبني فسحةٌ للصدى بيننا
أضعت البلاد هنا
وأسأل صمتا ثقيلاً كحزن الشآم
أنحن الذين أضعنا البلاد التي ضيعتنا
وكانت لنا ...؟
يجاوبني ما تبقى من الهمس ما بيننا
لنترك قليلاً من الأحجيات
لمن يرث الحزن من بعدنا
فكن ما تريدُ
وكن ضفة النهرِ
كن غابة الكستنا
وكنْ نشوة البحرِ
كن أغنيات المنى
وكن ما تريدُ
صريع الفؤاد
بهيج السنا
وكن ما يريد الزمان الجديد
وكن كي نكونْ
وما أنت سيفٌ علينا
وسيفٌ لنا
وما أنت بحرٌ يميدُ ولا يستكينْ
وما أنت إلا سرابٌ إذا ما ابتعدنا دنا
وما أنت ضي العيونْ
وأما أنا
لا تسل من أنا ؟
أنا ما تبقى من العائدين
هنا
وفراغةٌ للزمان الرديء
وطروادةٌ للخداع أنا
أقاتل روما ووحدي
أنا
أحاصر أسوار بابل وحدي
أدمر إيوان كسرى ووحدي
وأحملُ صخرة سيزيف تعويذةً
شامخٌ يا جبيني الذي ما انحنى
يلاحقني صوت فيروز سيفاً
"سنرجع يوماً إلى حيِّنا"
"سنرجع يوماً إلى حيِّنا"
وأمضي أنا
وأمضي أنا..

اغتيال

راقبوني
خارجاً من باب بيتي
راقبوني
نازلاً من ردهةٍ في الحي حتى بائع الورد الحزين
شارداً بالكحل في عينيك يا ليلى
وعيناك التي أهوى بلادٌ
شردتني
سرقت مني سنيني
علمتني كيف يخفي الموت أحلام العيونِ.
ـ
آه ليلى
أوقفوني
عند باب المنزلِ
أطلقوا نحو جبيني
قتلوني
عند باب المنزل
كم رجوت الله ألا تنزلي
ها هنا كي لا تريني
نازفاً فوق الرصيفِ
جرحُ صدري ساخنٌ كالبرتقالة
خفتُ ألا تعرفيني
مثل أوراقٍ ستهمي في الخريفِ
ذابلاً حتى الثمالةْ.
ــ
آه ليلى
تركوني
فوقَ وجهِ الأرضِ مُلقى كالحصيرة
عاهديني
أن تطيلي شعرك المنسوج ليلاً في ضفيرة
كي تبوس الأرض في رفقٍ
وتمشي فوقَ دمي.
عاهديني
ليس للأموات إلا بعض أحلامٍ صغيرة
عاهديني .

***

فؤاد علي ديب

  • من مواليد دمشق، عام 1970.
  • عضو الإتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين.
  • حاصل على جائزة الإمام الخميني للإبداع في الشعر.

صدر له:

  • الورد لا يوقظ الموتى، شعر، 2006.

غزال الماء
صياد قتيل

تمشي
تحمل وردكَ سلاحاً
وقطرة الشوك
عطشّ
عن يمينك
وعن يسارك
وخرّ الندى
لسانك
كثبان العطش.
أنه الماء
زاحفاً
رآها في الهباء
إصبع قدمها
تختبر الماء
فتغوص في غيم البحيرة
وبخمس ألسنةٍ
من لعب كفها
تقطف غيمةُ
تعصرها فوق صدرها
تسمع انطفاء جمره
وتلقيها
كي تصنع سماء جديدة.
تنصت
تشعر بوخز الرمل
يسحل جسده
وحدسها
يمامة زرقاء
فتهمي مرتبكة
تتلفت
مثل غزالة
فزعةِ
فاجأها سيادها
وهي تجمع نجوم البحيرة
تنثرها
فأغوته
وأستسلم لمعجزة الأقمار
قمر السماء
قمر الماء
وقمرُ يلقي الحصى
يكسر مرآة البحيرة
وعلى الشاطئ
لا أسلحة
لا شيء وردي
أو أبيض
نافذة المدى
قمر
في صحنٍ ماء
امرأةُ
تتعطر برجلها
وماءِ الياسمين
فتشربُ
وتشربُ
يختلط الوردي بالأبيض
أبيضُ
ورديّ
يتناوبان
يمتزجان
ينفصلان
والحبُّ العذريّ
خرافة بين جسدين
في حرب الجسد
لا رابح
ولا مهزوم
لا قاتل
ولا مقتول
بعد إنطفاء الحب
تلقي رايتها
ويلقي رايته
يرمق الصياد فريسته
دون انياب
وترمق الطريدة صيادها
بلا مخالب
ويسقطان
على رمل البحيرة
قتيلان
لكنها
تنهض
من رماد الحب
عارية
تدخل الماء
رويداً
رويداً
فتحيطها البحيرة
من خصرها
تمسك القمر
صحناً
تعبئه بالنجوم
تسكبها فوق شعرها
فيلهو
نخل الواحة
ويسيل
لعاب البلح
أيتها النخلة
عاليةً
عالية
تفقدي شعرها
أما زال طافياً
يغطي الماء خلفها
حطتُ
قافلتي جانب الواحة
والطريدةً
انتصرت
خرجت
من الماء
ورحلت
وأنا قتيلاً
ما زلتُ هناك.

فنجان الأمهات
صباح الحزن

في القهوة
صباح ثرثرةٍ
لبلاب ألسنة
ظلّ النميمة
فرتبت قلبها
هشت الغبار
بريش النعام
أنقت المكان
والورد زنابق
غار دينيا
ياسمين
والحبق أنثى المكان
كلما داعبته الأصابع
تنهدت أريج الصدى
وفيروز
تدندن
تأثث الصباح
تنصت.
حديث الأدراج
يطهو رائحة البن
باب يصبها
أهلاً بفنجان قهوة جديد !
أيعذبك الحمل ؟
ردت:
جاءَ من رعشٍ الرياح
كالموج
نحو الغزال
وداعب خاصرتي
فطفت آلهة
من صدري
وأنبأتني
ستكونين
أماً
غداً
اليوم
بعد لحظات
كم أشتهي أمومتي
قبل رائحة القهوة
ابتسمت جارتها:
سيعذبك حين يكبر
أن لم يفعل
كيف سأحصد حبه
وأطعم قمح الذكريات
أحرق ساعاتي
في وعاء شقاوته
وليسرق حينها
من رماد القلب
جمرة
رماد
أنا
كلما أنتفض لون النار
أفترشت الأرض حوله
هو مني
أنمو
وأحيطه رماداً
من جديد
أنزلت فنجان مزاجها
أستندت
وأردفت
ولدي
مثل النوم
هادي
لا يدخن
ولا يشرب سوى الشاي
تزهو دفاتره
بأشعار (مزار)
يخفي فوضاه بأقلامه
ينام وكتابه فوق قلبه
ولا يغيب عن المدرسة.
ولا أسطح صدأ تشوه الطريق
والجسرُ شاهد
على جثة المخيم
ولا أحد يقرأ على قبره الفاتحة
ويبيض الفراغُ.

النظرُ

جنديُّ
يخاف الموتَ
فيقتل الوقتَ
على جناحِ فراشةِ
مرت
ظنها حجراً طار
من يد صغيرة
قتلها.

فوق الجسر
أيها السائق
هنا
على ثنية الجسر.

حينما تأتين
أثلم الصباح
كي ينزف النهار
بطيئاً
أوقد الياسمين
أترك البياض
يسكب ما تبقى
من الفجر عند قدميك
كي يزهر تفاح قدومك
وأطلق في السهل
مهرةُ بيضاء
فمتى يسيلُ العسلُ
وتنكسر هامةُ الظلّ بيننا.

أنا
من أنا ؟
مزاجيتي هويتي
فكيف أموت
ولم تصبحي بعد
سيدتي ؟
سيدتي !
كيف أقطر الصباح في نحاسي
وأريقه
في المسافة البيضاء ؟
كيف لا أموت
وقد خشيت أن أحبك ؟
فعل ينمو رجل
فوق دفاترك ؟
هل تتيبس حروفه
ولم يقطع
تلك المسافة البيضاء ؟.

النظر
بياض ينمو بيننا
فهل كله ياسمين.

على ثنية الجسر
نلتقي
تسقط قبلة عن الخد
تنكسر شظايا
تبعثر ظلال المخيم
في الصدى.

على ثنية الجسر
أشترك مع شمسي
في أرض واحدة تنجب الظلال
على ثنية الجسر
تلتفت
يمتد
بين ظلال الخيام
طريق أصفر
فتتعثر بالصدى.

على ثنية الجسر
تزرع قبلة
فوق بصمتها
تصير الريح
ساعي البريد.

على ثنية الجسر
بعد كل لقاء
نغادر هذا المكان
أعودُ
وما زال ظلانا يتعانقان.

والحاضر بين أيدينا
كخاتم عرس
وحياتنا غيمة
سرعان ما تهطل
لا تهربي من دمي
فروحي لا تحتمل
موتا آخر
أزواج بيني وبينك
على فراش القصيدة
هل نمت ؟
فقط لو تشخرين
كنت عرفت
منذُ زمنٍ بعيدٍ
أنك نمن
ربما يا صغيرتي
أنت في مخاض
كي تنجبي الحلم
أنجبي ولا تقطعي
حبل سرتك بي
أريد أن أبقى
معلقاً بك حتى النهاية
وأنت
تغادرين روحي
وددت أن أودعك
كما أشتهي
أضمك طويلاً
وأطبع تفاصيل جسدك
هنا على جسدي المتعب
وأتذكرك في رحيلك
كلما لامست أصابعي
بدني النحيل
وددت لو أدمغ
شفتيك بقبلتي
لتتذكري أنفاسي
كلما عبرت الحدود.

أنا
شجرة سنديانٍ
أتأبط الريح
كيلا تؤذي صغار زهورٍ
ولدت على أصابعي.
أحبك
هل أحتاج كلما كتبت إليك
أن أشرح لكِ
كيف أحبك ؟
متى تتركين لي
مفتاح قلبك
أخاف أن يمضي العمر
وأنا أطرق قلبك الموصد
أنت
امرأة
دخلت حياتي
فأخرجتني منها.

***

فاتنـة الغُـرّة

  • من مواليد غزة، عام 1974.
  • نالت درجة البكالوريوس في اللغة العربية.
  • عملت متطوعة في العمل النسائي.
  • قدمت برامج إذاعية لعدد من المحطات المحلية.
  • مراسلة ثقافية لوكالة الأنباء الفلسطينية.
  • تعمل في الفضائية الفلسطينية.

صدر لها:

  • ما زال بحر بيننا، شعر، 2000.
  • امرأة مشاغبة جدا، شعر، 2003.

fatena3@hotmail.com

تـنـقّـلات

الإشتهاء مغامرة خرقاء
تفضي إلى مقارعة الطرقات.

2

الهروب رقصة على الغيم
وتنقلات على ريشة حمام
تتلاشى.

3

صوت البحر مدينة ملعونة
والقمر يضحك ساخراً
الماء وحده يعرف سر الغرق
والموج يحترف الارتجال.

4

الطرقات حافية
والمطر يغدو
متوحشاً أكثر.

5

هراء كل هذا الوقت
ما دمنا لا ننتزعه
من دمنا.

6

الأدرينالين يغزونا
حينما تمسمرُ أقدامنا
حبة الآيس كريم.

7

هل تستطيع نزع كفي
دون أن تسقط قبلة
أو تشرق قنبلة ؟

8

طق
طق
طق
لا أبواب بعد الآن
لهذه المدينة.

أوبـــــرا

المشهد الأول
أهيئك للتوبة
مثلما هيأت زليخة جسدها للقدّ
فقدّت
أدعوك لعنبي فالجنى مرّ
وذائقة الحصرم لا تقاوم
أتأمل انزلاق وقودك فيطلق الجليد أنفاسه في رئتي
أراك كيف انتفضتّ كورقة
وكيف ذاب ملحك الصخري على سجادة رباعية
كيف فتحت أناملك لامتصاص خصر الهواء
حين شكّل لوحة في رموشك
وكيف استقرّ الزمن العتيق في أخضرك
وعندما استقام الكلام تعطلت آلة المكان .

المشهد الثاني
يشوش لغتك أسودي النحيل
تسارع بالتهام المسافة والحدّ حدّ
يزعجك صراخ الضوء المقتحم
تنحني لالتقاط العتمة فتتعثر بالحال المنصوبة منذ بدء الخلق
(يا من جحدت عيناه دمي)
أترك رحالك فالوقت ما زال مبكراً للنحيب
رجع أنفاسك يفي بالغرض
والبيّنة
انصهارك بيني .

المشهد الثالث
موعدك الأخير لا طريق له
دائماً تنزلق الطرق منك وتقصر المحطة
أقدّمني أنضر من الأخضر التعشق
فتأخذك الشاشة الزرقاء للمرة الألف نحو الحضور
أهيئك مرة أخرى للعشق
مثلما هيأت آسيا نفسها للامتلاء فألفت البحر خاوياً
الرقص والنحيب والأسود المصرّ
يشاغبون في ورقة الخريف المغطاة بالمسيح المصلوب مجدداً
يوشوشون فيك:
"لن تفلت من سطوة الوهج والذاكرة"
لن يتركوك للتخثر فامتص جرحك جيداً
وأحذر
الأفعى لا تترك فريستها مرتين .

مشهد آخر
أين تركت مفاتيحك ؟.

كتـاب الـنـوم

كانت الأرض تتم دورتها الأولى حين أصطدمت ببركة راكدة فأنتفض منها كتاب النوم وكان أن جاء فيه:

* فيما يرى النائم، كانت الوردة تحبو بإتجاه السماء رافعة تيجانها له تخلع أرديتها واحدا تلو الآخر تتلو صلاتها للربيع تستحم بوهج اللحظة الأولى، وكان الشجر حولها يسجد
وكان ذلك شيئاً عظيماً.

* فيما يرى النائم، كانت الساعة تركض خلف الوقت تشكل قاعدة مغايرة للكون تفتت الطرق والإلتواءات لتصنع خطاً واحداً وحيداً يمشي الجميع إلى الفناء عليه، وكان ينظر راضيا
وكان ذلك شيئاً عظيماً.
* فيما يرى النائم، كانت النجوم ترقص في تسبيحها الليلي تلهج بألسنتها بحمد اللغة فأصطدمت بشهاب ثاقب ألتقطته نجمة مراهقة أعطته في لحظة طيش فلكية قبلة الحياة فأستفاق فراشة، وكان أن أنمحى فيها مجدداً
وكان ذلك شيئاً عظيماً.

* فيما يرى النائم، مجدلية تفرش ضفائرها على مد البصر يزرعه الفلاحون تعاويذ وأيقونات ويحصدون في الوقت ذاته تماماً خبزاً أسمر وإكليل شوك، وكان الوقت ظهراً معتماً
وكان ذلك شيئاً عظيماً.

* فيما يرى النائم، فانوساً يرفع ضوءه للسماء يمنح الكواكب خرافة التكوين فتزهر سيقانها بعد لأيٍ ثم تبدأ بانتحارٍ جماعي لا ينتهي، وكان الكون مقفراً في ذلك النهار الوحيد
وكان ذلك شيئاً عظيماً.

* فيما يرى النائم، نخلة تزرع أشواكها في لقاح بري ملقى على عتبة مجرة بيضاء تخرج من خلاله نحلات طنانات تملأن الجرن نبيذاً وعسلاً، وكان القطاف قد حل
وكان ذلك شيئاً عظيماً.

* فيما يرى النائم، جوقة موسيقية تأخذ اللحن الأخير تعيد توزيعه على الجهات المائة ليأخذ اللحن تشكلات نساء ورجال ذاهلين بشعور موحدة الطول والملمس آخذين في الذوبان ممارسين فعل الخلق بصورة مغايرة، وكان الرقص اللغة الوحيدة
وكان ذلك شيئاً عظيماً.

* فيما يرى النائم، كانت هي تمسد الرمل في شبق مجنون تبحث بين ذراته عن بلورة مائية تراه من خلالها ودقاً يلوح، وكان يمصّ إصبعه تمضية للوقت
وكان ذلك شيئاً عظيماً.

* فيما يرى النائم، كان الحلم يطفو على الملاءة شلال حليب طازج برائحة طازجة ووقت طازج تنبت من خلاله أعضاء بشرية مألوفة، وكانت النتيجة زهرة بيضاء فقط وكان ذلك شيئاً عظيماً.

* فيما يرى النائم، كانت الأرض والسماء رتقاً واحداً ثم تناسلتا بعدما استمر القمر بمغازلتهما عمراً فاستجابتا لنداء الغريزة الأول، وكانت الأرض أرضاً بسبعة أوجه والسماء سماء بسبعة أبواب
وكان ذلك شيئاً عظيماً.

فيما يرى النائم، أن الرؤى رجس من عمل الكهنة فلا ندع الحلم يغزونا أبداً حتى تصح أبداننا بعدما اعتراها شحوب من هول المشهد، حينما كان الطين يشكل تكوينه بيده هذه المرة
وكان ذلك شيئاً عظيماً.

* فيما يرى النائم، كان الوقت صباحاً جداً، الشمس بعد لم تفقد عذريتها، الراعي يجر غنمه للمرعى، الكون هادئ مفعم بالسكون وهي ترشف فنجان قهوتها على شرفة بحجم الفضاء، وكان كتاب النوم هذا ملقى تحت قدميها
وكان ذلك هو الشيء العظيم .

اللغة إيقاع وحشي
والنص سؤال الفراغ

تعلو همهمة البياض على رقعة الدخان
تنسلّ أجنحة القلق في نزق الشفة المبتورة
يدفعها الحنين لتلمس شق الجلد في ليل رمادي
تمخر في مدنها كوكبة من غبار وفضاء
ترتقي نصّها المدّعي
لماذا يسيطر الفعل المضارع على تفاصيل المشهد ؟.

وقت نمتصّه ووقت يمتطينا
"كم مرة أشرعت نافذتك للصوت، وأزعجت المكان ؟".

تشبهها امرأة ترتدي عبثها
ويشبهها سوط يمدّ خطاه
ويشبهها فراغ بحجم سؤال الخلق
ترى ماذا ستنجب بعد قليل ؟.
ضفة للسؤال
وإنفلاق البحر لا يتّسع للوصول
تغيض قدماها كلما أحترفت المسير
ويختفي القاع.

تعود الحكاية تحلب ضحكتها المفروشة
على امتداد الزرقة
وعلى حافة السواد
تنفض يديها من ذنوب الذين شرعوا بالبكاء
يزعجها أنين الوثوب
والدرب ما زال غضاً
يأخذها الحرف لتشكل أعمى
ليستبيح براءتها المستباحة
الفعل المضارع ثانية يحكم تضاريس الهواء
هل من فعل آخر يشبهه ؟.

يا إلهي أتبصرني حين يلفظ عقلي أعشابه الغضة ؟
وحينما يشرع المنجل في الحصاد.

هذا الأبيض اللعين يلاحق كفي المتمددة على شاطئ المعرفة
يزعزع سكوني المنتفض كرمّانة أهتزّ عرشها
كم عرشاً ينبغي الوقوف عليه لأمضي ؟.

فعل السؤال سابق للخلق
فكيف نترك الطفل يخرق قانون اللعبة ؟.

***

فيصل قرقطي

  • من مواليد سوريا، عام 1954.
  • أنهى مراحل دراسته الابتدائية والإعدادية والثانوية في سوريا.
  • أتم دراسته ونال شهادة "master degre" من أكاديمية شتيفان غيورغيو في بوخارست / رومانيا.
  • عاد بعدها إلى الإعلام الموحد حيث أشتغل في مجلة: فلسطين الثورة.
  • يعمل حالياً مديراً في وزارة الإعلام.
  • أنتدب لرئاسة تحرير مجلة: كلثوم، الصادرة عن جمعية الصداقة الفلسطينية الروسية. عضو إتحاد الكتاب العرب.
  • عضو إتحاد الكتاب الفلسطينيين.

صدر له:

  • تعالي لنحيا معاً، شعر، 1978.
  • عاشق الغناء والنار، شعر،1981.
  • لأنفاق، شعر، 1989.
  • سجدة الحناء، شعر، 1997.
  • حريق القيامة، شعر، 1999.
  • بيت في وشم الخريف، شعر، 2004.

hkorkati@yahoo.com

بيت في وشم الخريف

ينثرُ الغيمُ
أهدابَهُ
في دماءِ الوصيَّةِ
وللنهارِ
متعةُ التقصِّي الحالمُ
بوردةِ الحياةْ.

*

جَدّي الماءُ
وأمّي بتلةُ ضوءٍ في عينيكِ
وأنا ماءُ الأحفادِ بجرْحِ الشعراءْ.
يتنفَّسُني غضبُ الكوْنِ، ويشرقُ بي مطرُ الغيْمِ، فَمَنْ يدلَّ الصحراءَ عليَّ ؟، ويستبطئ أشباحي في الريحِ، يَقيمونَ صلاةَ الفجْرِ، وينتذرونَ لترتيلةِ تأبين الجسدِ، يقومونَ على تعبٍ من ماءٍ ودماءٍِ ليعودوا في موتٍ من ماءٍ ودماءٍ تزْهِرُ فيها أحلاااااامُ الأرضِ تتفتَّحُ منها أشرعةٌ، لا تقفُ على حدِّ الشفقِ، تضيعُ مع الأيامِ، وتكتملُ الصورةُ في ذوبانِ وجودي، تحتَ سنابكِ خيْلِ الحلمِ.. لأعرفَ ماهيَّةِ كَوْنٍٍ يطبعني بخيوطِ الأرْضِ ويكتبني ضوءاً في بستانِ عيونكِ.

*

وأنا
من شطآن منسية
نضَّدْتُ حروفي
وطلعتُ إلى الوقتِ بكلِّ عرائي
وسلاحي الصبرُ المأزومُ على علاَّتِ
اللغة
أتمنْطقُ باليأسِ
خذيني للخذلانِ يخرُّ على
صدْري الكهَّانُ / يرونَ براعتَهم في
فتْحِ الخلجانِ، يُعرُّونَ دمي، صوتي، اسمي
تحتَ شظايا البركانْ.

*

أتمنطقُ باليأسِ
أقودُ قطيعَ
الرغباتِ
إلى
النهرِ
فينتحرُ الماءُ
بصوتي، أزرعُ
ورداً في تيهِ الماءِ
وتيهِ الخلجانْ.

*

مُرْتَهِنٌ بالغِبْطَةِ، أشْرَبُ ماءً دَنِسَاً، وأسوِّي خِصْلَةَ شَعْرِ التاريخِ، ليبدوَ أكْثَرَ إشْراقاً في الموتِ، وأبقى مُسْتَتِراً في العمرِ / أُشَذِبُ عُمْرَ الوجعِ، وأَجْعَلهُ رَهْناً لِمُبايَعَةِ الروحِ، وأَكْتُبُ إعْلاناتِ الفقرِ، وأَنْحَتُ معنى الأيامْ.
مُرْتَهِنٌ بالغِبْطَةِ، يَفْرِدُني ماءُ الفجرِ، ويَعْصُرُني الليلُ، وأَنْشَفُ قَبْلَ جفافِ الصيْفِ على كُمِّ الليّلِ / يتستَّرُ فيَّ الويْلُ / يَقْرأُ فاتِحَتي / يكبرُ في طُهْرِ مساماتي / يَلْبَسُني كالشعرِ/ يُرَتَّقُ عافيتي كالعِشْقِ / يُقَرِّبُها مِنّي / وتغيبُ / وأعرفُ أنِّي لن ألقاها ثانيةً / وأغيبُ.

*

غريبٌ عن العشِّ /
صارَ لقلبي جناحان /
والأفقُ يعلو.. ويعلو.. فتخفقُ في قامتي وردتان /
على شفةِ الزعفران /
سماءٌ لعرش القصيدةِ /
سيدةٌ عذبةٌ في تآخي الجنونِ..
وعفَّةِ ناي الزمان /
وأغنيةٌ برْعَمتْ سيدَ الريحِ /
والطيرُ يأسره الطيران.
يا قلادة موتاي / يشربني البعدُ / أجثو كما عفَّةِ البرقِ / يتسعُ العمرُ للساخطين وللعاشقين.

*

في القناديلِ متسعٌ للضياءِ / أرمي رؤايَ على ظلمةٍ للكهوفِ / تئنُّ الصخورُ/ ويجأرُ في دمعِها ماردٌ / ليس ضعفي الذي يتهدَّلُ في الريحِ / ليسَ أنا المستباحُ الجريح.
نادلني الأفقُ / كان الندى في لهاثي يبوحُ /
وقلبي يفرُّ من الخفقانِ.. ولا يستريح.

*

كتبوكَ في مَجْدِ المطر
وعلى الأثر /
قد كبَّلوكَ بألفِ سيفٍ /
شرَّحوكَ.. وشرَّعوكَ إلى المدى / لم تنتحر!!
رسموكَ في شجرِ الخرائط / علَّقوكَ إلى المدى جوعاً ونفطاً أو بضاعةَ فاسدة.
سمكٌ يشعُّ بلونِ أطفالٍ عُراة..
أينَ النجاة ؟!
عبأوكَ.. تقاسموكَ.. ووزَّعوكَ.. ولم تجدْ وطناً بغيرِ طغاة
يا بحرُ.. يا ندمَ الجفافِ.. وعفَّة المأوى / على قيضِ الليالي.

*

صدَّقوكَ.. وكذَّبوا المَنْفى وناموا / مثلَ أسرى في حدائقَ لا تُحِبُّ الزائرينَ
صدَّقوكَ.. ومجدوا غَدَهُمْ / فبارَكَهُم بلاءٌ للبطالةِ في كهوفِ العمرِ
أرْجَعَهُم لماضيهم يؤوَّلُ / بينَ الحقائبِ والدموعِ
عَبَاءَةُ السلطانِ تتَّسِعُ الجدارياتِ.. نارَ الشعرِ والتقْوى
على رجفِ البلاءِ / تتسعُ الأرامِلَ والثواكِلَ
واليتامى.

*

سمَّيْتُهَا.. وأبحْتُ روحي للعذابِ.
سمَّيْتُها.. وأبحْتُ للتاريخِ أسئلتي /
فاستلَّني يومي وآخاني الجدارُ على الحرابِ /
سمَّيْتُها / ورفعتُ زنْدِي
عن حِبالِ النرجسِ المغتالِ في لغتي /
وأرَّخْتُ المدارَ على جِرارِ الحزنِ.. /
لم أجد الجوابَ!
سمَّيْتُها.. فارْتَجَّ ريحُ الغيْبِ /

قُبَّةُ
صخرةٍ مالتْ
ونادتْ، فاستحالَ الدربُ ماءً.

*

الله.. يا الله كم أنتَ محترفُ اليفاعةِ في المصير ؟! وكم تمجِّدُ آيةً فيها حياةُ الأولين /
وكم أرى وجعاً كَكَسْرِ جنازتين / على نواح رهافةِ القديس /
م.. س.. ل.. م
و.. م.. س.. يـ.. ح.. ي
و.. ي.. هـ.. و.. د.. ي
أنا رقَّةُ الأشياءِ في المعنى / ومعنى الإنقسامِ على براثينِ النباتِ / وفُجْعَةِ الصبحِ الطهورِ /
ومأتمُ الحمَّى على تعبِ الوصول.

*

لوَتْ معصَمَ الغيبِ حتى تشظَّى البقاءُ / وكانتْ جديلتُها بوحَ فجرِ الولادة / أصلِّي على بابِها الأربعاءَ / فيُفْتَحُ لي بابُ سورِ السماءِ / لأدْخُلَ محرابَ فجرِ الضياءِ / فيلمَعُ سنُّ فمِ الغيْبِ يُرْخِي الستائرَ.. يدلُقُ ليلاً على نورِها فيورِّقُ نوراً على ليلِها تفْتَحُ الكلماتُ بقاءَ الحياةِ / فيمتصُّنِي شغَفٌ لأضيعَ بنورِ الحياءِ ونورِ البقاءِ / أعرِّي دمي لطهارَتِها / والصلاةُ هي الأربعاء / وأدخُلُ محرابَها.. فيجنُّ البخورُ على غايةٍ في اكتمالِ الدعاءِ / تطوِّحُني قبْلَ غيِّ المنونِ فألهَثُ قبلَ نحيبِ البكاءِ / أمشِّطُ شَعْرَ مساماتِها وأطيلُ الشقاءَ / لعلّي أرى وجهَ خالقِيَ البكرَ في شفرتينِ هما الداءُ والإنكواءُ ورجفُ البقاءِ / إلاهاً ويرجو خلاصَ ألوهِيَّةٍ في استباقِ العناءِ / هو الخلْقُ يُدْمِي / وتَدْمَى النفوسُ بلا غايةٍ في جنونِ اللقاءِ / تشذِّبُ أرضُ الطهارةِ فينا منابتَ غنْجِ الوفاءِ / وترفَعُ أسمالَها الكلماتُ لمعبَدِهَا في حريقِ الرجاء.
هوَ
الأربعاءُ /
حريقُ الرمادِ
هو الأربعاءُ.. وجنَّةُ آدَمَ
قبلَ انبلاجِ السكونِ.. وموتِ القوافلِ
في لثغةِ الانتماءِ هو الأربعاءُ.. ينزُّ حياةً
ويبكي.. ليبكي السؤالُ الوجودُ عن السرِّ في شهْقَةِ
الجسدِ المترامي على عفَّةٍ في براكين إثْمِ الجوابِ / وحواءُ
من مرمرٍ صقلتْ نارَ أكعابِها.. غنَّتِ الطيرَ في عُشِّهِ والمقاماتِ

في
غيِّها
وسكونِ البقاء.

*

الدمُ الباردُ فضيحةُ القتل، والجسدُ مهرٌ معتوهٌ، ترتِّلهُ صحارى الرملِ
فرسٌ في مهبِّ الريحِ، تَسْبِقُ رَطانَةَ الشاعرِ.

***

قاسم فرحات

  • من مواليد بيروت، عام 1982.
  • حاصل على شهادة التعليم الإعدادي، وشهادة الثانوية بفرعها العلمي، وعلى شهادة فني صيدلي من معهد تدريب بدمشق.
  • عضو اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين.
  • عضو في رابطة: المسبار، للإبداع العربي.
  • يعمل في مجال الصيدلة.

صدر له:

  • إختيار، شعر، 2005.

قلق

قلقٌ
يراوغُ بسمتي
ويحاصرُ الأملَ المقيمَ
على تخومِ حياتي.
قلقٌ
يراوغُ ضحكتي
ويمدُّ ظلَ ترقبٍ فوقي
ويذرو الشوكَ في خطواتي.
قلقٌ
يؤججُ حيرتي
يلغي قيودَ الأسرِ
عنْ عَبَرَاتي.

2

قلق
يُتوجني أميراً
فوقَ كرسيِّ الكآبة
ويسمعني ما قيلَ عنْ
وجعَ الكمنجةِ
وانكساراتِ الربابة.

3

قلقٌ
يحاصِرُني
وينقُلُني لمملكةِ السؤالْ
أيَّ الدروبِ تُرى أسيرْ ؟
إلامَ يُفضي يا ترى ؟
ماذا جرى ؟
وأخذتُ أصطنعُ التخامينَ الكثيرة
ووجدتُ نفسي
تائهاً
في زوبعاتِ الاحتمالْ.

4

قلقٌ
قلقْ
ما زالَ قلبي خائفاً
منْ كلِّ دفقاتِ القلقْ
ويخافُ أنْ يأتيهِ يومٌ
لا يرى باباً
ولو باباً
يُؤدي نحوَ تحقيقِ الأماني
لا شيءَ في ذهني
سوى قلقٍ يفتشُ عنْ قلقْ
هلْ كلُّ بابٍ دونَ ترقيعِ الهمومِ
قدْ انغلقْ
آهٍ
وآهْ
لو أهتدي لوسيلةٍ
أو فكرةٍ
تُطفي براكين القلقْ.

باب الصباح

على شفة الجرحِ
كانت تنامْ
وحين استفاقتْ
رأت قطعاً من فُتات السلامْ
فلمَّت ضفائرها
خصلة ً
خصلةً
وراحت تيممُ درب الغمامْ.

2

رأت أمهاتٍ يزغردن فيها
وسنبلةً
فارقت عاشقيها
وبنتاً
تنادي أباها الشهيد
فلا يستجيب
وهل يستجيبُ الذي
فَككت عمره
رشقات انتقام ؟.

3

لها
كلَّما لملم الفجر عنها
غطاء الظلام
وأشرع باب الصباح الجديد
لها
كلما خبأ المجد بين أزقتها
ثائراً
أو شهيدْ
سلامٌ
سلامٌ
وألف سلام.

4

بلادي التي عتَقَتْ صبرها
من كروم الجليل
وراحت تديرُ
كؤوس الإباءْ
بلادي التي عبرت ذات يوم
على كفن الصمت والمستحيل
ومدت أناملها للسماء
لترسلْ مع شهقات الأصيل
وفوداً إلى سدة الشهداء.

5

سلامٌ عليهم
وهم يصعدون
إلى شُرف المجد
جيلاً
فجيل
سلامُ عليهمْ
وهم يسحبون
غطاء الظلام
يلمون منه الصباح الجميلْ
سلامٌ عليهم
وهم ينقشون
على جسد الأرض
حبّاً أصيلْ
سلامٌ على من غدوا شهداءَ
وقد تركوا الخوف إرثاً قتيل
سلامٌ
سلامْ.

أبي

إذا ما تسللتُ
بينَ سطورِ حياتكَ
كي أتنشقَ منْ راحتيكَ
رحيقَ الكفاحِ
وعطرَ الإباءْ
أراني
ألملم حفنة فخرٍ
وأُسْلِم ُ رأسي
لنجمِ السماءْ.

2

أراكَ
إذا ما صحا الفجرُ
تصحو
وتمضي على طرقات العملْ
تُساقِطُ
عبءَ السنين الخوالي
وتفردُ عيناكَ
خيطَ الأمل.

3

وحين يُحاصرني
الهمُ
ما أصعبهْ
وزحمة أفكاريَ المُتعِبهْ
أراكَ أمامي
تمهدُ حلاً
وتلبسهُ روحكَ الطَيبهْ.

4

وأنقشُ فوق الضلوعِ
أبي
يُزللُ لي
دربيَ المُتْعِبا
يلملمني
من عناءِ الحياةِ
بعطرِ ابتسامتهِ الطيبه.

5

لكم كنتُ أحلمُ
أني ألملمُ
من خلجات الحروفِ
قصيدة
وها قد فعلتْ
لأجلكَ
يا عُمرَ عمري
كتبتْ.

6

لكم كنت أعشقُ
أن أحنيَ الرأسَ لكْ
لألقي بظاهر كَفِكَ
قبلة
بحبٍّ طبعتْ
وكم كنت أسعى
وأسعى
لنيل رضاكَ
فهل قد فعلتْ ؟.

***

ماجد أبو غوش

  • من مواليد بلدة عمواس، عام 1959.
  • مدير مطبعة: أبو غوش، و: دار الماجد، للنشر والتوزيع / رام الله.
  • محرر الملف الثقافي في جريدة: المبادرة.

صدر له:

  • صباح الوطن، شعر، 1984.
  • قالت لي الأرض، شعر، 1989.
  • بغداد، شعر، 1991.
  • عمواس، شعر،1991.
  • قيامة، شعر،1991.
  • حمّى وردة الشهداء، شعر،2001.
  • بكاء الوردة، شعر، 2002.
  • بإنتظار المطر، شعر، 2004.
  • غيمة زرقاء، شعر، 2007.

Abugosh_m@yahoo.com

شَيءٌ ما

عِندما تَذهب الشّمسُ
لِلنّومِ
ويَملأُ الليلُ المكانْ
عندما تَسيرُ على مَهلْهِا
القُبَلُ
ويَبدأُ العُشّاقُ بالعِناقْ
تَمرُّ مِن أمامِنا
كأنّها غَزالةٌ
تَذهبُ للنّومِ مُسْترخِيةْ
كَأنَّها حُوريّةٌ
تَدخلُ المَوجَ نَاعِسةْ
كأَنَّها
تَأَخذُ ما تَبَقّى مِن قُلوبٍ
وَتَمضي.

صَباحُ الوَرد

صَباحُ الوَردْ
عَلى الغَزالَةْ
يَنامْ على ظَهرِها الفَراش
على المرأةِ الوَردةْ
تُخبئُ في أكْمامِها
العَسَلَ والنّحلَ والعِطرَ
على العَينينِ
يُطلُّ من لَيلِهما
الغيمُ والقَمرُ والسّحرْ.

وأنا هنا
يَدايَ في القَيدِ
وَعُنُقي
وَلَيلي طَويلٌ
ونَهَاري مُستَباحْ
وَحْدَها الأغاني
على القيدِ عَصيّةْ
وَحْدَه الوُردْ
ضَوَّعَ في الهواءِ حُزْنَه
واسْتِراحْ.

فَتَعالي
لقدْ خَبّأتُ لَكِ قَمَراً
منَ الزّعترِ البَريّ
وعَسَل النّحلِ
والنّبيذ الحُلوِ
والكلام المُباحْ.

صُوَر

هذا الذي على الشّفَتينِ
والخَدّينِ
والصّدرِ
ليسَ أحمرَ شِفاهْ
.........
هذا دمْ.

2

كَومَةُ الحِجارةِ والحَديد
وَبقايا الكُتبِ المَدرسيّةِ والأغاني
النوافِذُ المُحطّمةْ
وبقايا الأواني
.........
كانَ هُنا بَيتْ.

3

الّتي في السّماء
تلمعُ وتُضيءُ
هذهِ ليستْ نُجوماً
وهذا ليسَ قمراً
.........
هذه قَذائفُ مِدفعيّةْ
وطائراتٌ مُغيرةْ.

4

هذا الذي على الأشجارِ
ليسَ ثَمراً
والذي على النوافذِ
ومداخلِ البيوتِ
وأسوارِ المدارسِ
ليسَ أيقوناتٍ
لَيستْ أصص زُهورٍ
أوْ قَناديلْ
.........
هذه آثارُ الغزاةِ.

5

والذي أستيقظَ من النومِ مُبكراً
وسَرَّحَ شَعرَه
وأرتدى زِيَّه المدرسيّ
وقَبَّلَ أمَّه
.........
لمْ يَصِلْ إلى المَدرسةِ
بَعدْ.

6

مِنْ هُنا
لا نستطيعُ أنْ نُشاهد الغُروب
ليسَ في أرضنا
نهرٌ
وليسَ في شتائنا
مطرٌ
وليسَ في جيوبنا
خُبزٌ
وليسَ في أغانينا
قمرْ
.........
هذا ليس ت. س. إليوت
هؤلاءِ أطفالُ قلقيلية بعدَ إقامَةِ الجِدار.

أُغنيةٌ كَنعانيّة

إلى عز الدين المناصرة

(يا عِنَبَ الخَليلْ)
والفلسطيني يَجوبُ الصَحارى
والموانِئَ
يَقتُلُه العَطَشْ
وأرْضُه حُبْلى بالماءِ والنَّبيذْ
وَسَماؤُه مُدَلاّةٌ فاكِهةً وَقَمْحاً
وَهَواؤُه عَليلْ
(يا عِنَبَ الخَليلْ)
إلى أينَ نَمضي في هذهِ العَتمةْ
الطرُقاتُ كَمائِنْ
والأرْصِفَةُ صَمّاءْ
وليسَ في بَحرِنا مَراكِبْ
والقِطاراتُ تَمضي دونَنا
فأينَ نَمضْي ؟
وإلى أيِّ جَانِبٍ
إن اشتْدّت الرّيحُ
نَميلْ ؟.

في كُلِّ يَومٍ
تَضيقُ عَلينا الأرْض
ويَضيقُ عَلينا الهواءُ
والمَاءْ
زَيْتونُنا رَمادْ
وقَناديلُنا مُطْفَأَةْ
وقُلوبُنا مُثْقَلَةٌ بالدَّمعِ
وأغانيكَ حَزيْنَةْ.
الكَنعانيّاتُ تَرَكْنَ عِندَ البَحرِ
أوْعِيَةً وأواني
الكنعانيّاتُ تَرَكْنَ عِندَ النَّهِرْ
خُصَلَ شَعرٍ وأغاني.

ما بينَ جِبالِ الخَليلِ والبَحرِ المَيّتِ صَحراءٌ شاسِعَةٌ ومَكشوفةٌ، وكانت الكَنعانيّاتُ يَسِرنَ إلى البحرِ المَيّتِ لِيَفْركنَ كُعوبَهُنَّ وأثداءََهُنَّ بالماءِ المَمْزوجِ بالملحِ واليُودِ والكِبريتِ ويَبْتَهِلْنَ إلى اللهِ أنْ يَحمَلنَ، وأن تَتَدلّى قُطوفُ العِنبِ حتَى تَصلَ الأرضَ، وأنْ يَقطُرَ العَسَلُ مِنْ حَبّاتِ التّينِ.

الكنعانياتُ الممْشوقاتُ / المَلكاتُ / الرّاعياتُ / الزّارِعاتُ / الحاصِداتُ
الوَلاّداتُ / الصّانِعاتُ / المُغنّياتُ / الحَزيناتُ،
يَمْلأْنَ الأرضَ
حَجَلاً
وكُنتُ سَألتُ الرّيحَ عَنكَ
وسَألتُ الرَّملَ وَحَبّاتِ العِنَبْ
وجِرارَ النَّبيذْ
.........
.........
هوَ الآنَ يَحرسُ الماءَ والمِلحَ
ويَجْدِلُ لِلْكَنْعانيّاتِ
سِلالاً وأَغَاني
هُوَ الآنَ بينَ البحرِ وبينَ الجَبلِ الأحْمَرْ
هُوَ الآنَ في البَرِّيَّةِ
ذِئْبٌ وَحيدْ.

***

مايا أبو الحيات

  • من مواليد بيروت، عام 1980.
  • بكالوريوس هندسة مدنية- جامعة النجاح الوطنية.
  • تدير موقعاً الكترونياً أدبياً للكتاب الشباب بعنوان: الذين رقصوا للفراغ adab.alqudsnet.com

صدر لها :

  • ما قالته فيه، شعر، بيت الشعر الفلسطيني، 2007.
  • حبات السكر، رواية، بيت الشعر الفلسطيني، 2004.

ashtar2211@hotmail.com

حضور

خفيفًا
يداعبُ السَّاق
فيمسك السُّقوطَ من عنقهِ.

ثقيلاً
يطبق المكان من شفتيه
مقبِّلاً المدى.

هو هكذا كلَّما مرَّ على نفسهِ
أغرقَ البحرَ بالضَّوء.

فاطمة

من الصِّفر يبدأ
كلَّما دقَّ إحدى الكنائس في بَيْتِه ويده
طافَ المدينةَ
شارعًا شارعًا
قبلةً قبلةً
تهادى غافيًا
ملحٌ في جيبهِ يتكاثر.
...
كانت تصفِّي الحليبَ من زبدةِ المستحيل الثَّقيلة
تستحمُّ في وجنة الصُّبح
قربَ خلخاله المستدير
لا يزال عالقًا في شعرها قمرٌ
لا تزال في فمها نضرة النَّوم.
...
حين رآها عالقةً في شبشب القصب المخمليِّ
سكب الماءَ الذي في جراره
في المكان الذي لم يتذوقْهُ بعدُ
وأرتفع.

درابزين

اليدانِ اللتَّانِ لم تزالا على عُودها
حين أتى
أرَّقتْ فضَّةُ الفراغ
جوقةَ القلب الرُّخام.

العُود الذي لم يزل على يدهِ
ساعةَ الفجر
تنهَّد لحنينٍ من عبقٍ
وأستفاقَ على عمر.

وجهُها كان ثرثارًا
وجهه كان صمتاً.

قبله
طرَّزتْ وجهَها بغيابِ الحدائق
وانتحرتْ في الظلِّ.

بعده
أمسكتِ التَّكوينَ
بالبرتقاليِّ الحميم
وشدَّتِ الإطار.

معه
حبَّة مانجا
وفاصلتان من سكر.

***

المتوكل طه

  • من مواليد مدينة قلقيلية، عام 1958.
  • شغل منصب رئيس إتحاد الكتّاب الفلسطينيين.
  • شغل منصب وكيل وزارة الإعلام الفلسطينية.
  • أسّس: بيت الشعر، في فلسطين عام 1998، و ترأسه عام 2004.
  • يعمل حالياً وكيل وزارة الإعلام.

صدر له:

  • مواسم الموت والحياة، شعر، 1987.
  • زمن الصعود، شعر، 1989.
  • فضاء الأغنيات، شعر، 1990.
  • رغوة السؤال، شعر، 1992.
  • ريح النار المقبلة، شعر، 1994.
  • أو كما قال ـ مختارات، شعر، 1998.
  • قبور الماء، شعر، 1999.
  • حليب أسود عن هارون الرشيد والبرامكة، شعر، 1999.
  • نقوش على جدارية محمود درويش، شعر، 2000.
  • الخروج إلى الحمراء ـ عن أبي عبد الله الصغير وتسليم غرناطة، شعر، 2002.
  • وقد صدرت الأعمال الشعرية المذكورة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، 2003.
  • الرمح على حاله، شعر، 2004.

mutawakel@a-taha.com

حالات الشاعر

أَنا الأحدبُ المسخُ
لا أسمعُ النَّاسَ
أمشي
فَتمشي معي الصّلواتُ
وأَمضي بَعيداً
فَيبقَى القُرنفلُ مُجتمِعاً في الرُّواق.
أَتيتُ بِلَيلةِ إِثمٍ
وكانت مَنازلُنا في المحاق
ولمّا كبرتُ
أكتشفتُ الزمرُّدَ في الشِّعر والنَّحتِ
في الرَّقصِ
في مَضربِ القُطنِ
في جَرسِ الموتِ
في قُبْحِ وَردَتِنا
في الطَّريقِ
وشَيطانِ شَهوتِنا
أو مياهِ الغَريقِ
وفي حَدأَةِ البَطنِ
في ثَرثَراتِ الحَليبِ
وفي رَجفةِ الجُرحِ
زَاوجتُ بينَ مَوازين رعبِ الجَمالِ
وأرضِ الهَلاكِ
إِلى أَنْ رَأَوني بَعيداً عنِ الوَحشِ
لي تَاجُ آدمَ
ذَبْحُ الشَّقِيقِ
وقالُوا:
سَلامُك.
ــــــــــ
والقَلبُ تَعويذتي
أَحميهِ بِالحبْرِ والأصدقاءِ
ويُتعُبني بالجَمالِ
فأَربِطهُ بالنُّحاسِ
وأُلقيهِ في اليمّ
قَلبي حدودُ المَدائنِ
زَهرُ البَنفسَجِ
بِلَّورةُ الغَيمِ
قَلبي أَميرُ الغَيابِ القَريبِ
الجنونُ
المُصَابُ
بِنَوبةِِ عِشقٍ ذَبيحٍ
وقَلبي قِلادةُ مَوجٍ فَسيحٍ
ورعشةُ نارٍ
على كل ريحٍ
وقَلبي مُقارَبةٌ للرّهانِ
إِذا ما تَعلَّقَ بالطَّيرِ رَحْلُك.
ــــــــــ
والقَلبُ مَملكتي
ـ ولو أنَّه جِلدُ ثَورٍ ـ
وسيِّدتي
عندما تَجعلُ الخَيْطَ بيتاً كبيراً
وقلبيَ قِرطاجُ هذا الغِناءِ
المُطَهّمِ بالمَسرحِ المُستديرِ
وماءُ النبيِّ الصَّغيرِ الذي قالَ:
أِفْعَلْ
وما كان يَضحكُ بينَ المَوائد
قَلبي نُعَاسُ الحَديدِ
وَوَقْدُ الثَّلوجِ
وليلُ النَّهارِ السَّعيد
وبُرعمُ صُبَّارةِ التلِّ
والطّيرُ في رِحلَةٍ من جَديد
وقلبيَ ميدانُ طيفِ الرّبيعِ
ونَايُ القَطيعِ
وشَمسُ النَّجيعِ
وأيامُنا من بَعيد
هو الدَّمعُ والشَّمعُ والسَّمعُ
والمُبتلَى والمجَيد
والنَّبضُ في صَدرنا
إنَّما القَلبُ قَلبُك.
ــــــــــ
وقَلتُ أَنا يومَ غادرتُ شِعركَ:
إنّي شَبيهُكَ
كي أجمعَ الكهرمانَ وصوتَ الدُّخانِ
وأحملَ كلَّ أثاثِ القَوافي
وأضربَ بَيتي قَريباً من المُستَحيلِ
اتَّسعتَ
كما قلتُ يوماً على النَّقشِ
لكنَّني لم أُجاوِزْ حُدودَ الرويّ
وكنتُ عرفتُ بأنّا نَراكَ
ولَسنا نَراك
وأنّا شَربنا وإيَّاكَ قَهوتنا
كي يَتمَّ العِراك
وما كنتَ غيرَ أبٍ لا يَضِنُّ
ولكنَّنا نَبحثُ اليومَ عن سُورِنا في البِلاد
ولمّا وجدناهُ، قُلنا:
تَفيَّأَ في ظلّنا السُّورُ
أو قد خَطوناهُ
لم يَكُ غيرَ ذِراعٍ
أَقولُ:
نَراكَ
ولَسنا نَراكَ!
ولم يَعرِفُوا بَعدُ مَعنى وجودِكَ
لم تُدرِك الأرضُ مَعنى شتاك
وأَرجُوَ ألاّ يَنالُوا رِضَاك
ولا أُشْبِهُكْ.
ــــــــــ
ثَوبُك الخردليُّ
يَا قَمري الطَّفلُ
من دَمعةِ السيسَبانْ
لكَ السَّيفُ واللُّؤلؤُ الحُرُّ
حتى تَتمَّ حِكايةُ هذا الزَّمانْ
تَقولُ الرُّواةُ:
أَتَوا من غُروبِ الشَّمالِ
إلى لَبنِ الشَّرقِ
كُنَّا على رُكبَتينِ من اللَّيلِ
مِحراثُنا طَاعنٌ بالبَسيطِ
من العُشبِ
والبَيتُ لِلعُرْسِ
والأُقحُوانْ
ـ وكان أبي الشَّيخُ
كان الجنودُ
وكان الحِصانْ ـ
وكنتَ الذي جاءَ من رَحمِ مِيناءِ بَحرٍ بَعيد
فكنتَ الوَليدَ
وكنتَ الشَّريدَ
وكان القَصيد !
فكيفَ قَبِلتَ البَقاءَ على دَرجِ الدَّارِ ؟
كيفَ رَضِيتَ بأَن يَدفنوا أمَّكَ البِكْرَ
خلفَ الِجدارِ ؟
وكيفَ تُدافعُ عن قَاتلٍ يَسرقُ
الماءَ والنّارَ والرِّيحَ والجُلَّنار
بِدَعوى الإخاءِ وحِفظِ الدِّماء
وأنَّكما تَخبِطانِ على هذهِ الأرضِ
ذاتِ البُروجِ وذاتِ السَّماء ؟
ألم تَر أنّ الذي اغْتَصَبَ امرأةً
شَارَكَها نَفْسَ ذاكَ الهَواء ؟
وأينَ هَواؤك ؟.

***

محمد الديراوي

  • من مواليد غزة، عام 1976.
  • بكالوريوس صيدلة من جامعة الأزهر بغزة، وماجستير الصيدلة الصناعية من جامعة ليون بفرنسا.

صدر له:

  • نظرت حولي، شعر، وزارة الثقافة الفلسطينية، 1999.
  • ضيوف النار الدائمون، شعر، بالإشتراك، عن بيت الشعر الفلسطيني، 2000.

وقعة الجد

كان ينظر إلى نقطة في السقف
صعد ثلاث درجات
ثم
وقع عكازه
ظلّ يهتز وحده
ثم أكمل صعود الدرج
وأرتمى على السطح بين الدجاجات.

ـ أتذكر ؟
ـ أذكرُ
أذكر ذلك الصوت
ربما هي الطائرات
أو أكوابٌ تسقط
واحداً
واحداً
وربما هو الفتى الذي يئنّ في ضحكة البنت
ـ أترى ؟
ـ أسمعُ
بُم..
ثم شيءٌ يتكسرّ
بُم..
ثم شيءٌ يتكسر
ـ جدّكَ ؟
ـ في غرفته
يكسرّ حبات اللوز
بم..
ثم قال:
"النافذة مرآةٌ
والشمس التي في البعيد حبة لوزٍ لم تكسرها مطرقتي بعد".

ـ هل ترى الضوء الذي يحكّ جلد الحصان في اللوحة ؟
ـ ليس حصاناً، هي امرأةٌ برأس حصان تضع يدا على صدرها
يدها الأخرى تغوص عميقاً في الحائط.
ـ الدوائر
ـ ذئابٌ تراقب طواحين الهواء، تدور.. تدور
يحركون رؤوسهم بحركةٍ دائرية مخرجين أصواتاً غريبة:
أنا..
نا.. نا..
ـ وموت الجدّ ؟
ـ ضوء الشمس، ضوء الكون
صوت الحمام يدخل في الكأس نصف الممتلئ
قال، وهو يصعد الدرجات الثلاث:
"هل تقرضني مسدساً، ومنديلاً ؟".
كنتُ أراقبُ الإصيص
تزحزحَ وحده خمسة سنتيمترات
بعدما وقع الجد !!.

بعد أن تحدث طويلاً
مع الإصيص، وحوض الأسماك، وحارس البناية
ظلَّ رافعاً يديه
كأنه يثبتُ صورة حائط
أو يقطف تفاحة
أو يلفت انتباه صديق
لم يأبه بدقة الساعة، ولا بوقت الغذاء
ظلّ رافعاً يديه
ـ والإصيص ؟!
ـ مرة أخرى
قلتُ:
أنت لا ترى خيوط ضوءٍ شفافة
تشدّ الأشياء من قميصها
ـ هي هدنةٌ إذاً ؟
ـ أنظرُتحت جلدي أظافر تنمو
على ركبتي طفلةٌ ونصف أرجوحة
ـ أتسمع ؟
ـ أرى
صوت الحياة في أصابع الأرملة
أحاول تقليد مصدر الضوء
أصعد على الطاولة
أتحدث في القلم
(كأن ميكروفون)
أهزُّ رأسي بطريقةٍ مضحكة: نعم.. نعم..
ـ هل عاد الجنود ؟
ـ لا
أرسلوا قمصانهم وخوف أكتافهم !
ـ والجنرال ؟
ـ ما زال فوق الطاولة
يقولون:
سيعقد هدنةً مع فصل الشتاء
كان يركبُ حصانه الخشبي ويصهلُ
يا جدي:
الحياة لا تدخل في الخشب !
ظلّ ينتقلُ بين المطبخ والدرجات الثلاث
ثم أخذ يردد أيام الأسبوع
كان ينادي على الأشياء بأسماء رجال
وعندما وقع
ظلّ عكازه يهتز !!
أستبدلُ المعطف
بيدٍ تعرف الأشياء من صوتها
والصديق بورقة يانصيب
والشمس بحبة لوز
ـ مثل جدك ؟
ـ قبل أن يستبدل الكرسي الهزاز بمطرقة اللوز
ـ وحياة الجدّ
ـ عمالٌ يغادرون محطة تاركين قمصانهم على حواف الشبابيك
لم يقل أحد "وداعاً" للخباز
ـ وموت الجد ؟
ـ عكازٌ يكمل صعود الدرج.

الأجنبي

قال الأجنبي للغريبة التي على الكرسي
ـ في الخارج أرمل، أجساد موتى، رملٌ كثير
ـ في الصورة ببغاءٌ حائر، أجابت..

هل تريد كوباً من الشاي ؟
انحنى
وسقطت جنيهاته
ضحكت المرأة الراقية
وهي تلمس العضو التناسلي لتمثال القائد.

ما زال ـ منذ الأمس ـ
يحاول العد حتى المليون:
واحد.. خمسون ألفاً.. أحد عشر
ماذا ؟!
هل عليه أيضاً أن يلتزم بالترتيب ؟!
ظل يعشق المرأة التي في الرواية
لم يعتد ـ بعد ـ على جوع العمال في المنجم
باع أثاث البيت
والملاعق الذهبية
باع أيضاً ساعة اليد
وـشترى تذكرة قطار.

آه
صرخ الرجل
آخ
صرخت المرأة
عندما رأيا كتفي من الوراء
وأنا أرحل.

2

سوف أجلس سيدةً على ركبتي
وأحرر يدي
نعم
أنا من أغضب الحصان الذي في اللوحة
عندما ألمس جلدك
تتحرك المزهرية في الممر
أعرف
تعشقين صاحبي الأشقر
لأنه عازف جيتار
هادئاً
أفكر فيكِ
تاركاً للريح أمر قبعتي
أغمض عينيّ
أرفع ذراعي
الحائط أعلى قليلاً
من يديّ.

يريدون تقليد أشياء أخرى
الأول ظلّ يجري حتى أصطدم بالحائط
الثاني ظل يصهل مثل حصان
الثالث ظل يصعد على الطاولة ثم ينزل
لن أكون واحداً منهم
حتى لو أمتلكت الفتاة
التي تدحرج البرتقال في اللوحة.

3

أنتبه
الرجل الأسود
يتحدث إلى المدفأة
في يديه من الحزن ما يكفي
لتحريك إناء.

ظلّوا يشربون، ويضحكون طوال الليل
يحرك يديه
يشير إلى أشياء كثيرة بأصبعه
وأحياناً بساقه
حاول أن يقلد الأشياء
المزهرية
صورة الحائط
أو بندقية الحارس.
ناسياً حصانه الذي ينتظر في الغرفة.

يبصقان على الطرقات
يلاحقان امرأة
يحاولان كسر عمود كهرباء
نظراً إلى سيارة تلمع
ثم أنهالا ضرباً على الحصان المريض.

لم يأبه بصراخ الحيوانات
يخرج من أجساد آدمية في الحي الفقير
"سوف أحاول أن أحبهم
مثل واحد منهم"
لا يخاف الآن
من السكاكين التي في ملابسهم.

4

ليس الجيتار
ولا النساء اللواتي يركضن
ويصطدمن بالحائط
ليست أسرار السلالم
إنها الفوضى
تخرج من يدي الوحيدة.

ظلَّ يردد الجملة الأخيرة
وهو يتنقل بين الجدار والمدفأة
بعد أسبوعٍ غادر إلى المعركة
ممسكاً بذيل حصانه
هذه نافذتي
على بعد ثلاث دمعات
يجلس الإصيص
مرحباً
جاء الصباح
دخان السجائر
يخرج من طرف سريري
لهم أجساد أحصنة
يحملون البراميل الثقيلة
يتبادلون الشتائم والأسرار العاطفية
يتحدثون مع النباتات التي تنبت حول أقدامهم
لا
لن تكون واحداً منهم
حتى لو لمست الحياة
التي تخبئ في صوت الحصان.

المهاجر

إنه أنا
أنظر جيداً أيها الصديق
لم أذهب مع الذين يحملون الأسرار والقبعات في حقائبهم
إنني هنا وحدي
أرتعش على حافة الشرفة
هل ترى البريق الذي في البعيد ؟
إنها السلاسل والذكريات التي ألبسها
وربما هو العرق على ذيل حصاني
إنه أنا
تذكر جيداً
أيها الصديق المنازل
أيها الصديق الذي يهرب كحصان
إنه أنا
إنه أنا
أنظروا جيداً
يداي عصفورٌ يئن
وعيناي نافذتان.

كفيف

عندما بلغ الحادية عشرة
صار يعرف الأشياء حين يلمسها
في البداية أستطاع أن يلمس الجدار
جهاز التلفاز
زجاجات البيرة المخبأة
صور النساء التي ...
ظل الفتى ثلاثة أيام
يمد يده ويعيدها
محاولاً أن يلمس
صوت الحصان الذي في اللوحة.

الحقائب

لا
لا شيء
إنها رشا الجميلة
تراقب دهشة العصافير.
.....
لا شيء يشغلها
ورقةٌ فارغة
وآلة تصويرٍ على الطاولة
الضوء الذي ينمنم النافذة
لا بد أنه عمود النور في الخارج.

رشا تقرأ الغياب الذي في النافذة
ترسم آلة تصوير
وتؤلف ذكريات أخرى
الطنين الذي في الخارج
إنه عمود النور أيضاً.

"الحقائب تذهب وحدها
والمسافر يلعب في الذاكرة"
هكذا تقول رشا.

أما النباح الذي في الخارج
إنه أيضاً
عمود النور.

في الخارج ضوءٌ
طنينٌ
نباح
في الخارج أشياءُ كثيرة
ماذا ؟
ماذا ستفعل رشا
لو كان عمود النور
عكازاً خشبياً ؟.

***

محمد حلمي الريشة

  • من مواليد نابلس، عام 1958.
  • نال درجة البكالوريوس في الإقتصاد والعلوم الإدارية.
  • كما عمل في عدة وظائف في مجال تخصصه الأكاديمي.
  • عمل محرراً ثقافياً في صحيفة: الحياة الجديدة.
  • عمل نائب رئيس تحرير مجلة: الشعراء، التي يصدرها بيت الشعر الفلسطيني.
  • يعمل حالياً رئيس تحرير مجلة: أقواس، التي يصدرها بيت الشعر الفلسطيني.

صدر له:

  • الخيل والأنثى، شعر، 1980.
  • حالات في اتساع الروح، شعر، 1992.
  • لوميض الأخير بعد التقاط الصورة، شعر، 1994.
  • أنتِ وأنا والأبيض سيئ الذكر، شعر، 1995.
  • ثلاثية القلق 86-90، شعر، 1995.
  • لظلالها الأشجار ترفع شمسها، شعر، 1996.
  • كلام مرايا على شرفتين، شعر، 1997.
  • كتاب المنادَى، شعر، 1998.
  • خلف قميص نافر، شعر، 1999.
  • هاويات مخصَّبة، شعر، 2003.
  • أطلس الغبار، شعر، 2004.
  • معجم بكِ، شعر، 2007.
  • زفرات الهوامش، نثر، 2000.
  • شعراء فلسطين، معجم، 2003.
  • شعراء فلسطين في نصف قرن من 1950 إلى 2000، أنطولوجيا، بالاشتراك مع مراد السوداني، 2004.
  • الإشراقة المجنحة / لحظة البيت الأول من القصيدة، دراسات، بالإشتراك مع آمال عواد رضوان، 2007.

muhammad.h.rishah@gmail.com

بَيَـاضٌ

أُحِسُّكِ
أُحِسُّكِ دَائِمًا
أُحِسُّكِ دَائِمًا هكَذَا
دُوَاةَ عَتْمَةٍ تَغُوصُ فِي بَيَاضِ يَرَاعِي !.

يَااااااه.
كُلُّ هذَا البَيَاضِ جَسَدُكِ ؟!
إِذًا:
سَيَجْعَلُنِي الشَّاعِرَ الوَحِيْدَ
بِلاَ الأَفْعَالِ الكَامِلَة !.

يَظَلُّ نَاصِعًا بَيَاضُ انْتِظَارِي
أَلاَ يَتَوَقَّفُونَ عَنْ صُنْعِ السَّاعَاتِ الدَّائِرِيَّةِ ؟
مَاذَا سَيَحْدُثُ لِلْوَقْتِ
لَوْ سَارَ أُفُقِيًّا
وَلَوْ بِعَقْرَبٍ أَعْرَجَ
وَآخَرَ أَعْمَى ؟!
أَلَمْ تُصِبْهُمْ دَائِرَةُ العِشْق ؟!.

حَتَّى وَإِنْ قُطِعَتِ الشَّبَكَةُ
حَسَدَ أَنْ لاَ أَصْطَادَكِ
مَنْ يَسْتَطِيعُ بِمَكْرِهِ الأَسْوَدِ
إِخْفَاءَ صَوْتِكِ الأَبْيَض ؟!.

لَوْلاَ نُعَاسُكِ المُفَاجِئُ
قَبْلَ انْسِكَابِ عَسَلِ الفِضَّةِ
لَكُنْتُ خَلَّيْتُ بَيضَةَ القَمَرِ طَازِجَةً
حَتَّى مَطْلَعِ النَّبْع !.

الَّذِي ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنْ كَمَدٍ لاَ يَرَى
أَمَّا الَّذِي تَرَمَّدَ صَدْرُهُ فَلَمْ تَزَلْ
جَمْرَةُ قَلْبِهِ تَنْبِض !.

البُخَارُ الَّذِي يَتَصَاعَدُ بَيَاضًا
الآنَ
مِنْ قَهْوَةِ قَصِيدَتِي:
هُوَ
رَقْصَةُ الشِّعْرِ
تَعْلُو
مِنْ مَلَكُوْتِ القَصِيدَة !.

حَتَّى وَإِنْ كَتَبْتُكِ
بِأَزْرَقِ السَّمَاءِ
فَوْقَ
أَصْفَرِ الصَّدْرِ
سَتَسْتَخْلِصِينَ بَيَاضَ صَوْتِي
بِنَحْلَةِ أُذُنِكِ
يَتَنَاقَطُ:
أُ
حِ
بُّ
ك.

فِعْلاً وَخَلْفًا:
كَانَ قَلْبُكِ الحَافِي يَسِيرُ
فَوْقَ
ظِلاَلِ سُؤَالِي عَنْكِ
وَأَنَا أَرْتَجِفُ قَلِقًا
أَمَامَ أَبْيَضِ السِّجِلِ
إِلاَّ مِنْك !.

لَمْ أَتَمَاسَكْ
حِينَ كَأَنَّكِ شَجَرَةُ خَوْخٍ
بَعْدَ بَيَاضِ أَزْهَارِهَا
كَيْفَ لِقَطِيعِ جُوعِي
أَنْ يَنْتَظِرَ اغْتِسَالَ ثَمَرِكِ وَقَدْ
دَنَا
فَتَدَلَّى ؟!.

دَخَلْتِ لِي
بِخُطْوَةِ تَوْقِكِ الخَفِيضِ
وَكَعْبِ إِغْوَائِكِ العَالِي !.

خَضْرَاءُ أَمْ صَفْرَاءُ أَمْ حَمْرَاءُ
مَا هَمَّنِي لَوْنُ الإِشَارَةِ
حِيْنَ عَبَرْتُكِ إِلَى رَصِيفِكِ الأَبْيَضِ
رَغْمَ ازْدِحَامِ حَذَرِك !.

تَعَطَّلَ اللِّسَانُ عَنْ بَيَاضِ يَاقُوتِهِ لاِنْهِمَارِي
يَا.. قُوتَ.. نَارِي !.

ثَمَّةَ أَمْطَارٌ كَانَتْ
تُمَارِسُ احْتِلاَمَهَا خَارِجَ النَّافِذَةِ
وَأَنَا أَتَرَاذَذُ دَاخِلَ مَكْنُونِكِ
بَيَاضَ نَبِيذ !.

لأَدْنَى
مِنْ فِرَاشِ شَغَفٍ
وَأَبْعَدَ
مِنْ شَهْقَةٍ مُشْرَئِبَّةٍ
كَانَ مَسَارُ بَيَاضِ صَهِيلِي !.

كَمْ كَانَتْ أَكْثَرَ حُرِّيَّةً
زَقْزَقَةُ عَصَافِيرِكِ التَتَأَوَّهُ بَيَاضًا
دَاخِلَ قَفَصِ صَدْرِي !.

دَائِرَةُ العِنَّابِ الَّتِي سَالَتْ
عَلَى
بَيَاضِ الأُمْسِيَةِ
كَانَتْ طَقْسًا
مِنْ حَفْلِ تَوْقِيعِ كِتَابِكِ الوَرْدَة !.
كُنْتِ:
أَكْثَرَ مِن جَسَدٍ لاِحْتِلاَلِي
كُنْتُ:
أَكْبَرَ بَيَاضًا فِي حُلُولِي فِيه !.

لَمْ أَزَلْ أُوَبِّخُنِي كَثِيرًا
لأَنِّي نَسِيتُ لَمْلَمَةَ دُرَّاقَ العِنَاقِ
عَنْ حَقْلِ عَرْشِنَا !.

لاَ أُرِيدُكِ أَنْ تَأْتِي
بِرَمَادِي
لاَ أُرِيدُكِ أَنْ تَذْهَبِي
بِبَيَاضِي
كَيْفَ لَكِ حَرَكَةُ خُطْوَةٍ
وَاحِدَةٍ
وَأَنْتِ
فِيَّ ؟!.

***

محمد حمزة غنايم

  • من مواليد باقة الغربية المثلث الفلسطيني، عام 1957.
  • توفي عام 2004.
  • تلقى علومه الأولى حتى الثانوية في بلدته، ثم درس سنة جامعية واحدة في جامعة تل أبيب.
  • عمل محرراً في العديد من الصحف والمجلات منها كمجلة: لقاء العربية ـ العبرية ومجلة: الشرق.
  • أنتقل في سنواته الأخيرة إلى الصحافة الإلكترونية، فكان من أبرز مؤسسي موقع المشهد الإسرائيلي، وشغل منصب المشرف العام عليه.
  • كما عمل محرراً لصفحة: إسرائيليات، في صحيفة: الأيام، الفلسطينية
  • عمل مراسلاً صحافياً لوكالة الأنباء الفلسطينية: وفا.
  • ترك مجموعة من القصائد كتبها في فترة مرضه العضال، وظهر قسم منها تحت عنوان: حالات زوغان، في مجلة: مشارف.

صدر له:

  • وثائق من كرّاسة الدم، شعر، 1975.
  • ألف لام ميم، شعر، 1979.
  • المائدة وأحوال السكين، شعر، 1984.
  • نون وما يسطرون، شعر، 1988.
  • الغرائبي، شعر، 1997.
  • العاشق، رواية، لـ: أ. ب يهوشع، ترجمة من العبرية.
  • الزمن الأصفر، ريبورتاجات، لــ: دافيد غروسمان، ترجمة من العبرية.
  • قصائد مختارة من الشعر الإسرائيلي المعاصر، لباروخ كيمرلينغ وشموئيل مغدال ترجمة من العبرية.
  • لماذا تركت الحصان وحيداً ؟، وسرير الغريبة، شعر لمحود درويش، ترجمة إلى العبرية.
  • الموت حياة، مختارات ودراسات من الشعر المصري المعاصر.

أنطلق.. يا عفناً في لُغة

أطفح بالألوان المكعبة لأخلق سوريالية ملتزمة تخلصني من حساب قديم مع التاريخ وأجيز لنفسي اعتبار"هاملت" بطلاً سوريالياً، لأن رقم 6 صليب معقوف تتستر خلفه أرقام لا حصر لها، خلف مساحات ضاق بها جلد اللغة، خلف معانٍ حصرناها تتململ. لن أسأل نفسي: إلى أين يمضي الإنسان ؟، ذلك أنني عارف جداً أن الخراب الجميل مادة خام لأخلاقيات جديدة في الفن، هي وحدها النتيجة الحتمية لحالة ذهنية يمر بها الوعي، ولا يمكن له استيعابها بسهولة. وبهذا، فقط، تصنف الأجناس.
لن، هذه أقصر من صبر فلسطيني يهرول بعيداً عن الهدف. لن، كلمة كافرة، جَنين ينمو في جسم مخيم، وناس المخيم ذهاب جسم موصل للإنسانية، ولكن.. ما أغبى العالم !.
لنا شجرة واحدة لن ينخرها سوس، لذا سأسمح لنفسي بقطف ثمرة حفر "كارل كراوس" اسمه عليها بمشقة: "أنا لست بشاعر حتى أتعامل مع النفايات، إنني أحول النفايات إلى قصائد، وهكذا أنظم تجمعات لمساندة الشعر". ثم إن العفن الذي سمحنا له بشق بطن كلماتنا، جرثومة عارية في اسطوانة فارغة، والفنان الحقيقي من يجعل الآخرين يعترفون لأنفسهم بحقيقتها العارية، وما نفعله نحن لا يصل حتى إلى تحسس شفاه كلمتان ببرودة !.
لو كنت رجلاً ضالاً في غابة ولجأت في الليل إلى أول بيت أصادفه، لأستبدت بي الدهشة لإكتشافي أن البيت بيتي، ولتنحيت، ولكنني أخاف ألا أشهد اليوم الذي سيعترف العالم فيه بأنه حمار.
هنا
لن أقطف ثمرة أخرى.
أتلفت حولي لأصادف حجراً في القدس ألقاه "هربرت ريد"، كتب عليه ما كان الجد آدم قد جهله لغبائه: "إن الطبيعة من الضخامة والتنوع، بحيث يبدو لأول وهلة أنه من المستحيل تماماً إختيار معالم عامة يمكن إتخاذها مقياساً لشكل الأشياء التي نصنعها. وفي واقع الأمر لم يبحث الفنانون عن مثل هذا المقياس، وإنما أحسوه ووجدوه بالفطرة، ثم إن الأشكال الأولية التي يعطيها البشر لأعمالهم الفنية، هي الأشكال نفسها الأولية الكائنة في الطبيعة. سأضيف، إذن، إن كل كتابة لا يكون هدفها الإنسان، زائفة، ولو كانت طلقة تتفسر. هكذا أتعامل مع الكلمة، لأمتلك المقدرة على رفض كوني خيطاً أحمر في قطعة قماش بيضاء".
"وكيف يعرف الحجة من الشبهة من لا يعرف ما يعلم معتقداً، ولا يعلم يقيناً، مما يعلم ولا يعلم معتقداً"ـ كما قال الجاحظ ؟.
ــــــــــ
فيا أيها الشعراء
أضبطوا أوراقكم المفخخة
على قدوم الحيرة
وأحملوا قصائدكم الانشطارية
إلى ساحات الذكرى
فالكلمات المهجورة تنضو ثوب العزلة عن كواهلنا
والليلك يغزو احتمالات الدم
إذ يتبوأ مآقينا المشبعة بالتلاشي.
ــــــــــ
أخيراً
هل يمكن خلق سوريالية ملتزمة ؟.

سبق العُمر العذل

"سبق ـ العمر ـ العذل"
فالثلاثاءُ أتت في الأربعين
لحظة
قبل المدار الصعب في أيلولَ
لو أني تأخرت إلى موعدها دهرين ضوئيينِ
لو أبقيت في سِفري قليلاً من حنينِ الطَّلّ للوردة
والهدهدِ للرحلةِ
لو أني تأخرتُ قليلاً
دورةً أو دورتين
لكن الثلاثاء أتت بعد الخميس
سبق العمرُ العَذل!.

يا هدهدها.. ثمَّ أقِمني

زيفٌ هذا المشهدُ، قَدَرٌ كافر
ظِلّ سحابٍ أسوَد، هذا المشهد
مسقط حتفٍ غادِر.
ـــــــــ
سيدة البرق أنتحرت
سقط الضلع الثالث في الخيمة
وأرتحل الطير الزاجل
وتصَدّعَ حجرُ الزاوية الأخضر
فَرَقاً
هبّت ريحٌ صفراءُ على جذَل الساحل
وأبتدأ العدّ العكسي إلى منفاي.
ـــــــــ
زيفٌ هذا الموقف، حظ عاثر
شرطُ المنفى الأزليّ الأحمق
وضباب الوطن الساخر
نحرُ غزالٍ برّيّ ينبش قبرَه
ويكابد أمرَه
فرسٌ بيضاءُ مكللة بالغار
وتسرقها مني
قافلة بريد عبَرَت صوب الصحراء العربية
حمَلَت وجعي قرب المتوسط
وَهَنَت
حائرة
وأضاعت شاماً خصباً بالوهمِ، أضاعتني.
ـــــــــ
كم يحزنني هذا الرجع على ناي الذكرى
وأنا إذ أذكرُ
أذكرُ منفايَ زماناً وحدي
أسأله اسمي، وأكابر في سرّي:
بلدي لا يذكرني !.
ـــــــــ
وأنا إذ أسأل
أسأله يوم "سداد الثأر"
ولا يسمعني.
ـــــــــ
يا هُدهُدها المنتوف الريش أنهض
وأقِمنا
ثم أقمها
ثمُ أقمني !.

في رحم اللغة الحجرية

كنا نهبط ساحات الفقراء الوردية بالفقمات المرة /
كانت أنثانا المخبوءة في شجر اللجأة مستسلمة للعصف
متوحدة، تطفئ وقدة هيكلي الليلي /
تقيم على جذع الماء خرابَ الماء.
متصادية، تبعثني بين رماد أصابعها
محموماً من فزع الشهوة
أبصرتُ بلاداً تسلخ عن سعفة وجهي خضرتها
لا تأمر باسمي عنقاء الكلمات المثلومة بالوحشة
أن تدخل سجدتها /
حين تكاشف بالمد كهوف الرأس اللزجة.

إذ أدلف للعالم بالشعر يُصَيّرني بالوحدة صَمتُ الروح خراباً
وأنا خرِبٌ بالرقدة يا أيتها الراقدة الأبدية.
بادية قدامي الطرق المحتارة بالناس ِ
وما من أحد يتحسس في جذل العزلة صخرته
ويسجل للأذن العصرية مارشات تعب.
ما من أحد ينتزع الذاكرة المعقوفة بالشفرات
ولا يتكرر كالسحب المغرورة بالفوضى.
ما من أحد لا ينفش كالطاووس.
أصوات
يا سارية الأيام المهجورة
لا تتوحد في ليل الإنسان.
في الواجهة الصحراوية للإنسان
في ليل الشاعر مثلاً، تتوحد أقمار الأبدية
في رحم الغابة
أيضاً
تقترب الأشياء من الإنسان.
والحجة
عند حضارات البسايكاديليكي
تتخلل كالشعر على نافذة المقهى
وتراهق بالأرقام الكنعانية / بالإرهاب.

الحجة
إذ تخترع لغات تتنزه بالضّوأة
تتزين بالباروكات الذهبية.
لا تذهب للنوم بحلتها الصلعاء
تقيم على استذكار اللعنات /
وتبكي.
الحجة
في رحم اللغة السوريالية
قامات فرح.

***

محمد لافي

  • من مواليد قرية حتّا قضاء غزة، عام 1948.
  • حصل على الثانوية، 1966.
  • تخرّج من جامعة بيروت.
  • عمل في حقل التعليم في لبنان.

صدر له:

  • مواويل على دروب الغربة، شعر، 1973.
  • الإنحدار من كهف الرقيم، شعر، 1975.
  • قصيدة الخروج، شعر، 1985.
  • نقوش الولد الضال، شعر،1991.

خطوط العرض / خطوط الطول
طريق إلى المقهى

هم
والآنَ يرتجلون أيّامَ المقاهي
كلُّ شيءٍ هادئٌ في الجبهة الأُخرى
ذوتْ طلقاتْهم في الصّمْت
ساروا في الجنازة مثلما يجبُ
لا خطوهم هزَّ الرنينَ على سواحلهم
ولا انكشفتْ لهم حجبُ.

الفتاة الأولى
من أعطتني كلمتها يوماً
من حاولت الرقصَ بعيداً خارجَ ساحِ الأصفادْ
أمس ـ مصادفةً ـ مرَّت في الشارع
مثقلةَ الخطوِ
تجرُّ خرابَ العمرِ
ودزّينةَ أولادْ !.

هم
عبروا من الطّلقاتِ للذكرى
مضوا
ومضى زمانُ الراحلينَ لنجمةِ المسرى
رفاقُ العمرِ مرّوا في الكمينِ كما الغمام
عليهمُ منَّا السلامْ
هنا بقاياهم:
كؤوسُ الشاي
أعقاب السجائرِ
والكلامُ عن المهمَّةِ
من هنا أزّ الرصاصُ
وأزّت الخطواتُ نحوَ بلاغةٍ خانتْ
لمن كتبوا رسائلهم ؟
بمَن عبروا سجوفَ الليل ركضاً في مقاتلهم ؟

لمَن هتفوا على حدِّ السدى:
(يا خالنا هانت)
ولم يرتجَّ صوبَ الأفقِ بابُ ؟
ولمَن هنا رفعوا الحياةَ على أكفّهمُ لينتصرَ الخرابُ ؟.

جملة مفيدة
في الشارع هذا اليومَ صباحاً
(عاكستُ) ثلاثَ بناتْ
لم تَعْلَقْ في السّنارةِ واحدةٌ منهنَّ
وحينَ رجعتُ إلى البيتِ
وأعطيتُ الجسمَ بكامله للمرآة
أبصرتُ زمانَ الخندقِ كم حرثتْ سكّتهُ فيِّ
وكمْ كنتُ حريصاً ألاّ أشطبَ من ذاكرتي
يوماً فاتْ !.

هم
عبروا الخنادقَ كي يؤاخوا حكمةَ التطبيعْ
لا كانوا
ولا كان القطيعْ
كأنهم ما شاغبوا يوماً
ولا رفعوا الرصيفَ على أكفّهمُ ليزهرَ:
لا
كأنّ نشيدَهم قد خانَ قتلاهم، وإلاّ...
كيف أبصرهم يمدّونَ الخُطا في شارعٍ يهوي على حدِّ الرغيفْ
ويسحبونَ وجوهم في كلِّ بابِ ؟
أحبابُنا طافوا الرصاصَ
وطوّفوا الدنيا
وعادوا قانعينَ من الغنيمةِ بالإيابِ !.

إلى أمي
أحذفُ شاهدةَ القبرِ
وأبصرُ وجهَكِ في البابِ الموصدِ يومئُ لي
مثلَ شبابيكِ الغربةِ تحذفني يوميّاً
وأخالُ مداها لي.

هم
يرتِّبون هزائَم الأيامِ مثلَ الناس
ينحدرونَ من خطِّ التماسِ إلى التفاصيلِ الصغيرةِ
يقرؤونَ علاقةً أُخرى مع الأشياءِ
من صفرٍ سيرتجلون رحلتهم مع التطبيعِ:
من ثمنِ الرغيفِ لأجرة السرفيسِ
ثم يعرِّجون على الوظيفة والزواجِ
على مشاريعٍ تُهشَّمُ كالزجاجِ
يثرثرون
ويعبرون إلى التداعي.

إلى أبي
أعرفُ أنّي أرثيكْ
لكنْ حينَ يكونُ البيتُ استئجاراً
والمنفى تمليكْ
يركضُ بي الشّعرُ لقهوتكَ الأولى
لنهوضك عندَ صياح الديكْ
لرنينِ خطاكَ على البابْ
يومياً أغرقُ في هذا الحلمِ الكذَّابْ !.

نحن
سنوسّعُ الحلقاتِ للرقصِ المهذّبِ
كلّما أرتحتمْ
سنشحنكم بموسيقىً لتنسوا ما تبقى من طيوفِ الأمسْ
ولتصعدوا معنا هنا درجُ البكاءِ
فنحن من زمنٍ تعوَّدنا الجنازةَ
في مصافِ الرقصْ !.

خوف
لم أكتبْ مرثاتي بعدُ
ولم أكُ شاهدَ هذا العصرْ
لم أرفعْ ساريةَ الشّعرْ
لم أطلقْ مهراً للسّاحِ
ولم أنجبْ ولداً للبيتْ
ولهذا يا سيّدُ ما زلتُ أخافُ الموتْ !.
نحن
سنوسّعُ الحلقاتِ للرقصِ المهذَّبِ
فلتموتوا مثلما متنا
جدارُ العمرِ أقصرُ من بلادٍ لا نراها
نحتاجُها
ونظلُّ نركضُ في سواها !.

حنين
الليلةَ لا شيءَ على الإطلاقِ يلمُّ الروحَ من الشكِّ
ويعطي القلبَ مداره
هل ما زلتُ أنا قبل الركضَ وراءَ الخندقِ
أم غيَّرني الخندقُ يا جارةْ ؟
هل ما زال الناسُ همُ الناسُ
أم اكتملَ المنفى
وتغيَّرتْ الحارةْ ؟!.

أعلى
أعلى من الدورانِ في الساحاتِ هذا الليلُ
أعلى من صباحِ الخيرِ
أعلى من صهيلِ الخيلِ تركضُ في ضواحي العمرِ
أعلى من صليب السرِّ
أعلى من دمِ الغزلانِ
أعلى من خنادقَ مثلَ باقي الوشمِ قد مرَّتْ بها الركبانُ
أعلى من يد امرأةٍ على سطحِ الجنازةِ تغزلُ الهذيانْ
أعلى من حريرِ الوقتِ يسحبُ آخر الأحبابِ من دمنا
ويولمهُ إلى النسيانْ.

أعلى من سروجِ الطاولاتِ
ومن تذاكرَ لا تحطُّ بنا على درج الحياةْ
أعلى
وأعلى يا بناتْ.

مكابرة
من بنتِ الجيرانِ
إلى الركضِ وراءَ المنشورْ
كمْ ذابَ الثلجُ وبان المستورْ
كمْ سقطتْ ساحاتٌ وشوارعُ
كمْ هربتْ من بين يديَّ رؤىً
وتوارتْ راياتٌ خلفَ السورِ
وكمْ ما زالَ الليلُ فتىً
وأنا في سنِّ العشرينَ أدورْ !.

أعلى
أعلى من الولدِ البسيط حكايةُ المنفى
وأعلى من كؤوسِ الشاي في المقهى
وأعلى من محاولةٍ لرسمِ حبيبيةٍ علقتْ بهِ يوماً
لها همسُ الكمانِ ورمشُها ذبّاحْ
أعلى من الأمواجِ فيهِ
ومن مشاريعِ الخليّةِ والسُّرى معها
وأعلى من زمانٍ راحْ.

انتماء
كمْ ظِلْتَ تمدُّ خيوط الوصلِ إليّ
وكمْ ظلتُ أفتّحُ للأعذار شبابيكْ
وأُكابرُ حتى انتصرَ المنشورُ عليَّ
وعلّقني قلبي فيكْ !.

***

محمود أبو هشهش

  • من مواليد مخيم الفوارالخليل، عام 1971.
  • حصل على شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة بيرزيت.
  • يعمل مسؤولاً عن برامج الأنشطة في مركز القطان برام الله.

صدر له:

  • وجع الزجاج، شعر، 2001.

الطريق

أنا في الطريق إليْ
سجين هدى ناقتي
ويقتاد حريتي
الحبُ
صحراء
زنزانتي.

كتابة الحلم

الذي قادني مرةً من ذراع خيالي
قال لي:
خذ من امرأتكْ
كلَّ ما ينفع الشعرَ
وأعطها أمس للغَدِ
وأغزلْ لها صوف عزلتها
تنتظركْ.

الذي قادني مرة من ذراع خيالي
قال لي:
أنت وحدك تذهب للغار
قلبك شمسك
فأترك لها حزمة الضوء
حتى تعدَّ السرير لخوفكْ
والذي جر قلبك قصراً وطوعاً إلى ظلمته
لا تَوَغَّلْ به
ولتزرْ حضنها مرةً في إكتمال القمرْ
تحت سرتها
تَحْمِلَكْ.

الذي قادني مرةً من ذراع خيالي
قال لي:
مت قليلاً لتقبض نفسَك حفنةَ ريحٍ وراءكْ
وتعرف أن حضورك مثل غيابك ضربٌ من الحلم
فلتكتب الحلم كي يكتبكْ.

أعمــى

يتلمسُ دربَ الرجوعِ الى أهلهِ بعصاهْ
(وأنا مَنْ يَدبُّ الخُطى)
خطوةً.. خطوةً.. خطوةً
حفرةٌ في الطريقِ
(تخطّيتُها)
صوتُ حافلةٍ قادمةْ
(نتوقفْ معاً)
حَذِراً يتَحسّسُ جلدَ الرصيفِ
(ببطءٍ أحطُّ خطايَ).

تَوجُّــسْ

إنتباهي شرودُ عيوني لِما ليسَ فيها
إنكفاءٌ عليَّ لأقرأني
من يفكُ أحاجي النباتاتِ ؟
يبتسمُ الوردُ في العرسِ، ويبكي وراءَ الجنازةِ
رغبتي أن أرى ما وراءَ التلالِ
تجرُ دَمي
من يديهِ
تطيرُ بي
تدفعُني لإمتطاءِ حصان السؤال
أضيعُ وراءَ مشيئةِ تيهي.
ـ أيها المُتَوجِّسُ فيَّ اتئدْ
سِرْ إلى التلِ
سِرْ
وأعتمدْ:
خفقةُ القلبِ طلعةُ ما تشتهي أو تحب.

رحــــى
تَطْحَنُ أمي الهواءَ
وتغرفُهُ حفنةً حفنةً من إناءٍ قديمٍ
تصبُ يداً في أناةٍ
تُديرُ الرَحى
"لَطْحَنْ خوابي القَمِحْ عا قعده في داري"
يطحن فك الرحى دمعها
"واسهرْ لَعِنْدِ الصُبِحْ معاك ومش داري"
يطحن فك الرحى قلبها
"وان انكويتْ عا الجرح لصبر على ناري"
يطحن فك الرحى
في المخيمِ
أعمارنا.

أبـــــي

أبي
لا يزال يرى في الشتاء
مواعيدَ خضراءَ
خبزاً
وزيتاً
وماءْ
ولا بئرَ في البيت
لا فأسَ
لا سقفَ طينٍ وحيدٍ
سوى ذكريات التراب على كفهِ.

درس أول

فوق قنطرة رفعوني
مددت يدي لعش المغارة
ـ كنت صغيرا ـ
فإذ بِيَ أمسك أفعى
أرَدَّتْ إلي يديَّ كلسعة أفعى
وخفتُ

من العش
والغش
والحافة الحاسمة
عتمة تسكن الكهف
يسكننا الخوف مما نحب وليس نحب
خفافيش بيضاء هائمة في دواخلنا
ونقيق ضفادع حمراء مجلودة بسياط الجفاف.

لم أعد بعد من رحلة الصيد
أبقيت أسئلتي مثل قنطرة مائلة
وركضت
ركضت
وما زلت
في حافة الضوء
والظل يفضح خوفي اللهاث
حواف جميع جهات الحياة حواف.

مداعبة خَطِرة

أحب القصيدةْ
أداعبها
وأفك جدائلها
أقلبها وأقبلها
وأخلع عنها ملابسها
وعن قدميها حذاء الأزقةْ
لتمشي أماميَّ حافيةً عاريةْ.

غفوة الحبر

ينام حبيبي على ساعديْ
نِهاياته وردتي في يديهِ
يخاف التباسَ التفاصيل فيْ
ومني يخافُ عليهِ.

ينام حبيبي على ناي حزني
يسوق قطيعاً من الكائنات السحيقةْ
أنا قمري أزرقُ
وهْوَ يلحقُ في الحلم خطوتَه
فرحاً كفتاةٍ وراء فراش الحديقةْ.

ينام حبيبي على أرقي
إذا ما نعستُ صحا
فنم
ريثما
فكرةُ الموت تصغرُ فيْ
ويطردُ حلمُكَ خوفي
فأغفو حبراً على ورقِ.

أنا معبد الحبِ
لا ربَّ يسمعُ مني
يعذبني الخاشعون
على مذبحي
حبيبي يُصلّي ويمضي
ليجمعَ أزهارَهُ لشموع المساء
أُعَلِّقُهُ فوق صمت الجدار
كأيقونةٍ
ثم أصغي
لبحة قلبٍ جديدٍ
يرتلُ بين يديْ.

زيارة متبادلة

وجدتُ حديقتي في القلب
حين مررتِ عند الفجر بي.

وجدتُ غوايتي في اللعب
في سر اللقاح على الرياح
دعوت
سرب قرنفلٍ
حتى يحطَ على ترابي
جوريتين
وما تيسر من مفاتيح الصباح الحلو
عشباً
خلف نافذتي وبابي
كي تفتحي عينين ناعستين في أرقي
لِحُلمْ
بعضُ الكلام نما على ورقي
فنمت.

وجدتُ عندك شمعتين مضاءتين
سألت عمن زار ليلكِ قلتِ:
طيفُكْ.
ـ ولم الستائر مسدلةْ ؟
* حتى يضلَّ الريحَ قلبُكْ
ـ الريح واحدة ٌ!
* نعم
لكننا إثنان في فوضى الطبيعة
مرةً قد كنتُ مثلكَ
مرة ً
والآن صرتُ
أنا
كَبُرْتْ.

***

مـراد السوداني

  • من مواليد قرية دير السودان رام الله، عام 1973.
  • حصل على درجة البكالوريوس في الأدب العربي من جامعة بيرزيت.
  • عمل محرراً في جريدة: الأيام.
  • أستاذا للغة العربية لغير الناطقين بها في أكاديمية بردج برام الله، ثم مدرساً في جامعة بيرزيت ضمن برنامج الدراسات العربية والفلسطينية (PAS).
  • يكمل الدراسات العليا في برنامج الدراسات العربية المعاصرة في جامعة بيرزيت.
  • يعمل حالياً رئيس تحرير مجلة: أقواس، ورئيس تحرير مجلة: الشعراء، الصادرتان عن: بيت الشعر.
  • رئيس بيت الشعر الفلسطيني.

صدر له:

  • رغبوت، شعر، 1998.
  • ضيوف النار الدائمون، شعر، بالإشتراك، 1999.
  • إشارات النرجس، شعر، 2002.
  • صورة الغناء، دراسات في أشعار المتوكل طه.
  • حسين البرغوثي: السادن، الناقة، قصص عن زمن وثني.

الخروج على المدينة

ما الذي حلّ بالمدينةِ يا صاحبي
وقد هجرَ العاشقونَ المرايا
وغنّوا لليلٍ طويلٍ مواجيدهم
مُعّنى وقوسٌ من الماءِ قلبي
ومن دهشتي أعبرُ الحُلمَ ريّان مستوحشاً
كانت الطيرُ في فضّة الماء تحجِلُ
ومخضّرة تعرجُ الكلمات
والمدينة
(كنتُ عاشقها قبلَ ذلكَ)
تكشف سوءتها كل يومٍ ثلاثين عرياً
فأدنو بخيشِ الكلام وأسترُ
ما أستطيع.
ــــــــــ
ما الذي حلّ بالمدينة يا صاحبي
الشوارعَ تنأى بطرّاقها
كم نتيهُ ويتبعنا الخطو ؟.
ــــــــــ
للمنارة عشّاقها
فتيةٌ يمتطون
أسود الرخام النخيل
فتيةٌ يتقنون الغواية واللهو
ومعابثة الطالبات يدرجن بالأخضر القمري.
ــــــــــ
في المنارة يا صاحبي
حاجة للبكاء
وإظلامُ لا ينتهي
رجفةٌ في ضلوع المكان
تنهيدة العابرين الى الشرع الجانبيّ
وترويدة النخلِ في زمهرير الظهيرة
تشيّعُ بالسَعف الأرجوانيِّ
قلب المحارب
كنّا وقفنا هنا قبل عام
لم نعد قادرين على الحزن أكثر
يا صاحبي.
ــــــــــ
سأرفع قلبي غيماً لأفضح ليلَ المدينة
سأخرجُ متبوعاً بذئاب الوعر
وأنين مكتومُ في جيب قميصي الحزبيّ
سأخرج أعمى أبصرهم بيدٍ بيضاء
وأنادي الشهداء لتشهدَ
عصف بلادي.

سأخرجُ
ظلِّي على الماء
لغيري مباذلهُ الفارهات
ولي بحّة الريح في عتمة الناي
لغيري احتفالية الموسم الدموي
ولي حصّة الفقدْ.

لغيري نياشينُ حربٍ بلا تسميات
ولي قصفةُ الدمع.

لغيري ما ليس لي من فضاء الطيور
وخفق الكلام.
ــــــــــ
سأتلو بيان الخروج
ليحتشد الجمع بالأرض والهاجس العبقري.

سأتلو من على نخلةٍ في المنارة
مرثية للمدينة
وأشهد أني بريء
كذب الحكايةٍ مما أرى.

سأتلو بيان الخروج بهامشه القرمزي
وأهجو الكتابة في زمن داشرٍ
وأعلن مرسوم ملوكية الشعراء العصاة
سأعلنُ من على نخلة الحزن
مرثية الفقراء
وأقرأ فاتحة الوجع الفلسطيني
وأدعو الصحافة كي تنشر القول
في رأس صفحتها
(ربما لا تستقيم ومزاج المحرّر).

سأعلن رفضاً عميماً
خروجاً على ترّهات البلاد
خروجاً على همهمات القبيلة.

طفولـة

خُذاني
إلى مرقدِ الطّيرِ في الصبُحِ
ووشوشةِ الزهرِ للنّهرِ
وسعفِ النخيلِ المُشاغِبْ.

خُذاني
إلى سروةِ القريةِ العاليةْ
وتلك الخُطى "تتعفرتُ"
في باحةِ الوقتِ
قليلٌ من "الولدناتِ" تبقّى
أغانٍ على حائطِ ساقطٍ
في الطريقْ
دموعي التي صافحتْ شجرةَ الحورِ
ليلاً
قياثرُ من صنعِ صاحِبِنَا الحقلِ
رغيفٌ رهيفٌ على يدِّ جدّتِنَا
في الخوابي
ثيابي البسيطةُ ترتاحُ
فوقَ السياجِ
دجاجُ العجوزِ التي أربكتنا صغاراً
كلامٌ بريءٌ تدحرجَ فوقَ المقاعدِ
للطالباتِ الجميلاتِ
وُريقاتُ تينٍ تيَّبسنَ فوقَ الرفوفِ
دفوفُ نساءِ القبيلةِ
ثغثغنَ دلاّ
شجيراتُ لوزٍ على مفرقٍ ضائعٍ
ينتحبْ
وطفلٌ تشهّى نداءَ الأبوّةِ :
يا ابني !
يصارعُ دمعتهُ
وأنسحبْ
تُنادمهُ الأرضُ بالقمحِ في شهقةِ الطيرِ
تلهو على شجرٍ من ذهبْ
فناصفَها الجرحَ والبوحَ
ودندنَ أغنيةً
وذهبْ
وراحتْ مباهجهُ الفاتناتُ تسابقهُ العدوَ
تنادتْ مواجِعُهُ النائحاتُ
ونامتْ
على
ساعديهِ
الكتبْ.

خُذاني
إلى ثرثراتِ الصبا
والصيدِ في البرِّ
مشاويرِنا المتعباتِ
إلى قمرٍ شاحبٍ في العلالي
وليلِ التصابي على جذعِ خرّوبةٍ للكلامِ
هناكَ اكتشفتُ
حدائقَ ظُلْمٍ
وغربةَ عمرٍ
وطفلاً بلا هدهداتٍ يُسرنَمُ
ذئباً جريحاً
تُصفّقهُ الريحْ.

خُذاني
إلى صُحبةٍ خادعةْ !
رفاقي الدهاةُ
يجيئونَ في موعدٍ مالحٍ
يسرقونَ الهدوءْ
"أولئكَ (حُسّادي) فجئني بمثلهم!".

خُذاني
إلى مهبطِ الواديينِ
وقافلةِ النحلِ محفوفةً باليعاسيبِ
ووردٌ يقهقهُ نعسانَ
وبعضُ نساءٍ مع الفجرِ
يَحطِبْنَ أخشابَ أيامهنَّ
على الرّيقْ
والطريقْ
لم تَعدْ مثلما كنتُ أعرفُها
في الطفولةْ
سهلةً لمْ تَعُدْ
ولمْ تَعُدْ تشرحُ الخطوَ
للعابرينْ.

خُذاني
إلى باحةِ الدار
وأمي التي تطحنُ الوقتَ رغماً
وتنثرهُ
تتلهّى بأشياءَ من صُنعِها
نسيجاً من القشِّ
بعضَ الصواني
هدايا بسيطةً
تقول لجدّي الذي شَغّفَ الناسَ بي :
سوفَ يكبرُ
يعبرُ نهرَ الحياةِ
وحيداً كما جيءَ به
سأدعوهُ دوماً حبيبي
وأدعو لهُ عقبَ كلّ صلاةٍ
ليحرسهُ اللهُ من أعينِ الحاسدينَ
وأحرسهُ بالتعاويذِ

و(قل أعوذُ بربِّ الفلقْ.. وطه)
وما يتقدّسُ من كلماتِ الأعالي
وأحشو مخدَّته بالرُقى
وأدعوهُ دوماً حبيبي
وجدّي بنظرتهِ الماكرةْ
يكرّرُ ضحكتهُ الساخرةْ
تدقُّ الترابَ عصاهُ
ويفصحُ لي عن رؤاهُ :
تعلَّم دروبَ النفاقِ
لأنَّ الحياةَ تُرابحُ من نافقوها
ونقّلْ فؤادكَ بين التردّدِ
والخوفِ
كي تأمنَ العيشَ فوقَ العقاربْ
"إليكَ عنّي فلستُ ممن إذا أتقى
عِضاضَ الأفاعي نامَ فوقَ العقاربِ"
تلوَّنْ كهذا الزمانِ الجميلِ
تُهيئ لكَ الأرضُ أبوابَها
ويأتيكَ من كلّ فجٍّ عميقٍ
مرائونَ
يدعونَ لكْ
لا عليكْ
تحفُّ بكَ الطيرُ
"من كلِّ جنسِ"
ويمشي المُنى في ركابكَ
وببابكَ
وقوفاً ترى الغادرينَ
يهزّونَ ذيلَ التقرّبِ :
مرحباً سيدي !
كنْ محبّاً لنفسكَ
فالغيرُ أدرى بأحوالهمْ
وزوِّجْ خيالك حبَّ التملّكِ
والنعمةِ الخالصة.

جُــرأة

مَنْ جرّأكَ
على حقلِ النّارِ
ونافذةِ الوردْ
وصباحاتُكَ شاشةُ تلفازٍ أسودْ ؟.

مَنْ جرّأكَ
على عينينِ ملوّزتينِ
لتصعدَ قامتيَ الفرعاءَ
بقلبٍ مُجهدْ ؟.

مَنْ جرّأك
على سعفِ يديَّ
الباردتينِ
وسمّاقِ
الشفتينِ
وقوسِ الرعدْ ؟.

مَنْ جَرَّأكَ
على ديكينِ غرورينِ
بصدرٍ رجراجْ
وبكاءٍ مُفْرَدْ ؟.

مَنْ جرَّأكَ
على هذا اليدعوهُ العشاقُ قديماً:
زرَّ الشهقةِ
وسواسَ القمرِ النافرِ
قصبَ الرعدةِ
سيّالاتِ عروقِ الغبطةِ
أطواقُ الملحِ
فوانيسُ هسيسِ الرّمانِ
لبانَ القهوةِ
ولهاثَ الموجِ
رنينَ العسجدْ ؟.
مَنْ جرّأكَ
لتقطفَ صوتي
رغمَ تظلّمهِ الحالمِ
وشموعُ نحيبٍ تتخافتُ ليّنةً
بجوارك
وروحكَ طيرٌ في البردْ ؟.

مَنْ جَرَّأكَ
وصباحاتك شاشةُ تلفازٍ أسودْ ؟.

جرّأني
أنّكِ سيدةُ البرقِ
وأنا نايُ القصبِ تدوزنهُ الريحُ على كفيكِ
وجمرُ الماء.

***

مرام أمان الله ابراهيم عايش

  • من مواليد بيت لحم، عام 1982.
  • حاصلة على درجة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة بيرزيت.

لم يصدر لها أي كتاب.

mayam_126@yahoo.com

الثلج

ها قد أتاني ثانية
في لمحة ٍفي ثانية
ها قد أتى متردداً متخبطاً
متمايلاً ثملاً يميس كأنّهُ
صبٌّ يئنُّ لهيبَ نار ٍ حامية
ما باله أشلاؤهُ تكوي المكانْ
وتحرّقُ البردَ المُكَبَّلَ في سجون ِالليل ِ تحكي
قِصّتي والغانية
وتموجُ أنحائي مع الأمواج ِ هابطةً
على دَمعي تجمّدُهُ
على شَعري تداعبُهُ
على شِعري تناجيه ِ
تتمتمُ في خواطرِهِ:
"ها قد أتيتك ِ ثانية"
ها قد أتاني ثانية
أصداءَ عهد ٍكان لي من قَبْلْ
قد مُزِّقت
وتبعثرتْ
وتساقطتْ
أكوامَ ثلج ٍ أبيض ٍ
غطّى بياضَ الفُلّْ
جابَ البلادَ
مَحى المعالمَ
آمرٌ مَلكِي ينادي:
" أبيضٌ "
الكلّْ
لا
لا ترى غيرَ البياض ِ بأرضِنا
قد ماتتْ الألوانْ
مُنِعَ الهواءُ الليلكي
والأرجونْ
أوَ ترتدي لونَ السلام ِ مسالماً
أنَّ الحمامَ بياضُه تلوينْ
ليسَ السلامُ بلونِها يا صاحبي
إنّ السلامَ برفقهنَّ يكون
وأراك تجتاحُ البلادَ بكلِّ عام..!
تطلي الشوارعَ والرّوابي والبيوتَ كما تريدْ
تَسْتَوقِفُ الهِمَمَ العِظام
وكأنَّك َالملكُ العتيدْ..!
ترمي النعاسَ على الأنام
وتَصُبُّ سِحرَ صقيعِهم
فالماءُ كَبَّلَهُ الجليدْ
تُطفي النجومَ وتنزوي
فالليلُ نامْ
الصّحوُ ممنوعٌ هنا
الصمتُ من صمتِ الحديد.

إلايَ أبقى أرمقُ الليلَ الحزينَ يقولُ لي:
" ها قد أتاك ِ من جديد..!"
"ها قد أتاك ِ ثانية.."
بل ثالثة
قُلْ رابعة
في كلِّ عام ٍ ذاتهُ
أرحلْ بعيداً فالهوى فيّ انْتَفَضْ
والندى ما عاد حباً في شراييني نَبَضْ
فالزيفُ أنتَ
والإنكسارْ
وخديعةٌ لا تختبي وضحَ النهارْ
ما أنتَ إلا زَبَداً غطى البِقاعَ
ورِغوةً هي فانية
ها قد أطلّ بهاؤها
شمسي لقهرِكَ آتية
ألق ِ المذهّبَ من حريقِك ِ
في وعاءِ الثلجِ هيا
ولتريهِ بأنَّهَُّ
ميْتاً بظرفِ الثانية
ماتتْ حروفُ كلامِهِ:
أنْ قد أتيتك ِ ثانيـة"!.

على رِمْشي

على رِمْشي
تّجّمَّدّ عُمرِيَ الموقوفُ في عُمري.
على رِمشي
أَضاعَ خَريفُ أَيَّامي
صَفارَ نَحيبِهِ الغَجَري.
على رمشي
تَمَدَّدَ دَمْعِيَ المُشتاقُ
مُشتاقاً إلى القمرِ.
على رمشي
تنامُ قَريرةً أَحزانُ كلِّ الأَرض ِ والأَكوان ِ
ما تدري.
على رمشي
بَأَنِّي أَنْبِضُ النِّيرانَ بُركاناً
لَظى
في جُثَّتي يَجري.
على رمشي
يُحَرِّقُ أَضْلُعي ليلاً
ويَقتلني مَعَ الفَجْرِ
وبعدَ المَوتِ يُحييني
لِيرقُصَ في شَراييني
فأرجعُ أكتوي ناراً
يُؤجِّجُها هوى صَدري
وألمحُني أموتُ هنا
هُنا أجْثو
ولا أمشي
هنا أصحو
ولا أمشي
هنا ضَيَّعْتُهُ عَرشي
على رمشـــــــي.

برؤيتها

برؤيتِها يكتويني دوارْ
ومِشيتُها تسحقُ الإنتظارْ
يلاحقُها بصري بإحتواءٍ
فَتَصْفَعُني نَفْحةٌ من نارْ
تُعلّمُني في خُطاها حياةً
وتدفنُ في عُمْقِها الإحتِضارْ
تُدَنْدِنُ لَحناً حزينَ الملامح ِ
تَرنيمةَ البرد ِ
والإصفرارْ
تُكَبّلُها مُقلَتايَ بصمتٍ
أَشَدَّ من الرِّيح ِ
والإعصارْ
وأدنو أَجسُّ الكلامَ بِفيها
عساني أُصيبُ الحقيقةَ فيها
ولكنْ
أدوخُ
أروحُ
وآتي
كبندول ِساعة ْ
ملاهُ الثَّمَلْ
فما مِن أملْ
سوى الإعتذارْ
فيبدو بأنّي اكتواني الدُّوارْ...!

***

موسى حوامدة

  • من مواليد بلدة السّموع جنوب الخليل، عام 1959.
  • خريج كلية الآداب قسم اللغة العربية من الجامعة الأردنية، 1982.
  • يعمل منذ سنوات في حقل الصحافة الثقافية.
  • عضو رابطة الكتاب الأردنيين.
  • عضو اتحاد الكتاب العرب.

صدر له:

  • شغب، شعر، 1988.
  • تزدادين سماء وبساتين، شعر، 1999.
  • شجري أعلى، شعر، 1999.
  • أسفار موسى ـ العهد الأخير، شعر، 2002.
  • من جهة البحر، شعر، 2004.
  • خباص الضايع / حكايات ساخرة، نثر، 1994.
  • زوجتي ضربتني / حكايات حب ساخرة، نثر، 1999.
  • حكايات السموع، نثر، 2000.

musa_hawamdeh@yahoo.com

لا أثَرَ للساقية

هكذا إذاً
يتفجرُ دمي مثلَ ينبوعٍ صغير
لم يكنْ طمَعي كبيراً في اقتناء وردة فالانتاين
كانَ طموحي
أن يلفتَ الأحمرُ انتباهَكِ.

يمرُ سريعاً خاطري
يمر سريعاً عبرَ كهوفِ السماء
أنهارِ الظلام
شلالاتِ الضوء
يمر سريعاً ورأسي بين يديكِ.

خلتُ للأرض نهايةً واحدة
خلتُ للشمسِ مشرقاً وحيداً
انقلبت خيالاتي المستقيمة في لعبة الدوائر.

لا أثرَ للريح
لا أثَرَ للساقية
لا أثَرَ للميت
الجنّةُ في بيتٍ آخَر.

غزلانٌ تَفرُّ من بين الصخورْ
تَفرُّ من نار الصيادين
تَفرُّ باتجاه النّجاة
مخلفةً رذاذَ اللُّهاث
فوق هذه السطور.

أنامُ على العتبة
لا أطمحُ إلى سَفكِ دَم اللغة
لأثبتَ فُحولةَ الشّعر !.

أَغتني بكِ
أفتقرُ بوجودكِ
ليس لي حظوظٌ قربَكِ
ليس لي نصيبٌ
بعيداً عن ثلجكِ السِّري.

لا ندَّعي وَرَعاً في المُوسيقى

أجلُّ الفضاءَ لوجهِ الحَمامْ
أطلُّ نهاراً من مواعيدَ ونبيذ
أمرِّرُ جسدي من خاتَمِ الغيم
يُشنِّفُ قلبي الغَزَلْ
أديرُ رأسَ الرجاءِ الصالح
إلى جهةِ القلبِ
هنا
تعودُ أفريقيا شهيةًً مثلَ قرعِ طُبولِ الزولو
تَمائمُ السِّحرِ تُحيطُ جِيْدَ الغزالة
ترانيمُ الغروبِ
تقيمُ في بيت النار.
الطوطمُ الأزليُّ يُسرعُ في رَحْم الفكرة
أنْحَني لمليكتي
أجلسُ بين عينيها ونشوةِ البنفسج
تصيخُ الطرقاتُ سمعاً لمُناجاةِ القُرنفل
ترتوي شفتايَ من حليبٍ قديمٍ قديمْ
تحت داليةِ السماء
يجلسُ إلهٌ صغير
يديرُ خَمرةَ الحُبِّ لوجهِ الجِناية.
أمامَ عزلتي
تحطُّ أسرابُ الطيور
ثم تختفي.
...
أُجيلُ بَصري بحثاً عن الصورة
تختفي المدينةُ أيضاً.
...
أُحسُّ خَفقاناً في صدري
ريشَ طيورٍ على قميصي.

نَسْكُنُ ؟
سوفَ نَسكنُ
في قصيدةٍ جَبليةٍ
فوقَ شُرفةٍ من جبال عمّان
في حارة من حاراتِ مكّة
زقاقٍ من أزقة استانبول
جادةٍ من جادات الحي اللاتيني.
سرابُ المَعْنى تَبَخّرَ من حُباب الكأس
تجيءُ كابولُ في رِغوةِ القول
تحضرُ سمرقند مرصعةً بالأرجوان
وتلك المسافاتُ التي وَصَلتْها خيولُ الفاتحين
نحنُ ضدَّ القتل
ضدَّ ترهيبِ الكائنات
ضدَّ قطعِ رؤوسِ الأزهار
لكنَّنا نستمتعُ بزَهْو الحكايات
نستلذُّ بوصولِ عباراتِ الجزيرةِ أقاصي الكلام.
لسنا محرومينَ من صَهيلِ الماضي
غيرَ أنَّ مجدَنا ليسَ مُسيَّساً
غرامَنا ليسَ باطلاً
حكمَتنا بسيطةٌ جداً
ولذا نَفرُّ إلى سلاطين نجد
أو ملوك الصين
نفرُّ إلى خلفاء بَني أُمية
أو بابا الفاتيكان
لا ندّعي ورعاً في الموسيقى
لا ندّعي رسالةً في الزهد
نسعى لتوضيبِ قامةِ الجبال
لتليقَ بقبضةِ اليد.
سيدركُ آخرُ ملوكِ بني إسرائيل
أن الجيوشَ لا تُعمِّر أرضاً
ولا تحمي بنفسجةً
سيدركُ حاجبُ آخرِ ملوكِ بني إسرائيل
أن القيامةَ لن تقومَ لتخطفَ المدينةَ من نَصائحها
وتجرفَ بيوتَ النَحلِ من عَسلِ الشفاء.
أغوانا الزَّبَد
كلُّ ما طافَ فوق الجريمةِ تقلَّصَ في صُنعِ تَوابلَ للموت
كلُّ ما تَناهى إلى سَمع الزيزفون
أنَّ نَبياً عانقَ الخضرةَ ولمْ يَحتملْ سَفاهةَ التابعين
كلُّ ما تَراءى للصبيِّ
نورٌ تَساقطَ في قصور المعاني.
أحملُ وجهَ الشمسِ في حقيبة الليل
أفتحُ عُروةَ البهجة
أفتحُ
وأقفلُ
أقفلُ
كي لا تدركَ الملائكةُ نشوةَ الطين.
سَنَحتفي بفضيلةِ الاستغناء
بالكُتبِ القَديمةِ
ونقوشِ الحَجَرِ
فوقَ خَدِِّ النهار
سَنحتفي بالربيع
وهو يفتحُ بستانَ الأمل
ويسكبُ خَمرةَ الاندهاش
في حضرةِ شَياطين النُعاس.
طارَ مني شرٌ قديم
طارَ من رأسي وجعُ التاريخ
وأنتبذتُ روحاً خفية
حَمَلتني إلى بيت لحم
هناكَ جانبَ المَذْوَد
وَجدتُ صَليبي في غُصنٍ لم يَيْبَسْ
قمتُ لترتيبِ الأسطورة
وجدتُ الهواءَ يَلعبُ بشعر الفتى.
المقدسُ
نارُ الغواية
بعدَ حُلولِ الرماد.
سَأَقول
ما لم يُسْعفني البعيدُْ
سأحرِّرُ الزمانَ
من نَشيدِ الأناشيد.
أدْنو من وَلَعِ الكلمات
أجثو بينَ يديّ الحقول
أَزرعُ قليلاً من جينات الهواء
لتحتفظَ الطبيعةُ بشعاعٍ منها.

***

نداء خوري

  • من مواليد قرية فسوطة الجليل، عام 1959.
  • تعمل موظفة.
  • عضو اتحاد الكتاب العرب.
  • ناشطة بالفعاليات التربوية والثقافة المحلية.

صدر لها:

  • أعلن لك صمتي، شعر، 1987.
  • جديلة الرعد، شعر، 1989.
  • النهر الحافي، شعر، 1990.
  • زنار الريح، شعر، 1990.
  • ثقافة النبيذ، شعر، 1993.
  • خواتم الملح، شعر، 1998.
  • أجمل الآلهات تبكي، شعر، 2000.

nidaakhoury@hotmail.com

تلاوة النبيذ

أقرأ نبيذَكَ المضجرَ بالشفاهِ
أتمتمُ كالنحلِ
الممتلئ بالشمعِ.
طوافٌ حولَ
ستائرِ الهلالِ المهرَّبِ
من الوثنيّة
نحو اشتعال
الفرحِ المهزومِ فــيّ
حذاءٍ يختصرُني
من قامةِ الوقت.

الريح والكحل

الزجاجُ غزالٌ يهفتُ
في ماءِ الشلاّل
ونتفُ امرأةٍ
عالقة
بالريحِ والكحل.

عمر مختصر

الإبتداءُ
هلالُكَ الملتهبُ
والإنتهاء
صفنةٌ في العزاء
ومازةُ نايٍ مكبوسٍ
في الضجر.

طبق اليانسون

لزوجةُ المسافر
ويدُ الغنيِّ والمقامر
يطوفون في طبقِ اليانسون
العاري المهيأ للغليان في القمح
والبعثرةِ في سطحٍ
من الأقمار المزحلقة
على ليلِ النار.

معبد الوقت

الليلُ والنهارُ والليل
يُلفلفان خصري
بالقُطن المندوفِ
من مدارج الطيور
وتقاطيع الوقتِ الكثيف
الليلُ والنَهارُ والليل
ضجرٌ مجنزرٌ في لوحة الخريف
من كواحلِ السكاكين
يتوالدُ الساتان
في معبد الوقتِ القتيلِ
وينتحلُ قامتي المهدومة
عكسَ الشرايين.

ملح الأرض

تلحسُ قدماه الليل
تموّه قدماهُ صاريةَ النهد
المشبوحِ في عنقِ
السماء
تتوخّى قامتُه التأنّي
على حافةِ الأشياء
حفرٌ للنعنع
والأنين
ترحلُ قامتهُ عبر الراحلين
في ملحِ الأرض.

ما بين الساق والنحل

حذاءٌ ينتعلُ زنبقةً تمشي
ما بين الساقِ والنحل
احترافُ لسعٍ في دروب
العطر المنهَكِ
في المراجلِ
بين الأحطابِ والجمر.

شاطئ يافا

يذبحُ جِناحُ الرمح
شاطئ يافا.
توافينا المنيّةُ
نحزنُ في ثوبِ العصافير.
ترحلُ الخناجر
ما بين أمّهاتِنا.
نسلٌ من السيوفِ
مكحَّلٌ بالدماءِ
يلطِّخُ وشاحَ البتول.
ويسيلُ من الأجراس
جنّازا تشيّعُه أحذيةُ المغول.
ما بين السطحِ والمصاطبِ
يطفحُ الغراب
غربةً وينذبح.

مواسم الرّمان والزيت

يخطبُني موسمُ الرّمان
هدهدٌ يتزوجُ في الوقت
يتكلّلُ بزهرٍ من سياجِ الأرض
يتسرّبُ شهيّاً
موسمُ الرّمان ينحصرُ
في أحضانِ البنات.
تفرطُ حلقاتُ الغجر
ساحاتِ الوقت
وينزُّ من الكواحل رقص أندلسيّ
يتذكّرُ حنينَه المشبوكَ في تاريخنا
يغوينا لنعاودَ طروادة
نخفقُ بالأحصنةِ الصاعدةِ
في أعناقِنا
ماءٌ يغلي
ودمٌ يفرُّ من مواسمِ الزيت.

أخبار المشمش

غيمةٌ من بناتٍ
تشمّرُ عن أفخاذِ الريح في المراعي
يسهرُ الوقتُ
يحرسُ صهيلَ السماء
يدرُّ الشتاءُ ماءً
ليروي ظمأَ القتيل
ويبللَ النساء
في الصهيلِ المتراجع
حتى مرابطِ الأحصنة
يتناقلون أخبارَ المشمشِ
أقماراً بالتساوي ما بين العاشقين
تنشطرُ
ثم تغربُ
في أحواضِنا ينامُ الحبقُ
ويحلمُ الديك.

***

نصر شعث

  • مواليد خان يونس، عام 1979.
  • حاصل على بكالوريوس في الإقتصاد والعلوم السياسية – الجامعة الإسلامية.
  • عضو في جماعة تجريب.

صدر له:

  • شهوة الإسفلت، شعر، مركز أوغاريت للنشر، 2006.

على درج من السدى

إله
رأيتهُ يتمرأى في ماءِ الحزن ليلاً
سمعتُ هذياً بصوتِ التمزُّقِ
ماذا وراء الركنِ ترى ؟
من هذا الذي يئنُّ كحمامةٍ ؟
من هذا الذي يغنِّي بتكسُّرٍ ؟
أهو إلهٌ هجرتهُ العبادةْ ؟.

اللغةْ
كَوْثَرَاً لِلظمأْ
الصَّاعِدُونَ نَحْنُ
تُشيِّعنا فاتحاتٌ كهيئةِ الطيرِ.
لنا طهارةُ الملحِ
ووجد التصافحِ
ذاتَ التِمَاسِ حُلُمٍ بلونْ
زهرةٌ في قدمٍ اللغةِ
القصائدُ.
اللغةُ انعتاقُ خرائطَ
نُمَرِّرُ في المدى نهراً للرملِ.
نَحْنُ رَمْلٌ
نَحِنُّ
تنضجُ فينا شَهوةُ التّوَحّدُ
في اللغةْ.

اتِّكاء

أتَّكيءُ على وجهي
كأيِّ ظهيرةٍ تَقْرُضُ الغَيظَ
من مَدْخَلِ الجهةِ:
خروجٌ
دخولٌ للعراءِ
بلا نزاهةٍ
تلدُ الطقوسُ نهاية ؟
حَواسُّ مَنامي تُقرِئُني الغوايةَ
حُلُمٌ في حَالةٍ
تسَكُّعٌ في سُعالٍ
على دَرَجٍ من السدى.

أتَّكيءُ على شبيهي
خيطُ ثرثرةٍ يناورُ سنبلاتٍ عطاشْ
مُكْتَظَّاً بِنميمةِ الريحِ
بشقائقَ الغلمانِ
بسيرةِ الجدارِ في الظلالِ النزقةْ
وراءَ الجدارِ الأنبياءُ
الأمامُ مغويٌّ بِكَفٍّ تَغْتَرِفُ عيوناً زرقاءْ.

حُلُمْ

أنامُ كي أنامْ
صفوةُ ظمأي تجيءُ
فراتاً وراءَ هُدُبِي.
أنامُ كي أحتكَّ بلسانِ اللحظةِ
أُودي بي للنافذةِ المتحرِّكةِ
وراءُ هُدُبٍ متَّحِدةْ !.

لحظة

بَعْدَ أنْ لَمْلَمْتُ ذاكرةَ المكان
أوْدَعْتُ رُوحِي تَحْتَ شَبابيْكَ قليلةْ
بَعْدَ أنْ أخَّرْتُ مُروريَ
لحظةً وحيدةً
أنَبْتُ عَنّي كَرَمَ الجُلُوسِ على السؤالِ
في اللحظةِ المُتَدَحْرِجَةْ !.

ملح

نُبُوءةُ مِلْحٍ في هُبُوبٍ يُورِّطُني بالغناء عني
متنكِّراً:
بالمُغَايَرةِ
بالتكسُّرِ
البياضُ غوايةٌ إلى حدِّ الملحْ !.

تعوُّد

فراغُهُ أبيضُ فنجانُ التعوُّدِ
رشفةُ المزاجِ هتكُ رغبةٍ مفقوءة.

عَلِّقوا جُـ...رُوحَكُم في العُيونِ
قُلوبَكمْ في الزحامِ
خُروجُ الفراغِ علينا يَسْتَحِقُّ التَّطَهُّرَ .

وَلِيْمَة

غالباً ما
أو
بالأحرى
بلا إستثناءٍ
على ناصيةِ الأسبابِ
عند إفتراقها
يقترفُ الريشُ سقوطاً
يَنْفَضُّ غِناؤهُ في سلالات الفجوة
غالباً
أو
بالأحرى
بلا إستثناءٍ
تُغْريْنا مَائِدةُ التفاصيلِ
بِهَتكِ جُوعٍ غَامِضْ.

عجوز

جرّةُ صلصالٍ
أو كما هُيّءَ لعينيّ:
يقْطينةٌ
في عين الشمسِ تعلّقُها عجوزٌ
عادةً ما تمشّطُ عتبةَ البيتِ بأصابعها
تَعرفُ طِباعَ المارّةِ
وهُم يُحدقّون في أساهم اليوميّ
وساعاتِهم المختلفاتِ المخبئاتِ
ولستُ أفقهُ:
لماذا تُعَرِّضُ العجوز أشياءها
لحادثةِ الشمسِ ؟.

مستاءةٌ من لونها
مسْتاءةٌ من أهلِها
الذين مرّوا
ليسوا طيبين
بما فيه الكفاية.

***

نضـال بـرقـان

  • من مواليد عمّان، عام 1970.
  • عضو رابطة الكتاب الأردنيين.
  • عضو الإتحاد العام للكتاب والأدباء العرب.
  • مشارك في تأسيس العديد من الملتقيات الثقافية الشبابية.
  • يعمل حالياً في صناعة الحلويات.
  • ترجمت بعض قصائده إلى الألمانيّة مع شعراء فلسطينيين آخرين ضمن مجموعة بعنوان: بعد السماء الأخيرة.
  • عمل مساعد مخرج في ثلاث مسرحيات للأطفال: صراع في الغابة، لوحات من حقوق الطفل ـ حادث على الطريق.

صدر له:

  • مصاطب الذاكرة، شعر، 1999.
  • مصيدة الحواس، شعر، 2003.

بـاب الحـرائـق

فصلُ القصيدةِ:
حُطّي على كتفي
بلا ألمٍ
بلا جوعٍ ولنْ أصطادَ بعد اليوم معنىً
أو مناماً
لستُ أكذبُ مرَّةً أخرى
أريدُكِ حرَّةً
علّي أحرّرُ ما تبقّى من دمي
حطّي على كتفي
سأكسرُ كلَّ سهمٍ في دماغي
كلَّ رمحٍ تحت جلدي
لن أحاول كذبةً أخرى
ولن أصطاد بعد اليومِ ليلاً أو مدى
حطّي على كتفي
لِوَحدكِ
لا أردّكِ بِالشِباكِ
ولا مُقيَّدةً بِظلٍّ ما
سَئمتُ
أنا سواي
وأنتِ غيركِ
لا نداء لا صدى
لمّا نكنْ شيئاً
أريدُكِ
دون أقنعةٍ لِوحدِكِ
مرَّةً
حُطّي
على
كتفي.

فصلُكِ:
سأرمي بِتفاحةِ الجنسِ في سلَّةِ المهملاتِ
وآتيكِ
من غير خيلٍ وليلٍ
سأحرقُ تلك الوصايا التي
غفَّنتْ في دماغي
وأقرعُ بابكِ
أتركُ جسمي بعيداً
لأدخلَ جسمكِ
دون اشتهاءٍ يضلّلني عنكِ
أدخلُ جسمكِ من حيثُ ذاتُكِ
لا حيثُ ذاتي
سأتركُ جسمي بعيداً وأقرأُ روحكِ
من غير ما رغبةٍ في قراءةِ روحي
سأتركُ جسمي بعيداً وأفقأُ عيني الغبيّةَ
حتى أراكِ كما أنت
أتركُ جسمي بعيداً
وأقرعُ بابكِ
بينا الخطيئةُ تجثُمُ منذُ كثيرٍ على شفتيَّ
وأعرفُ أنَّكِ لا بدَّ غافرةٌ
يا سلاماً تسيرُ له الأرضُ حين يسيرُ
وكلُّ سماء تُفتِّحُ أبوابها حين يخفِقُ
ها ذبحتني الفضيلةُ
لا تغفري مرَّةً
فأنا كنتُ غيري
وما كنتِ إلاّكِ
ما كان ضلَّلني عنكِ إلاّي
أنقصُ شيئاً فشيئاً
ويزدادُ بين يديكِ الترابُ اكتمالاً
وأنقصُ
تكتملُ الريحُ بين يديكِ
وأنقصُ فيَّ وتَكْتَمِلين
فيا أنتِ
أجرعُ ما ورِثَتْ لِذَّتي من ظلامٍ
وأحرقني في البعيد
لآتي إليكِ بِدوني.

فصلُ الذات:
كـلَّما مـرَّ بكـاءٌ بـي بكيـتُ
كـلَّما جفَّتْ سماءٌ ما
أنكسـرتُ
كـلَّما ضَـلَّ كـلامٌ سِــــرَّهُ
ومضى من غيـر معنـاه ضَلَلـتُ
كـلَّما مـرَّ ســحابٌ خُـلَّـبٌ
صِحتُ بالأرضِ:
أشربيني.. وأنهمرتُ
كـلَّما فَـرَّ منـامٌ مـن يــدي
كُـنْتـهُ دون سـؤالٍ وانـثنيـتُ
صـرخــةً دون فَـمٍ ينـحتُـها
منذ نزفٍ خلفَ ظهر الوقتِ صمـتُ
ربَّـما طيــفاً وظـلاً ربَّــما
وكـأنـي كنتُ غيري حين كـنتُ
خـارجـاً مـن كـلِّ بيـتٍ ودمي
للـدجى للـريـح للبيـداء بيـتُ
هكـذا
أشـرِعُ جسـمي كلَّـه
وأنـا أعلـمُ أن الريـحَ مــوتُ.

وجه مصطفى الحلاّج
النهرُ المجنّحُ

تمهيد:
هو النهر يدفقُ
تهجعُ في ظلِّه الأرضُ
يدفقُ
يمشي علي مهله الوقتُ
تغفو على سرّها نجمةٌ
تتثاءب ريحْ
سأتركني مشرعاً يا أبي
فَتَذكر دمي
كلّما شئتَ أن تستريحْ.
النهر المجنّح
أرضعيني رحيلَكِ
كلُّ جهاتي معطّلةٌ
أرضعيني سماءً بلا حرسٍ
أرضعيني هواءً بريئاً
يُنظّفني من سخام الحوادث
ها كلُّهم هربوا بعدما أشعلوا الوقتَ
بينا يداكِ تربي أساطيرها
في العماء على مهلها
أرضعيني لياليكِ نجماً فنجماً
ونافذةٍ تلو نافذةٍ
قبل أن يدهم الطوفانُ عيوني
فينداحُ عمري عمي
أرضعيني الذي لم يكنْ
لا أريد سِوى أن أكون أنا
أرضعيني فماً
لأقول الذي لم تقله الحقيقةُ
يا صحوتي
أرضعي وجعي صرخةً
قبل أن أختنقْ
كسماءٍ على حافةِ الروح مصلوبةٍ
كخيولٍ مطأطأةٍ هربوا
ككواكبَ ساقطةٍ من قميص الغيابِ
كديكٍ سرابٍ
كَفجرٍ تسلّقَ أوجاعه مرّةً
وأنزلقْ
عارفاً ما يكونُ كأني هناك
وأنزفُ ما كان
يشعلُ روحي الغموضُ
فأركضُ
خلفي الوضوحُ قتيلاً
وأركضُ
يسقطُ رأسي على الوحل
أقذفُه ثمّ أركضُ
أقذفُه من جديد وأركضُ
من غير رأسٍ ولا قدمين
كأني سواي
أهرِّبني للمدافن
وجهاً فوجهاً لتصحو
أهرّبني لتصاويرهم في الكهوف
أهرّبني للوعول على سفحةِ الذكرياتِ
أهرّبني للأغاني البسيطةِ
في مهرجان الحصاد
لأشيائهم تتذكّرُ
حتى يفيقَ الزمانُ
كأنْ ما مضى أحدٌ من خلالي
كأنْ ما استحلّ الصدى جسدي
وكأنْ لم تضئني الفراشةُ
كيْ تحترقْ
عائداً نحو عينيكِ
لا تدمعي
عائداً نحو أفقِكِ
لا تنحني
عائداً نحو رحمِكِ
لا ترحلي
ها يدي معولٌ
حلمي جدولٌ
ودمي نسمةٌ تتشظى على مفترقْ
كلّما عوت الأرضُ أبكي
كذئبٍ يحنُّ إلى ربوةٍ
وقليلٍ من العتمِ
يبكي حنيني إليكِ
وتعوي المسافةُ
يا ذئبةَ الأبديّةِ
لمّا يكنْ ممكناً غيرُ هذا اليباسِ
وهذي المنافي التي ليس تسكنُ
يا ذئبةَ الأبديّةِ
لو أستطيعُ العواء.

مخرج:
يا معبدي
لمّا تهاوى في دماغي معبدي
قولي:
أحبُّكَ
كمْ دمي تعبانُ
كمْ قلبي صدي.

سمـاء خضـراء

سماؤكِ خضراءُ
والماءُ عبرَ فضائكِ يرتدُّ نحو بداياتهِ
كلَّما تشرعين النوافذَ
أو تمطرينْ
على حافةِ اسمكِ تهجعُ حنجرتي
وعلى جنباتكِ تنمو خلاياي
حيثُ الحشائشُ ترقبُ نضجَ غرائزها
والعناصرُ مملوءةٌ بالفراغ البهيِّ
وحيثُ الأساطير تسعى
لأبنائها الطيبينْ
ينامُ المكانُ
ويغسلُ طفلان حلميهما من غبار المدينةِ
ثمّ يهزّانِ جذعَ السماءِ
فتسقطُ حولهما نجمتان
محمّلتان حكايا
بِدفءِ الرجال الذين أتمّوا الصعود لأعلى
يحومُ فَراشُ التذكّرِ حولَ فناراتِ روحكِ
يعرفكِ البحرُ
تعرفكِ الطرقاتُ
ويكتشفُ الرملُ همسَ قواقعهِ
كلّما تحلمينْ
أنا ابنُ صراخِكِ
يا ابنةَ صمتي
أنا ابنُكِ
يا طفلةً كنتُ أنجبُها
عندما استلمَ العالمون الخرائطَ من ربِّهمْ
ومضوا
تاركين كثيراً من الذكرياتِ بِذاكرتي
ورؤىً تتناسلّ من بعضِها
كلَّ حينْ
رضيتُ بِوقتِكِ أفقاً لِيسراي
تسعى عقاربُ روحي به
وتطوفُ
رضيتُ بَِعطرِكِ ـ قبلَ نضوجِ دمي ـ سيرةً
لِورودي التي قصفتها يداكِ
رضيتُ بِليلكِ ذاكرةً
لِيظلَّ يقيني بِبابِكِ
يسنُدُهُ شكُّهُ
ويظلَّ ينسلُ شكُّكِ تحت مسامي
يَقينْ.

***

وسيم الكردي

  • من مواليد القدس، عام 1960.
  • حاصل على شهادة الماجستير عن الدراما في التربية.
  • عمل مديراً لتحرير مجلة: الكاتب.

صدر له:

  • وأزدان بحرك بالحناء، شعر،1991.
  • هنا أول البر، شعر،1991.
  • نسيج النار، شعر، 1996.

wasim@qattanfoundation.org

لـيـلٌ

لا شَيءَ في الدُنيا... يُشابهُني، يُشَابِهُ ما يظلِّلُ حُزنيَ الليليَّ، لا نَفسي تُشابهني ولا غيري يشابِهُ ما يُشابِهُني، وأجلِسُ في مَسائي مثلَ أرملةٍ تلكأَ صُبْحُها، وتفتّحَتْ فيها قبورٌ أومأتْ ببياضِها، وتمايَلتْ فيها خَيالاتٌ تُفَتِّقُ روحَها، فتشبُّ مثلَ النارِ صورتُها، تغيبُ بظلِّها، فيمدُّ ليلٌ لَيلَهُ...، فكأنَّهُ أفعىً تمورُ، فحدَّقَتْ في رأسِها في ذيلِها، فرأتْ قِوَاماً رَاقصاً... غَنَّتْ، وأسرَجَتِ ابتسامَتَها على مَدِّ البُكاءْ.

*

لا قَيدَ فيَّ سِوى شَراييني تُكَبِّلُني، وتَعْتِقُ ما تَعتَّقَ منْ دَمي... وتَغُبُّني... فأعودُ مُنكَفِئاً، يخورُ الوقتُ منْ عليائهِ تَعِباً، فأرسمُ صورةً بيضاءَ دَاكنةً لهذا الليلِ، أنصبُها... يلوحُ سَوادُها جَذِلاً... أراقبُها... أراني في مرايَاهَا ظِلالاً... ثم أجلسُ، في مسائي، مرةً أُخرى فألعقُ صُورتي، وأَقُدُّ دَهراً قدْ تَمَزَّقَ، في مسائي، تحتَ أنيابِ المساءْ.

*

وَجهي يمرُّ على تواشيحِ الغبارِ، وتَقتفي وجَعي خيوطُ النورِ... من عينيكِ تَسكبُ نارَ غيبَتِنا، وتَرتِقُ ما تمزَّقَ من خيالٍ في خيالاتي، وأنتِ هناكَ في ظلِّ الحديقةِ صورةٌ في الظلِّ، تَسكبُ نورَها ألقاً على حديَّ... ترفلُني وتجمعُ ما تمزَّقَ من خرابٍ في غيابي... ليس لي إلاكِ يا وجعَ الحقيقةِ، فأسكبي حديِّكِ في حديَّ، وأرتاحي على وقتٍ تمرَّغَ في خيالاتِ اللقاءْ.
لي صورةٌ في الظلِّ لا حدٌّ يلملمُها، ولا عينايَ تكفي كي تجمِّعَها، ويختلطُ الغبارُ بأحرفي... أنا مفعمٌ بالليلِ، مسكونٌ بأسودهِ وأبيضِهِ وبعضِ رمادِه! لا الليلُ يأخذُني إلى الأشياءِ! لا الأشياءُ تأخذني إليَّ، أنا المكبَّلُ والمحرَّرُ... والذي ما كانَ بينهما سوى أَني على أوتارِ عودٍ أقتَفي أَثَرِي، فأمْضِي في شرَاييني، وألعقُ ما تبقَّى مِنْ كلامٍٍ في فَمي، فيَشُقُّني ألقُ إنطِفاءْ.

*

لا وقتَ أحملُهُ إلى ما ظلَّ من إيقاعِ روحي، أصطَفي زمناً يناوشُ وحدتي، وأنا المعلَّقُ بين ظلِّي وارتخاءِ الشمسِ... محفوفاً بحمرَتِها... على خجلٍ أُطلُّ على غيابي، في شراييني رغائبُ نجمةٍ تقتاتُ وحدتَها... وترمقُني... أنزُّ... كَمَنْ تدلَّى في خفاءْ.

*

كمْ كنتُ ألهثُ خلفَ خلفي كي يلاقيني هناكَ بقربِ نرجسةٍ، تلمُّ بكاءَها، ويلمُّني، ويلمُّ بعثرتي، فيأويني بظلِّ النورِ... كأسٌ... أو... بقايا من رذاذٍ في إناءْ.
*
لي غُربةٌ في الريح تنفخُ ريحَها وتقولُني، وأنا الذي ما كنتُ فيها سوى ارتحالِ الروحِ عن أوقاتِها! فَزِعاً يغربلُ وحدتي قدحٌ، ويسكبُني عياءْ.

*

ويفضُّني وجعٌ تألَّقَ في خواءِ الماءِ، تَخنقُهُ سويعاتُ المغيبِ إذا تجلَّتْ في عروقِ الشمسِ... وانفقأتْ هناكَ على تخومِ الموجِ، يغرفُها بملحٍ قد تراقصَ في جيوبِ البحر ثم يعودُ منسرباً من الذراتِ يلعنُ سطوةَ الأمواجِ... لا تعويذةُ البحَّارِ قد نفعتْ! وليس هناك بوصلةٌ سوى ما قيلَ في الكفِّ اليسارِ،... فما تلبّدَ في جروفِ الشطِّ أيقظَهُ مصيرُ الماءْ.

*

وليس هناك بوصلةٌ سوى ما قيلَ في الكفِّ اليسارِ،... فما تلبّدَ في جروفِ الشطِّ أيقظَهُ مصيرُ الماءْ.

*

ما كنتُ أعرفُ أنَّ أقداحي تَلَوَّتْ في شرابٍ لا يعكِّرُ صفوَهُ شيءٌ سوى ثلجٍ وماءْ !

*

أمضي إليكَ معفّراً بالليلِ يا خيطَ السوادِِ، تخطّني بالماءِ... تنخرُ في شراييني وتلعنُني! وتبعثُني خراباً في مرايا لا تَراني، بلْ أرَى فيها خطوطاً من بكاءٍ قدْ تجدّلَ في خيوطٍ من بكاءْ.

*

أمشي، وقُدَّامي أرى ظَهري يَكرُّ حكايةٌ حِيكتْ بحيلَتها، فألهثُ خلفَ دحرجةِ الكُراتِ كأنَّي قطٌّ شياميٌّ معامتْ ريحُهُ عن روحِه... فأرى ورائيَ ما يُعاندُني... وَيُنكِرُ ما تبقَّى منْ حبيكٍ لي أمامي؛ فانشطرتُ... رأيتني عينٌ توارتْ لا أراها... ها هنا عين تسيلُ ولا تراني... ما حَبَكْتُ سوى الهواءِ فقضَّني قدحٌ توارَى خلفَهُ قَدَرٌ مُمِضٌّ لا يُحيكُ حكايتي معَهُ ويمضي... بل يحمّلُني حكاياتٍ وأخيلةٍ وأنفاسٍ فلا تبدو مشارِفُها بأولِّها... وليسَ يجسُّ آخرَها انتهاءٌ.

*

قدرٌ تَوارَى خلفَ ما قدْ ظلَّ مني... ينقُرُ الأصواتَ في شفتيَّ، يتركُني كجوفِ قصيدةٍ مالتْ حروفُ الصمتِ في خَلَجاتهِا عمراً، وأعياني بقاءْ.

*

وهناكَ أنتِ... أنا هُنا!، كُنّا هناكَ... نُسِرُّ ما قدَ أيقظَ الفلواتِ في صحراءِ قلبينا، ونمضغُ روحَنا حيناً، ونشربُ ما تبقَّى من رحيقِ القَطرِ في جوفِ الهواءْ.

*

كَُّنا هناكَ... على طريقٍ ضيقٍ... نمشي، ونصعدُ... غارقينِ بما نخَبئُه لنا... وكلامُنا صمتٌ، وصوتُ البحرُ يلهثُ خلفَنا... ترتجُّ أنفاسُ الهواءِِ... أراكِ تختلجينَ مثلَ إلهةٍ، تواً، تراءَى الخلقُ في فلواتِ عينيِها... وأشرقتِ النوارسُ عندَ ثنيةِ جفنِها، فتراقصت إبرُ الصنوبرِ فوقَنا، وجوارُنا سورٌ يزَنِّرُ بُرعمَ الرغباتِ عندَ حدودِ شفتَينا... وكنتُ أراكِ بينَ السَروِ تختلجينَ ثانيةً... وتنبعثُ الخيالاتُ الشفيفةُ في خيالي؛ فكنتُ أراكِ امرأةً تَرَقَّى النورُ في حَدَقَاتِها، كأنَّ الربَّ أفرَغَ عمرَهُ في خطِّ مبسمِها وحَفِّ رموشِها... فأيقَظَني، وقالَ كلامَهُ، فأخافَني صمتٌ تمايلَ بينَ شفتَيِها!، وأدركَني إرتباكٌ صامتٌ... لمّا أهدئْهُ... ولم أمشِ بهِ جزعاً... فقطفتُ نرجسةً توارتْ بين شوكٍ قد تَوارى خلفَ أخضرِهِ... ألتفتُ... مددّتُها... فتسمّرتْ، وكأنَّ دهراً مرَّ مختالاً، ومدَّ لسانَهُ، فَسَخِرْتُ مني! فأنشققتُ، مددتُ قلبي، نحوَها... وبإصبعينِ تلقَّفتهُ، تبسّمتْ، وحسبتُها شمَّتْ ولمّتْ كلَّ عمري في ثنايا وردةٍ ما كنتُ أقطفُها لو اني كنتُ أعرفُ أنَّ قَلبي ما هوى فيها، وأنَّ أقداحي تَمَزَّقَ صمتُها، فرأيتُني فيها كلاماً قد تقطَّرَ في خشوعٍ وإشتهاءْ.

*

وعلى إبتهالاتي ترِّف الآهُ... تُسلِمُني لسقفِ الكونِ... تفتنُني السكينةُ... لا سؤالَ بظلِّها... يَغدو السؤالُ إجابةً... متناً، فبرداً غائصاً في الآه مُجتنِباً سكينَتَهَا... تُدثّرُني السماءُ بزرقةٍ بيضاءَ كنتُ رأيتُها في البحرِ... تحملني على كفِّ الصلاةِ، تبيحُني لتعبُّدٍ ما كنتُ أعرفُ أن أوَّلَهُ اصطلاءٌ ثم آخرُهُ سجودٌ وارتقاءْ !

*

ما عُدُّتُ أفزعُ منكَ يا نورَ الغوايةِ حين تغمزُني، وتفرشُ في طريقيَ وهجَ سوسنةٍ... وحين أجسُّ مِبسمَها تعانقُني... وتلهبُني... وتغوي وحدَتي... فألوذُ فيها... أستعيدُ تشتُّتي! فأقضُّ مضجعَها، تغيّبُني، تُعَرَّي ما تبقَّى من كلامِي... ثم أغفُو في حديقةِ روحِها... فتعضُّني! أعْدُو... كأنَّ الليلَ يجلدُني بسوطِ سوادِهِ... وأنا المغيَّبُ مرةً أُخرى بأثوابِ الغوايةِ... لا تعلِّمُني التجاربُ أنَّ في الطرقِ البعيدةِ ما يُريبُ... أعودُ أدراجي إلى نورِ الغواية كي ألوذَ بها! وأعشقُ ما يجنِّبُني البقاءَ هنا! فأعدُو... مرةً أُخرى إلى الطرقِ البعيدةِ! لستُ مُنكبَّاً على زمنٍ عتيقٍ قد تكرّسَ للظلالِ... ولستُ هناكَ مصفوفاً كأرتالِ البلاهةِ، أحتفي ببرودِ أقمارٍ تنوسُ، فلا تطوّعُها الغرابةُ بل ترشُّ بلاهةً أخرى على وجهٍ تقنّعَ بالبراءةِ والهباءْ.

*

وأنا هُنا... وحدي... وهذا الليلُ مزَّقَ ما تبقَّى منْ ردائي، لا تراودُني سِوى بعضِ الطيورِ على الفِرارِ مِنَ الحديقةِ نحوَ تلٍّ لا يفرُّ إليه طيرٌ لا تؤاخِيهِ الهمومُ كما تُؤاخي وحدتي! وأفرُّ في ذاكَ المدى المفتوحِ للغرباءِ... أمضي لا تطوّعُني الورودُ ولا يطوِّعُني انحناءُ الماءْ !

*

قد كنتُ َأَعرِفُ مثلَما لا شيءَ يعرفُ أنَّ هذا العمرَ يغرفُني كما شاءتْ هواجسُه، ويسكب أولَّ الأشياءِ في أتّونِ آخرِها؛ يرتّبُها، وَيربِكُها، يفضُّ زمانهَا، فلكلِّ عاطفتينِ مُنْعَطفٌ؛ يرفُّ هواهما، دربانِ يبتعدان في قلب المتاهةِ، ثم يلتقيانِ مبتعدينِ في دربٍ وحيدٍ لا طريقَ بهِِ؛ فلا الساعاتُ تذرفُهُ، ولا الأيامُ تقذفُهُ، ويمضي فاغراً أنحاءه؛ حيناً تهذبُهُ وأحياناً تشعِّبُهُ، وكلُّ الوقتِ تَقطُرُهُ على وهج التقاء.

*

وأنا هُنا... لا شيءَ يكسرُني سوايَ، وبعضُ أنحائي تلوذُ بآخَري ! فَيَفُكُّ سحراً قد تمطَّى في دمي! لا شيءَ فيَّ سواكِ أنتِ... بعيدةً وقريبةً... فَتعدَّدي ! لا تأخذُيني في طريقٍ واحدٍ؛ فالعارفونَ طريقَهُم قدْ يخسرونَ دروبهَم، وأنا الموزَّع بين مُنعطفينِ مُنعرِجينِ! ألهُو في عبورِهُما... لأدخلَ في طريق ثالثٍ، يفضي لأربعةٍ... طريقٍ رابعٍ، يفضي لأَخْمِسَةٍ... ستفضي للمتاهةِ... كلُّ دِهليزٍ سَيُسْلِمُني لدربٍ آخرٍ، وبكلِّ منعطفٍ تدثّرُني رواياتٌ، فألبسُ ثوبَها وهماً ترصّع بالحقيقةِ، وانجلى مثلَ الرياءْ !

*

وأنا الموَرَّى مذْ عَرَفْتُكِ أصطَفي لَيلي... وأدخلُ في مرايا الماءِ مغموراً بملحِ اللهِ... يَشْرُقُ جرحِيَ المفتوحُ... يوقظُني... ويُلهبُني، فيرقصُ مثلما رقصتْ على أوتارُ روحي مرةً أخرى جراحُ الماءِ في موجي، فصارَ العزفُ عكسيِّاً وكنتُ بدأتُ أغنيتي، كأنِّي في أواخرِها، لأشرَعَ في الغناءِ... وأحتَفي بالليلِ... أتركُ كلَّ ليلٍٍ حكمةً- أتقنتُها- خلفي، أفارقُها، تفارقني، وأفقدُ كلَّ يومٍ حكمةً مزعومةً، فتخورُ أحكامِي القديمةِ تحتَ أقدام البلاهةِ والغباءْ !

*

وأنا هُناكَ هنا، فهذي الكافُ تذرفُنا معاً... لا حدَّ بين حدودِ أرديتي وبين جنونِ إشراقاتِ أوردتي... أطلُّ من الحوافِ أرى الحوافَ ترقُّ خمرتُها على شفتيَّ، ترشفُني، فأوغلُ في مطالعِِها... وأسكبُ علَِّتي في الهاءْ.

*

وأنا إناؤُكِ في إنائي... فارشُفِي ما نزَّ منْ قلبي، انثريني في إنائكِ علَّني أغدو على شفتيكِ وَجْداً منْ شفاهي، أنا ارتحالُكِ في ارتحاليِ، أنا هُنا... ليلٌ يغطُّ بليِلهِ، وسوادُهُ يمضي إلى ظلٍّ قريبٍ لا يُهدهِدُ وحدَتي... ويهدُّني مذْ كنتُ أَفرُكُ نجمةً بِمدادِ محبرتي! ويفركُنيْ دمي! وتقضمُني الدقائقُ مثلَ فأرٍ يَشتهي وجعي! ولكنَّ ارتخاءَ النورِ عني لا يبدِّدُني... فنارُكِ تُشعِلُ الإشراقاتِ في جوفي... تَلُمُّ أواخرَ الكلماتِ ثم تعيدُها مطراً سأسكبُهُ بنهرِكِ أنتِ... لا أحدٌ سواكِ ! فأنتِ معرفتي بمعرفتي، وأنتِ الوقتُ في وقتي، وأنتِ الأنتِِ، فاقتربي! وَغُبِّيني ـ كما قدْ كنتِ يا روحي ويا ريحي ـ رذاذاً أو هواءً أو هباء !
*
لا شَيءَ في الدُنيا... يُشابهُني ! يُشَابهُ ما يظلِّلُ عمريَ الليليَّ ! لا نَفسي تُشابهني ولا غيري يشابِهُ ما يُشابِهُني ! وأجلِسُ في مَسائي مثلَ امرأةٍ تَرَاكَضَ صُبْحُها وتفتّحَتْ فيها طيورٌ أومأتْ ببياضِها ! وتمايَلتْ فيها خَيالاتٌ ترَتِّقُ رُوحها، فتشبُّ مثلَ النورِ صورَتُها، تُطلُّ بظلِّها، فيمدَّ ليلٌ لَيلَهُ... فكأنَّهُ خيطٌ إلهيٌّ يمورُ، فحدَّقَتْ في طرفِهِ، فرأتْ قِوَاماً رَاقصاً... غَنَّتْ، وأسرَجَتِ ابتسامَتَها على مَدِّ السماءْ.

***

وليد الخازندار

  • من مواليد غزة، عام 1950.
  • غادر إلى بيروت حيث نال تعليمه العالي.
  • درّس تاريخ الأدب العربي في جامعات تونس، وبريطانيا، ومصر حيث يقيم.
  • حصل على جائزة فلسطين في الشعر.

صدر له:

  • غرف طائشة، شعر، 1986.
  • أفعال مضارعة، شعر، 1992.
  • سطوة المساء، شعر، 1996.

في الأقل

لو تَضربُ بالكأسِ الجدارِ
لو توقظُ من شئت، صاخباً، في هذه الساعة الثانية
لو تقولُ، في الأقلِّ، ما كتبتَ أمسِ،
خلسةً على السجائر:
"أمْطرَتْ، والربيع جاء
والقتيل لا يزال في الحديقة"
لو تفعل شيئاً يا صديقي
منجلاً أو معفرة
لأنك حينما تجلس على طرف الأريكة هكذا
يداك بين ركبتيك
صامتاً
بعد كأسك الرابعة
أُحِسُّ مزهريةً، داخلي، تكسَّرَتْ.

أعمال يديها

من الثريّا نازلٌ قميصٌ
والتبغُ مُطفأٌ، هُنا وهُناكَ، في سُرْعَةٍ
وعلى البساطِ بُكْلةٌ وزوبعةٌ.

إناءُ الزهرِ مكسورٌ عند زاويةِ الجدارِ
وفنجانُ قهوةٍ وصحنُهُ
والمتاهةُ من غُرفةِ النومِ
إلى الجلوسِ مَلآى
بكُلِّ ما يمكن أن يُهشَّمَ في رميةٍ.

أُلملُم، الآنَ، هادئاً
مثلَ جمرةٍ، في غيابها، أجزاءَها
أستدركُ الزهر، ثانيةً
قبلَ أن يذوي.

الطيورُ
على الوسائدِ
ترعشُ في ارتسامها
والثعلبُ القماشُ كفَّ يبتسمُ.

لو أنَّها لا تعودُ
لو أنَّ جحيماً تأخذُها من يديَّ
لو أستطيعُ، في الأقلِّ
إن أُهَدِّئَ
ذئبَ ذاكرتِها المجروحَ، هذا.

لا حَدَّ لأعمالِ يديها
حكيمةٌ على الشوكةِ، والأوراقُ تذبلُ
فائرةٌ، وصامتةٌ إلاّ عندما...

هو ذا خَطْوُها، يعلو، وتقتربُ
وإنَّني من خَطْوِها أمسيتُ أعرفها
سريعٌ، وقحٌ، نافرٌ
تكادُ توشكُ
من فُجُورها، قبلَةٌ تَصلُ.

ما الذي أفعلُ الآنَ ؟
أَأَجعلُها ترشقُ الجدارَ بالزهرِ، ثانيةً
وتسفُقُ البابَ خلفها، تاركةً كعادتها
كلاماً فادحاً، مثلها، يرنُّ ؟
أأسحبُ أيامي من أيامِها، فينهارُ عُمْرُنا معاً ؟.

هي ذي يداورُ البابَ مفتاحُها
تُطَيِّرُ في الهواء، معطفَها وشالَها
وتقصُّ، في مرحٍ على ركبتي
كيفَ مرَّ نهارُها بِها
عثرةً عثرةً
وهأَنذا أَنسى كُلَّ شيءٍ لها، إلاّ قداستَها.

الشراع، ثانيةً

ليس أكثرُ من أنْ ينام
قليلاً فيصحو:
ينزعُ الهديرَ عن صدرِهِ
ويخلِّصُ الهالاتِ من عروةِ القميص.

ـ أكان، حقاً، هباءً كُلُّ ما مرَّ
رميةً قد ارتدَّتْ وانتهى الأمرُ ؟
أوَلَمْ يبق غيرُ قوسِ البدايةِ الضيِّقِ، هذا.

رعشتْ، في يديه، إذ غفا، عاداتُهُ:
الخزفُ الأزرقُ لا يزالُ مهدَّداً بحمرةٍ شفيفةٍ
والصدعُ في الجدارِ، صاعدٌ في انشقاقِهِ
إلى السقفِ الذي ما زال ينخفضُ
والغبارُ، طلْعُ الغيابِ، ذاهلٌ على الأشياءِ كُلِّها.

الماضي جالسٌ على الأريكة
فارداً، في إنتظارِهِ على الكرسيِّ ساقيهِ
عندَ النباتاتِ العديمةِ
في الهواءِ الثقيلِ
تحت الإطاراتِ التي تشدُّ إليها الذين غادروا.

كيفَ مرَّت الأرضُ سريعةً، شاطئاً فشاطئاً ؟
من الشُبّاكَ
خلف الموجِ، في العتْمِ، بعيداً
لاح الشراعُ ذاتُهُ
الأبيضُ الممزَّقُ الذي يقودُ الرّياح.

الليل ومضة

لم يكن، إلى أينَ يعرفُ
هذا البابُ يُفضي
ولا لماذا النباتاتُ، عندَهُ
صفراءُ محنيَّةٌ.

وأكثرُ ما تحيَّرَ منهُ الوردُ:
ظمآنُ ساكتٌ، وغيرُ مكترثٍ، حميمٌ
وقابضٌ على ألوانِهِ.

الخيولُ على الجدارِ
تعبى رماديةٌ
وتوشكُ عند الغيمِ، سوداءَ.

لأيِّ أجلٍ هو الآنَ هُنا ؟
أَوَليستْ لهُ، دون هذا، صُحْبَةٌ
سَحَرٌ وأخيلةٌ وركوةٌ ؟
أوَليسَ إلى نفسه الذئبُ أمْيَلُ ؟
أوَلَمْ يَقُلْ
هو نفسُهُ مرَّةً:
ـ أفقٌ، إبرةٌ، عوسجٌ حائكٌ إذَاً ؟
في خطْفَةٍ، لم يدر كيف، برّاً
عادَ وجهُهُ يشبهُهُ:
الهواءُ ساحرٌ والظلالُ آياتٌ
والأشجارُ مشغولةٌ
حسبُ في ثِمارها، والليلُ ومضةٌ.

***

يزيد الديراوي

  • من مواليد غزة، عام 1980.
  • طبيب.
  • عضو مؤسس لرابطة: نون للثقافة والحوار.
  • عضو اتحاد كتاب العرب للإنترنت.
  • محرر مجلة: ملتقى الأدباء العرب.

صدرله:

  • الدور على الغرباء، شعر.

في مَديحِ الغريبةِ

لم تكنِ الصدفة فقط هي الصديق المشترك بيني وبينكِ
الصحراءُ
التي وُلدْتِ على أطرافها
قاتمةٌ تتجاذبُ الأحرفَ من شفتيكِ.
تحدِّقين بشوارعَ تقفزُ من كأسِكِ المرِّ
حتمًا ستأخذينني إليها بعد أنْ يجلوَ المرارُ صوتَكِ
وحتمًا سأعرفُ كلّ الذين تحرقُهم سيجارتُك الناعمةُ
تُحرقينهم ليتناثروا في الهواء حيثُ لا نهر يحتوي رمادَهم
ولا بقاءَ في طقوس سيجارتك.
ـــ
الشارعُ الفوضويّ يهذِّبُ المشي
الغبارُ خلفيةُ المشهدِ
أو ربما كادرٌ سيقلبُ كوميديا الحكايةِ إلى مشنقةٍ
لكنكَ لا تقوى على اختراق هذا الدخان الصلب
هي زيارةٌ مؤقّتةٌ مني لكَ
كتلكَ التي تمرّ بها على مرضاكَ
ثم تنزلقُ إلى شارعكَ الخاصْ
وسأمضي إلى مدينتي المُرّة.

ـــ
لم تكنِ الصحراءُ وحدها إذنْ
كانتِ امرأةً أخرى تُحاولُ عرقلةَ العابرينَ بينها
وبين دخانِها
كانت امرأةً تحاولُ كسر روتينها بالإحتفاء بغريبٍ يحطُّ معها على غصنٍ لن ينثنيَ هذه المرة أمام الريح
ولن يطويَ الصحراءَ كما تظنينَ
سيجرِّبُ التحديقَ فقطْ.
ـ
غريبةٌ آمنةٌ
تُحبِّينَ هذا المكانَ بذاكرةِ مراهقةٍ في حبَّها الأول
تأمنينَ الأعينَ الغريبةَ
وتهابينَ الأصدقاءَ
تُجيدين إرتداءَ الضحكِ
وعقصَ الكلماتِ كما يليقُ
تحطينَ
حمامةً
على الوقتِ
وتهرُبينَ خفيفةً لا أحد يتحسسُ غيابَكِ سوى رُكْنٍ خالٍ
وعينين غريبتينْ.

أدوار ( )

تأخرتُ ساعةً عن الصحوِ
........
لم أرَها، هذه المرة، عبر نافذة مربّعةٍ من الذاكرةِ المسبقة
كانت تحرقُ ما أخسرُ من وقتٍ سأقضيه قدّامها بسيجارةٍ وكتابٍ لا يحملُ ما يكفي من القلقِ ليعجبَها سوى إسمه.
القلقُ مفتاحُ حياتنا
والدليلُ أنّكَ لم تأتِ قبلَ ساعةٍ من الآن
القلقُ مفتاحُ السماءِ لدعاءٍ ظالمٍ أو مظلومٍ أو ربما عابرٍ كعادةٍ موروثةٍ.
أرختْ طفولتها بمهارةِ سيرتها الذاتيةِ، استدارتْ كعينيّ أو كياقةِ قميصها، لفتتْ انتباه حتى الكراسي الخاليةِ لها
كبرتُ معها أيضا على أحد الكراسي الخاليةِ، أسندتْ رأسها على حرف كلمةٍ كنتُ أنتظرها من بدايةِ الحديثِ ونامتْ.
جلستُ أحرسها من الهواء المعبَّـأَ بالنظراتِ حتى امتلأتُ قلقًا.

في طابقٍ لا يحرسه سوى النيلِ والليلِ
تركْنا الليلَ مُعَلَّقا على أحد المرايا
يقتنصُ الفرقَ بين الخيطِ الأسودِ والخيطِ الأبيض من العمرِ
قفزَتْ كعروسٍ تهَبُ نفسها للنيلِ بين يديّ
ولم يكنْ فيَّ من النيلِ شيءٌ سوى رغبته المستميتة في الحياةِ على ضفافِ امرأةٍ
وانتحاره على حافة الدلتا بشكلٍ روتيني.

لم يختلفِ الشارعُ عن نفسهِ بعدَ الثامنةِ مساءً غير أنّهُ بدا طَريًّا على الأقدامِ
يبتلعُ الضوءَ والعابرينَ والعرباتِ، يبتلعُ كلّ شيءٍ على مهلٍ
شارعٌ يُسلمُ مفاتيحَه لشارعٍ آخرَ
عيونٌ تحملُ مدنا كاملةً في نعاسٍ يبدّلُ العناوينَ
خريطةٌ في يديها لمكانٍ لم يكنْ بعدُ
خريطةٌ تجعلُ من تلفتها خريطةً لمدينةٍ أخرى
مدينة ودّعتُها في عينيها وهي تحملُ حقائبها إلى الأمسِ.

أدوار ( )

اختلفنا ذاتَ مرةٍ من منا سيموتُ قبلُ
ومن سيكملُ قصيدةَ الآخرِ الأخيرةَ
حتما سنتَّفقُ للمرةِ الأولى في تفسيرِ شيء واحدٍ وإن كان الموتُ، وسينتصرُ الذي يموتُ قبلُ.
تضحكُ
لأن الفارقَ بيني وبينكَ عشرون عاما، كثيرٌ في نظرِ فتاةٍ تمرّ من بيننا تخطِئُ الظنّ فتختاركَ، وليسَ كثيرا في نظرِ رصاصةٍ قدْ تخطئُ الهدفَ وأنا معكَ فتصيبني
تضحكُ
لأنّ البياضَ الذي ينهشُ شَعْرَكَ تكوّرَ أمامكَ على هيئةِ ملكينِ يحفرانِ الأرضَ برأسِكَ
وتنسى أن البياضَ كذبةُ هذا العالمِ
تضحكُ
ربما
لأنكَ أضعف بكثيرٍ من أن أموتَ قبل أو هكذا قلتَ
وها أنتَ لا زلتَ تضحكُ منتصرا يا صاحبي
أما أنا سأنتظرُ من يكملُ القصيدةَ لكَ
ثمّ لي.

أدوار( )

لم تكنِ الدِّقةُ ما يشغلُكَ
في قصِّ الكلماتِ وتركِ مكانِها خاليا ليكتملَ المعنى الذي تريدُ
ربّما ستبدّلُ السماءَ باسم حبيبتك
أو باسم كلِّ الذينَ مضوا قبلكَ إليها
رصاصةٌ
سقوطٌ
غرقٌ
حٌبٌّ
أيٌّ شيءٍ قد يوقفُ القلبَ
لتكونَ بجوارها مبتسما
ووحدي هنا
سأشطبُ التواريخَ جيدا
لأنامَ.

رصيف

رصيفٌ يُبلِّلُه الجوعُ
يدخلُ صدرَ العيالِ
ودمعُ الجرائدِ
يهطلُ
فوق التواريخِ
رُزنامةٌ من دماءٍ تسحُ
وبُحّةُ ماضٍ تُطِلُّ على نفسها
لترى الأرضَ
والدّمَ يتحدانِ
وينفصلانِ
يعدِّلُ بوصلةَ الذاهبينَ إلى الحربِ
ثمّ يبدِّلُ أسماءَهمْ.

رصيفٌ يهندِّمُ قُمصَانه
ويعلِّق أوسمةً من رحيلٍ
يعلِّقُ أوسمةً من دمٍ جارحٍ
ثم يهمس للغد:
كُنْ واثقًا من دماء الضحيةِ
قد يكسرُ الدَّمُ بعضَ القوانينِ
لكنّه ينتمي لإنتماء المكانِ إلى أهلهِ.

والمدينةُ برقٌ يحطّ على كتفِ الصيفِ يهربُ معْ آهةٍ في ضلوعِ العيالِ
ويهربُ ما بين دجلةَ
والنيلِ.

ما بين دجلةَ
والنيلِ
تفعيلةُ الجوعِ تثقبُ فستانَ أنثى الفضاء الشهيّةِ
تُهدي إلى نفسها وردةً
ثمَّ تصعدُ مثل البيوتِ
لتمتصَّ نهد سماءٍ يجفُّ
وتلعقُ قمحَ الدمِ المتوارثَ
تَصعدُ صوبَ الشمالِ
لتقطفَ نجما بطعمِ الهواءِ
شمال يهدهده الصاعدون إلى اللهِ
تضبطُ بوصلةَ الذاهبين إلى الحربِ
ثمّ تبدل أسماءهمْ.

***

يوسف أبو لوز

  • من مواليد قرية الكفير بالأردن، عام 1956.
  • حصل على دبلوم معهد معلمين عمّان.
    عمل في سلك التعليم سنوات عدة متنقلاً بين الجزائر والسعودية والإمارات العربية. كما عمل في الصحافة الثقافية، فكان عضواً في هيئة تحرير مجلة: شؤون أدبية الصادرة عن كتّاب وأدباء الإمارات.
  • عضو رابطة الكتّاب الأردنيين.
  • يعمل حاليا في القسم الثقافي بمجلة: الشروق، في الشارقة.

صدر له:

  • صباح الكاتيوشا أيها المخيم، شعر، 1983.
  • فاطمة تذهب مبكرة إلى الحقول، شعر، 1983.
  • نصوص الدّم، شعر، 1987.
  • ضجر الذئب، شعر، 1992.

أجمل ميّت في تابوت

أنا أجملُ بالأسودِ يومَ ثلاثاءٍ مثلاً
فلقد مات الديكتاتورُ
تُرى
هل رقَّ فؤادي
حتى
أعلنتُ حدادي ؟
أنا أجمل من يمشي في ثوبٍ أخضْر
لا الغابةُ تشبهني
لا تشبهني امرأة الفلاّح
ولا اللونُ الغامضُ في اللوحة.
أنا في وجهِ الغالبِ صيحة
وأنا في وجه المغلوبِ سكوتْ.
أنا أجملُ ميْتٍ في تابوتْ
مثواي الوردةُ
والرملُ المنهالُ على جسدي.. ياقوتْ.
لم أَتركْ أَثراً في رملٍ أو حجر
أثري متروكٌ في الماءْ
وسيعبدني السمكُ الأسودُ من كثرةِ
ما أجملُ من حبرٍ أسودْ
فكأني معبدْ.
أصغْ قليلاً يا أحمدُ بن ماجدَ
تسمعني أَتنهّدْ
حيث تشقُّ البحرَ من الهند إلى جلفارْ
لو في وسعك أن تأخذني في مركب ليمونٍ وبهارْ
أشوي سمكاً فوق المركبِ للبحّارةِ
أو أخطط مخطوطاتٍ في أدب البحْرِ
لو في وسعك أن تجعلني بين تلاميذك
أحصي أيّام الشهرْ
من مرفأ طنجةَ حتى مرفأ مدريدْ.
خذني كي أتعلمَ فنَّ الهجرةِ في الماءِ
وأقطرَ ملحاً فوق لسانِ المنفى
أنا من رَبّى في جرّته أفعى
حتى شربت ماءِ الجرة
وأنا من غبطات عهودٍ وندى يلمعُ كاللؤلؤِ
في بال النخلِ
أنا.
ما كان لزوماً لي في سهرةِ دبّاغينْ
ما كان لخيطي أن يدخلَ في الإبرةِ إلاّ بحريرٍ
أو جوخٍ في مثل ثيابي.
إصغ قليلاً يا أحمد بل ماجدَ
ناداني البحرُ إليه
لأتمّمَ بالمرجانَ كتابي.

مادبا

مادبا
زوجةُ الطفلِ
أُولى نسائه في الأرضِ
أيّامهُ العراياتُ
وأقرانهُ
ورنينُ الصّباح ـ المبكّر
كي ينهضَ الوردُ
من شرفات البيوتْ.

مادبا
خطوةُ الحب في القلبِ
سهبٌ من القمحِ والبامياءِ
مساجدُ آمنة
وكنائسُ بيضاءُ
بيضاءُ
فيها عرفتُ القراءةَ منذُ ثلاثينَ عاماً
ومن بَعْدُ قالت:
لكَ الشعرُ
ها أَنَذا أبدأُ الليلَ منها
وأسهرُ مع شجر السروِ حتى الصَّباحْ.

مادبا
زعترٌ ورياحْ
الشتاءاتُ فيها مواسِمُ للعشقِ والكستناءْ
والصَّباحاتُ فيها مرايا
(.. وأسواقُ بَدْوٍ
أتوا كالظّلالِ إليها بفرواتهم
ومواشيهم المتعبةْ).

مادبا المأدُبةْ.

خيّال

ما الدنيا ؟
قال الملك المملوك:
الدنيا قصري.
العاشقُ قال:
الدنيا بيتُ حبيبٍ لا تبصره العينُ.
وقال الجندي الخاسر:
الدنيا نعشي.

ما الدنيا ؟
قال الموسيقيُّ:
الدنيا عودي المشدودُ بخمسِ خصالٍ من خمسِ نساءْ.
والحوذيّ الأشيبُ حَطَّ أصابعه في الشيبِ، وقال:
الدنيا رأسي.
قال الخطّاط:
الدنيا مَحْوٌ وكتابة.
والمرأة قالت:
ماءْ.
الآثمُ قال:
الدنيا اليومَ، لكي أنسى أمسيْ.
وأنا قلت:
الدنيا فرسي
سكّانُ الدنيا ماتوا
ذهبوا للمجهولِ
وما زلتُ أسابق قطعان الرّيحِ
على فرسي.

آخر القرن

كلّما أَتَقدّمُ في العمرِ
أَعرفُ أنَّ بلادي أمامي
فأحثُّ أَمتعتي لأَطيرَ إليها
وأنظرُ خلفي لئلا يكونَ الغزاةُ ورائي
أتلّفتُ ثانيةً
وأحثّ الخُطى، صائحاً:
يا بلادي انطريني
إنني الآنَ في آخرِ القرنِ
ما زلتُ أركضُ
والعمرُ يركضُ بي
والغزاةُ ورائي
ولكنّهم سَبقوني إليها.
كلّما أَتقدم في العمرِ
أَعرفُ أن حياتي ورائي
فأبكي عليها.

***

يوسف المحمود

  • من مواليد قرية عنزا بجنين، عام 1965.
  • عمل في الصحافة في صحيفتي: القدس والشعب.
  • أحد مؤسسي بيت الشعر الفلسطيني.
  • وأحد مؤسسي الإذاعة الفلسطينية.
  • عمل مذيعاً ومشرفاً على البرامج الثقافية في الإذاعة.
  • وعمل مدير بوزارة الثقافة في جنين.
  • مدير بالتلفزيون الفلسطيني.

صدر له:

  • زغاريد على بوابة الصباح، شعر، 1990.
  • حجر الوحش، شعر، 1999.
  • المحاربان الشجاعان، رواية، 2004.

أخيراً.. أخيراً

أخيراً عرفنا
أخيراً فهمنا
أخيراً
بكينا على حالنا
بعد حزنٍ وموت وجوعْ
وها نحنُ بعد أخيراً
يطالبنا الساحرُ الوطنيُّ انتظار نشاف الدموعْ
والمضي إلى نارنا دون خوفْ
كي يرتبّ بيت الخيانةِ من خلفنا دون سقف
أخيراً
أخيراً
وبعد سنين من الفقر والجوعْ
تعالَ لنضربَ كفاً بكفْ.

أخيراً وصلنا
أخيراً وصلنا إلى التلْ
فجاء الرّعاةُ ينزّون عشباً وغيماً
أشاروا إلى صخرةٍ
حيث يشهقُ نايٌ وتصلُ خيلْ
قال أكبرهم:
من هنا ذات يومٍ أطلْ
جاء يمشي على الماء
وكنا نرى الماء يبتلّْ
أخيراً وصلنا إلى التلّْ
عرفنا خطاه
خلفَهُ شقشقت زهرةٌ
كالتي تملأ السهلْ.
تأخرتُ
ما كان يفصلُني عنك غير هدير المدافع والقصفْ
وكنتُ أسيرُ إلى النار وحدي
أشقُّ غبار الشوارع بين نثار الزجاجِ
وشرك المتاريس والعصفْ.

تأخرتُ
كان الهواءُ صغيراً طويلاً
دخاناً
وبارود موتٍ
وكان دم لم يجفْ.
تأخرتُ
غامت عيوني قليلاً
كأني سمعت نداًء جميلاً
وأذكرُ بسملةً
وتلاوةَ قرآنْ
وصوتك يهتفُ بي:
لا تخفْ.
إبكِ مثل النساءْ
إبكِ عمراً سبيّاً ومُلكاً مضاعْ
وأخرج الآن من نجمكَ الملكيِّ
إلى حجرٍ غامضٍ بين شوك الحياةِ
اخرج الآن دون وداعْ
كن وحيداً
وحيداً
إلى أن تنادي البراري عليكْ
أو ترى فوق صخرةِ إثمكَ يَوماً شراعْ.

حالة

شاعرانِ أنا
واحدٌ حاملٌ للهوى
والذي مثلهُ تَعِبُ.

شاعرانِ أنا
واحدٌ عاشقٌ دائماً
والذي مثلهُ طَرِبُ.

شاعران
لنا الخمرُ والطيْبُ والوردُ والضحكاتِ
لنا زهرةُ النارِ تُرمى علينا من امرأةٍ
فنذوبُ
وندنو ونقتَرِبُ.

من لنا ؟
واحدٌ حبستهُ النساءُ بأثوابهنَّ
ليبلغَ منزلةَ العاشِقيْنَ
فظلَّ عليها
والذي مثلُهُ
جرّهُ القلبُ نحوَ ضواحي الهوى
والهوى مثلما تعرفون رقيقٌ
لكنَّهُ دائماً يغلِبُ.

تائهان
لنا الحُسنُ والحزنُ
إن خاصَمتنا الحبيبةُ نُكسَرُ
أو نعوي كذئبينِ
نصرخُ:
من سَتُرَمِّمُنا ؟
من سَتُلقي علينا بدفء الذراع ؟
ومن سوف تَلحقُنا برنين الخُطى ؟
ثمَّ نبكي كثيراً
وننتحِبُ.

يا لنا !!
شاردانِ ننادي البراري
لنا الكرُّ والفرُّ والمشيُ تحتَ الليالي
نُلاحقُ ليلى كمجنونها
نَتخاصَمُ حينَ نرى ظلّها بينَنا
ونظلُّ
(نشدُّ ونُرخي)
ونصرخُ
لكنّها تختفي
ثمَّ تحتجِبُ

من لنا ؟
عاشقانِ جميلانِ نعلِّقُ أحزاننا
شاعرانِ أنا
تائهانِ أنا
هائمانِ ولكننا عجَبُ
شاردان
وقمصان روحي ممزقةً بأصابعِ لذّتها
الجنونُ يُقاتِلُني
ويُخاصِمُني الغَضَبُ.

***

يوسف عبد العزيز

  • من مواليد قرية بيت عنان القدس، عام 1956.
  • حصل على شهادة دبلوم في التربية من معهد المعلّمين التابع لوكالة الغوث في عمّان، وليسانس في الأدب العربي من جامعة بيروت العربية في لبنان.
  • عضو رابطة الكتّاب الأردنيين.
  • عضو هيئة تحرير مجلة: أوراق، التي تصدرها الرابطة.
  • يعمل حالياً مدرّساً في وكالة الغوث الدولية في عمّان.

صدر له:

  • الخروج من مدينة الرماد، شعر، 1980.
  • حيفا تطير إلى الشقيف، شعر، 1983.
  • نشيد الحجر، شعر، 1984.
  • وطن في المخيّم، شعر، 1988.
  • دفاتر الغيم، شعر، 1989.

yousef_7aifa@yahoo.com

الحظيرة

لمّا رجعتُ لمنزلي متأخّراً في الليلِ
عادَ لِيَ ارتباكي
مثلَ كيسِ الرّملِ كانَ المنزلُ الحجريُّ منبطحاً، وكنتُ أرى نوافذَهُ المضيئةَ كالثُّقوبِ وكانتِ الأزهارُ فوقَ السُّورِ ترفعُ في الظّلامِ رؤوسَها كأصابعِ الأعمى.
أقتربتُ فمالتِ الجدرانُ نحوي، وأرتجفتُ كأنّني أهذي، كأنّي خارجَ الحجرِ المرتّبِ في نشيدِ الصَّمتِ أُطلِقُ مِن يدي طيرَ الحواسِّ واستفزُّ النّارَ تحتَ رمادِها.
حرَّكتُ رأسي في فضاءِ اللغزِ مثلَ الأرنبِ المذعورِ، هذا البيتُ بيتي، فيهِ أعجنُ من رمادِ الرّوحِ قلبَ الشِّعرِ، أرفعُ بُرجَ أحلامي وأصعدُهُ لكي أطأَ السَّحابَ الرَّخوَ، هذا البيتُ بيتي، غيرَ أن السَّقفَ يوشكُ أن يطيرَ، ويوشكُ الشُّباكُ أن يهوي عليَّ مصفِّقاً كالنَّسرِ هذا البيتُ بيتي ؟، السّورُ نفسُ السّورِ؟، لا قد صارَ أعلى، والحجارةُ فيهِ تبدو مثلَ أسنانٍ مهرّأةٍ.
دفعتُ البابَ مُرتبكاً، فأنَّت في ظلامِ الليلِ جثَّتُهُ، وهبَّت باتجاهي الرِّيحُ مُثقلةً برائحةِ العفونةِ، خطوةً ووقفتُ، يا اللهُ أيَّةُ لحظةٍ تلقي عليَّ غموضها ؟.
ثورانِ مثلَ غمامتينِ ترنَّحا في البابِ، روثُُ يغمرُ الأرجاءَ، كانَ البيتُ نصفَ مهدَّمٍ ومضيتُ في حجراتِهِ، غنمٌ وأبقارٌ على السِّجّادِ تلهو أو تنامُ، على الأرائكِ تجلسُ القططُ الكسولةُ، كانت الحمّى بألفِ يدٍ تدقُّ ضلوعيَ الخرساءَ، والأصواتُ تصعدُ في العروقِ وتضربُ الصّدغينِ، حينَ مضيتُ إلى سريري كان قُرّادٌ يحطُّ عليَّ يلسعُني فأصرخُ صامتاً، شَعرٌ غزيرٌ صارَ ينبتُ فوقَ أعضائي وحينَ نظرتُ في المِرآة لم أرَ ما يدلُّ عَلَيَّ كنتُ شبيهَ تيسٍ هائلٍ، فذهبتُ صوبَ النَّافذة وبدأتُ أثغو.

ضحكٌ أسوَد

إِلى سلفادور دالي
الليلةَ الماضية
وبعدَ حوارٍ قصير
المرأةُ الغريبةُ التي دلفَتْ إلى حجرتي
والتي أخبرتني
أنَّ (سلفادور دالي)
كان قد رسمَها مرَّةً
سقطَتْ في النُّعاس
ونامتْ على الأريكةِ كما تنامُ
الكواكب.
أنا بقيتُ مستيقظاً
أمامَ تلكَ المائدةِ التي هبطَتْ عليَّ
من السَّماء
وبعينيّ لصٍّ
رحتُ أتأمَّلُ شعرَها الهائجَ
مثل حقلِ نحل
وأنهبُ جسدَها المتموِّجَ الأبيض
مثل بحيرة ياسمين
بأصابعَ مرتعشة
فككتُ أزرارَ قميصِها
وكم كانت المفاجأةُ مروِّعة
حين اكتشفت أَنَّ جسدَها
لم يكن في الواقع
إِلاّ عدداً كبيراً من الجوارير.

سحبتُ الجارورَ الأوَّل
فطارتْ منهُ
سحابةٌ هائلةٌ من الفراش
وملأتِ الغرفة.

من الجارورِ الثّاني
قفزتْ أرانبُ بيضاء
بمناقيرَ حادَّة
أَخذتْ تنقِّرني
كما لو كنتُ تفاحَّةً كبيرة.

من الجارورِ الثالث
هبطتْ غابةٌ كاملةٌ من الأشجار
التي كانت بشفاهٍ كثيرةٍ حمراء
وسيقانٍ لامعة.
إِنّها ألاعيبُ (دالي)
قلتُ
وواصلتُ بجنونٍ فتحَ الجوارير.

في الجارور قبل الأخير
كان ثمّة قوارير مملوءة بالدم
وفرشاة
وقميص ملطَّخٌ بالضوء والظِّلال.

فتحتُ الجارورَ الأخير
وأطلقتُ صرخةً مدوِّية
لقد وجدتُ جسدَ (سلفادور دالي) نفسه
بوجهِهِ الطَّويل
وشاربيهِ المعقوفين
وفتاتِ ضحكٍ أسود
يسيلُ من زاويةِ فمِه.

كتاب الشّك

الليلةَ
صادفتُ العزلةَ في البيتِ
وقد لبست أجملَ قمصاني
كانت تشربُ مِن قَهوَتي المُرَّةِ
أيضاً
وتدخّنُ تبغي
وتقلّبُ ما يشبهُ مخطوطاً لي.
كانت تجلسُ في كرسيِّي
مِثلَ الملكاتِ
وبين يديها
غيمٌ مجنونٌ يتطايرُ.

مُتشحاً برؤايَ
وقفتُ قريباً منها
كنتُ هناك أرفُّ كغصن الليلِ
وأهطلُ بالأسئلةِ المُرَّةِ:
ـ ما المرأةُ ؟
ـ في أيّةِ عاصفةٍ يمكنُ أن يلعبَ قلبي ؟.
ـ أين دفنتُ النار ؟.

وكأنّي خاتَمُ إصبعها
لم تبصرني
لم تبصر ظلّي المتيبّسَ قربَ البابِ
وواصلت العزلة
لعِبَ الدّورِ السّاخر
أخذت تُمسِكُ أوراقاً
وتمزّقها من ذاك المخطوط
فكنت أراني مقذوفاً لبرارٍ عمياءَ
أصيحُ
أمامي طابةُ ماءٍ
تعلو في الرّيحِ
وفوقي قمرٌ يتشقّقُ
ويحطُّ كرفِّ فراشٍ مقتولٍ
قربي.

لا بُدَّ لخاتمةٍ
تنهي هذي الملهاةَ صرختُ
فحدّقتِ العزلةُ فيَّ بعيني ظبيٍ
كانت عينيَّ
وألقت نحوي
بكتاب الشّكّ فكانَ كتابي.

أعلى