لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

 مجلات أدبية قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع












































 

تحتَ لهاةِ الشَّمس

إنجاز: نصار الحاج

ديباجة

الأدب السوداني، مثل كل كتابةٍ وُجِدَ منذ وقتٍ مُبكرٍ ضمن مسيرةٍ طويلةٍ لتطور وحيوية الكائن البشري وبحثه عن أدوات تعبير مختلفة لصيقة بوجوده وإستمراريته على الحياة ومتطلباتها المتنوعة.
ومنذ القدم وُجِدت أنماط متعددة من أنواع الكتابة بلغاتٍ قديمة ورسومات ونقوشٍ وحَفْرٍ على الحجارة والصخور وأشكال مختلفة من المجسمات والأواني والمشغولات والقطع المعدنية وغيرها مما أظهرته البحوث والدراسات الأثرية وحفرياتها، كشكل من أشكال التدوين، وطالما هنالك كتابة هذا يعني أن هنالك أدب وإبداع يتعلق بتلك الحقب وتلك الجماعات البشرية وحضاراتها وثقافاتها وأشكال تعبيرها الجمالية.
أو وفق مقولة كلوديل: نحن لا نولد وحدنا، الولادة في نهاية المطاف معرفة، كل ولادة معرفة.
ليس المقصود بهذه الإشارة محاولة للبحث عن تاريخ أو إرث أو سلالة للكتابة السودانية بقدر ما هو يعني أن الكتابة الإبداعية ظلّت حاضرة ولها قيمتها ودورها التفاعلي والتعبيري منذ تلك العصور القديمة، أي أنها جزء من وعي الإنسان في هذه الجغرافيا السودانية وأدوات تفكيره وعناصر علاقته مع العالم.
بهذا ظلّت الكتابة الشعرية والقصصية وغيرهما من أجناس إبداعية مختلفة تواصل إنجازاتها وتقدم تجارب مهمة ساهمت بدرجة عالية في مراحل تطور الكتابة وتعدد أشكالها وطبيعة همومها وإنشغالاتها على مدار تلك السنوات الطويلة وحتى لحظتنا الراهنة التي أنفتحت فيها الكتابة على مشاريع ومقترحات ناصعة ومتباينة ولا متناهية في الكتابة الإبداعية ومنجزاتها الجمالية وتجريبيتها الخلاقة.
ظلَّ الأدب السوداني يتحرَّك منذ تلك الأشكال الأولى، يسير نحو المستقبل مطوِّراً في أدواتهِ وأشكالهِ وأنماطه الثقافية كعنصر فاعل في كل التحولاتِ والتغيرات التي حدثت في تاريخ وحياة الإنسان السوداني، إذ ظل المبدع السوداني منتبهاً وبيقظة عالية لكثافة وغزارة التنوع والتباين الهائل الذي يشكل إضافة حيّة وغنية لمكونات المجتمع السوداني والدولة السودانية وحركة الإنتاج الثقافي ودورة تطوره الطويلة، وكان دائماً أداة مؤثرة في كل المحطات الهامة التي شكلت تحدياً في هذه المسيرة الطويلة المشرقة في بعض جوانبها والقاسية والمؤلمة جداً في الكثير من أطوارها، والتاريخ القريب والراهن الذي نعيشه الآن، مشحون بسيرة الحروب، والشتات، والفقر، والجوع، والظلم، ومصادرة الحريات والكبت، والقهر، والنزوح، والهجرة، والشتات، والمنافي، والآلام اللامحدودة في قسوتها وبشاعتها، ومع ذلك بقي هذا الأدب من أهم أشكال التعبير التي عليها دائماً أن لا تركن للجاهز والمُستهلَك، وأن تقاوم الممارسات اللاإنسانية في سبيل ثقافة حيَّة ومجتمعات محتفية بأدابها وثقافاتها وفنونها المختلفة، وكان غالبية الكتاب منحازين بصلابة وشراسةٍ لقيم الحرية والديمقراطية والعدالة، طيلة الأزمان التي تراجعت فيها هذه الحقوق الإنسانية والمدنية والتي يشكل توفرها بيئة صالحة ومناسبة لتطور الآداب والفنون، وكل مجالات الحياة.

أنخرط الكتَّاب في مقاومة كل أشكال القبح التي شوَّهت وخرَّبت وأفسدت الحياة ومقوماتها، كل بأدواته وقنوات المشاركة التي تستطيع أن تعبر عن رؤيتهِ ومشاريعهِ للتحرر وإنتاج واقع بديل أكثر جمالية وحريةً وإحتفاءً بالتنوع، والتعدد الثقافي والعرقي والديني، وثقافة الحرية والديمقراطية في مجتمع لا يمكن لطيفٍ واحد أن يحتكر حق إقصاء الآخرين وسفحِ حقوقهم بمجانية ورعونةٍ طائشة، وما زالت هذه المواقف النبيلة للكتَّاب مستمرة دون أن يفرِّطوا / رغم أشكال القمع والمصادَرة المتعددة / في الحرص والرِّهان على إنتاج كتابة حيّة تؤسِّس لوجودها وحياتها وفاعليتها بصبرٍ وصرامةٍ متحررة من كل أشكال الجمود والقوالب المتحجرة، محتفية بالمستقبل وكل منجزاتِ المعرفة ودروبها المُشرَعة نحو كل طاقة خلاقة ورغبةٍ جامحة في إكتشاف ومسائلة كائناتها ومخابئها وإرتياد مسالك المغامرة التي تفتح الطريق نحو اقتراحاتٍ جديدة في أرض الكتابة.
بمرور سريع على هذه المسيرة الطويلة للأدب السوداني والضاربة بجذورها في فنون الإبداع والمعرفة المكتوبة والمحكية والشفاهية، نجد الكثير من الكتب والمراجع التي تناولت الأدب السوداني بالدراسة والبحث، وتَقَصَّت الأصول والمنابع التاريخية لهذا الادب وأنتجت قراءات ومقاربات له وفق مناهج متعددة وأساليب مختلفة تحفل بها المكتبات ودور النشر والوثائق في عدد من الأمكنة وعلى مدار العقود الماضية لكنها ما زالت شحيحة وقاصرة عن الإحاطة بكل ما أنتجه المبدع السوداني وخاصة في العقود الاخيرة من القرن العشرين وحتى يومنا هذا تضاءلت هذه المساهمات بدرجة كبيرة، بل حتى فرص وإمكانيات النشر في فنون الإبداع المختلفة من قصة وشعر و..غيرهما، تراجعت بدرجة، تشكل خصماً كبيراً جداً على تداول الكتاب، والمعرفة، والتوثيق، والتراكم الثقافي والإبداعي، وتأمُّل التجربة، وإعادة قراءتها والتحاور معها، كل هذا بعد أن رفعت الدولة يدها عن دعم الكتاب وطباعته ومدخلاته، مما جعل رصيداً هائلاً من الكتابة الجيدة والناضجة والجديدة مكدسة ومنزوية كمخطوطات لا تعرف طريقاً سالكاً للتحول إلى كتب لتشكل مساهمتها وإضافتها في العملية الثقافية والإبداعية وتُحظى بفرصةٍ أكبر في الحياة قبل أن تتلاشى في بئر النسيان، وشراكِ الإحباط القاسية التي قد تُدمر التجربة بكاملها وتقلل من حيويتها واستمراريتها وتراكمية تطورها وبنائها.
أضف إلى ذلك إنعدام أو شح وضعف الدوريات والمجلات والإصدارات الثقافية المهتمة بالفنون والآداب المختلفة التي لو توفرت ربما تعوض قليلاً جداً عن هذه الصعوبات الفادحة التي تعوق طباعة الكتاب وقد أشار الناقد معاوية البلال في كتابه: (الكتابة في منتصف الدائرة)، في قراءته لقرار إيقاف مجلتي: الخرطوم والثقافة، في تسعينيات القرن الماضي، قائلاً:"أسئلة كثيرة أثارها قرار إيقاف المجلات ونكأ جراحات، كيف يفكر المسؤولون عن الثقافة؟، كيف نقدم الوجه الثقافي للسودان للآخرين؟، كيف نغيِّب منابرنا الثقافية عن القارئ السوداني والعربي؟، كيف نتحقق أن حل المشكلة الثقافية هو البداية الصحيحة لحل المشكل السوداني بكامله".
نعم، حين تعادي الدولة الثقافة، تَنحَر بيدها بريق نهوضها ومساراتِ صعودها وتخليد ثقافتها ومعرفتها وحضارتها وذاكرة شعوبها، وعلى ذات الجهة يصارع المبدع كي يُشْعل قناديل عبوره لآفاق جديدة ويغذِّي نيران شهوتهِ ليفتحَ كمائن الحياة في جسدِ أحلامهِ المشعة.
مع هذا الإنفجار والقفزات العالية والمتسارعة في الإنتاج الثقافي والمعرفي عموماً والتحولات الجذرية التي طالت عناصر الحياة كلها، من نظم، ووسائل التكنولوجيا والمعرفة والوسائط المتعددة التي أصبحت تشكل ماكينة تشغيل ودفع لكل مفاصل الحياة ومنتجاتها وأشكال التعبير المتعددة، وأنماط التواصل، والتبادل الثقافي، وهزيمة الأشكال التقليدية وشروطها البائسة، أصبح من الصعب في هذا الوقت الراهن التحدث عن كتابة أجيال كما كان يحدث سابقاً (جيل الخمسينيات، جيل الستينيات، جيل السبعينيات)، خاصة بالنسبة للعقود الأخيرة، حيث لم يعد الكتَّاب الذين برزت تجربتهم في عقد معين من الزمن عبر الإنحياز لنموذج كتابة محدد، وهموم مشتركة، وآليات تعبير وشروط كتابة معينة، هم ذات الكتَّاب وذات التجارب في عقد آخر من الزمن، التجربة نفسها للكاتب صارت أكثر تواصلاً وأكثر تحولاً، وأكثر عبوراً، وقابلية لتبَصُّرِ المعطيات الجديدة، والتفكير في المستقبل وتحدياته وإحتمالاته، وسرعة تناقل المعلومة، وتداول الكِتَاب وحركته، والكثير من التأسيسات النظرية للمعارف وحيوية الحوارات النقدية والتحليلية، والفتوحات الجميلة التي حققتها الكتابة، كل هذا جعل العقد من الزمن يستقبل سيول هادرة وكاسحة من المعرفة يعادل عشرات السنوات في العقد الواحد مقارنة بما كان يحدث في عقود سابقةٍ ليست بعيدة، والكُتَّاب عنصر مؤثر وفاعل بحساسية عالية تجاه ما يحدث من تحولات وإضافات، وتغيرات في أساليب وأشكال المعرفة، والمتغيرات الهائلة التي تحدث في حياة المجتمعات، مما جعل العقد من الزمن ليس مستقراً وثابتاً ومحافظاً على مقولاته ومنجزاته ومُكَرّسَاً للدفاع عن تجربة محددة أو تقليد معين أو ثقافة محددة ومنهج محدد في الكتابة ولم تَعُد المحافظة ميزة تَنْغَلِقُ التجربة الإبداعية في أسوارها حتى تكتسب شرعيتها في التعبيرعن جيل معين أو مرحلة أو خيار إبداعي محدد، بل أصبحت الكتابة حقل رهان مستمر على أن العالم يتغيَّر، والأفكار تتغير، والخيارات الفنية والإبداعية تتغير وتكتسب آليات، وأنماط، وأحلام جديدة، وتقترح ينابيع جديدة، وصلصالاً جديداً للنص، وحركة كائناته.
من هنا تأتي هذه الأنطولوجيا في أفق واسع ونماذج وخيارات متعددة من الكتابة، تتحرك في فترة زمنية تقارب الأربعة عقود أو تزيد، وهو إنحياز لهذه العقود الأخيرة بما تمثله من حاضر ووعي بالمستقبل وإحتفاء مطلق بالكتابة كأداة تعبير خلاقة وفاعلة لا تقبل خياراً سوى الحرية الأبدية لمجابهة وهزيمة الخراب الذي يسعى للعودة بالإنسان إلى بدائية الحياة ومحدوديتها، ويسعى لحرمان الآخرين من المشاركة العادلة في عناصر الحياة وأدوات إدارتها التي تمثل حقاً للجميع دون استثناء، إنه إنحياز لكتابة أدركت شروط حياتها وإستمراريتها وظلّت تراهن دوماً على استجابتها وقدرتها على إنجاز إضافات وتحولات جذرية وعدم الركون لنموذج أبدي في الكتابة، إذ صارت الكتابة عصياناً حقيقياً للجمود والإنغلاق، وأفقاً كاسحاً نحو تطوير المفاهيم والحقوق الإنسانية كمعابر صلبة لتحرٌّر الكائن البشري وقدرته على تطوير أدواته وفق عصره وإحتياجاته، كتابة تنطلق من تجارب حيَّة في الحياة، والمعرفة، والزمن، ومعاصرة لتاريخ متحرك كالرمال، مشحون بالمفاجآت والوقائع غير السعيدة في أكثرها، كتابة تحيا وجودها، وتنتج مساهمتها بروح يقظة ورغبة جامحة في توطين الكتابة كمشروع حي وخلاق، يطوِّر إحداثياته ويعمل على مفرداته بجدية صارمة.
الكتابة الإبداعية ليست ترفاً ونزهةً.. الكتابة ضوء يكشفُ العتمة أينما كانت.. الكتابة مشروع حرية وعشق للإنسانية في أبهى حالاتها وحركة حداثةٍ لا تتوقف أبداً.. الكتابة الحقيقة إبحار نحو المستقبل دائماً.
إنحياز هذا الكتاب للعقود الأخيرة من عمر الكتابة ومنجزاتها في السودان لا يعني تجاوز وإلغاء التجارب الهامة والناصعة للكثير من الأسماء الشعرية التي شكّلت محطات وعلامات بارزة منذ البدايات الأولى وحتى التاريخ القريب، تلك النماذج التي أنجزت تحولاً نوعياً وقدمت مقترحات وإضافات لما هو سائد من أنماط الكتابة وإنشغالاتها وموضوعاتها ولغتها ومصادرها في تلك المراحل من عمر الكتابة، وهي تمثل إنجازات حيَّة وإرثاً حقيقياً في عملية التراكم، وتلاقح التجارب الإبداعية، والوعي بالكتابة.
فأي مراجعة للكتابة الشعرية في السودان ستقف عند علامات هامة مثل محمد سعيد العباسي، التيجاني يوسف بشير، الناصر قريب الله، حمزة الملك طمبل، توفيق صالح جبريل، يوسف مصطفى التني، محمد محمد علي، ادريس جماع، توفيق صالح جبريل محمد المهدي المجذوب، عبد الله الشيخ البشير، حسن عباس صبحي، جيلي عبد الرحمن محمد عثمان كجراي، محي الدين فارس، تاج السر الحسن، محمد الفيتوري، عبد الرحيم أبو ذكرى، علي عبد القيوم، النور عثمان أبكر، صلاح أحمد ابراهيم، محمد المكي إبراهيم، مصطفى سند، محمد عبد الحي، عبد الله شابو.
وحتى في المدى الذي غطَّته هذه المختارات نجد أسماء وتجارب مهمة لم نتمكن من تمثيلها في هذا العمل، حيث نجد في الشعر محمد نجيب محمد علي، محمد محي الدين، عبد القادر الكتيابي، يوسف الحبوب، عبد المنعم الكتيابي، إلياس فتح الرحمن، كمال الجزولي سيد أحمد بلال، محمد عبد القادر سبيل، بابكر الوسيلة، محمد عبد الخالق، مصطفى بابكر مهدي آدم، عبد الله الزين، عثمان بشرى، كلتوم فضل الله، عبدالمجيد عفيفي، خالد عبد الله السموأل محمد الحسن، محمد حسين بهنس، عالية عوض الكريم، الطيب برير يوسف بله محمد الفاضل، أبوذر بابكر، إشراقة مصطفى، أيوب مصطفى، رقية وراق ، نجم الدين علي حسن، الأصمعي باشري، إيمان آدم، محمد الفاضلابي، كمال عمر، محفوظ بشرى ابراهيم البكري، روضة الحاج.
إذ تصدر هذه الانطولوجيا وغيرها من الأنطولوجيات الشبيهة التي صدرت والتي سوف تصدر بمبادرة من جمعية البيت للثقافة والفنون بدعم من وزارة الثقافة الجزائرية في إطار مشروع الجزائر عاصمة للثقافة العربية 2007، هذا مؤشر لمدى اهتمام ووعي القائمين والمساهمين في هذه التظاهرة بدلالات ومبررات مثل هذه الإحتفاليات، وإستثمارها في انتاج وتوثيق الآداب والفنون وغير ذلك من أشكال التأسيس، والتأهيل لمنابر ووسائط العمل الثقافي، ونحن سعداء أن تتاح للشعر في السودان نافذة للتبادل الثقافي والتوثيق ونشر هذه النصوص في كتاب يمثل وثيقة حيَّة ويمثل بادرة هي الأولى من نوعها لنشر كتابات شعرية من السودان كأنطولوجيا مكرسة لهذه النماذج تقدم تجارب متنوعة وثرية في الكتابة الإبداعية.

نصار الصادق الحاج

***

الصادق الرضي

  • من مواليد أمدرمان، عام 1969.
  • عضو بإتحاد الكتَّاب السودانيين.
  • عمل محررا ثقافيا بعدد من الصحف السوداينة منها: الصحافة، الحرية، الأيام، الأضواء.
  • يدير الآن القسم الثقافي لصحيفة: السوداني، الصادرة بالخرطوم.
  • قام مركز: ترجمة الشعر، بمدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية ـ جامعة لندن، بترجمة عددا من أعماله الشعرية بواسطة الشاعر والمنتج السينمائي حافظ خير والشاعرة سارة ماغواير والشاعر مارك فورد.

صدر له:

  • غناء العزلة، شعر، دار ألف للطباعة والنشر، الخرطوم ـ ط 1، 1996، وط 2، 1999.
  • متاهة السلطان، شعر، دار الخرطوم للطباعة والنشر ـ ط 1، 1996، وط 2، دار مكتبة الشريف، 2001.
  • أقاصي شاشة الإصغاء، شعر، دار الخرطوم للطباعة والنشر، ط 1، 2000، وط 2، دار عزة للطباعة والنشر 2001.

أتعالى على الملك

أَتعالى على الملِكْ
عطاياه وحاشيته ـ نداماه وجواريه
صولجانَه والعسسْ
بموسيقاي ذات الجرس الخفيض
ولكنتي الأعجمية.

أرسم ـ حين أختلي
بالكلمات الأقلَّ عدداً ـ وحشة البراري
لا أنفخ بوقه المثقوب.

خطبتي ثمر الليمون
خاتمي الحجر السابق.

أَتعالى
على
الملِكْ.

حين ألهو بكلمةٍ
كأنما تتبعني نبوءةٌ ما
كفارغٍ
من كأسِ التأويل السابقْ
بأبُّهة وحاشيةْ
يرنُّ معدنُ أيامي
على بلاطٍ بلا وريثْ
كأنما الجسمُ الصوتُ
الصورةُ كمالُ الخاتمْ.

شُدَّني من الصندوقْ
لأعاليكَ التي بلا سقوفْ
لأَنْقُضَ حُسْنَ الظنِّ بي
لأَجْذَعَ مأخوذاً بآيةِ الرِّقة.

دمٌ كثيرٌ
سفكتُه لغفرانٍ يدومُ ولا يدومْ
ليالٍ وُهبتَها ونُهبتُ
كما لا يليقْ
نسيتُ وأكملتُ مذهبَ الحرمانِ
بحجَّةٍ أَوثَقُ وهيكلٍ مُضَاعْ.

الرقِّةُ المفتاحْ
أَعاليكَ الكنزْ.

مجروحاً بفاكهةِ الوحدةْ
أشدُّ وثاقاً دون وثاقْ
مسبوقاً بنبوءةٍ ما
أفْرَغُ من كوكبِ النُزْهةْ
بسفاهةٍ وحكْمَة ٍ
بلا إكتراثْ.

صحبة مايكل انجلو

1

الملوكُ الذين مضوا
تركوا أثراً اسمه نسيانَهم
مثل (أليس) أو (كوش).. إلخ .
تركوا:
تيجانَ ممعنةً في غرابةٍ
بقايا هياكلَ عظميةٍ
رؤسَ أسماكَ ـ أسماءَ يَصعبُ نُطْقَها
مراودَ كُحلٍ ـ وصايا ـ مدائحَ منقوشةً على حجرْ.
بيدَ أنِّي تركتُكِ
أنتِ المُضُاءَةُ بي
أينما حملتَكِ عروشُكِ
دماً طازجاً في شرايينَ تَفْنَى
ويصعبُ نسيانَكِ !

2

عند روما القديمة ـ أبواب روما القديمة
تصحبُني ممعناً في صرامة الدقِّة المتناهيةْ
لتصوركَ الخيطَ في ثقبه الأرهفَ
لتصوركَ الخطَّ والمنحنى
تصحبُني في صداقةِ الحجرْ
يدٌ ليدٍ
أصابعُ لأصابعَ
ثم
في مدخلِ الحانةِ
نقرعُ كأساً بكأسٍ
تضعُ النقطةَ التاليةْ
في صفحةِ وجهٍ يتفرَّسُ تاريخَه.

3

أينا المفتاحُ ـ عند بابكَ أو عند بابي ؟!.

4

يَسْعَدُ الصمتُ
يَسْعَدُ الحال
يسعد نُطْقُ الصورْ
كلما تُرِكَ المقعد خاليا
كلما توارى صاحب المعطف
كلما سُمعت شهقةُ العتمة الخفيفة
العناق ـ ميثولوجيا الحضور!.

5

ما الحكمة..؟!

طوطم

1

الطفل يُحْكِمُ قَفْلَ صندوق الحكايا
كأنَّما
حسناوات بربرَ، في الزمن الغابرِ
صبايا الشُلْكِ، وبناتِ "بحر أبيضَ"ـ جدَّاته.
كأنَّما
أَورَثْنَهُ قمرَ السَّاحِرِ
قبل أن يغيبْ.

2

هكذا نُقِشَ على الجِذْعِ
تحت درجة حرَارَةٍ لا أقلَّّ من 45

فأبدعَ الثِّمارْ!.

3

الطَبْلُ صوتُه ليلةَ العرَّافِ
غيرُهُ
ليلة الرَّقْصِ بالسُكْسُكِ الفَارِهِ
والشَّرَابْ.
صوتُهُ ليلةَ القرمصيصِ
غيرُهُ
اللَّيلةَ بالذاتْ.
فتعالي
هذي اللَّيلةِ
من مَتْحَف الجُمْجُمَةِ الأُمِّ
يَتَعَالَى
أسلافْ!.

4

أصنعُ الخمرَ غير مغشوشةٍ
ليصيروا أُناساً
لتذهبَ روحُ فاكهةَ الروحِ
من فم عاشقها الأسبقِ للسابقِ
أَقْبِضُ مبلغَ الرِّجَالْ!.

5

سريرٌ
ينطفئُ
سريرٌ
يشغله الأَملْ.
في
عَنْبَرِ
الباطنيَّةِ
أَرْقُبُ الوقتَ فَتَنْهَمِرُ الكيمياءْ.
تركتَ السُلالاتِ تَحْصبُ الجِسْمَ
تركْتَهُ يَسْطَعُ
فَتَبَقَّتْ
لأُناديكَ يَلْزَمُ الخيطَ نَسْلَهُ الأوَّلُ!

6

غَيَّركَ النَّقْشُ على الحَجَرِ والماءْ،
غَيَّرتكَ صِنْعَةُ التدوينِ
وجهكُ لم يعد لجذع الشجرة
دمك ماعاد لنَسْلِ النَّار
فرَّتْ بِكَ أغيارُكَ فأوحشتَ بيتَ أبيكْ!.

7

كنتُ صانعُ أحذيةٍ بأمدرمانْ
كنتُ مغنياً بكردفالْ
لأعناقِ النُّوقِ والحَمَامَاتْ
كنتُ أَرْهَفُ وأَدقُّ
عند خُطْبَةِ الليمونْ
فأظمأني النَّهرُ حكايا
كنتُ أيقونةً ونسيتْ!.

رندا محجوب

  • من مواليد عام 1984.
  • عضو إتحاد الكتاب السودانيين.
  • عضو مؤسس مبادرة (برانا) الثقافية.

صدر لها:

  • في وصف العدم كاملاً، شعر.

العَنْبَر مُغَادِرَاً

أستهَلَّ بلا هناك، كنَفْخِ الوَتِيرةِ لمدة ساعةٍ تُواصِلُ البحثَ عن العينِ المناسبةِ لتضميدِ الرأس. تَمَشَّى كَطَلْعِ الأجنَّةِ على صلعةِ الْمُمَارَضَةِ الشاردة. هَبَطَ كأطباقٍ شهودٍ على نزوعِ الطيفِ إلى الوَتِيرَة، هذا ما لن يموتَ في سُرْعَاتِ اللقطةِ الهاربةِ للمقرفصِ المحتومِ
على قاعدةِ الأسطوانة.

الفَخُّ يُقَاتِلُ الطائر، يَنْهَبُه. الحربُ تَرْمِيز. هناكَ في أيِّ مكانٍ لأنه يُنَاهِزُ الجاهزية، يَهْتِكُ فِي ظِلٍّ مِنْ وَقْفَةِ الْمُلْهِمِ إيَّاهُ سُمَّه.

المشاركةُ تَغُطُّ حتى تسحبَ أقمشتَها على الإلتئامِ الجارحِ؛ أَنَّها رَاشِيَةٌ ومُرْتَشِيَةٌ في نزوعِ الرشوةِ الغَريبِ إلى التجمُّعِ والإلتصاق. ثم أسْتَدْرَكْتُ أنني كنتُ في العجينِ الْمُعَطَّشِ لمتاهاتٍ لحيمةٍ تتناسلُ فيها الشخصية. مَن لِمَن؟. والصحراءاتُ وحيدةٌ مكتملةٌ مِنْ شِفَاهٍ مبتورةٍ منثورةٍ لِغَيْرِ الوَجْه.

اللابُدَّ الواقعُ لَهُ أَحَقِّيَّتُهُ في طورِ المغايرةِ وضَبْطِ ذلك، ولكن ماذا قد يقولُ الشَّاطِحُ في المنظورِ وتَضْفِيرُهُ مع العرقوبين مع استخدامِ باطنِ السَّاقِ كشفرةٍ نفسيةٍ لضرورةِ المرآة ؟ إنَّ البريئةَ لَتَخْتَمِرُ في أزياءَ مسمومةٍ حَدَّ أن يُشَمِّرَ السُّمُّ عن صبغاتِهِ وحدائقِهِ راشياً من جديدٍ القيدَ بسوطين مِنْ تَتَابُعِ العُلَب؛ كُلُّ علبةٍ في حَدَقَةٍ مِن تَمَاثُلٍ لا صُوَرِيٍّ، وأكادُ أقولُ أنه على مستوىً مجهريٍّ تَعْصِرُ كُلُّ حدقةٍ زيتونَها في أنفِ المستجيب.

أصْطَبَرْتُ على الزُّقَاقِ حتى تَثَعْبَنَ خصماً على الخشبةِ والشهيةِ في مثابرةِ جرحين: اللَّحْمُ والْحَيّ. تَنْطَلِقُ الحدودُ في مُشَادَّةٍ كابوسيَّةٍ على 3 سَوائلٍ متزامنة. التوقيتُ كَمَدْح. يُشْهِرُ الكابوسُ نُطْقَهُ مُرَطِّبَاً الفَسَادَ؛ مُجَفِّفَاً الإمْكَانِيَّة.

في وصفِ العدم كاملاً

1

[الشَّرْنَقة، قَعْرُهَا، الْمَحْض، الوُصول، الصُّدفة، الطَّبقات، الوضوح، القَامَات، إنَّنا، الحُصُول، الصُّفوف، الحَصَاد، الخَوْف، الزِّيف، الاجتثاث، البَلْعَمة، البِئر الشَّره الْمُولَع بالخلايا الميتة في كَعْبِ القَدَمِ وكُلِّ مَا لَهُ عَلاقَةٌ بلعبةِ الذَّاكِرة القاصرة أو كَيْفَ تؤكَلُ الكَتِف... مادمنا لم نَنْتَحِر]

الحَاضِنَاتُ في الخَزَفِ البَار يَتَشَقَّق:
هَمْهَمَةٌ مرتدةٌ مِن دَلالٍ سَالَ على خَدٍّ بطيءٍ سائبٍ ولم تُلحَظ
حِزَامٌ في الْمَدَارِ الْمَصْدُوم على يَسَار الهَوْل
أمْشِي وأمْشِي وأمْشِي ويصحو الْمَشْيُ على الهُوَّةِ تَتَكَسَّر

أما بيننا:
كُل الجينْز العَاجِز عن نَارِهِ
الأمْعَاء الغليظة التي تَتَفَمَّمُ بقُنَيَّاتٍ دَقِيْقَةٍ قَذِرة (وهذا رَخِيصٌ لأنه يَتَقَوْلَب)
العَدَمُ الرِّجْسُ الذي يَمْرَض في عُرف إجْمَاليِّ الشَّكِّ الخَانة الدُّميَة اليَكْ
المجنانين يُكتِّفونَ أياديهم، يُنصتون في عَنْبَر تشيخُوف القَاضِي الْمَاء الزُّلال المُتهشِّم من شدَّةِ ما لامَسَ القِيْلَ والقَال، السَّيْلُ أحْتَمَل الإسْفَنج كُلَّه
الإسفنج نوعٌ من البَشَر تواجدهم واجِبٌ ولو على سَبِيْلِ الحِبْر
الصَوْتُ السريُّ وراءَ البَاب، رِهَانٌ يَخْسَرُ، نَصْلٌ يَثْمَلُ.. مُكَرَّرـ مُكرَّر
الفَرَاغُ البَدِيْنُ.. الهَرَاوَت.. عِقَابٌ نَاجِزٌ.. كقولهم: وصَلَتْ.
ما دُمنا لم نَنْتَحِر.

سُلالَةٌ مَرِيْضَةٌ بالخَفَقَان
الصَّخْرَةُ التي طَاحَتْ برأسِكَ عُنْوَةً تَرَكَت لَكَ نَبَاتَات المريء
إنْسَانُ القُنُوطِ ـ اللَّوْحُ تَجْتَثّه يَنْبُت.. تَجْتَثّه يَنْبُت، يَنْبُت يَنْبُت يَنْبُت: الْمَقَادِيْرُ، السُّؤال، مُحَرِّرَاتُ الوُجُودِ عَلَى مُقايَسَاتِ القُرْحَةِ والوُصُولِ الظَّلِيْل الْمُبَاغِت للفِكْرَةِ السَّائِدَة عَنِ العَرَبَة، الطَّوْقُ، الْمِئْزَرُ، التَّسَامِي، القُرَى والإنْتَرْنِت
إطَارَاتٌ تَعْوِي مطَّاطَ الرَّحيل
والآن
فَضَاءٌ رَحِبٌ بِحَجْمِ الأَرَقِ كعِنَاقِ قِطَّتَيْنِ بِبُطُونٍ مُتَوَرِّمَةٍ مَرِيْضَة
ما دُمْنَا لَمْ نَنْتَحر.

• شَغَلَتْنَا حِسَابَاتُ الغِوَايَةِ عَن ارْتِكَابِهَا مَجْزَرَةً بالوَرْدِ النَّائِمِ فِي صَوْتِهَا
أُمُّنا الخَدِيْعَةُ الكَوْنُ الخَلِيْعَةُ الكَاذِبَةُ الخَسِارَة
وطَالِعُ سُخْرِيَّتِنَا
يَا مُتَتَأْتِي الأَنَّة
عَنْ كَوْنِنَا أضحُوكَةُ الشَّيْطَان.
عَبَثٌ خِلافُكَ فِي الإبْتِلاَع مِن قُبُلٍ أو مِن دُبُر أو مِن حِيَاد
عَبَثٌ خِنَاقُكَ مَع التَّوصِيْلاَت عَبْرَ الثُّقُوبِ أسْفَلَ الجُّمْجُمَّة.

• السَّمَاوِيُّ الذي مَا أنفَكَّ يَطْرُدُنِي وقَد صَارَتْ لَهُ عِدَّةُ رؤوْس:

  1. امرأة ـ مِطْرَقَةٌ في حَالَةِ ولاَدَةٍ مِسْمَارِيَّةٍ، رَسُولٌ وَحِيْدٌ مُنْتَصِرٌ
  2. قَلَمٌ كَامِلُ الجِنِّ يُوْشِكُ
  3. عِنْدَ العِنْدِ الفَصِيْح
  4. قَوْلٌ يَكْذِبُ بِمُنْتَهَى الصِّدْقِ القَاطِعِ كشَكّ
  5. الحِبْرُ ووَجَنَاتِهِ
  6. سَاطُور
  7. مَرْجِعٌ مُدْقِعٌ أسْوَد يَحْكِي الـ(لو)..

هَا..
لَنْ أَقُول..
والسِّتَارُ الذي هَطَلَ كَامِلَ الْمَحْضَرِ الذُّبَابِ يُوَسْوِسُ لَكْ.

عَارٌ كَامِلُ التَّرْتِيبِ فِي الخَلْف ـ رَكَضَ (وَهِيَ حَرَكَةٌ سِيْنَمَائِيَّة لزَخْرَفَةِ أَنِيْنِ الصُّور)
ما بَيْنَنَا
العَيْنُ؛ شُبْهَةُ قَائِلٍ فَوْرَ اللُّهَاث
الشَرُّ خَيْرَ قَيْدٍ ـ طِيْن
والوَارِدُ: يُسْمِلُ عَيْنَاً واحِدَةً كُلَّ سَمَاءٍ حَتَّى يَقْضِ الوُصُول.
البَعْثُ: اسْتِيَاءٌ كَامِلٌ مِن مُجَرَّدِ فِكْرَةِ التَّشْرِيح لأنها شَبِعَتْ بالْمَحْض
وأنَا.. أنَا..
النَّاتِجُ العَارِضُ مِن صِنَاعَةِ الحَرِيْر الْمَثْقُوبِ عُمُدَاً مُعمَّدَةً مُجَمَّعَةً سَوَاءَ الآخَرِيْن فِي الحَشْرِ الْمُرَكَّبِ كَأَعْيُنٍ مُتَوَرِّمَةٍ فَوْقَ الفَمِ القَارِضِ الَّذِي قَادَ الأحْذِيَةَ إلى مَهَبِّهَا فِي عَلَمِ الكَلاَم
لِمَاذَا أنَا
(كُلُّ الأنَا)
وَحْدِي هُنَا فِي الإصْطِدَامِ السُّؤَال
عَلَى وَجْهِي
فِي السُّورِ الشَّائِكِ بالخُبْزِ الطَّاهِرِ للمُفْتَرَض
أنَا فِي الأَصْلِ كَائِنٌ شَمْعِيٌّ لكنَّنِي لا أضيء
الرَّحْمَة الرَّحْمَة
الرحمةُ التَّوَافُقِيَّةُ البَسِيْطَةُ كَمَخْرَج
والرِّفْقُ الهَوَاءُ الدَّافِئ عُمُومَ الكَبِد
"الكَبِدُ مَنْزِلٌ رِيفِيٌّ زَائِف.. كَذَّبَ قَدِيْمَاً فَتَفَصَّصَ عُمُومَاً عَلى مُسْتَوَى الصِّدْقِ الطَّازجِ مِن مُنْخَارِ الصَّفْرَاء.. حِرْفَتُهُ الغَضَب.. وهو يَصْلُح تَمَامَاً لفِكْرَةِ الجَّوْهَر الَّتِي يُمْكِن أنْ تُستَعْمَل كَبَدِيْلٍ للخَازُوق"

تَشْرَبُ كُلَّ هَذِه التَّرْبِيْع؟.. يَسْتَطِيْبُ لكَ العِنَاق؟
(الضَّغْطُ هُوَ السَّيْطَرَةُ على الْمَسَاحَات بِمُنْتَهَى العَصَبِيَّة الأُمّهَاتِيَّة الشُّجُون)
أوقِدْ ناراً في عَضَلَةٍ صَغِيْرة مِن تِلْكَ النوْعِيَّة التي قَدْ تَبْلَعُ نَفْسَهَا مِئَتَيْنِ مَرَّة قَبْل أن تُزْعِجك
أزعجني
موسيقى السلخ، جلسات في فن الورطة، لاهوت كامل، إدمان، طبل ناعم ينعق، رقمٌ زوج حصيلةٌ من الخناصل في طشت يرتجف، مخاليق منكوبة، والنكبة ترقصُ الرقبة
أنا المشاطُ.

يَسْتَطِيْبُ التَّعَامِي:
نَسْتَسْلِمُ لِيَوْمٍ آخَرٍ كُليُّ الأُذُن
في الصَّمْتِ الذي أفْتَعَلَ الهُجُوم/
سَقْفٌ عَالٍ شَرِس
الهُجُومُ خَجُول
وصَدِّقونِي مَوتُنَا أَفْضَلُ بالنِّسْبَةِ للتُّرْبَةِ والبَلَد ومَكَانَةِ (الذَّوَبَان) كَمُصْطَلَح فِي بَالُوعَات العَاطِفَة
نَتَّفِق: التَّرْكُ مَفْهُومُ الوِصَال.. مَا يَسْتَحِقُّ الإكْتِرَاث
الحَاجَةُ: إسْتِفَاضَة
نَكْتُب؟
النُّقْطَةُ غَثَيَانٌ صَبَاحِيٌّ مُفْرَط
لَكنَّ القَاطِعَة، قَانُونٌ بَائِدٌ سَائِدٌ أَفرَز راكداً وفرائضاً للمصطلحِ يرتعدُ من فرط ما تَحَمَّلها
الزِّنْد كَائِنٌ حَقِيْقِي.. تَنَامُ عَلَيْه؟؟.. أقْتُلَك؟؟.. أَمْتَصُّ الدَّمُ الَّذِي يُوْحِيْكَ فِي تَلافِيْفِهِم؟..
تَنَامُ؟
أنْتَظِر
والآن أنتَ حَدِيْدُ صَدِيْدِهَا وأنَا حُفْرَةُ فَمِ الشيطَانِ فِي مَفْهوم البَارُوكَة، مُجَرَّدُ بارُوكَةٍ أُخْرَى فِي رَأْسِ أَيِّ مُمْكِنٍ يَسْتَحِقُّ هَزَّةَ قَدَمِي والقَامُوس
في الْمِشْكَاة.. في جِدَارِ بَطْنِ طُحْلُب.. تَجِدُنِي مُتَّكِئَة
خُذ الْمُر الَّذِي عَمَّ اللقاء مِنْ فَرْطِ السُكَّر
نَسْتَعِيْدُ الحُنْجَرَةَ / الْهَم
العنان الذي أطمَأَنَّ لفِكْرَةِ إطْلاقِهِ أَثْبَتَ حَمَاقَة
النُّضْجُ غَنَّى النَّار، أُقيمَ عَلَيْهِ الحَدّ.. حَدَّ خِطَاب
القِمَّةُ التي ألتَحَفَت الثَلجَ مَاتَتْ بِعُزْلَةِ بَدِيْهَة.. (هُنَا مَا يَسْتَحِقُّ السَّرْدَ قَدِيْمَاً)
مِن النِّهَايَة.. أنَا لا أُرِيْدُ قَبْراً..
وأُرِيْدُ آخر سُوْسَةٍ مَدْسُوسَةٍ فِي خَشَبِ الهَوَاءِ المُجنَّح الدَّعْوَةُ البُؤس الغَيْرُ فَائِض
وأنَا، أنَا.. مَهَمَّةُ الحَافِر
أصْلاً مَثْقُوبَةٌ مَرْصُوصَةٌ فِي شَكْلِ كَائِنَاتٍ بَشَرِيَّةٍ تصرُّ وتَضْحَك مُخَدَّرَةً وهَامِدَةً وتَتَقَزَّزُ
وفِيْمَا الغَدْ.. نُسْخَةٌ مِنِّي تَلْعَقُ الفَنَاءَ الرَّطِب
بَيْتٌ للبَذْرِ فِي تَفَتُّقِهِ
وأنَا أنا
والسِّيْنُ التي جَرَحَتْ عَرْبُونَنَا الثَّمِل
(الفُوتُوغْرَافْيَا التي حَبلت الصَّمْت وتَقَيَّأتهُ هِيَ مِقْيَاسُ فَصٍّ مِن شُرُودِي وأنَا أتَكَلَّمُ البَحْرَ الْمَيِّتَ بِكُلِّ حَيَوَاتِه)
فِي الطَّارئ الْمُسْتَفِيْض شُروحَاً.. الغربَال الذي أخْتَصَرَ النِّقَاش
حَرَائِقُ صَغِيْرَةٌ إسْمُهَا ثَوَانِي
وأقُوم إلى الجِّدَار
أدفعهُ بسَخَفِ غَزَالَة
أنْحَلُّ إلى خَفَافِيْشَ صَغِيْرَة
أصْحُو بِهَمْهَمَةِ ابطِي
أخْطُو الشَّخِيْر
قَدْرَ ما أسْتَطَاع.

2

[الأخدُودُ جَاحِظاً]

• الأمَانُ ـ حادي الرَّكْب ـ يَبْكِي فِي هَذَيَانِهِ
يَرْغِي ويَزْبُد في ملاءات الفَارِق
يَتَطَاوَلُ إلى البُخَار
يَفُكُّ رَقَبَتَهُ بِرَقَبَتِهِ.
[هَذا الكون مَرْحَلَةٌ فِي فَنِّ التَّنْقِيَة]
العَدَمُ سُخْرِيَّةُ الوجود لأنه مِنْهُ يُغتَصَب
[زَهْدٌ جَلِيْل]
الكَم: الطُّرُق الْمَدْسُوسَةُ لتَنْتَعِلَ الشوَاء
الشواء نَوْعٌ مِن الحَكَّة
وأنَا أُحِبُّ الرِّضَا.

• غَابَاتٌ صَوْف.. تَغَمَّدهَا اللِّحَاءُ بِجِفْنِه
خَطٌّ سَمَاوِيٌّ يَضْحَك ( ـ..ـ....ـ.ـ.......ـــــــ) إلى غَايَتِهِ
تِلالٌ مَدْرُوسَةٌ فِيْهَا قُرَى مَدْسُوسَةٌ مُكَدَّسَةٌ بِكَائِنَاتٍ بَشَرِيَّةٍ غَضَّةٍ طُوْبِيَّةٍ هَجِيْن؛ يَعْلُوهَا لاقِطٌ هَوَائِيٌّ روائِيٌّ مَسْرُودٌ بِضَجَرِ القَمَرِ السُّمْرِ العَادَةِ الكَثِيْر
مَطَارَاتٌ حَقِيْقَة تَعْرُج فِي النَّقْص
فَضَاءٌ شَفِيْفٌ
سُفُورٌ سُفُور
شَيْخٌ نَاجِعٌ.. شَيْخٌ في البُكَاء.. شَيْخٌ عَصِيْدٌ مَجِيْد
حتَّى الوِشَايَةُ زِيْف
مُدَانٌ مُدَان
[مَنْ لَبِسَ عباءات الْمُرْتَدّ.. لَيْسَ الْمُرْتَدّ]
ما القُشُور؟..
أريدُهَا
أرِيْدُها
الخطر: قِيْمَة.
أؤمن: تَطْمَئنْ.
الآن، خَطَّانِ فِي الأُفُق.. يَلْتَحِمَانِ حَدَّ البُكَاء، (لَمَعَان)
أذعَنَ القِطُّ الشَّرِيْد
الإبْتِسَامُ: سَرِيْرةً مَرِيْضَة.
وبَاطِنُ القَدَمِ الختَّان يُمطرِ الظَّمَأ عَلى قَلْبِيَ الإسفنْج.

• مَاشِّي
مَمْشَى مُشَتَّتٌ.. أيْضاً أُخْرَى.. كَزِئْبَق.. يُحِسُّ نَفْسَهُ نَفْسَهُ.. نَفْسُهُ تُحِسُّه.. كَخَارِج.. يَنْظُر ويَرَى.. (قَدْ يَنْظُر ولا يَرَى).. يَحْرُثُ الضُّوء.. الضُّوء يَحْرُثُه.. عَمَى.. أو وَقْفَتَان مُتَبَاعِدَتَان فِي سِلْسِلَةِ الوَاجِبَات.. الوَاجِبَات كِيْبُوردٌ عَالِق.. مُعَلَّقٌ فِي خِصْرِ مِفْتَاحٍ أكْبَر يَدُبُّ، يَتَثَاقَلُ عَلَى حَائِطِ رَكِيْزَتَاه مِن أَمْزِجَةٍ مَخْفُوقَةٍ.. رَدَاءَةُ تَعلُّق الشَّخْصِيَّاتِ فِي مُخَيِّلَةِ السَّفَر.. السَّفَرُ طِفْلٌ يَمْسَحُ بِطَرَفِ البيجَامَةِ مَا يَعْلَقُ بالأنْف.

ـ السَّيْرُ عَلَى خُطَى نَسِيَهَا شَتَاتُ الوَقْتِ الَّذِي مَرَّ
خَلْفٌ صَحَفِيٌّ والسَّمَاوَاتُ تُنبئُ الْمَكَانَ مَا يَجْرِي عَلى غَفْلَةٍ مِن الأمتَار
هَذَا سَمَاحٌ أمْلَس بِلَكْنَةِ الحَنَان الْمُعْتَاد:
سَلِيْلُنَا.. لَكِنَّهُ طُرِد..
ولَيْلٌ مُشَاعٌ بَيْنَ الصِّحَاب وقَفْرُ النَّدَى وزَحْفُ صُرَاخ
جُنَّ من سُؤَال
"تَصَوَّر"

• الحَالَةُ ثَبَات،
أدْخِل البَرَاهِيْنَ فِي غِوَايَةِ التَّدْوِين الدَّائِرةُ الفَاجِرَة
فِي سُؤددِ الفِكْرَةِ على شَكْلِ سُلْطَان
فِي الْمُوسِيْقَى الْمَلَل، الرَّقْصُ التَّأجِيْل والبُرْوَاز النُّفُور
والْمَاءُ بيِّن
نُمَجِّدُ الجُغْرَافيَا الَّتِي أنْبَتَتْ زَغَباً نَاعِمَاً حَوْلَ الثُّقبِ الأَسْوَدِ، هَكَذا تُبَرَّرُ الْمُحَاوَلَة
التَّجَاذُبُ أنْدَغَمَ مَع مَاهِيَّة الضدَّيْن: أنتحر الحِيَادُ الأول للمَفْهُوم.
الجَدِيْد قَدِيْمٌ مَا دُمْنَا نَتَكَلَّمُ عَنْهُ
العَمَلِيَّةُ الَّتِي أفرَزَتْنِي: أمْنَحِ الشَّحَاذ صَفْعَتَكَ كَي يَتَمَجَّد
خُيُوطٌ نَاعِمَةٌ تَنْسَلُّ بَيْنَ الظِّفر واللَّحْم
"قد" تَضْحَكُ مِن الجُرْحِ الحَرِيْف: مَعْنَى التَّحَامُل عَلَى الإكتِمَال.
العَدَمُ كَامِلاً يَزْحَفُ
ونَعبَث
وبَعد؟
لا نُبالي.
"أينَ سؤالي؟".

• الأورِدَةُ مُتَضَخِّمَةٌ فِي لَحْمِهَا
خُذ الرُتْبَة
(رَسُولُ العَدَمِ تَزَوَّجَ السِّيْرَة.. وُلِدَ الفُضُول... شَمِّتهُ الآن)
كَانَ الأَلَمُ قَيْدَ بَوْحِ الْمَكَان بِمَا رَأَى
الغَدُ مُنْتَفِخَاً عَن فَحْوَى لُحَيْمَاتِ الهَوَاء
الأخْرَقُ يُعَبِّئ الجثَّةَ بِمَا قَدْ يُضِيء الطَّرِيْقَ إلى الأَبْيَض
الخَفَقَانُ فِي جُرَابِ العَمْيَان الغِر الْمَاخُور البَلِيْغ فِي البَلَل
[الضِّلْعُ الأَخِيْر لَدِن.. لا يَصْلُح.. والصُلحُ خَيْرٌ مَنْحُوس]
ـ هَذِه حَيَاتِي.. أفْسِدُهَا كَمَا يَحْلُو لِي.. يَخُصُّكَ فِي شَيء؟
ـ لا
ـ أسْكُت إذن.
أكتبني: أُغتِيلَ الحُدُوث بِطُولِ بَقَاءِه
هَاتِ النَّعَامَة: الضُّوءُ عَرَضٌ لا أحِبُّه ولا يُحِبُّنِي
تَقُوم: النَّومُ خِدْعَةٌ يَرْتَكِبُهَا الصَّحْو ويَهْرُب
نَكْتُمُ الأَنْفَاس: يَكْتَشِفُونَنَا
هَا أرْقُصُوا
(كُلَّكُم تُحِبُّونَ الفَضِيْحَة)

1 طلاءٌ لكَي يُدْهَنَ القَلَقُ بطَاجِنٍ من الأسْفَلت الْمُحَلَّى بالْمَغِيْب
2 تَرَسَانَةٌ مِن سُؤَالٍ زَائِفٍ عَلَى مُسْتَوَى القَدَمْ.. قَدَمٌ مُحَنَّكٌ فِي القَرْعَة
آنَ أنْ تَمْتَصَّهُ هُوَ أيْضَاً
قَالَ: أنَافِيْكَ مُنْذُ الغَد
العَدَمُ الأقْرَعُ كَامِلاً
يَسْتَطِيْبُ لَهُ الْمَشْيُ فِي الْمَمَرَّات التَّحْتِ-سِرِّية
الصُدْفَةُ الْمُتَعَفِّنَةُ، مُخِّيَ جَدِيد
الأصْلُ في التَّارِيخ الخدع
والسِّيْرَةُ بِنْتُ حَرَام، عَلامَةٌ مُقَامَةٌ عَلَى سَطْحِ الجَّسَد الْمُنْجَزِ الزَّائِف
أقُولُ هَذَا لأنَّهُ يَفْتَرِضُ بِهِ الْمَلْمَس
ولكنَّ سِرْبَاً مِن الحَمَائِمِ ظَلَّلَ التَّشْوِيش
والآن...
إجْلسْ.

• بالطَبْع لَهُ يَاقَة.. يَاقَةٌ مِن القُطْنِ الْمَحْلُوج - ما اكْتَمَل، لأنه يُحِبُّ الْمَرَاحِل
ـ هَذَا وَاضِح
ـ لا لا.. سَرَابٌ واضِح
ـ (النَّظَرَاتُ جَلِيْدٌ يا أُمِّي.)

• الْمُثَلَّث.. الْمُثَلَّث مِن أَوَّلِ السَّطْر يُضَلِّلُ البُرْهَان.. يَتَقَرْفَصُ فِي الذِّقْن الْمُذعِن.. وَهُوَ شَفْرَة.. الْمُثَلَّثُ مُنْتَحِرٌ قَدِيْمٌ مِن قَاعِدَتِهِ أعْلاَه.. تَرَى الوَتَرَ مَنْصُوبٌ إلى الوَاقِف خِلْسَةً تَحْتَ الْمَطَر.. السَّاقَانِ إلى أنَا، صَاعِقَتَانِ شَقِيْقَتَانِ مِن جَدٍّ بَعِيْد.. العَمُودُ النَّازِلُ مِن الرَّأْسِ الْمُطَأطِئ عَالِيَاً إلى القَاعِدَةِ الهَابِطَةِ الطَّائِرَةِ النَّفاثَةِ بإنْتِفَاخِ صَدِيْدِ الجُرْح فِي الْمَسْقَط
الْمَسْقَطُ إبتِسَامَةُ شَفَقَة، والوَتَرُ مَجَرَّدُ لَحْظَةِ إنْكِسَارٍ أمَامَ الْمُتَطَفِّلِ ذَاتِهِ صَاحِبِ البَسْمَة الْمُثَلَّث.. الْمُثَلَّثُ.. الكَذِبُ أنيقاً.. الْمُثَلَّثُ مُرَبَّعٌ مُتَكَرِّرٌ إلا كَثِيْرَاً.. بَهْوٌ آخَر لَو كُنْتَ مَسْكُونَاً بذِكْرَيَاتٍ لَهَا رِيْحُ الوَتَر.. الوَتَر؟.. الوَتَرُ الذي نَتَحَ الأظَافِر، الحَوَاجِب، عِظَامَ الْمِعْصَم الصَّغِيْرَة، الأصدَاغ، الشخْصِيَّات، الْمَلْهَى.. الْمُثَلَّث: التَّفَاصِيْل، أصْدَاءُ الخِنْجَرِ الَّذِي نَحَر الْمَنْشُور ـ بِيتْهُوفِن الضُّوء.. الضُّوء عَجِيْنٌ فَاتِرٌ والقَطْعُ زَمَانٌ مَكَانِيُّ الإشَارَة.. الإشَارَةْ أنْ تَعْرِفَ أنَّكَ خَائِف.. أنَا أيْضَاً خَائِفَة أنْ أقَع أقَع أقَع في الوَقْعِ الوَاقِعِ، أَقَعُ مِنْ قَبْلِ الوَاقِعَةِ الَّتِي سَتُقِيْمُ الخَوْفَ مِن مَخْدَعَ الهَذَيَانِ إلى الزَّوَايَا.. الزَّوَايَا مَجْمُوعهَا 180، تَمَاماً كَسَبِيْبَةٍ تُفرَدُ أَمَامَ القَطْعِ، ضِدَّ البَلْعِ.. وتَتَقَصَّف.

• قَالَتْ لِي اللُّوزَاتُ مَا يَحُقُّ للمُتَبَاطِئ سَيءُ النِيَّة الْمَدْعُو العَدَم هُو الإمْتِصَاص فَقَط
مَاعَدَاهُ بُقَعٌ
بقعٌ تَقَع.
N.B "سَأقَعْ"
أو أن تَرفَع الغاز إلى الْمنضَدَة
سَاخِناً كلَحْظَة
اللَّحظةُ سَايفُونٌ مُعَطَّل.

ـ أرَى مَقْتَلاً طَبِيْباً يَدُقُّ الشيء الذي من ملاريا بِمَسَامِير الذِّهن اللزجة إلى شَقٍّ في الجدار الشقُّ خجولٌ يُهرِّبَ المُلاحِظُ والملحوظ والملاحَظَة إلى هَامِشِ التَّضخيم
وصولٌ جَديد
"أينَ ترَكْتُ وَجهي ؟"
ـ جوَّالاتٌ مِن الحمَّى تَكْسُو الدرويش
قلتُ:
هناك في قبري، فنُّ النَّحت.
ضَحِكَ:
إن في الضَّجِيج خَيْرٌ كَثِير.

3

الجُّرحُ الْمُوغِلُ في خَبَايَاهُ، لَيْسَ إلا الدَّفْن
مَمْلَكَةُ النُّفُوذ
والسَّائِرُونَ عَلَى لِسَانِ هَيْكَلِهِ هُوَ التَّابُوت
مِن زَعَانِفِ اليَرْمُوكِ العَقْلِيِّ: مُخَيْخ ولَيْسَ بالضَّرُورَة إتِّزَان
ـ بُورْتَريْه لألْهُو طَهْواً: جَنَّةً من نَارـ
(أرَى الحُزنَ فِي تِكْرَارِهِ للصَّمْت
والفَأْرَةُ التي تَلْعَقُ ضَرُورَاتِهِ المُسنَنَّة، تَلْعَقُهَا بإخْلاَصٍ.. تَسْتَشِيْطُ نُوْرَاً من النَّافُورَة الدَّمَوِيَّة الأرْمَلَة فِي الحَدِيْثِ عَلَى مَهْلٍ مَع شَخْصٍ مُرْتَجَلٍ ـ كالنَّعْي ـ مَثَلاً)

عَنَاكِب نَحِيْلَةٌ تَرْفُلُ في ثَوْبِ الصِّدْغِ حَيْثُ حُشِرَ جَدُّ الأزميل ليَعِيْشَ فِي الْمُجَرَّدَات
زِدنا عَلى التَّنْكِيْل رِسَالَةً
تَرْبحُ الصُّدفَة
قُرْحَةٌ صَغِيْرَةٌ عَلَى سَطْحِ كُلِّ فُرْصَةٍ، ليمْتَطِيْها صَاحِبُ العَيْن الوَلاَّعَة
أُبحرٌ؟
شين شَمَال في اتِّجَاهِ الأَبْيَض الْمُلْتَحِي شَهَوَاتِهِ.

والآتُون؟
لَيْسَ بالفِتْنَةِ وَحْدَهَا يَحْيَا السُّؤَال
لَيْسَ النَسَب
من الصَّعْب
كلُّ القِبَلِ فِي وِجْهَتِي
مِنَ الصَّعب
السُّكُوت أيْضَاً
السُّكُوتُ عليَّ
عليَّ أنا
عليَّ هَذا
عليَّ هَذا الطَّرِيق
والمفتُونُون؟
وقتٌ يَانِعٌ يَتَقَشَّرُ في نَظَرِي
وما نَظَرِي؟
خُذ مثلاً: في ليالٍ كَثِيْرَة، كانَت فيينَّا الجَّمِيْلَة تَصْرُخُ.. يَنْتِفُهَا وَهْمِي
(أنْ تُحِبَّ ذَاكِرَتك بِمِلقَاط)
السَّاقِيَةُ التي تَدُورُ فِي مِفْرَقِ شَعْرِي.. تَفَاوُتُ النَّوَايا الخَبِيْثَة
(هل ثَمَّة مِفْرَق؟.. هل ثمة شَعْرِي؟)
تَعِبْتُ من مُلامَسَةِ جَسَدِي لِجَسَدِي: شُهْرَتهُ.
وها
قُبلةٌ تَشُقُّ الْمَقَابِر
ولادَةُ سَيْفٍ من رَحِمٍ مُهْتَرِيء ـ السَّيْفُ يَخْرُجُ مِن جِهَةِ النَّصْل.. ويَخْتَرِقُ، أنا أيضاً أسْتَقْبِلهُ مِن هناك.. ظُلْمٌ مُظْلِم مُتَّسقٌ.. إنْخِفَاضٌ مُتْرَعٌ بِفِكْرَةِ أنَّه يَكَادُ يَصِل.. أنا عَلى بُعْدِ سنتميترٍ واحِدٍ مِن السَّطْحِ وأخْتَنِق:
سَارِيَةُ العَلَمِ مَرْفُوعَةٌ مِن تَلٍّ لَحْمِيٍّ
صَرَخْتُ ملء قَدَمَيْه، إنَّكَ تَجْلِسُ على نَفْسِك
وهذا هو
ثُم جَاثمٌ حَدَّ الغِيَاب
ثُم الْمَسَافَاتُ المقطوعة / الْمَنْهُوبة
ثمَّ يَمْضِي بِي السؤال إلى كَانَ وذَاكِرَاتُهَا العُنْوَة، وجعلنا السُّقُوفَ مَوانئ
أُرقصْ عارياً
كلا
أفيون.
أو لو كُنتَ العَدَم (نَقِيْضَهُ) يَكفي أن تحتقر لتنام
وذَاتَ اليَد وذات الرِّئة وذاتَ اللَّحْد وأُحِبْ وكُل الـ(قُل) والخَرَف ويَصِيْحُ ونِيَاق ونُفُور
والمطلوب: جَوَارِب النَّمْلَةِ الوَحِيْدَة التي لا تَفْهَمُنِي كي تَفْهمني لأتركَهَا

• شَعْبٌ من الكوليرا يَمْشِي إلى الْمَصَبِّ الخَطَأ ـ كلها خطأ، كلها تَجُوز ـ
لذا أقول:
تَصْفِيَةُ حِسَابٍ قَدِيْمٍ جَدِيْد مُضطر
جنَازَةٌ صَوْتِيَّةٌ ـ جنازةٌ يا صِغَارِي الأنَامِل
الجنازة تغفلُ عَن عُرْيِهَا كَهِبَةٍ إلى الزَّفة
المُعَزُون يَنْتَفِضُونَ بالصَّدْمَة من إسمهم في عَيْنَيَّ مُجَرَّداً
المعزون في أسْفَلي:
(قديماً كان اتِّفَاقاً وأقسَى:
القَانِطُ مِن حُمَّى سامَّة يَتْرُكُ للشَّفَتَان بَقْشِيْش النُّطْق
وسَاهِمٌ
عَرَضَ على شَتْلاَتِهِ اللَّيْمُون
وقَانِعٌ
مَسَحَت بفائِضِ طَمْثِهَا ذَنْبَ السَّرِيْر
وتَسَتَّرَت
الدَّائِنُون تَمَلْمَلُوا مِنِّي ومن أني أسِيْرُ إلى الوَرَاء ولا أضْحَك
عَبث قُنوط من سَجَدُوا دُهُوراً
لَمْ يَتْرُكوا غَيْرَهُم، والوجود الخَانِق الْمِلْحَاح:
آآآآ عدم،، سَأَشْترِي مِنْكَ مُظْلِمَتِي وصِيْغَتها وحجّتها ولأنني لَمْ أَصِل الحَوَاف.. أَكْمِلْ تمنُّعَك.. أنا في الشوَاء.

• سَوْفَ وخَوْفتها
وسُورٌ مُعْتَلٌّ يَنْتَفِضُ عَلَى شِدَّتِهِ يَلْتَفُّ عَلَى سَاتَانٍ أَحْمَر مِن سُلاَلاَتٍ مَهْرُوسَةٍ ويَرْتَجِف يَمُوت، ويُوثَّق لَهُ
وفي نِيَّتِي:
الحَنْثُ بالشطَّين، عُوَاءُ السّوءة، اللون الضَّارِبُ فِي الرَّمْل ـ الوَهْمُ الدَّاكِن الـ لَنْ يَكْتَمِل، نَوْمَةٌ بِكَعْبِ خَنْدَق، العَجْرَفَةُ جَرَّاء القَهْوَة..
ويازَوَالِي القَرِيْب مِن رَنَّةِ العَارِ الوَحِيْد الذي لاحَقَهُ شِتَاؤُه: خُنتَ الجِّوار.

(نُفُوسٌ قَلِقَةٌ لا تَعْرِفُ التَّقْلِيد، تَشْرَعُ فِيه، تَسْخَرُ مِن نَفْسِهَا أو لَو أقْتنَعْنَا تَمَاماً وأسقطنا مَشَاعِر الحُبِّ اللَّزِجَةِ عَلَى كُلِّ فِعْلٍ ـ الْمَوَاسِيْر تَتَبَوَّلُ، والْمَسَامِيْر إخْتِبَاؤُهَا ـ الفَذْلَكَة وقَدْ تَكْتَفِي مِن النَّاس كُلها بِشَخْصٍ يَفْهَمُك أو لا يَفْهَمُك وقد تَكْتَفِي......)

ويَلاَّ
صَفْعَةٌ لِكُلِّ القَوَانِيْنِ الْمُتَدَلِّيَة.. الْمَنْطِقَتَيْن.. حَنَايَا الشَكّ.. والفَكُّ الأعْظَم
وما ذَنْبِي
أنَا
خِيَااانة
أخْلاَقِيَّات
كعَلاَمَاتِ التَّرْقِيْم المُقحَمَة
بَقَايَا أَنْفَاسِ قدّاس طَوَتْهُ استِجَابَةُ الشَّكْوَى فَغَنَّى سِوَاه
(ســــــوَاء)
لِمَاذا لا يُغَنِّي ها؟.. يَعْنِيْنِي جداً مَثَلاً أن يَنْضَب؟
ألغئ بِلِسَانِ العَيْن.. ولكنَّه كَارِهٌ قَبْلَ كُل شَيء
ـ الدودة التي تَتَقَلَّبُ عن وجع ـ
البَرْزَخُ الصَدِئ فِي قَلْبِي الْمُتَّسِخ
الجَّرِيْمَةُ الْمَرْسُومَةُ لِي فيَّ..
ماذا تَيَسَّر؟
القَصَاص
فِيمَ الشَّرح؟
الْمَظْهَرُ خلقة العُمْق وهو لَيْسَ باليَد
اليوميُّ ثَلاثة: واحد إثنان ثلاثة
والأوزان تَمَائِم: صَحِيْح خاطئ
ليتَ الحياة مَحْضُ دَقَائِق.

(وإن كُنتَ لا تَنْوِي عَلَى منٍّ لتَارُوت نَصَّبْنَاهُ مَقْصَلَةً لضيقِ الوَقْت في سِعَتِه
خُذ البَاقي جَلَسَ أم يَسْتَمْنِي الجُّغرافيا؟ العَدَمُ قارونٌ يُكدِّسُ شَوَاهِدَاً../ لَنْ يَنْتَمِي).

• الخارج على الأحجار في ملتها التمرين
بَرَامِيْلٌ مِن الصياد لن تَكْفِي لأصبُرَ واحِدَاً في شأنِ اللِّذَةِ وغَلَيَانِهَا، ـ أعني فُقدَانهَا الْمَشْهُور
وعلى السُّهول أن تَمْشِي إلى الْمَخْنُوقِيْن "حيُّ الصَّفِيْح الطَّائر" لتعرف أينَ وشِهَادَة الميلاد..
كُلُّ الشُّروق، كل الغروب.. خُدَّامٌ من زُجَاج.. انكَشَفَ التَّملق.

• فَانُوسٌ يَلْعَبُ الجِّسْرَ بَيْن حَصِيْلَتِيْن لا الطَّرْحُ يَنْفَعُهَا ولا التَّجْمِيْعُ ولا البَسْمَة
وحَذَار
الدَّمُ يَنْهَار
ولا رجلٌ ولا تُفَّاحتَان
أرتَكَب الطَّيْر نَظَّارَتَهُ وهمَدَ على مَرْدُود الأسئِلَة.
• النظرة مُنْتَخَبُ الشُّرُود
مُحَاوَلاَتٌ لِتَفْتِيتِ الصِّفْر وتَجَاوُزَهُ وبالعَكْس
(الكَبِيْرُ سَافَر في رائحاتِهِ فَعَلامَ الحلفان؟)
كُلُّ سَبَائِبِ شَعْرِي ألفُّهَا فِي بَكَرة.. البَكَرة أقمِرهَا.. الصَّلْعَةُ قَرْضٌ وأَسِيْر.. الْمَالَتْ حَدَّ (شِنُو) و(انْفَنَسَتْ) ثَمَالَة.

ـ ماذا يَسْتَفِيْدُ النَّاسُ مِن كَوْنِي مسوخ؟

***

عادل عبد الرحمن

  • من مواليد ود مدني، عام 1958.
  • درس بها كل المراحل حتى الثانوي العالي.
  • عضو بإتحاد الكتاب السودانيين.
  • عضو برابطة الجزيرة للآداب والفنون.
  • يقيم في الولايات المتحدة الأميركية بمدينة هيوستن تكساس، منذ العام 1995.
  • نشرت جل أعماله بموقع: سودانيز أون لاين ، تحرير الشاعر أسامة الخواض.

صدر له:

  • سودان ناو، شعر، ترجمه إلى الإنكليزية: أحمد عثمان عمر وأحمد الملك.

كيف الحال أيها العالم ؟

بقبضتي أمسكني من قفايْ
أقذفني بعيدا عن الكرة الأرضية
ولا أهوي.

آمنت بالماء ِ
بالندى
بالرطوبة فوق الجدار، بالبرك، بالينابيع، بالمستنقعات الزنخة، بالسحاب، بالنبات الصحراويِّ ذي الوريقات الكثيفة، بالأنهار، بالبلل في الجسد المستحم، بالمحيط، بالعرق فوق الجباه النزيهة، بالبحر، بالبئر، باللعاب، وبالثلج القطبي ْ
آمنت بالماء ـ إذ حككت ُ عطشي.

رأيت التعب َ
توقف القلب فجأة، حوادث المرور السريعة والنصل الخائن، إنزلاق الجسد من سلم رصاص الحاكم المتكبر، العقارب والثعابين، الشيخوخة، صواعق الرعد، الحماقة البشرية حمم البراكين، الحروب، السقوف المتآكلة، غضبة الأرض إذ تهتز، إنفلات التكنولوجيا من يد الإنسان ْ
رأيتني مائتا لا محالة ـ ما دمت حيّا.

من أجل النساء أنشغلت بنفسي قليلا
من أجلكِ ـ أيّتها المرأة ُ ذات الطعجة ِ فوق الخدّ ـ
سأقف أمام العمر طوال الدهر.

هيّأتُ مساءً لنا /
بما يشبه العراك ـ بما يشبه تحدي جسدين ـ تبعثرت الأشياء نحو الزوايا ـ أنسحب صوت المذياع ـ بالطبيعة الفذة تنغرز الأصابع في اللحم بلا وجع ٍـ بالخبرة الآدمية يُهصر الجسد بلا شكيّة ـ باليد تُرى خبايا البدن ـ بنهنهة ٍ يُغطي الصخب الشارعيُّ ـ
يميد العالم تحت سرير
إنما فرحي هو من شُغلكِ / أيتها المرأةُ.

أكرّس لنفسي غابةً ـ بساتينَ من كرومٍ ـ حملانَ وأرانبَ بريةً ـ طيوراً وكائناتِ بحرٍـ قمحاً وفاصوليا ـ مقانقَ ولحومَ مقددّةٍ ـ أطباقاً من موائدِ ملوكٍ وسلاطينَ مولعين بالطعام/
ولا أشبع.

أنظر البسيطةَ
أسأل الجند من ربّكم
أقرأ للفقراء تاريخ العزة والجاه
أهمس للعبيد بما لا يودّ الأسياد
أوزّع التجارب على الشعوب
أفتل ساعدي
وبحكمةٍ بليغةٍ لا تحد ث الثورة.

كيف الحال أيتها العصور الغابرة ؟
كيف الحال يا سمندل ؟
كيف حال حرب النجوم يا أمريكا ؟
شكرا لكِ
مازال من شعب هيروشيما بقيةْ
كيف حالكنّ أيتها الأمهات ؟
هايْ ـ كيف حالك يا صديقي الذي.....؟
كيف حالكمْ يا جدي الفهد
يا عمتي الفراشة
يا أخي أيها السنجاب ؟
كيف حالكِ أيتها القمصانُ والشراباتُ
أيتها السفنُ
أيتها المراكبٌ ؟
كيف حالكمْ طبقةً ـ طبقةْ ؟
وشكرا جزيلا لك أيها العالمْ
فلقد أبقيتني حتى سمعت
ورأيت
وشممتْ.

بقبضتي أخمش الكرة الأرضية
أقذفها بعيدا في الفضاء
فتهو
و
و
وي
في القلبْ.

"ويك اند" لعاطل عن العمل

أنْ تعمل ثمانية ساعاتٍ في اليوم
عشرة
أو إثنتا عشرة ساعة
وأنت تهبط وتصعَد مثقلا ً بركائب الرمل
في منحدر حفرةٍ عمقها مائتا قدم
إنّها راحة ٌ للبال
راحة ُ البال ِالتي بتّ أبحثُ عنها.

ليس من أجل النقود
ليس من أجل حبيبتي التي لا اُحبّ ُ
أن تتعارك معي حين أحاول ثنيها عن شراء قصعتيْ "آيس كريم"
ـ في نهارات صيف "هيوستون" ـ
لأجل رشفتيْ "عَرَقْ".

ليس من أجل قميص الحرير ذاك
المعلّق في معرضه على بطاقة: (72$)
اليغازلني لو إرتديته تخمش "ماريسيلا" كتفي بأصابع كفّها
توخزهُ ذؤابة ُ روحي شاكّة ً نسيجه وهو لا ينفتقُ أو يتكسّرُ .

ليس من أجل إقتناء: DVD (Sade:Lovers Live)
مرّة ً أخرى
ـ بعد أنْ تخليّت عن نسختي لرفيق بكى عند سماعه ـ
ليس من أجل ترنيمة: (Immigrant)
أو تعويزة: (Jezebel)
بل ولا من أجل الدندنات كلّها: الإثنتين والعشرين.

ليس من أجل وعدٍ قطعته على نفسي
بردِّ جميل لصديق ٍ
أو لصديقة ٍ
لأخ ٍ
أو
لأخت.

بل لأجل ِ راحة البال
من أجل "ويك اند" أمرحُ فيه على هوايَ
بلا بحثٍ عن عمل
بلا رَهق
بلا إعمال ذهن من أجل كلماتٍ تسدّ رمق هذي القصيدة.

رباعيّات

كم كنّا
ننسجُ من جسدينا جلسة ً أليفة ً
متخاصرين نسيرُ
كي تسعنا الأمكنة.

كم كانت الكلماتُ
تعلق على شفاهنا طويلا
فقبل أن يسرقها الصمتُ
نلغفها بالقبلْ.

كم كان المستقبلُ
في إنتظار أن نأتي إليه ِ
لكنّنا في عجلةٍ مِن أمرنا خلّفناه على قارعة ِ العمر ِ
علّقنا على مشجبه الماضي
واتكأنا على حاضر ٍ ليس لنا.

***

محمد الصادق الحاج

  • من مواليد قرية مبروكة بجزيرة أم جر بالنيل الأبيض، عام 1976.
  • بدأ دراسة العلوم الإدارية بجامعة أم درمان الأهلية ولم يكملها.
  • عضو مؤسس مبادرة (برانا) الثقافية.
  • يعمل محرراً صحفياً.

صدر له:

  • جنائن الهندسة، شعر، 2007.

سُـرَّة

فوق ضحكاتٍ من الحديدِ، هَبَّ العنادُ يمشي، مَرِحَاً، يَهُشُّهُ مِعْصَمُهُ المَزْرُوعُ بالأساورِ والنُّقوش؛ خوذتُهُ المُرَيَّشَةُ بأدراجِ المكاتبِ وأدواتِ النِّجَارة؛ كلامُهُ ذو النُّدُوبِ المضمَّدةِ وربطاتِ العنقِ المحروسةِ ببوَّابين أثرياء؛ حلقةُ أُذُنِهِ الفضِّيَّةُ، كليمةُ الخشب ونديمةُ أخلاقِ الضَّباب؛ كارثتُهُ النبيلةُ التي تعبرُ ـ كلَّما أصابَها هدوءٌ وألَمَّ بها سلامٌ ـ خوذتَهُ إلى اسْمِها؛ مَشْيُهُ الفُرُوسِيُّ الذَّاهلُ نحو فكاهات العدم.
كان يسحبُ ـ ضافراً من الوُجُوهِ متاهتَهَ المشوبةَ بالآلهةِ المنتحرين يأساً وثُكَالِ عائلاتهم ـ كلَّ ما أسرفَ كاتبُهُ الخفيفُ في سَرْدِهِ عنه.
يا عِنَاد: أسهرْ على أشجاريَ المحمومات. أسهر على جِرَاحِ الفزَعِ المُحاربِ، واْمسحْ بكفِّكَ المباركةِ على شَعري. عَلِّمني أيها العنادُ يُتْمَ الأحذية، أيضاً؛ وعَلِّمني أُمُومَةَ الجُّثَّة. مُسَّنِي برشاقةِ التَّعْويلِ على ظِلِّك. بِلَيْلٍ صغيرٍ مُنْزَوٍ في وجهِكَ، طَمْئِنْ أُسْرَتَكَ السُّوقِيَّةَ على أغذيتِها وأيَّامِها، مُدَّها بِذخيرةِ ميراثِ الحنانِ والإغْضَاءاتِ المهذَّبة. وعليكَ ـ حين تَتَّسخُ خوذتُكَ بالإشراقاتِ الحمقاءِ وتتهدَّل منها كأعرافِ الدُّيوكِ ـ أنْ تفرح. تَحَاشَ الإنزلاقاتِ المريضةَ في غرامِ النَّفْسِ التي تُعَلِّمُ العصيان!.
العنادَ، صديقي، يا بطشَ أحلامي بعرباتِها المتوحِّشة، ويا غَدَ الحواسِّ الطِّفْل. كَمْ كراهيةً داخلَ حقيبتِك ؟. كَمْ حيواناً صَنَعْتَ لِحَصَاةِ الحبيبةِ المتدحرجةِ من تلالِ السُّرْعة ؟. السُّرْعةِ العاليةِ ذاتِ الشَّعْرِ الأشقرِ وغصونِ التَّتْويجِ القيصريَّة. السُّرْعةِ الممهورةِ بتواقيعِ المباني والسَّاعات. كَمْ يا عنادُ سَبَبَاً أعْجَمِيَّاً أهْرَقْتَ لِتَرْأَفَ بك آهةُ الجُّثَّة ؟. أنْتَ كَثِيبٌ وأقدامُك تلفزيوناتٌ مَطِيرة. كأنَّكَ كأسٌ، ولَكَ نملٌ حَيٌّ منحوتٌ على ساعدِكَ، يَهْجُو بصيرةَ المراوحِ وبصرَ الأبواب. كأنَّه ذَهَبٌ. مجنون. سَرَاطينُكَ الفضائيَّةُ تلهو بمقصلةٍ وحيدةٍ منصوبةٍ في الصحراءِ الأُولَى، يَسَارَ مَوْتِك. كالنُّمورِ المَطْلِيَّةِ بالعَدْلِ، المعطونةِ في عافيةِ الخرابِ وعُلَبِ الحلوى المغلَّفة، بَدَتْ لي فُكاهتُكْ. فَقُدْ غَزْوَتَكَ الكونيَّةَ ضِدَّ النَّخَّاسينَ المبارَكينَ والخاطباتِ المعدنيَّاتِ ذَوَاتِ الثَّدْيِ الواحدِ والدَّمِ الكفيف. مَطَايَاكَ سَرَاطِينٌ، دُرُوعُكَ مُحَّارٌ، سهامُكَ ريشٌ، وسيوفُكَ وَرَقُ المجلاتِ المصوَّرة. للأقفاصِ النباتيَّةِ الحَيَّةِ أنْ تَمُدَّ جُذُوعَهَا مِن داخل جسدِك. الذي ليس لها، هو، النُّمورَ الزرقاءَ المسكوبةَ فيها من الصنبورِ المعطوبِ المثبَّتِ على قلبِك. يا عنادي، دَعْ حسابَ الخساراتِ لغيرِكْ ولا تَعُدْ، فمسكنُكَ وطيدٌ داخلَ الغَزْوِ، والنهارُ الجريحُ المتخبِّطُ كاللِّسانِ من صُورَتِكَ المُبَرْوَزَةِ بالكواكبِ والخَجَل؛ يُطْلِقُ ماشيةَ الحلمِ المجنَّحةِ على مزارعِ الكولاك الفضائيِّينَ، ويُسَرِّحُ كتائبَ المِثْلِيِّينَ الجبابرةِ قُرْبَ سَديمٍ نحاسيٍّ مُسَوَّرٍ بالشَّوْكِ والعُطَاسِ اليابسِ محروسٍ بحكمةِ البحرِ إذْ يجلسُ أمامَ البوَّابةِ وقُبُّعتُهُ الشاسعةُ المصنوعةُ من سَعَفٍ جِنْسِيٍّ تهمسُ للكنوزِ طَيَّ دفاترِ تلاميذِ الإبتدائيةِ بحديثٍ ناعمٍ وتُوْمِئُ نحوَ البَوَّابِ الغَافِي تحتَها بإشاراتٍ فاحشة. صُورَتُكَ معلَّقةٌ على قماشِ الخيمةِ بجانبِ الأفكارِ والخرائط، أمَّا سَتْرَتُكَ العسكريَّةُ المُتَّسِخَةُ، فَشَأْنُهَا شأنُ الذي لا يُذْكَر. ضُبَّاطُكَ الجغرافيُّونَ الذين بعثتَهم لِجَلْبِ تُرْمُسِ الأبديَّةِ مِنْ مِصْرَ الأُسْرَةِ الرابعةِ عَشْر، لم يُحْضِروا لك سوى مَرَايِلَ جديدةً وسُفُنَاً فضائيَّةً معطَّلةً وفواكِهَ هرميَّةَ الهيأةِ لها رائحةُ البارودِ شَهِيَّةٌ وتكمنُ داخلَها بذورٌ ناطقة. الضَّابطُ الذي كانت معلوماتُهُ التاريخيَّةُ دقيقةً عادَ بِرِيشةِ حصانٍ في شَعْرِهِ وزهرةِ لوتس تَمُدُّ أقلامَهَا من تحت سروالِهِ الأبيضِ القصيرِ؛ وهذيانٍ متخشِّبٍ في فمِهِ؛ وعينين مذعورتينِ تَبِيْضَانِ الأثداءَ المعدنيَّةَ والأكوابَ المجنَّحةَ والتَّقاليدَ الفرعونيَّةَ الرَّاسخةَ في تبادلِ الأَسْرَى والأسلابِ مع مندوبي الضّوءِ والموسيقَى وسائرِ الأجناسِ الفضائيَّةِ الأُخرى. الضَّابطُ المؤمِنُ الوحيدُ في كتيبتِكَ الضَّالةِ، جاءَ مسروراً، بِخِفَّةٍ، رَفَعَ إليكَ التَّمَامَ الدُّخَانِيَّ، ورَكَضَ إلى طفلتِهِ الصغيرة:
"هَلْ جائعة ؟".
نَظَرَتْ إليه بعينينِ فارغتينِ، فَكَّ أزرارَ سَتْرَتِهِ العليا، أَخْرَجَ ثديَهُ المحتقنَ ثُمَّ ضَمَّ الصغيرةَ إلى صدرِهِ بأمومةٍ عميقة.
"لم أذُقْ أشهَى من لبن أبي، لم يُرْعِشْنِ جسدُ رجلٍ مثلما أرْعَشَتْنِيَ الرّضاعةُ من ثَدْيِ أبي".
الآخرونَ، أخذوا يتحدَّثون بمرحٍ مصقولٍ بِصَنْفَرَةِ الخشبِ عن كهنةٍ زُرْقِ الأجسادِ ذوي ذيولٍ وأجنحةٍ صغيرةٍ على جوانبِ راحاتِهِم.
فَاْسْمَعْ ياعناديَ السِّيَرَ كُلَّها؛ لكن إحذرْ أن تسقطَ في فخاخِ الرِّواية. لا تَحْكِ لمن لا يصونون الحكاية. الحكايةُ دائماً يا عنادي هي أنت. فَرَمِّمْ مناطيدَ الحنين، حريصاً على الحبالِ والندم؛ الندمِ الذي يذهبُ بِكُمَا في العُلُوِّ المُتَأوِّهِ من دَقَّاتِ معاولِكَ الذهبيَّةِ، عابراً الجِّبالَ والمنتزهاتِ والعَرَاقَة. أدواتُ نِجَارتِكَ مصنوعةٌ من نكهةٍ مجهولة. ظَنَنْتُهَا نكهةَ الإقامةِ المُرَّةِ، وهي ليست كذلك. ظَنَنْتُها نكهةَ الجَّذَلِ الأخرقِ بإقتدارِكَ على أن تكون أنْتَ؛ لا سِوَاكَ، وهي ليست كذلك. ظَنَنْتُها نكهةَ الحربِ البرزخيَّةِ المخلَّدةِ في أحشاءِ كُلِّ بِئْرٍ ماشِيَةٍ، وهي ليست كذلك. وهي ليست أيَّاً مِمَّا ظَنَنْت.
عالقاً حتى الإحتراقِ يا صديقي بدوالي مشيمةِ الفرديَّةِ الثمينة، كُنْتَ تَرْسُفُ في بَلاَيَاكَ الورديَّة، ومكتوفاً بكتَّانِ الدُّموع. ولكنِّي هنا، أَسْتَنْجِدُ بمعجزاتِ الدُّموع. أستنجدُ بفُحُولةِ الجَّمَادِ، والجَّمَادُ ما يخذل زوجته إلا مُكْرَها. أنا بَتُولُ الجَّمَادِ، أنا الواصلة، والشَّجَرُ الذي في الجَّسَدِ مُرْعِب. الحيوانُ الذي في الحَجَر. الطَّائرُ الذي في الكَبِد. الفَجْرُ الذي في البئر. اللَّحْمُ الذي في الموسيقَى. يالَلرُّعْب !!، ياللرعبِ يا عنادي. مَا مِنْ جَسَدٍ يَكُونُ حَيَّاً إلاَّ يكونُ بئراً حُرَّةً، بئراً ماشيةً، بئراً طائرةً، بئراً ساريةً في عاصفةِ النَّهْر. فَقُلْ للأقدامِ والأجنحة:
"أيُّها العالَم، يا زهرةَ الحياةِ، ويا قُبْلَةَ الضّوءِ الدَّافئةَ على خَدِّي. سأكتبُ لك أغنيةً بسيطةً مجنونةً، هي زَوْجَةُ سهولتِكْ؛ إمتلائكَ وتعقيدِكَ السَّامِي".
ثُمَّ اْصْمُتْ، حتى تُقَالُ لَكَ: "غنِّ !". واْفْرَحْ !. أبداً. أنت، يا صِنْوَ الدَّمِ. يا ضَجِيعَ الجراثيمِ النبيلة. يا صَنَمَ المعابدِ السوداءِ الصَّارخِ من شِيَاطِ الرُّوحِ العظيمةِ وهي ترقصُ داخِلَهُ، العَاوِي من سُهُولٍ خالدةٍ تَمُوْءُ في رهافَتِهِ. يا لَمِشْيَتِك !، يا لَهَا... العَدَمِيَّة !.
عنادي، أيُّها الجرحُ الوحيدُ داخلَ عافيةٍ موحشة. عينايَ شاحبتانِ مِن أرَقِ الخيولِ المتحجِّرِ فيهما. عينايَ مَجَرَّتانِ مفقودتانِ على ساحلِ الموتِ والجنون. وأنْتَ كَلِيمُ حُزْنِي وعبوري. أنت حزني !. فيا شارداً في براري بسالتك، أيُّها الذَّاهِلُ بإتقانٍ من تحديقِكَ الرَّمْلِيِّ في ممالك مسروقةٍ من جيوبِ السواحلِ والأُمنية؛ الصحاري الساكنةُ في أقدامِكَ تَلُفُّ عمائمَها الزرقاءَ وتخطو عليك مختبِرةً بِعِصِيِّها النورانيَّةِ مواضعَ الحنينِ في جسدك القاحل. أنت أيُّها الصَّبِيُّ العابرُ، يا قرصانَ الهجرةِ والمغامراتِ المرتجلة، في عيونِكَ الغاباتُ كُلّها، وشَعْرُكَ يَنُثُّ المرارةَ والجنونَ وأحذيةَ الموتِ البالية، متى تنام ؟.

في مسارحَ بحريةٍ، مفتونةٍ بالأسى وأعوادِ الثقابِ المحترقةِ وبصاقِ التبغ، أطْرَتِ المتاجرُ المهدَّمةُ على جمال أبوابها، وأخجلَت خوذتي بالمديح. فَانْتَهِرْها أيُّها العناد:
"كُوني ليسَ غيرَ الشَّجر".
لأنَّها الشَّجَرَ، ما كَانَتْهُ، وما هي كَانَتْكَ لغايةِ الساعةِ إذ أنتظركما لكي تقتلاني !.
في إختباراتٍ يسيرةٍ للحنينِ، كان هذا رحيلاً مطهُوَّاً بحذقِ البناتِ، ومفتولاً على شاكلةِ ذهبٍ وحيدٍ وحزينٍ يتبخَّرُ في أشواقي ويختتمُ السَّعَادَاتِ بضربةِ مِنْجَلٍ على سَاقِ المَلِكَة. كُنَّا هناك، في مراحيضَ ضوئيَّةٍ، نبدِّدُ الحماسَ ونُغْدِقُ الْحُزْنَ والهتافَ الأخرقَ على سيِّداتٍ يَعْبُرْنَ دونما اْهتمامٍ أمامَنا، يَعْبُرْنَنَا، يعبُرْنَ عطفَنا الإسْفِنْجِيَّ على مؤخِّراتٍ من زجاجٍ تزحفُ لاهثةً خلفَ كوتشينةِ الرُّوحِ المَدَنِيَّةِ التَّالفة؛ وخلفَ الرّوثِ المعدنيّ الجَّافِّ لطبولِ الأسواقِ المنثورةِ في الفضاءاتِ الصغيرةِ للنفْسِ كَفَزَّاعَاتٍ عاطلةٍ تَبِيْضُ تحتَها الحَلاَزِينُ السماويَّةُ آباراً خفيفةً متأثِّرةً بسوءِ التَّخزينِ والتغذية؛ ويضعُ عليها الغرابُ منظارَهُ الشمسيَّ وحنينَه الزَّاجل. كُنَّا بَحَّارةً مقهورينَ، يُضْرِمُهُمُ السُّعَارُ لاْمْرَأَةٍ في جسدِ أوَّلِ مرفأ فيَنْزَعون قبعاتٍ أسطورياتٍ، ينْزَعون الدبابيسَ التي من مَاءٍ المثبَّتةَ على أكتافهم وينْزَعون الـ...، ينْزَعون...، ينْزَعـ...، ينْـ...، آه... آه... آااااه...، بَصْقَةٌ عنيفةٌ كيف أكتبها !؟. ونداؤُكَ جارحٌ يا جسدي؛ جارحٌ حَدَّ يُدْمِينِي؛ حَدَّ لا أحدَ سِوَايَ في الغبار. وشُهَابٌ في الرُّوح، يَلْثَغُ بكلامِ الطفولةِ الهَيِّن. شهابٌ يصحو مدغدغاً بسأمٍ عيونَه، ويغادرُ فِرَاشَ الأبديةِ البارد. يا عنادي، شهابٌ في الرُّوح، لا يَرْأَفُ بالشَّجَرِ النائمِ في دمي، يركله بطيشٍ، فأنهضُ من غيبوبةِ العالمِ منحدراً على شاكلةِ يأسٍ إلى قاعِ كارثةٍ صبيَّةٍ يَجْرَحُ لبنُها الصّلبُ صدري فأفيضُ بالرَّمادِ والصَّرخةِ السريةِ والتعب. أنا يا عنادي وحيد، وأنا رُعَافُ الغيبوبةِ المتقطِّعُ الرَّاكضُ بخطواتٍ مسرورةٍ فوقَ عشبِ النسيانِ الطيِّب. أنا جدرانُ البحرِ الأنيقةُ الضائعةُ بعطرٍ ذهبيٍّ مزروعٍ في خواصرِها الرَّهيفة. أنا حكايتي عَنِّي؛ عنك أيُّها العناد؛ عن الأبواب؛ عن البئرِ الزمنيَّةِ الطليقةِ في المدنِ مثلَ إعصارِ من رِغَاب؛ عن سَتَرَاتِ ضُبَّاطِ الحربِ الأهليَّةِ في الصفحة (43) من كِتَابِ العالَم وعن بَيْضَتِنَا الصغيرةِ الآخذةِ تنمو كَعَيْنِ الكوْنِ الإسلاميَّةِ تحتَ رُكْنِ الجامع الكبير بالسوق العربي بالخرطوم. أرأيتَ إلى لسانِ المفارقةِ المشقوقِ كيفَ يلدغُ دونَ أن يشعُرَ بالأرضِ المسمومةِ التي أنكشفَت حتى سيِّدُ الظُّلُماتِ الخاطئة ؟. لااااااه...؛ لكنِّي مَلَلْتُ هذا ومَلَلْتُ هذا. ماااااااآه...؛ مَا مِنْ...؛ ما مِنْ أنا؛ ما مِنْ سِوَاي !. مِنْ جَسَد !.
بِجيتارِهِ الحجريِّ، كان أمْسُكَ يتجوَّلُ في الحقول، عازفاً شجراتٍ صامتةً لأصابعِ الحياةِ القرمزيَّة؛ أصابعِ الموت، وكان قميصُهُ المورَّدُ يُهَفْهِفُ مع الضّوءِ الصَّدِيقِ باعثاً بغمزاتِهِ الشهوانيَّةِ إلى أحلامِ موانئ فقيرةٍ تسيرُ فوقَ الغضب. فاْرْحَلْ أيُّها الطائر؛ أيُّها الجنديُّ الباكي؛ يا عَيْنَ الألواحِ على معارجِ أكتافيَ، يا رقيبَ الأبابيلِ الدَّائخة، إجمع شمسَكَ المهشَّمةَ من إنائي واْرحل. شمسُك لم تعد تضيءُ سوى خرابها، وشمسٌ لا تضيءُ خرابَ العالمِ، شمسٌ فاسدة. شمسُك القديمة؛ الضّوءُ المستعادُ من نُبُوَّتِهِ الآخذةِ؛ نُبوَّةِ الفُتُونِ إلى نُبوَّةِ الأغلال. لَمْلِمْها، لَمْلِمْكَ ولَمْلِمْـ...نِي؛ أنا زهرةُ الخرابِ الكُوشِيَّةِ وتمثالُ الطبيعةِ الأزليِّ المتفجِّرِ جلالاً مِن قُبْلَةٍ وحيدةٍ نَثَرَتْها عليه شفاهُ الظَّلامِ المتخبِّطةُ في قُرْمُزِ شُحُوبِها. وفي دمِكَ المهجورِ، وحيداً، وقفْتُ وسطَ الغاباتِ اليابساتِ؛ مُلَوِّحَاً بيدِي في عَرَائِكَ الخالدِ طارداً طيورَ الشهوةِ وبناتِ الحلمِ المجنَّحاتِ عن زرعِكَ الطاهر. خَلَوْتُ بالحياةِ؛ أزرعُها نَسْخاً في ترابِ نفوسي الشَّتَّى، أسقيها خميرتي فتَطْرَحُ كُلَّ نهارٍ بنتاً خضراءَ لنا وولداً أزرقَ للطَّيْر. يتخاصران أمامنا، تَبِيْضُ البنتُ شمساً ويَدْفُقُ الولدُ من خصيته شجراً تنام الشمسُ، يَنْدَسُّ الشجرُ فيها فَنُغْضِي حياءً. وعندما نصحو، تلهو أصابعُنا بالحصى وعيونُنا مسرورةً تعتني بأولادِ المياهِ وهُمْ يمرحون فوق دمِكَ المهجورِ وداخلَ غاباتك المتصخِّرات. كنتُ أضحكُ مِلْءَ يدي، وكنتَ تغنِّي مع أمسِكَ وهو يعزفُ بجيتارِهِ الحجريِّ مِلْءَ العالم. يا صديقي، كنتَ تصنَعُ غناءَ الجَّماداتِ الساكن. فماذا يقولُ البحَّارةُ السِّرِّيُّونَ في مَهَابِلِها ؟، ما غناءُ السَّجِيناتِ المدوَّراتِ في حَشَا وردتنا الغامضة ؟.
نغْسلُكً أيُّها القرصانُ الجميلُ من حراشفِ الحرقة. نغسلك من الكواكبِ النَّمَشِيَّةِ النابتةِ على عَانَتِكْ، نَمْحُوكَ فينا، نُكْمِلُكَ بأناشيدِ حصادِنا المرتجلة، نُكَلِّمُ فيك الوِلاَداتِ الحكيمةَ وطقوسَ الجِّنْسِ الباسلة، نُرْسلُ شعورَنا الزرقاءَ في سُهُولِ ثَدْيَيْكَ الصغيرين ونحطِّمُ لَبَنَنَا الكونيَّ على جسدك. فَاْلْعَبْ. سَدِّدْ كُرَاتِ الحنينِ نحو خصورِنا وبَوَّاباتِ سجوننا. إزرع كآباتِكَ واْرْقُصْ على حقولِنا الطائرةِ التي لن ترتويَ إلا من دفقاتِ دَلْوِكَ الحّيِّ. تَدَفَّقْ، ودَعْ رؤوسَ سُفُنِكَ تطيحُ بكُلِّ الحُرَّاسِ المُتَصَلِّبينَ على أبوابِ مدنِ الرُّوحِ. واْدْخُلْ؛ دُخُولَكَ وحدك يا نهرياً.
كَنَّاسٌ في أزِقَّةِ الفَجْرِ العَطِنة؛ التي من حوائطِها يُطِلُّ الفُطْرُ الذَّكِيُّ موسوماً بالخسارةِ والبِحَار؛ غَاصَّاً بنجماتٍ خجولاتٍ في سَتْرَتِهِ السوداء؛ مزهوَّاً بالفرحِ المَجْدُولِ من عنقه وعينيه. كان الكَنَّاسُ جميلاً، يُطْرِقُ نحو قمامتِهِ النبيلةِ في أسى: أرواحِ البناتِ والصبيان؛ أحزمةِ سراويلِ البحر؛ خوذاتِ الجنودِ الموتى؛ عيونِ الأسماكِ الصغيرة؛ أغطيةِ الأقلامِ الضائعة؛ أحزانِ القُدُورِ التي عَدِمَتْ ما يُطْهَى عليها؛ أعقابِ لفائفِ التبغِ التي ألْقَاهَا موتى عجولون؛ أناشيدِ عُمَّالِ الموانئِ وعظامِ الفجر النَّافِقِ وَسْطَ صحراءِ الأجسادِ الوفيرة. أخَذَت المكنسةُ الفضائيَّةُ تَهُشُّ الجَّميعَ بِرِفْقِ اليَدَيْنِ النحيلتينِ لِكَنَّاسِ أزِقَّةِ الفجر. وكُنْتَ يا عنادُ مشتولاً تحت أحداقِها؛ مسطولاً بأُسْرَةٍ صغيرةٍ من الحَنَاناتِ تقبعُ تحت قِطْرَانِ عنايتك، وكان أَسْرَاكَ يتهامسون بأمل. يداكَ يا عنادي ملطَّختانِ بأرواحِ المباني والآلهة. يداكَ محجوبتان عني بأشِعَّةٍ قادرة. فكيف أعرفك ؟. وكيف أعرف الكَنَّاس ؟. أنا شَمَّاسِيُّ المدينةِ الضائعةِ ورَبِيبُ الوحدةِ والهجرانِ والحنينِ والغربة. تُرْضِع عقاربُ الممرَّاتِ الباردةِ عافيتي، وتُسَجِّيني زنازينُ الحزنِ على حِجْرِها القاسي. فوق نحيبِ الأصدقاءِ الوعرِ مشيتُ بقسوةِ ليلٍ جريح، ركلتُ الدموعَ الرهيفةَ بمرارةٍ وقهر. كانت الدموعُ طُرُقَاتٍ، كان الماءُ زوجةً، كانت العاصفةُ وردتَنَا السوداء، أااااااااااهِ... وكان الجنونُ حرامَنَا. مشيتْ، عن كتفي تتدلَّى شهورٌ لاحقةٌ من مصيرِ بَحَّار، وأمام صدري ترقص قلادةُ الكارثة. منذورٌ للدمارِ وَحْدَه والجسدُ المدسوسُ فِيَّ ينادي. يدعو نمورَ الدَّمِ الحارَّةِ لوليمتِهِ المحترقة. يدعو نساءً مغروساتِ الأقدامِ في وحلِ الشمس. يدعو الأجنحةَ الكامنةَ في صندوقِ الرُّوحِ المفقود. يدعو...، ءااااه لا، لا يدعو أحداً، يدعو جسداً، يدعو الجسد. فيا ظِلَّي، أيُّها العناد. سُقْ كنَّاسَنا الكئيبَ إلى متاهةِ الحلمِ المضيئة. سُقْهُ بلا ساقٍ إلى مخاضةِ الدَّمْعِ الخشبيَّة. وسُقْهُ أيضاً بلا ساقٍ إلى خبَّازِ الأبديَّةِ الأخرقِ لو يَسْكَرْ برغيفٍ من تقوى. فكنَّاسُنا، يسوق كذا، بقايا الآخرين إلى مَظَانّ لا يختارها سِوَاه، ثُمَّ تناوَلْ مكنستَك الفضائيةَ يا عنادُ، وقُدْ مَن أنْتَ تنام داخل أحداقِهاِ إلى سُعَارِ الموهوبين في سرقةِ أدوارِ الحرقةِ والفشل، لكي ترتويَ وترى كيف حين يَلدَغُ اليأسُ يُضِيءُ الرؤوسَ الجميلةَ المغموسةَ في تَلٍّ من لدغاتِ الحُبِّ مثل إشارةِ المرورِ الحمراء. مجرمون، يتوِّجون جِرَارَ الأمنيةِ بصيحاتٍ معدنيةٍ ساخنة. يَحْجُلُون على حَوَافِّ آبارِ العنادِ المهرِّج. متفرِّجون هُمْ على مدارجِ سيرك الأبد، وباعةٌ جوَّالون يُغَطُّون قُدُورَ الإنسانيَّةِ الفارغةَ بأطباقِ الرحيلِ المصنوعةِ من سَعَفٍ ملوَّن. فَاْرْفَعْ عَصَاكَ النحاسيَّةَ على مِعْزَةٍ أزْهََرَتْ في جسدي، لتسير أمامك قارئةً وَسَامَةَ الفضاءِ وأشواكَ الحضيضِ النبيل، متصفِّحةً كرَّاساتٍ مهملةً في مخازنِ القبائلِ السماويَّةِ الضائعةِ، وتأمَّلْ غسيلَنَا الكونيَّ المنشورَ على حبالٍ خفيةٍ مفتولةٍ من حرقةٍ وضوء، تحسَّسْ آباطَ ملابسنا المعلَّقةِ، واْضْحَكْ؛ الضَّحِكَ الحتميَّ على المحُاَرِبِ مثلك.
فيا لإرْخَاءَةِ الجفنِ المرسومةِ في عينيها يا عناد. يا للشَّفَةِ المائيَّةِ المكتوبةِ تحت خصرها. ها هي تنفرج لك، فَاْدْخِلْ حلمتَك البهيَّةَ واْحْلِبْ في الشَّفََتَيْنِ لََبَنَكَ الحَيّ.
هذا عِطْرُهَا المعدنيُّ المنهوبُ من سواحلِ الفجرِ المهجورِ، يصفِّدُ بسلاسلِ اللُّغْزِ مدناً قديمةً وأخرى مستقبليةً ويَجُرُّها خلفَه كالبهائمِ إلى أسواقٍ موسميَّةٍ متفرِّقةٍ تُعْقَدُ كُلَّ دورةٍ قَمَرِيَّةٍ داخل بِئْرٍ مختلفةٍ على شرفِ الدمعةِ الكونيَّةِ الخالدة.
هذا إبطُها المُسْكِرُ الراحلُ في نباتاتِهِ الغريبةِ، يَطْرَحُ بَيْضَاً مُجَلَّداً بالنورِ ويطْلِقُهُ قذائفاً عُضْوِيَّةً حَيَّةً على أخيلةِ الطِّينِ تسقطُ ناشرةً بذوراً لا تُسمَّى.
هذا عواؤها الصَلَوَاتِيُّ عند سجودِ الجسدِ على الجسد، يطوف فوق الزمانِ كَنُوْنٍ إلهيةٍ تردِّدُ سَجْعَ الحياةِ الرهيبِ، ماحِيَاً كتابَ اللَّحْمِ صفحةً صفحة. كانت مبتلَّةَ الفخذين بمواءِ الكواكب.
وأنا راكضٌ بسرعةِ الجَّمَالِ وهو يلاحقُ الخوذاتِ، خَلْفَ جَعَارِينِ القلبِ البريئة؛ خلف ساعاتِ الرُّوحِ المشغولةِ بِرَتْقِ ثقوبِ الأبديَّة؛ خلف الطُّيُورِ الكَالْسِيُومِيَّةِ المجروحةِ في دِيْنِهَا؛ خلف كَلاَمَاتِ المرأةِ الوحيدةِ هنا. الرَّكْضُ قُرْبَ يَدِي يُضَفِّرُ غدائرَ الفجرِ الطويلة باكياً، ويُرْسِلُ شَعْرَ الشَّوْقِ الأخضرِ جارحاً مظلماً كالقُبْلَةِ في دغْلِ المغامرةِ الماسِيّ.
حين خبَّأتُ مطري بين شفتيها، تكلَّمَت السُّلالةُ مِن هناك. نَبَتَ اللُّؤلؤُ من أظافرِها حزيناً قالت لي:
"أحْ حْ حْ حْ. جَسَدُ الكَسَلِ لَزِجٌ، في عينيه ضُمُورُ أُنْثَى، ويداه المعروقتان تَغُطَّان في صَحْوٍ أزرق. كُنَّا نمارسُ الُحبَّ بأعضاء مرئية، كنتُ جوربَه القزحيَّ وخاتمَه المدهونَ بالحُبِّ الذي يَتَأَكْسَدُ كلّما طَفَحَ بِنْصَرَهُ بالعَرَق. كنتُ رشاقتَه وأجنحةَ الغلامِ حين البنتُ تخطر أمامه؛ لكنَّه مع ذلك، لم يكن سوى الكسل، مجرَّداً لغاية نفسه المنهارةِ خارج كتلة الوجود، ولم تكن فتوحاته القارِّيَّةُ في الجمادِ وأوْجُهِ الناسِ سوى نِصَابَ المعنى كاملاً حول مائدةِ العدم يفتقده سيَّافُ الأرضِ، يقوِّسُ أعضاءَ الأطفالِ والموتى بضحكته الضَّارَّة، يراه الساحرُ قُبَّةً سماويَّةً تتلألأُ في أعين المحاربين وهم يبكونَ سِرَّاً على أكتافِ مجاوراتهم بعضاً. أنا ـ يا مستغرقاً في العنادِ الذي لا مَعْنَى ـ سلالةٌ رجيمةٌ ومجروحة".
مَجَّت السَّلالةُ من لفافةِ نفسها حرقةً متوهِّجةً، إلتقطَتْ حقيبتَها الصغيرةَ في خفَّةٍ، وغادَرَتْ بَهْوِيَ الشاحبَ، تاركةً اسْمَهَا الأزرقَ يرقصُ بجذلٍ على المنضدةِ جنبَ القِنِّينَةِ الفارغةِ والمُحَّارَةِ الطافحةِ بأعقابِ البِرِنْجِي. تاركةً قرطاً ذهبيَّاً صغيراً يضحك في راحتي. تاركةً عواءَها معلَّقاً على الجدارِ قرب الباب، تاركةً حذاءَ المياهِ المُتْرَبَ على حافَّةِ السجَّادةِ تاركةً أحَدَاً دامياً يسكنني، تاااااااّ رَتَّتتتَّارت تا اّراااا. سِيْرِي. سِيري يا حبيبةُ فوق الريش. سِيري فوق رمايةِ الرُّوحِ على طرائدَ مُسْتَكِينةٍ في هجعةِ الصلاةِ على الأطفال. طَئِي بمجرَّتِكِ الجِّلْديَّةِ تلويحاتِ البحَّارةِ الضائعينَ في فُتُونِ اللاَّنهايةِ وعُرْيِ فتيانها واْقترِضِي يا سلالةُ الطائرَ الباكي من ساعتِهِ؛ من حزام سروالِهِ الجديد. إنْهَبِيهِ ذات غزوةٍ خاسرةٍ من أسلحةٍ لم تعد تحرسه. أحرسيه. أحرسيه. واْقطعي سُرَّتَهُ من مشيمةِ الإقامة ففي روحِهِ حشراتٌ يَنْهَبْنَ مِنْهُ الخزائن، وطَائرُهُ يسبَح في رمادٍ مُتَبَلِّرٍ من شهواتٍ وريش. المدخنةُ الذهبيَّةُ أعلى حلمه، تنادي ثَدْيَاً بأجنحةٍ عَبَرَ مِِن أمامِها مزروعاً بالمدارسِ والمنتزهاتِ والمراحيض. راحَتُهُ تَحْثُو يا عناداً من هبوبٍ خرقاءَ لؤلؤةَ الجنونِ المطحونةَ في آنيةٍ واقفةٍ كالجنودِ الباطلينَ على بوَّاباتِ المدينةِ الثَّيِّب. هو دوماً، كخادمِ المَلِكِ الوحيدةِ العجوزِ في الأرضِ الفارغة، يعجنُ قلقَهُ الأسمرَ بِكَفَّيْنِ مرتعدتين مُحَاذِراً أن يَطَأَ ثعابينَ الحنينِ النائمةَ تحت قدميه في مزرعةِ الصلاةِ المأهولةِ بأغطيةِ الكولا والدَّوابِّ الإلكترونيَّة وكائناتِ الكارتون الحَيَّةِ والنُّذُورِ الشَّعْبِيَّةِ العاريةِ المرفوعةِ إلى آباء مدلَّلين لا يَخْرُجُونَ من فَاشِرِهِم السابعِ الأعلى حتى لا يشير الأطفالُ الغَبْيَانِينَ إلى خُصَاهم المقطوعةِ وأعضائِهم الصغيرةِ الآمنةِ بين الأقواس. كان يتحسَّسُ شمسَ الدَّامَا الضائعةَ في سماءِ يَدِهِ بشفافيةٍ اْسْتَعَارَها من ضَجَرِهِ المكتوفِ إلى صخرةٍ صديقةٍ تعثَّرَت بها أقدامُه في الصَّبِيِّ الذي لا يموتُ مكتوباً على العالم يوماً بِيَوْمٍ حتى تخرُج البَيْضَةُ من عَيْنِهِ وتُبِيدُ بزرنيخ النظرةِ غَرْنُوقَ الأملِ القاحلِ ذي السِّدِيْرِيْ الملوَّنِ والقميصِ الأزرقِ والبشرةِ الزِّنْكِيَّة. اسْمه؛ اسْمُ مَن لا يَعْنِيهِ أن يفقدَ واحداً من أعلامِهِ المذَكَّرة، علاماته.
عَااااوْوْوْوْوْوْوْوْوْوْوْوْوَااااه. إرفعي العداوةً أُوْقِيَةً أُوْقِيَةً حتى لا تبدِّدي ميراثَ العالمِ الثمين؛ إرفعيها بِمَاشَّةٍ من وعورة الصوت، ضعيها برفقٍ فوق قمةِ حجرِ النارجيلة ثم دخِّني ما ذخَّرَ به الإنسانُ بندقيةَ التأريخِ الصَّدئة. أنا عَلَّمْتُكِ يا سلالةَ الريحِ كلامَ النوافذِ فعلِّميني أعيش. علِّميني كيف أمسِّدُ الكتابةَ بأناملك، كيف أستغرقُ في عواءِ الذَّاتِ دون أن أبكي.
داخلاً في دبيبِ أحلامِ النايلون البطيئة، بأقدامٍ يلوِّثها غائطُ الشمسِ؛ طَيْرُها وحريرُها وتتنقَّلُ بين شقوقها معسكراتُ لاجئي الشوقِ وكتائبُ المطرودين من جنائن "هُوْرْقِلْيَا" الثانية، دُلِّيني يا سلالةُ، ويا عنادُ دُلَّني. دُلاَّني على فحولةِ الجَّماد. فأنا، مشيراً بحاجبِي إلى حِلْبَةِ القلبِ وبلاستيكِهِ الخصيبِ، أرُشُّ الغرفَ على أعمدةٍ مهجورةٍ في الكواكبِ السريةِ النائمةِ شمالَ الندم. أقف، مثل مُنَجِّمٍ ملحدٍ، فوق القلاعِ المكشوفةِ وأقرأ العالمَ بحاسَّةِ المواد، راصداً زراعتيَ الكونيَّةَ، كيف نَمَتْ، مدناً آمنةً، ولفائفَ بِرِنْجِي، راصداً بذورَ الهباءِ المطحونةِ، كيف نَمَتْ، خبزاً مضيئاً، هدوءاً ، وملابسَ داخليةً ينتظرُ الأبدُ نضجَها ليقطفَها فَيَدْرَأَ بها عورته القديمة. أنْخَطِفُ ـ متأمِّلاً مائدةَ الحياةِ الأخيرةِ ـ لإِرْخَاءَاتٍ ملوَّنة في جفونِ النهار؛ لِحرائق صديقةٍ؛ لِدَوِيٍّ مُهَشَّمٍ يتساقطُ من سقوفِ الأملِ المتهالكة. أنخطفُ نحو سيراميك الهزيمةِ الشاحبِ المثبَّتِ على أرضيَّاتِ الغرفِ المنشورةِ في عراءِ الفقر مثل زهورِ الصديد، وسطَ الماشِيَةِ الضوئيةِ السائرةِ بحماسٍ صوب دومينو اللحمِ الأزرق، تَحُفُّها الصفحة (43) من كتابٍ ضبابيٍّ لا يُقْتَنَص، يتشرَّبه العالَمُ كرائحةِ الرغيفِ المتفحِّم، ويستنشِقه الحزنُ كلّ صباحٍ قبل أن تأتيه سيارةُ الترحيلِ الخاصّة، لتنقله مع الأطفالِ الآخرين إلى الروضة. أزيح بمللٍ الصباحَ المبلولَ عن واجهةِ السُّهادِ المزيَّنةِ بأطوارِ الحلمِ الهضميَّة. إنصاتي لأناشيدِ الحجارةِ العاشقةِ في الليل، إستراقُ سجينٍ السمعَ، عَلَّ صَبِيَّةً تَطْرُقُ بِخَبَبٍ سريعٍ فسيفساءَ الهولِ نحو شبابيكِ القلعةِ البعيدة. في كلامي لك، أيُّها العنادُ، عن ضُبَّاطٍ يَخُصُّونَكَ، عِظَةُ الحانق، وفي رمادي هذا كلّه بصاقُ المجروح. فطريقي طافحةٌ بفخاخٍ أعجميَّةٍ نَثَرْتُهَا آناءَ مرحٍ قديم، وكلّما أوغلتُ في خدعةِ العالَم، كانت نظرتي إلى سَلَّةِ الطرائدِ نظرةَ الخائب، وكلّما أزددتُ إمعاناً في نثرِ الفخاخ، ضحك الصيدُ من سذاجتي.
يَااااا، الأسى حَصِينٌ، فلا تَشِ للملِكات باسْمِهِ، ولا تَدَعْهُنّ يسرقْنَ خصلةً من شَعْره، ولْيَكُنِ اسم أُمِّهِ أحدَ الأسرار. وعرشُ المياهِ من أحذيةِ بَحَّارٍ قديمٍ، فاْحرسه من شتائمِ الموجِ خيفةَ تُدْمِيه.
يَااااا، هناك، مع الإضاءاتِ المُوَفَّقَةِ الهاطلةِ على السقوفِ من أسِرَّةٍ ملوَّنةٍ تُعَسْكِرُ في كُسُورِها أُشْنَاتُ الذاكرة، كان شِجارُ المضاجعاتِ وخرائطُها يَنْحَطَّانِ بِرِفْقٍ على الموائدِ المهجورةِ في منفى الكتابة؛ ويرشقان رهانَ الحِدْأَةِ الخاسرِ بغَزَلِ الصقورِ، فتصرخ مغتاظةً وتحطِّمُ الشوقَ على رُكْنِ الطّّيَرَانِ الحَادّ. رأيتُ السُّعَالَ الدافئَ في شفتيها صلاةً، وما برح إبطُها المظلمُ يرسلُ عطراً مضيئاً يَعْمُرُ غرفي في السديمِ بمجالٍ طاهرٍ من السُّكَّانِ ذوي الفُتُونِ الفاتكِ والتَّمَنُّع. رأيتُ من خصرها يتدلَّى رَحَطٌ رقيقٌ يرحلُ حين الزغاريدُ وليلُ الشَّمَاتةِ في هفهفةِ الروحِ الصامتةِ التي تركها الويلُ على أُهْبَةِ البُخَار؛ يتدلَّى ويعاتبً اللُّغَة.
يَااااا، لا تصهل بهذيانِ الجسورِ المعجبةِ بأعضائها التناسليةِ في سوقِ العصافير، أَبَنْ في شرحِ الغبارِ إن كنتَ العاشقَ الذي لا أحَد.
شأنُ الذي لا يحزنه أن يكون اللعنةَ؛ شأني. شأنُ الذي في قلبِهِ ماعزٌ؛ شأنُك يا عناد. فَاْسْمِعْنِي مقالتَكَ فيها، واْرسم خططَ الكلامِ على ألْوَاحِ السيليكون الشاهقةِ في عراءِ الأزليةِ الأول. أنا رأيتُها. حِينََذَاكَ، لَمَحْتُ طيوراً لا أكثرَ، تُعْوِلُ بحرقةٍ فوق شَعْرِ النسيانِ المدهونِ بالإقامةِ والصمت. حِينَذاكَ، هُرِعَتْ إلَيَّ المناضدُ وأجهزةُ التسجيلِ، حاملةً ذُهَانَ المسافةِ العُضْوِيّ، وقد ضَمَّتْ إلى آباطِها بحرصٍ مواءَ الحطبِ الوسيم. وهي رأتني. غَرُبَ الجدارُ في عينيها. كنتُ مسروراً بغيابها الصوفيِّ المترنِّحِ سكراناً تحت يَاقَةِ قلبي، وهَاذٍ في قطيعةِ الدَّمِ الكبيرة. اسْمُ الشَّرِّ كان يدي. اسْمُ الغيبوبةِ كان الخنجر. أمَّا السُّرَّةُ فقد كانت الإسْمَ الآخَرَ الذي ما بعده أنوارٌ تُوْلَد.
دَااوْوْوْدِي، لهذا الشَّرَك؛ منقوشٌ على زجاجِ القلب؛ وعلى لوحِ الطبيعةِ المفقود. دَااوْوْوْدِي، لِجُلُوسٍ من طينٍ يترجرجُ فوق عتمةِ ليلِ الجسد، ونهارُ الجسدِ كرَّاسةٌ مهملةٌ في معبدِ اليَدِ الطَّيْرِيَّة. دَااوْوْوْدِي، لِشَايِ الصباحِ البعيد. دَااوْوْوْ...، لا يا رقيبَ أبابيلي لم تصطدم درَّاجتُك البخاريَّةُ بالتأريخِ وحدَه. فالنعاسُ أيضاً ـ نعاسُك؛ نعاسُها؛ نعاسي ونعاسُ العالم ـ كان يقفُ أمامَ عينيها المفتوحتين حتى آخر الدخان. وكان كذلك في معصمِها المعرُوقِ الفضاءُ سواراً من كلامٍ أجَشّ، يرتخي على الملاءاتِ المشدودةِ من زواياها بمساميرَ مثبَّتةٍ في أبوابِ العدم.
فلماذا يا وريف الجسدِ، أيُّها العنادُ، كَسَرْتَ القارورةَ خلف طيفيَ العابر ؟. لماذا أرسلتَ فُخَّارَك العَدَّاءَ ليتعقَّبَ لعنتي ؟. ألا تعرف ؟. الأرضُ أُختي. المِقْدَارُ قَسَمِيَ الصَّادق و"هورقليا" في دمي؛ لكن الجسد جميل. أنا كاهنُ إسرائيل الغائب؛ سَيَّافٌ سِرِّيٌّ يتجوَّلُ في بساتينِ الخلودِ وأزقَّةِ الحلمِ الميتة. وهُنَا، في السُّرَّةِ البرونزيَّةِ المعقودةِ على لهاثِ الحضارة، ها هو المكانُ المتسلِّلُ يتعرَّف إلى أجسادِ الخطواتِ الساقطةِ تحت نُبَاحِ الآلةِ اللحميَّة، وها أنت يا جُنْدِيَّ المعارجِ وحدك؛ في المدينةِ الغريبة؛ داخل غرفتك الباردة، ترنو بفراغٍ إلى المصباحِ الزيتيِّ القديمِ وهو ينثرُ برتقالَهُ الشاحبَ على المخطوطاتِ المؤجَّلةِ والكتبِ وبقايا وَنَسَاتِ الأصدقاءِ اللاَّمرئيين. أنظر يا رقيب، إنها تحصي تعبَها فوق المنضدة: اسْمَها؛ حقيبتَها؛ قرطَها؛ الحذاء. ترسلُ خِفَّتَها في فضاءِ الغرفةِ المشغولِ بالكوابيسِ الخيليَّةِ وطيوفِ الحروباتِ القديمة. اسْمُهَا يحادثُك، لكنك تتغافل عنه متظاهراً بمناجاةِ أصدقائك الحبيبين في جبال "قاب قوسين" البعيدة؛ تناجيهم في مظهر ما تركوه بمنفضةِ السجائر من جنائز البِرِنْجِي؛ تتعرَّف إلى حزنِ ابتساماتهم في الأعقابِ التي أطفأوها؛ كُلّ واحدٍ بطريقةٍ مختلفةٍ تميَّزُه؛ هذا لـ"ربيع"، هذا لـ"محمد"، هذا لـ"ناجي" هذا لـ"نادر"، هذا لـ....، تنتبه ذاتَ غفلةٍ منك لِبُذُورِ البَنْغُو الصغيرةِ اللامعةِ المنثورةِ على المنضدة، واْسْمُها يُلِحُّ في اْلْتِقَاطِكَ من شرودك. وحدك، تبني ـ بِعَوْنِ مُخَاتَلاتِ عقلِ المقدارِ اليابسِ ـ حساباتِ رهانِ الحياةِ وتخسر، فتكتب نَصَّكَ الواضحَ في هجاءِ التراكمِ الغيبيِّ في الدُّنيا لمعلوماتِ الفردوسِ والجَّحيمِ، وأحدٌ دامٍ في عوائِكَ يسألُ الضُّبَّاطَ عن رطانةٍ صديقةٍ تعملُ بالمبنى، فيُنْكِرون معرفتَهم بها.
العواءُ يتسلَّقُ ماسورةَ التهويةِ العريقةِ ويهاجمُ السُّلالةَ من النافذةِ الزّجاجيَّة. تصرخ تصرخ. ينتبهُ الحُرَّاس؛ ثُمَّ يواصلون التدخينَ وأصغرُهم يقولُ بلا مبالاةٍ يَشُوبُها نزوعٌ دنيءٌ لتصنُّعِ الظُّرْف: "هذه اللَّعينة...، إستعمالْ خارجيْ...، مكتوبٌ على الديباجة نصحتُها عدَّةَ مرّاتٍ أن لا تعبثَ بقارورةِ العطرِ داخلَ كُسِّها". تصرخ، والسُّعَارُ يشعلك في مجالِ العنفِ الداكن. أنت معي، سَبَّابَتُكَ تقبض على بِنْصَرِي، راحتُكَ مطبَقةٌ على المتاجرِ الفقيرةِ والسَّماوات، ونَحْرُكَ المرعِبُ يخطر ذاهلاً نحو مباني تعوي داخلها السُّلالات الجائعة. نواقيس حيَّةٌ ترتادُ "طفولتَك" المفتوحةَ على جِرَاحِ العالم. أرأيتَ كيف أنوارُها مطفأةً؛ طفولتك ؟. وكيف لا أحدَ من الداخلِ يرُدُّ تحايا العابرينَ بأَِسْفَهَ منها سوى قطة متثائبة تفتح عينيها بإهمالٍ ثم تتساقط ثانيةً في الغفلة ؟. مَن ذا الذي رأى النَّواقيسَ وهي تَخُبُّ بالجِّياد المائيةِ عانةَ القلب ؟. مَن ذا الذي سمعَ حوذيَّها الغلامَ يَحْلُو ويُقْلِقُ الرُّوحَ برائحتِهِ الثائرةِ يستوقفُ السَّابِلَةَ الصامتينَ ويسألهم عن حانة اسْمُها "طفولتك"؟. مَن ذا الذي دَلَّهُ مَلُولاً على مبنىً يُنْكِرُ حُرَّاسُهُ المعرفةَ بالعاملين فيه ويرعبون السُّكَّان ؟. عَبَرَت الجيادُ البابَ المقدَّس أولاً، ثم قادتْها ممرَّاتٌ كسولةٌ إلى البهاء، ومَضَت بإخلاصٍِ في متاهةِ الطاعة. أمَّا العيونُ الحيوانيَّةُ المتدلِّيَة من سقفِ غرفتك بجوار العناكب، فنعاسُها كان يكتبُ اسْمَها، وكان الحنينُ يتقشَّر عن الجدار راكضاً بمرحٍ بين المقاعدِ والملابسِ الدَّاخليَّة المهملةِ تحت السريرِ الوحيدِ متحسِّساً الدَّمَ واللُّزوجةَ الصفراءَ التي لم تَجَفّ عن الفراش بعد. نشيجُهُ يطعنك. وجهُهُ رهيفٌ مُهْتَزٌّ حتى لَيَكادُ لا يَنْرَئِي. قرفصاؤُهُ على المسندة؛ قرفصاء الريح. وإطراقتُهُ مبلَّلةٌ بالأبواب:
"متى ذهَبَت؟".
"ها!، هي لم تأتِ أبداً".
حقدٌ كثيفٌ هذا الذي يهمسُ للعيونِ الحيوانيَّةِ بنفْسِهِ، فَيَنْسَمِعُ من شفاهِهَا الألْفِ، طنيناً مِن عالَمِ النُّوْنِ المسطورِ يحكي نبراتِ الحروفِ بآليَّةٍ حمقاءَ، كلاماً مضحكاً يدهنُ الحنينَ بالمَصَابِ وأشرطةِ الكاسيت الفارغة:
"لكنْ، عطرُها؛ طيوفُ أشيائها؛ اسْمُها؛ ونستها؛ كلّ هذا، أرَاهْ، وأراها لا زالت مِن شِدَّةِ وجودِها هنا عالقةً بالأبوابِ والسَّتائر، كيف...".
"ستائر؟، ههههههااا، ستائر!".
الحقدُ يَمُدُّ نفْسَهُ من حيوانِ العيونِ المعلَّقةِ في هزءٍ مرير، تدورُ القزحيَّةُ الحمراءُ نحوَك:
"أحَقَّاً قُلْتَ الستائر؟!، ههههااااها!".
بِدَلْوٍ من حزنِ العنكبوت، تَحْثُو بصرَك وتُفْرِغُه على الجدرانِ شِبْه العارية، مُنْعِمَاً على صورةِ "جانيت جاكسون" وملصقِ الكولا بإيماءةٍ فارغةٍ، فيما هما يتبادلان ألوانَ خيوطِ التريكو ويغزلان للغرفةِ عباءةً خجولةً من لوعةٍ وحرج.
مِثْلَ قلبٍ من عاجٍ، منسيٍّ داخلَ الجِّرَارِ البعيدةِ لِقَلَقِ العالَم؛ مثل مطاردةٍ لحوحةٍ شرسةٍ بين وردةٍ طَلَعَتْ من حزنِ المقعدِ وفكرةٍ بالكادِ تَتَعَيَّنُ فوق المنضدة؛ مثل السَّرِقاتِ كنتَ يا الجنديُّ الرَّقيبُ مُؤَنَّثَ المياه. تركضُ في المداراتِ الأليفةِ، طالباً ثأرَ النايلون. كنتَ تخلعُ آلَتَكَ التناسليَّةَ المزدوجةَ وتعلِّقها بهدوءٍ على المشجبِ الصَّارخِ فزعاً، تَرْتَقِدُ الرَّائحةَ المُقْلِقَةَ الرُّوحَ؛ روحَكَ، تبكي أنْتَ تحت المَسَاقِ، تضاجع في خوفٍ صوراً بشريَّةً ممعنةً في الجَّمَالِ، حتى يدعوك الفضاءُ إلى المنضدة. ترقصان مليَّاً فوق مَخَاضَةِ الأرقامِ العبيطةِ ثم تأتيكَ الطَّلْقَةُ المحكمةُ مِن يَدَيْنِ في الضَّبابِ لا تجيدان التسديد؛ الطلقةُ الحيَّةُ ذات القلبِ والمنظارِ الطِّبِّيِّ الأنيق. الطلقةُ تقتربُ من البوَّابةِ فيبتسم لها الضُّبَّاطُ ويسمحون لحيواناتٍ صغيرةٍ خرَجَت من أسلحتهم بتقبيلها، ويَنْحَنُونَ أمامَها ناثرين الضَّبابَ والمديحَ ونجومَ أكتافهم المذهَّبة. الطلقةُ تصعدُ المدرج بثقةِ بائعِ اللبن. الطلقةُ تعالجُ قفلَ البابِ بمهارةِ القاتل. الطلقةُ تدلف إلى غرفتك. الطلقةُ ترمقك والفضاءَ وأنتما تلعبان الدومينو فيما يدُكَ تهوي على المنضدةِ بقطعةِ التريس والبُلاطة. الطلقةُ تزيحُ الفضاءَ، مخترقةً سترتَه البيضاءَ عند موضعِ القلبِ، وتتَّخذ جلستَه. الطلقةُ ترفع عينيها نحوَك، فتهوي بالقطعِ كلّها، ولا يسمع الضبَّاطُ عويلَ الطيوف.
باردٌ خَطْمُ النهارِ، وهو يقترب من الجثثِ بحذرِ الضَّبَاب. في أظافرِهِ السُّودِ لوعةٌ من مُحَّارٍ وحرج. في ملابسِهِ المغسولةِ بِمَنِيِّ الثأرِ شيمةٌ من فضاءٍ غارب. لكنَّه النهارُ، وما الرِّهانُ حينئذٍ إلا على الخسارة.
ها هي تأتيكَ يا عنادُ مجعَّدةً ضحكاتُ الحديدِ. فهل أتَاكَ نحيبُ عَلَمٍ مُذَكَّرٍ سَئِمَهُ الجَّسد ؟. تحسَّسْ أيامك اليابسةَ في زهريَّات الذات، واْعْبُرْ صامتاً أمام مكتباتِ الأدواتِ المدرسيَّةِ وماكينات التصويرِ الرديئة. قَدِّمْ دروساً مجانيَّة في الهَيْنَمَةِ والهذيانِ لطلابِ الثانويَّات اليائسين.
مناديلَكَ الوعرةَ المفرودةَ في اللُّهاثِ واسْمِ العافية؛ حروفَ العاجِ المنقوشةَ على زواياها المظلمة؛ العطورَ التي خلَّفَتْها عطاساتُ النساءِ اللائي عَبَرْنَك؛ بصماتِ الأصابعِ التي لوَّحَت بها: عَلِّقْها على جدارِ الغرفةِ الفارغِ إلاَّ من شُبْهَة التسلية. لَمْلِمْ هزائمَك حذاءً تِلْوَ جناح واْمْحُ الضحكةَ الفاجعةَ الدَّامعةَ التي تتفصَّد من عينيك كالدَّم. أُرقص. أُرقص. أُرقص. إِسْقُفِ الرِّيحَ بأحلامِ الكارتيلات المدرسيَّة الخُصْيَوِيَّةِ البائسة، إسقفْها بالكوابيسِ المُتَعَيِّنَةِ عبر لِيْدُو سُلْطَانَاتِ العشبِ والغبار. أجَلْ؛ ولْتَرْقُصْ، إن كنتَ فاعلاً، خيفةَ يرطنُكَ المشهدُ القديمُ ثانيةً بلسانِ النَّاقةِ المرسِلةِ اسْمَها على شاكلةِ ذهبٍ طريحٍ إلى نملةٍ مرسومةٍ في القلب. إمَّا اْنْحَدَرَت إلى سهلِكَ قطعانُ الأكوابِ ومقابضِ الثَّلاَّجاتِ حاملةً ثُغَاءَها البُوْلِيسْتَر وفِرْيُونَها النَّبيلَ تريدُ مواساتَكَ بطريقتها الصَّاخبةِ الفاقعةِ ذاتها؟، فَعَلِّمْها عراقةَ الضّوء وأخلاقَ الضَّبَاب، ثم اْرفَعْ ـ مُدَّرِئاً بالبذاءاتِ البيضاءِ ـ مصابيحَ الـﭽـيْكْس البَهِيَّةَ فوق مراوحَ ظامئةٍ وأدراجٍ دامية.
عائداً، ومن عينيكَ لَمَّا يتقشَّر الأملُ بَعْدُ، تتلمَّس حَمُوْ الهزيمةِ المسرورةِ في إبطِ هذيانِكَ وفي مُمَاسَّاتِ الخُصَى والأفخاذِ، فَتَزْعَقُ أصابعُك من مَسَّةِ اللِّيْنِ والسُّهولةِ واللُّطفِ ومُنْتَهَى العاصفة.
عائداً من جُنْدِيَّةِ الرُّوحِ الحانثةِ بِقَسَمِ البرتقالِ على توراة الجنائنِ، تصحو، مُزِيلاً الفجرَ عن زاويتيِّ مِحْجَرَيْكَ، مُنَادِيَاً صُوَرَ الْمِثْلِيِّينَ عِبَادِ مِيَاهِ "الذَّكَرِ البَتُولِ" السائلةِ فقاقيعَ صغيرةً على جلودهم وشفاههم وراحاتهم، يلعقونها متجرِّدينَ لأنبياءِ البُوْرْنُو في خُلُوَاتِ الإلكترون الإباحيَّة، مرتعدينَ عند حَوَافِّ الرغبةِ الطَّاحنةِ تحت الطُّغيانِ الرَّهيبِ لخضوعهم وقوةِ اللحظةِ فيهم، ومنجرفينَ، تفيضُ حَوَاسُّهم بالعُوَاءِ المخنوقِ؛ وباللاَّنهائيِّ الثائرِ في الحضيضِ من حالةِ عدمِ الصَّبر. صُوَرٌ مُبَرْوَزَةٌ بأشكالِ الصرخاتِ السوداءِ المجوَّفةِ التي أطلقها أطفالٌ في السَّحيقِ من حالةِ الإنسانِ لم يَسَعْهُمْ أن يفهموا خواءَ اللوعةِ والرُّعبِ في ما يُسَمَّى حُبَّاً ولَمْ يُوَاتِ مَضَافَاتِ قلوبهم الواسعةِ، فاْنطلقوا في جهنَّمَاتٍ شخصيَّةٍ صغيرةٍ يُرَوِّعُونَ الصُّوَرَ الوحشيَّةَ الوادعةَ في مراعي عقولهم الرطبةِ؛ يَسْحَلُونَها بضغينةٍ وجنونٍ على شفراتِ الحضيضِ المُسَنَّنَةِ؛ يَنْدَهُونَ كحيواناتٍ بريئةٍ آلهةَ الدُّموعِ عساها تُرْدِي لأجلهم بنظرتها الطويلةِ كُلَّ هذه الطُّيُورِ التي تَعْوِي وتزأرُ في العينِ وتعصفُ بالقلب. أنْتَ تناديها، تلك الصُّوَر. تنادي وجوهاً لا تُنَال. تنادي لحمَ السَّادِرِينَ في الرُّعْبِ الحبيبِ، تدعوهم لمائدةٍ ليلية:
"هيَّا...، طَهَوْتُ لأجلكم أعضاءَ أنواري التناسليَّة".
عائداً، يَهُشُّكَ جرحٌ رماديٌّ ذو ذيلٍ وجناحين، وكَفٌّ رَخْصَةٌ بقبضاتٍ يسيرةٍ منها على كتفيك تِبَاَعَاً، تتمادَى في إراقةِ الحُبِّ على حقولِ اليوميَّاتِ الدَّقيقة التي كَتَبَها إخوتُكَ الرُّقَبَاءُ المذهولونَ جالسين وأكُفُّهم على رؤوسهم كامدينَ كفلاَّحينَ نُكِبُوا في زراعةِ موسمٍ كاملٍ بأمطارٍ خاطئة. يَطْرُدُكَ دمٌ مفتونٌ بمعمارٍ بدنيِّ حَرَامٍ لا تُطَاقُ مسالكُهُ ولا تُمْكِنُ، مأخوذٌ على قياسِ ضعفِهِ وقوَّتِهِ بجريرةِ البَانِي سلاسلَ لا تُحْصَى من الأكوانِ الطبيعيَّة خلفَ نقطةِ باءِ البَسْمَلَة؛ بابِها.
عائداً، يَزْجُرُكَ حَرَجٌ وليلٌ بوردةٍ قديمةٍ في جيبِ سترته، وتَجْنِيكَ بِسِلاَلِها البلاستيكيَّةِ بَامْيَا قلبِك المنهكةُ من ذكرياتِ الشَّجَرِ ومن أنينِ روحها المقطوعة.
ءااااهِ يا قلبَكَ الطَّافحَ حديداً وندم. يا سأماً في الزُّجاجِ الذي يطوِّقُ الروح؛ مَن أعَارَكَ خشونةَ الظِّلِّ لتبدو جميلاً هكذا، ومزروعاً بآثارِ أحذيةِ النَّمْلِ المهاجر؟. مَن غَطَّى لأجل عينيك القُدُورَ خيفةَ يحترقُ الهذيانُ إذْ غَادَرْتَ أنينَكَ تاركاً ثَلْجَ الصُّوَرِ مُتَّقِدَاً تحتَها ؟. مَن أتاكَ مكلَّلاً بالكواكبِ الوريفةِ والغاباتِ والتعب، نازفاً رملَ اللُّهاثِ وضبابَ المديحِ المتخشِّبِ في بَهْوِ الماعزِ الوخيم ؟. مَن هَبَّ أمامك ملتاعاً مستَثاراً أخرسَ اللَّحْظَةِ مستنكِراً ثُمَّ ثَقَبَ جمجمتَهُ برصاصةٍ عندما سَقَطَ الصَّبَاحُ عن "شجرة هَوَّارِيَّة" مضرَّجاً بالأبوابِ المغلقةِ وجسورِ الظِّلِّ المنسوفةِ والأمومة.
مَن ؟
مَن يكونُ الفاعل ؟.
مَن يكونُ الفاعلُ، إذْ يُجْفِلُ غِرٌّ مذعوراً مِن لمسةِ كَفٍّ وحيدةٍ خَرَجَتْ من خلاءِ الغيبِ إلى هذا النهار ورَبَّتَتْ آثِمَةً على رِدْفِهِ الشَّرِيف ؟. مَن يكونُ الطَّيْفُ الصَّخْرِيُّ الذي، حين تَرَاهُ المعادنُ في أحلامِها، أرَاهُ بِقُرْبِي وكِلاَنَا خفيفٌ، شاهراً بئراً مُحَرَّرَةً من الأرضِ على مَاشِيَةِ المرايا وغُلُومَة الجدران ؟.
الشُّهَابُ؛ شُهَابِي، يعْبُرُ عارياً وسريعاً أمامَ أقاربِهِ "المنازل" المُزْهِرِينَ زوايا، وهُمْ يَنْظُرونَ، فلا يبقَى من حُطَاماتِ قلوبِهِم سوى الدَّم، يهرولون، منهورين برفيفِ الرَّغبةِ المُوْجِعِ إلى الحَمَّامَاتِ الضبابيَّةِ في الرِّيحِ لِيَغْرَقُوا في الجُّنُونِ بلا دُمُوع.

***

حافظ خير

  • من مواليد العام 1968.
  • درس المسرح في السودان (أمدرمان) وتخرج لاحقاً من كلية السينما بجامعة لندن للفنون.
  • يقيم ويعمل حاليا بالمملكة المتحدة.

لم يطبع ديوانا حتى الآن.

لن يضيق

قد تُحدِّقُ عيني في منبع ِ الضوء ِ
ولا تضيقُ الحدقـة. ُ

قد أبصرُ الظلمةََ بكاملها
بينما بؤبؤُ العينِ لا يتسعْ.

وقد أرى حفرة َ موتي مهيأة ً
لكن قلبيَ الغارق في الحب
وملذات الحياة البسيطة
لن يضيق.

هؤلاء الرجال

بجلابيبهم البيض
بعطور أعيادهم، بـ"سلاماتهم"، بقياماتهم بالليل ِ والواجبِ العائلي، بشجر إيمانهم الذي يهجعِ الطيرُ والغرباءُ إليه، بأسرارهم التي لا تضرُّ، بأسمالهم، بالعرقِ الذي يهرقون من جباه الفضيلة والكدّ، وبإبتساماتهم التي تقطر الطيبة ُ من أقصى إستداراتها، باللطفِ والودّ.

هؤلاء الرجال
الذين أداروا رأسي الصغيرة بالدوران الخفيف وهم يقذفون بها نحو قلب السماء
الرجال الذين أنتهروني صغيراً ـ بالمحبة واللوم اللطيفْ ـ
المغلفةُ أحزانهُم، المحاصرةُ أحلامهُم، الوديعونَ جداً، والرهيفونَ جداً
ذوو الرؤوس الجليلة تلك التي توجتها العمائمُ
الرجال الحمائم
ما علاقتهم بالنفطِ
والدمع ِ
بالموتِ
والشمع ِ
والزيتْ ؟.

الرجالُ الذين كانوا جميعاً أبي
كيف تأتَّى لهم أن يستفيقوا ذات صباح، بذات البشاشةِ والسحنةِ القرويةِ، كي يضرموا النارَ والحقـدَ والرعبَ في البيت ؟!.

تحت سماءِ الله

تحت عيونِ النسرِ المتعبةِ المحمرَةِ، تحتَ المُزن ِ البيضاءَ، تحتَ لهاةِ الشمسِ الحارقةِ المُحترِقةِ، تركضُ آلافُ الأرواحِ تجاه مصائرِها: نحو صغيرِ مشاغلها، تجاه الخبزِ، ووهمِ الحبِ المفقود، نحو الآباءِ وشكواهمْ ـ صوبَ الأمْ، والأوطانِ المجبولةِ من طينِ الوهمْ، خلفَ الأطفالِ ونجواهمْ، نحو الدمعِ، وتماثيلِ الشمعِ، والمقتنياتِ الرمزيةِ، والأشياء
تحلِّق آلافُ الأرواحِ ـ كـذبابٍ أعمى ـ حول موائد هذا الكون الجائع
وأنا أتملَّى هذا الرعبَ فلا يُنجيني من بين مخالبه غير الصوتْ:

تعلَّـمْ أن يشجيك الموتْ
تعـلَّمْ
فإنَّ المعرفةَ غرابٌ
يتناوشه الطيرُ المزهوُ بريشِهْ
وحواسُك رهطُ ذئابٍ خارجةٌ في التوِّ إلى الصيد.

صورتي الآنَ في مرايا الممر

النوايا غريبةْ
تقبضُ الآنَ على مقبضِ البابِ ـ كفِّي
هل تدفعِ البابَ، أخرُجُ
ثم أنسى الفتاةَ التي قدَّمتني لسرِّ غرفتها
ضرَّجتني بألوان مِحْـنَتِها
أم أني أعودُ إلى حيث تمرُجُ
ـ في غرفة النومِ، تحت الغطاءِ ـ مثل النباتاتْ ؟.

على بُعدِ شتائين من صورتي الآنَ ـ
كنتُ أديرُ مفتاحي على ثُقب شقةٍ باردةْ
كان دمي يتلجلجُ، والمساءُ الوحيدُ يرشُّ عليَّ
الهواءَ بثلج أشباحه
هل أدفع الباب
أولُجُ
أم أني أعود إلى الليلِ والبردِ والساحرات.

وعلى بعد نهرٍ من لحظةِ الآنَ، إذ تتوارى خلف الممر
كان طفلٌ يشابه روحي ـ تحت جنة الأمهاتْ
تنبشُ أظفارُه صورتي في مرايا من الماء والطينِ وإنفلاق الحجر
فما الذكرياتُ إذن
ما الذكريات ؟
لقاءُ الغريبةِ، أم أصدقاءُ الطفولة
لمسةُ الأمِّ في المهدِ، أم صورتي الآن في مرايا الممر ؟.

متى يولد الطفلُ ؟

لأني وأمي أفترقنا
بعد تسع أقمارٍ من رفقة الطين والبـَذر
لأن أبي قد خان ذاكرة الماءِ
منذ ألتقينا في نطفة المــاءِ في الفجر
(إذ مضى ساهماً صوبَ
صحاريه، نـاسياً كلَّ شيء)
يضجُ بي هذا الحنينُ / الأنينُ الذي لا ضفافَ له
نحو امرأةٍ تحضُ الأمومةَ أن تعقمَ
نحو رجلٍ رِحمُهُ والدٌ
وأثداؤه تقطِر علقما.

***

أنس مصطفى

  • من مواليد كسلان عام 1974.
  • يعمل بالتدريس بكليَّة الصيدلة، جامعة الخرطوم.

صدر له :

  • نِثَار حول أبيض، شعر، 2006.
  • أرياف الغريبة، شعر.
  • ملائكة، شعر.

أرْيَافُ الغَريبَة

مَفْقُودُونَ، أَسْرَابٌ في حَالِهاَ، الَّذِيْنَ بِلا أَسَى أَنْفَقُوا أسَىً بأِسْرِه
ما خلَّفتَهُ في المَسَاءِ البَعِيد: الحَبِيبَة البَعِيدَة، الهَزِيع الأَخِير مِنْ الأَمَل، النَّصْل عَلَى بُعْدِ عُزْلَة.. التَّي تُوْمِضْ، الَّتي في صَفَاءِ بزُوْغِهَا، عِندَ أسْماَئِها الأُوْلَى، الَّتي أنْطَفَأَت، الصَّبَاح الَّذِي شَيَّدتهُ الغَرِيبَة بِشَرْقِ مِرُورِهَا، في مُفْتَرَقَاتِ ضَحْكَتِهَا، الصَّباحُ الَّذِي كَانَ صَبَاحَاً أكِيدَاً النُّورُ لأوِّلِ مَرَّة، الشَّايُ سَرِيْعَاً لِتلحَقَ بالنٍّزُوح، العتَبَة الأخِيرَة مِنْ البيَت، الشَّارِعُ مُرَّاً
الَّذِينَ بِلا زُوَادَة، آخِرُ المَناَزِلِ أغْلِقَ للِتَّوْ، أوَّلُ التِّيه: لا أَحَدَ نَادَى.

الغُرَبَاء فِي المِقْعَدِ المُجَاوِر يَتَفَقَّدُونَ غُرْبتَكَ سَرِيعَاً، الإبْتسَامَة التَّي لا بدَّ مِنهَا لِدَرْءِ ألَم
التَّي راَفَقتَك سِنيِن، التَّي أوْصَدَت سَمَاءً وَمَشَت، الحبَيِبة / الغَرِيبة، الغَرِيبَة / الحَبيِبَة/.

في الفنُدُقِ البَعِيد: القَصِيَّة العَذْبَة، صَوْتهَا لأوِّلِ مَرَّة، خَطُّ حَناَنهَا وَيَدهَا، الحَنَان مَهْبِطُ الوَحْشَة، التَّي أَوْدَعَتكَ سُمْرةً وَمَدِينةَ، الوَدَاعُ طَيِّبَاً وَنَزِيهَاً
الألمُ وَحيِدَاً في شَّوَارِعَ وَحدَهَا، السَّنَوَات، الجُرْح، أَنْتَ مَجْرُوحٌ بِأمَل، أنتَ تَسْتَديِنُ يَأسَاً لِعُذُوبَة.

سِبْتَمْبِرُ المَدِينَة: الله في الشَّقَةِ الأجْنبَيَِّة، في الغُرْفَةِ الصَّغِيرَة، في الأرِيْكَة البنُيَِّة، في الوَجَعِ الَّليلِي، في الطَّابِقِ الخَامِس، في الأمَل، في الأمَلِ الَّذِي يَنْجُو
الَّذِي يَرِنُّ بغَتْةً، صَوْتُهَا برَائِحَةِ الغُرْفَةِ شَرْقُ البَيت، صَوْتُهَا بِطَعْمِ المَفقُود، صَوْتُهَا يَطْرقُ الوَحْشَة، يُعِدُّ مَسَاءً صَغِيرَاً، وَيُربِّتُ علَى قلَبِك، صَوْتُهَا.

البُيُوت في شُهُورٍ مُبتَلَّة، البُيُوتُ الَّتي مَرَّت، الَّتي حَمَلَت الَّليمُون، ثَوْبُهَا الأزرَق، تلَويحتَهَا التي أشْهَرَت الرِّتَاجَاتَ في عَنَاوِينك، الطُّرُقاَتُ بِلا مُنتَْظِرِين، المَحَطَّاتُ لا نَتَرَقَّبُّ لافِتاَتهَا.

الصَّبَاحَاتُ النَّائِية حُطَامَ صَبَاحٍ وَفِير، أيَّامُ المُغَادِرِينَ تَذوِي، الصَّوتُ الَّذِي رَبَّتَ عَلَى صَوْتِك التَّي تَرَكتَك عُرْضَةً للسَّناَبِل، التي يَحْجُبُهَا شَجَرٌ وَارْتِبَاك، بُقْعَةُ اللَّيلِ بِلا مَطَر، الحَنَان في آخِر البَيت، الحَنين عَلَى مٍشْجَبِ الرِِّحلَة، البيُوتُ بِلا قاَدِمة، الحبَِيبةَ لأوَّلِ مَرَّة، الحبَيِبَة لِمَرَّة، البَشَرُ علَى الشُّرْفةِ المُقَابِلة يَرَونَكَ بَشَرَاً عَلَى شُرْفَةِ مُقَابِلَة، لا أَحَدَ يَرَاك، لا أَحَد.

مِنْ هُنَا مَرَّت، الَّتي سَتَمُرُّ بَعْدَ قَليل، الأسَى في أُغْنَيَاتٍ نَادِرَة، الأغَانِي نَفَدَت كُلَّها، القَدِيمُ الَّذي يَخُصُّ حَبِيبَة، الَّذِي لا يَخُصُّ أحَدَاً، المَسَاءُ بلا قَطْرَةِ حُلم، المَلامِح ضَيَّعَت قَلْبَاً وَجَناَح.

المُؤْسِفُ باِلفِعْل: (سَافَرُوا..الوُدَعَاءُ سَتَّفوا الشَّمْسَ مَعَهُم، الأنْبِياَءُ بأوْرَاقِ رِسَالاتِهِم الفَتَيَاتُ أوَّلُ المَطَر وََِطُيُورُ السِّمْبِرِ المَهْاجِرَة، كُلُّلللللهم سَافَروا، كُلُّهُم..).

السَّناَبِلُ التَّاليَِة فَوْقَ حُطَامٍ آسِر، القاَدِمَة تَشْتِلُ أفْرَاحَاً صَغِيرَة، حُقُولُ القَمْحِ تَطْردُ الغِرْبَانَ مِنْ اللَّوْحَة، الحَضِيضُ لمرَّةٍ راَحِلَة.

الثَّمَن:
الوَسَامَةُ نَفَدَت سَرِيعَاً.

عَلَيكِ الطُّيُورُ يا أمِّي:
لَوْ حِكَايَة وَأيَّامُ بَحْر.

لَوْ
اليَابِسَة
يَا
أُمِّي

لَ
و

ا
ل
يَ
ا
بِ
سَ
ة /
.
.
.

السِّيسَبَانُ الَّذي يَمضي لحَالِ حَنينِه

للتَّوِ ليلٌ وَمُهَاجِرُون/

ما يَنزِلُ في النَّوَافِذِ البَعِيدَة
كَانَ دَاكِنَاً

العَابِرونَ سَرِيعَاً
لا لأحَد
توقَّفوا لِوَهلَة /
تَنزِلُ أيَّامَهُم

ـ السَّتائِرُ البَيضَاء / السَّمَاءُ المُجَاوِرَة /
هُنَا كَانُوا
مُتَأكَّد
.
.

هَكَذَا عَلَى رَسلِ حُلم
طَريحونَ أكثَر
نُخَمِّنُ أوقَاتَاً بَعِيدَة
.
.

قُولِي لِي:
أنَّ هَذَا مَحْضُ عَابِر/
أنَّنَا لا نَزَالُ هُنَاك
أنَّ البَابَ الصَّغِير تَفتَحِينَهُ أنتِ /
.
.

القُرَى الَّتي تَغِيبُ
خَلفَ رُكَّابهَا
وَحدَهَا أنتَظَرَتهُم
في المُفتَرَقَاتِ الضَّرِيرَة /
تَفَقَّدَت رُجُوعَهُم
وَحدَهَا

السِّيسَبَانُ الَّذِي يَمضِي
لِحَالِ حَنِينه
(مُمعِنَاً في العُذُوبَة)
يَبتَلُّ كَثِيرَاً
تَترُكِينَه هَكَذا ؟
وَالمَطَر ؟

الأبوَابُ الَّتي لَن نَطرُقهَا يَومَاُ
ليسَ بَعدْ /
.
.

قُولي سَنَبقَى
مَرَّةً نَاصِعَة /
نَقتَسمُ السِّيَاجَ
جَنَاحَاً
جَنَاحَاً
.
.

الأرضُ مُجَدَّدَاً / النَّاس / الدَّكَاكِِين /
تَدخُلُ طِِينَاً بِلَوحَاتِكَ كُلُّهَا

قُولِي مَرَّة
تُسفِرُ التَّذَاكِرُ عَن مُنتَظِرين /
وَأيَّامَ مُنَقَّحَة /

أنوَارُ الحَافِلاتِ البَعِيدَة
تَتَخَطَّفُ نُورِك
تَسمَعِيني ؟
ليسَ نَحوَهَا /

المَحَطَّاتُ الأخِيرَة
مَحَطَّاتٌ أيَضَاً
.
.

(طَيَّب
ثَمَّة الأمَل الَّذِي تَحصُدِينَه / وَضَوَاحِيك /
ثَمَّة قُطَّاعُ الحَنِين / مَلائِكَة بَعد / وَسَنَابِلَ أعْمَق)

هَكَذَا
لا نَزَالُ مُشَجَّرِين /
وَعَلَى قَيدِ نَاس /
نُؤَخِّرُ أيَّامَنَا:
بِجِرُوحٍ أكِيدَة /
أشيَاءَ مِن هَذَا الحَزِين

مَرَّةً بَعدَ أُخرَى /
مرةً بَعدَ أخرَى /
.
.

(كَانُوا يَصعَدُونَ نَحوَ حَيَاتِهِم / يُعِدُّونَ قُرَىً نَائِيَة لِمَغَارِبِهَا / أيَّامَاً صَغِيرَة تَكفِي لِحَوَائِجَهُم / وَمَسَاكِنْ /
لا يَأسَ عَلَيهِم /
قُلتُ سَأبقَى / أعرِفُهُم
قُلتِ سَتَذهَبينَ لِتَعرِفِي
يَخدِشُونَ قَهوَتِك)

انْسُــومْنِيَا (مُدِيرِيّة اللَّيل)

إنه اللَّيل
أنتِ لا تُبصِرينَ اللَّيل
الأبْصَارُ حِجَابُك.

أنا لا أرَى سِوَاه
أناَ حِجَابِي.
.
.

أحلُمُ بالصَّمت نَزيهَاً وَطَيِّباً.

لا بَأس بِهِ
لَولا الفَتَاة
تَذرُفُ لَحنَاً
وَسُمْرَةً رَاحِلَة.

لَولا تَدُسُّ حَنَانَاً بِمعطَفِ القَلب
لَولا سَلَّمَتنِي تَذَاكِرَ نَافِدَة

وَمَحَطَّاتاً مَغشُوشَة

لَولا مَشغُولَةٌ بالبهَاء
لَولاهَا
لَولا الحَنَانْ /
لَولا العُزلَة /
لَولا سَادِسَ يَوم
.
.

قُلتُ: الحَنَان نُور.
قلتُ: النُّزُوح
العَابِرُونْ نحن، سِربُ الكَائِنَات
نَحنُ الغُرَبَاء، الظَّمَأ، اللَّهفَة المَرمِيَّة، الطُّرُقَاتُ المَمْحُوَّة، الخَوف، آخِرُ اللَّيلِ نَحن، الفَاقَة العَتمَة السَّهرَانة
نحنُ العُمرَ شَارِدَاً وَشَحِيحَاً
نَحنُ بَاقِي النُّور نُضّمِّدُ أمنيةً قَدِيمَة
نَحنُ الدَّمعَة الْمَهدُودَة خَالِصةً للدَمعَةِ المَهدُودَة.

أنتَظِرنَا
أنتَظِرنَا
أنتظِرنَا نَأتيِكَ نَاصِعِينَ مِنا، مُرَمَّمينَ بِك
أنتَظِرنَا
أنتَظِرنَا مَرَّةً، مَرَّةً يا أَلَم.
.
.

(فِي الأوْقَاتِ المَسكُونة، في النَّاحِيَة الخَلفِيَّة من المَنزلِ، عَصرَ اليَومِ القَدِيم، الصَبِيَّة بِعُيُونُهَا العَسَلِيَّة، بِنُورِ ضَحكَتِهَا، تُعِدُّ أحلامَاً رَقرَاقَة، تَفتَحُ الشُّبَاكَ عَلَى جَنُوب، تَفتَحُ الجَنُوبَ عَلَى فَسِِيح)

فِي تِلكَ النَّاحِيَة لَم يَدخُل اللَّيلُ بَعد
في تِلكَ النَّاحِيَة:
شَجَرَ لَيمُونٍ

وَحَنَانْ
ا
ل
حَ
نَ
ا
نْ
مَهبَطُ الكَائِنَات

لا زَالَ يَهطِلُ مُنذُهَا يَا ألَم، مُنْذُ سِبتَمبِرٍ بَعِيد، حَيثُ صَبِيَّة لَم تَنزِل تَمَامَاً مِن مَلَكُوتِهَا، وَهيَ سَحَاب، سَحَابٌ فِي مجملِ أنحَائِهَا.
.
.

نَتَشَاغَلُ عَنكَ فَتَشَاغَل عَنَّا
نَتَشَاغَلُ عَنكَ بالسِّكَّة، بالمطَرِ عَلَى النَّوَافِذ
بِالقُرَى العَابِرَة
بِالمَحَطَّات
بِالظِّلالِ يَا ألَم.

أترُكنَا فِي حَالِهَا مَرَّة
أترُكنَا لِحُقُولِ الأبَدِ البَيضَاء نَزرَعُهَا سَهوَاً وانتِظَارَات، للقُرَى السَّارِحَة في أبيَضِهَا، لِرحلَةِ التُّرَاب، لوَسَامَةِ الرِّيح تأخُذُنَا لِبِلادٍ رَحِيمَة
للعُذُوبَةِ مَرَّة
لِلوَهْمِ الأخِير نَنفِضهُ بِشَجَرٍ وَطُفُولَ
إنسَانَا فِي مَدَى الضَّحكَة
في إطرَاقَةِ الفَوَانِيس
في رَائِحَة العُشب
في لَحظَةٍ بأسرِنَا يا أَلَم.

كلُّنَا سُهُوبُك المنتَظِرَة
يا غَادِرَاً وأكِيدَاً، نَحنُ العَاديُّون، العَاديُّونَ تَمَاماً
نَحنُ النَّاسْ
أولادُ اليَأسِ وَالأمَل.

لَسنَا بَعد
خُذنَا نَاصِعِين
نَاصِعِينَ يَا ألَم
.
.

وَكَانت الأرضُ خَرِبَةً وَخَالِية
عَلى وَجهِ الغَمرِ ظَلام، وُرُوْح الله يَرِفُّ عَلَى وَجهِِ المِيَاه.

وَقَالَ الله:
لِِيكُن نُور
قُلتُ:
النُّور نُور
النُّور
نُ
و
رٌ

فَ
قَ
ط
.
.

***

أسامة الخواض

  • من مواليد العام 1957.
  • من مؤسسي إتحاد الكتاب السودانيين.
  • يقيم في الولايات المتحدة منذ عام 2000.

صدر له:

  • إنقلابات عاطفية، شعر.
  • خطاب المشاء، نصوص.
  • لاهوت الوردة، شعر.

مفرد بصيغة جمع الحنين ـ حب في "فرانكلن ملز"

حببٌ من كؤوس المحبةِ
يسّاقط الأن فوق" فرانكلين ملز"
قطيعٌ من الغرباء
يسير إلى حزنه
والمحبة بيضاء
بيضاء
بيضاء
من غير ضوء
وينفتح المشهد الأمريكيٌ
على امرأة من نشيد الشذى
وأنا
ونعاس خفيف
يلف فلي.

هكذا يفهم الغرباء مصائرهم
في "فرانكلين ملز".

"سيذهب كل عشيق إلى عشقه,
ـ هكذا مثلما قال "ويليام بن"* لأصحابه ـ
وعلى ضوء بار وحيد
على شارع ضائع
قالت العنصرية للعنصري:
لماذا يجيؤننا
كالذباب على شط"دلوير؟؟؟؟؟؟؟؟؟".

قالت أماندا لصاحبها الأسباني المعذّبِ:
"كانوا حيارى هنا مثلنا
فلماذا على شط "دلوير"
سالت دماء الديوك ؟".
…………….
…………….

وقالت أماندا لصاحبها الأسبانيِ:
"لماذا أضعنا الهوى في دروب فلي؟".

وقالت أناي الحزينة للبنت شعّتِ يواقيتها في سماء الكلام:
"لماذا أضعنا الهوى
في أزقة نزواتنا
وإنفعالاتنا العدميةِ ؟
ماذا يكون الجوى
غير دفء تشابك إحساسنا المتوتر في صالة السينما
وهذا هو الفرق بين المشاعر في السينما
والمشاعر في صالة السينما".
…………….
…………….

وهنا في "فلي"
قال "ويليام بن" لأصحابه:
"سوف نبني مدينتنا بالمحبةِ
نسقفها بفراديس مخضرةٍ".
…………….
…………….

قلت:
"يا حب كن رحبا لأماندا
وصاحبها الأسباني
وكن مسكنا
لهواجس صاحبتي القرويةِ
كن ماهلا لأناي
وكن فرح الغرباء
ومشكاتهم
في دهاليز هذا الظلام العميق
وللبنت طارت عصافيرها
في سماء فلي".
…………….
…………….

وأتّكلت على الحب
ذات حريق
وسرت شريدا على وقع هذا النشيد الحزين المفاجئ:
"فالهامشيات للهامشيين
والعاشقات القبيحات
للعاشقين القبيحين
والصابرون
جزاؤهم الصابرات".

أتّكلتُ على العشق
صُمتُ عن البوحِ
لكنني قلت لها:
"لفلي قبل أن تتمكن من روحها
الإنتهازية المدنيةُ
قبل حلول الظلام
على وجهها القمري
للفتى في المساء الدرامي
طارت عصافيره
ولقبلتنا العفويةِ
في صالة السينما
ولنون نصاعتها
ولباء براءتها
ولشين شساعتها
ولكل حروف براءتها
لصاحبتي القروية
ترعى هواجسها
ومشاغلها
في دروب فلي".

قلت:
"فليكن الحب في الأرض
ديدننا في مواجهة اليأس"
لكنه لم يكن.
…………….
…………….

في مساء من الثرثرات السجينةِ قلت لها
لـ"فلي":
"هل أكون أفتأت على الله
إذ أنه لم يقلْ ـ في حضور أماندا وصاحبها الإسباني ـ

لسيدتي القرويةِ
طارت عصافيرها في فضاء "فلي" اللازورديِ:
طازجةٌ كالكلام على حافة الفقدِ
فارهةٌ كيوتوبيا من العالم الثالثِ".

الله لم ينتبه لكلامي
وعاقبني برحيل نجيمات فاتنتي القروية من ملكوت "فلي".
…………….
…………….

وعلى شارع جانبي ٍ
يحاذي "فرانكلين ملز"
تقود الفتاة فتاها
إلى عسل الروح
تشعل بهجته
فيقول لها باسما
في المساء المطرز بالبهجة المدنيةِ.

"كنتِ بخفة راقصة الباليه
تخترمين قطار"فلي"
وبما تملكين من الدهش الرعوي
تديرين مملكة السفر الكوكبيِ
وتبتكرين نهارا بأكمله
وبأنجمه
في زمان الثلوج
وكنت منمنمة الروح ِ
عاليةً
كالنشيد المفصّص بالصلوات
وباذخةً كاليوتوبيا
عليك أتكأت
أتّكلت
أنهمرت
النهارات طاعمةٌ
كنساء "فلي"
والمساءات منعشةٌ
كالنبيذ الكاليفورني ِ
كنا غريبين
يحتسيان المحبةِ
في مقعدٍ حارقٍ
في قطار" فلي" الشاعري
هو الله سوّاك
أعمل فيك مواهبه كلها
ثم أعطاك أنبل ما في الوجود :
)الطهارة والإندهاش(
هو الله سوّاك لي
وأصطفاني على العالمينََ
وهيّأ قربك لي
مقعدا طازجا
في قطار "فلي" الأخطبوطي.
…………….
…………….

قلت لقلب أناي الحزينة، ذات شذى:
"إنها لم تكن في الإلاهاتِ
لكن جوهرها الأنثويَ
يجادل تعريفنا للأنوثةِ
سيدةٌ في المحبة ِ
كانت كمريم
لكنها أنفردت بالغوايةِ
تنثر أنوارها كاليراعةِ
في مقعدٍ مرهقٍ
في قطار"فلي".
…………….
…………….

وأتّكلتُ ـ هنا ـ من جديدٍ
على حائط "الريد"
ثم بكيتُ
وقلت له:
هل أتاك حديث متى ؟
قال لي:
لم أجد نسخة منه
قلت له:
هذه نسخةٌ من بقايا "حديث متى"، فمتى نتزوج ؟
ـ حالاً على وقع نأي لذيذ
ـ متى نتطلّقُ ؟
ـ حين تكفّ دموعي
عن الإنهمال على كتفيكِ
أوان العناق
وحين يكفّ جمالي
عن الثرثرات.
…………….
…………….
مضتْ
تركتني أطارد مرثيةً عن غياب الهديل
ـ أفكِّرـ إن كان صرصور كافكا سيصلح رمزا لكُنْه علاقتنا
وأنا واحدٌ
أحدٌ
مفردٌ
وبصيغة جمع الحنين.

*"ويليام بن" هو من "الكويكرز" المهاجرين من بريطانيا،
وقد أشترى ولاية بنسلفانيا من ملك أنجلترا.
أسس عاصمتها فيلاديلفيا، وتعني مدينة "الحب الأخويي".


شبه جزيرة الغياب
Applebee's

أيهذا المطعم
الممجّد بتلاوين أصنافه
وطنافسه المسهوكة بفعل العناق
ها أنا في شبه جزيرة الغياب
"أقدل" مرفوداً بتعاويذ الغيب
أرى:
معاطف مركونة في أقصى النشيح
قمصاناً تتحدث بلغة الريب عن مشكاة الحضور
غرباء بذكريات اللازورد عن الخضرة الضائعة
ربطات عنق موشومة بالسراب
"أناي"، وهي "....."
في أقصى ركن الهذيان
نتأبط حسنا من بقايا عذوبتنا
ونتأمل الغياب المرصوص على طاولات الحنين.

مونتري

بحّارة النعاس يشربون
ويرقصون
ويغنون
على إيقاع الأرق
بملابسهم المتسخة من كثرة الغياب
يرقصون من فرط الذبح
ويعلقون هديلهم على سارية النسيان
البحارة الذين سموا شوارع المدينة بأسماء عشيقاتهم
اللواتي ينتظرن الذين لن يصلوا أبدا إلى الميناء
البحّارة الذين كانت تحييهم الدلافين في طريقهم للخمّارات
الذين كانوا يستمعون إلى قرامافون "شتاينبك"
يصدح بموسيقى "تشايكوفسكي"
حين كان يكتب "عناقيد الغضب"
قبل أن يذهب إلى فيتنام
ويدعو الجنود الأمريكان من حوامته
إلى قتال الفيتناميين
البحارة الذين تخلدهم عشيقة شتاينبك
في ناديها للرقص الشرقي:
رقص شرقي
وسحاقيات
ولواطيون
وعجائز راقصات بكروش مترهلة
وذكريات غير متبوعة بنشيج محموم
ودموع لا تحتاج إلى مناديل
وعرب يعزفون على الدربكة
بسرحان قصير
تتخلله آهة مكتومة
ومستشرقون يعزفون على الطبلة
ومستشرقات مترهلات
يقرأن النوتة الموسيقية العربية
بحس السحاقيات الذاهلات
الباحثات عن معنى "للشرق" الماسي اللمعان
الشرق الذي تبحث عنه السحاقيات
بعين المحيط الهائج والهادئ معا
الشرق بعينين سحاقيتين مسحوقتين
في غمار موجة من المحيط الهادئ
الشرق الذي يبدو ولا يكون
من فرج الغياب.

الأسكندرية الفرجينية أو لمعان الغياب

ماذا سأفعل باللمعان الخفيف الذي تركه غيابك على ردهات روحي ؟
اللمعان الكسير كشكّة إبرةٍ في بطين وردةٍ
اللمعان المتلجلج كتأتأة الوردة في غابة المعنى
المرتاب كعصا الأعمى في متاهة الوجود.
…………….
…………….

في "داون تاون" مدينة العشاق ـ قديمة ـ
تنزهنا
وبعد كل نزهة
كنت تضعين مشاعرك في "رُبطة"
تودعينها خزانة الدموع
وكنت أضع مشاعري في"رُبطة"
أودعها قعدات"العزّابة:

"العزّابة" الذين يكتبون بكاءهم على حافة الكؤوس
و"يكسرون" كأس الغربة بثلج "القعدة"
ويرقصون مع ذئاب الحنين
ويبكون خيباتهم مع "حكّامات" الألم
ويستبدلون قصر قاماتهم
بدوبيت حزين على ساحل المحيط الهادئ
ويكسرون عزلة "الغيتو"
بقيثار الولد الموسيقي الهارب من الخدمة العسكرية
الذين يترهل حنينهم كل يوم
وعلى إيقاع لعب الورق
يدخنون غلايين حرقتهم في الفضاء المكبرت بالصمت
ويحلبون الأمل من ضرع الغياب.

من ألواح وهذيانات الصبي المروي

هذيانات المكان والتأريخ

في المضيق المؤدي إلى شهقة الإرتباك
في المكان الذي ضاع مني ذات مطر
حلمت ببعض نشيد
في المكان الذي كانني
في المكان الذي كنته
في الفراغ السخي كما الروح في صمتها
في المكان المهيأ للنسوة الجالسات على حافة الصبر
سرت إلى ما سيوثق قلبي بثرثرة العنفوان الجريح
سريت إلى ضحكتي
حين كانت مكبرتة في ذرى الغيب
كنت الذي أشتهيه
وكنت الذي أرتضي بؤسه
شجني وتري
مثل جدي كنت أخاف الأجانب
أخشى مصاحبة البدو
سرت على نقر طبل
وظهر أتان
وكان معي مشط عاج لتسكين خوفي
وفأس لقطع الهواجس
كيس من الحذر المتفائل
صندوق أسئلة عن مصير الوجود
أوان لطبخ التفاؤل
كان الزمان زمان التجار
كأني أرى
خرز البندقية
والذهب الحبشي
قرودا يلاعبها بهلوان فقير
سيوفًاً مذهبة
ورقا للكتابة
سعفا
ثيابا تليق بمن ملك الصولجان
كأني هنا
في المكان الذي خانني
أجلس القرفصاء
أقايض شعري بجارية
تشتهي طيبتي
ومقامات طيبوبتي
وتلازمني في الجنون
ترافقني في المجون
وعربدة الليل
أحسو المريسة
كان المكان مزيجا
جميلا
فريدا
من السكر
والشبق المروي
رأيت كأني بسوق الرقيق ختنت
أو أنكسرت شهوتي
وخصيت
رأيت كأني أنا الملك
ألبس فروا من البأس
والجأش
والرعب
والخرز الجنوي
وحولي جنود من الجن
لم يرها" الحلب"
الصاعدون إلى حيث لا حيث
كنا ـ وفي كل عيد ـ
نعوذ برب الجمال
من القبح
والقيح
والقيل
والقال
كنا شهدنا القوافل
والغزو
والسبي
والذبح
واليأس
والزعل" الجعلي"
وكنت ـ وقد كنت فيهم ـ
كأني أشاهد "بيركهاردت"
يكتب عنا
ويرثي مدينة "شندي"
ويعلن أنا جديرون بالغزو والإجتياح.

لوح الألوهة المعذبة

على طبق طامع
في المكان الذي خانني
جاء أبناء عمي
وخالي
جيوش
شعوب
من المسلمين
وجاء غزاة كثيرون
من كل حدب وصوب
وكانوا زنوجا
وبيضا
وسمرا
و"خاطف لونين"
فانشغلوا بالعبيد
وبالأرض
بالنسوة الصاخبات
وبالسلب
والقتل
والنهب
والسحل
والغش
كلهمو برروا قتلنا
سحلنا
غشنا
نهبنا
بالألوهة
لكن أرأفهم بالمكان المقدس
كان الغريب.

لوح معاصر ـ هذيان الـــ "قد"

قد أقتفي آثار أسلافي
وأجمع زخة التأريخ في كفي (العضيرة)
أشتم التأريخ
منفعلا كثيرا
"أيها التأريخ
لا تأخذ روائح حبنا
في قشرك الدهني
وأترك للسلافة مقعدا في حانة الأسلاف
أو.....
…………….
…………….".

لوح الهذيانات الكبوشابية

سأنقش لوحا لوهمي:
كانت
"غنية" جارة لأحد الموسيقيين في الحمام الملكي
والذي تشرف على إدارته اليوم شركات سياحة غربية
وكانت ـ أيضا ـ
قرينة أحدى الكنداكات اللواتي كن يداهمنني كثيرا في أحلامي
كنا
أنا و"غنية"
نلعب لعبة الجسد مقابل الفريد* الملون الذي تحبه
حين كنت أمتطيها على ظهر جوال عيش في غرفة مظلمة
ونحن أبناء السادسة
كان وجهها يلمع
ويلمع
…………….
…………….
أرتبكت
فركت عيني مرارا
فجأة
بدا وجهها شبيها بوجه "أماني ريناس"
التي راودتني عن نفسي مرارا
ذات أحلام
كانت "غنية"
ترتدي قرصين على شكل هلالين
مرسومة فيهما أغصان الكروم
وطاووسان نشرا ريشهما حتي غطيا الغرفة
بمعنى لطيف
لم أكن أدرك كنهه
غير أن أريج ذلك المعنى الغامض
كان يدفعني دائما لأن أحتضن "غنية"
التي تأتي دائما مختالة
رغم سنواتها الست
حين يروق مزاجها للإحتضان
كانت تأتي وحول رأسها ينمو شجر البراءة
وهو شجر ملقح بالإرتياب
كانت تأتي برداء شفاف
يصل إلى القرب من نزقها المروي
يعلو رأسها شعر مستعار
يعلوه وهم مستدير
ثم يعلوه عبق مستطيل
يحيط بالرأس
حين نفرغ من العناق
تنمو ثعابين أعلى رأس "غنية"
لم أرتعب
كان على الجبهة ثلاثة ثعابين
وكانت "غنية" تمسك بيدها اليسرى صولجانا
سقط حالما أحتضنتها
أما المنديل الأخضر الذي تقبض به على يدها اليمنى
فأنها تعصب به كوابيسها الإلهية
وحينما عرفت هويتها المروية
من مدرس التأريخ بمدرسة كبوشيه الثانوية العامة
في سنة 1971

جلدني مرارا
لأنني لا أجيد نطق إسمها
وبالرغم من قسوته
قلت له أنني أعرفها
وجلدني بقسوة أكثر
حينما قلت له في إجابة لي عن سؤاله:
"من أين لك معرفة أماني ريناس ؟"

قلت له:
"أنها كانت تراودني عن نفسي
في أحلامي
وأنها مرة
صدتني حينما اندفعت نحوها
لأنني بلا شلوخ
وقلت له أكثر من ذلك
أنني كنت أضاجع قرينتها
وكثيرا".

* الفريد هو غطاء الزجاجة المعدني.

لاهوت الوردة

في حضورك يجتمع الحلم والورد من كل حدب وصوب، يحادثك العاشقوك كفاحا على صهوة من حنين الفراشات للزهر، لست نبيا لأفهم سرَّ إنفرادك هائمةً في نبيذ الندى، لست صنوا لأسرار حسنك كي أتذاكى بأني نديمك في الناي، لست غزالا لأدرك كنه البهاء المهرول في حاجبيك، ولست حصيفا تماما لأفهم كيف تديرين وحدك هذا الهدوء المرواغ في وجنتيك، وليس لمعجزة البرق من سلّم كي تطال أعالي سناك، وليس لقلبي قواميس تفهم كيف تنامين مرفودةً بالحنين وزهو الطواويس في العشب وهي تنشِّر أرياشها لغة ً في مديح المكان ، ولست خبيرا بشأن الغياب لأفهم معنى إنتظاري رعاة الحضور يسوقون قطعانهم بسياط الحنين،..... إذنْ لك أن تسأمي من غرامي"المشاتر"، من عبثي بالكلام وأن تغضبي من حديثي المتأتي ـ في قمة السُكر ـ عن سرِّ سرِّك، من لغطي حول جدوى التشاؤم للناس والطير من كل لون وجنس ودين، ومن شغفي باقتناص الفكاهة من كل حرف، ومن رغبتي في سماع "أحبكَ" في كل ثانيةٍ،..... بإسمك العنبري، سنفتتح الطقس نذبح أسماء من سحلونا ومن عذبونا، ومن علقوا صور الله في طرقات الجحيم، نبدل طقس الوضوء بمضمضة القبلات، لأن المحبة سوف تكون الاهة أيامنا القادمات.

***

مأمون التلب

  • من مواليد أم درمان، عام 1982.
  • خريج جامعة السودان، هندسة اتصالات.
  • عضو اللجنة التنفيذية لإتحاد الكتاب السودانيين.
  • عضو مؤسس مبادرة (برانا) الثقافية.
  • يعمل الآن محرراً بالقسم الثقافي لصحيفة: السوداني الدولية.

لم يطبع ديوانا لحد الآن.

جَنَّةُ العُمْيَان
سَمَاوَاتُ الجِّذْرِ الْمَجْهُولَة

قلبُ الجنَّة

خائنٌ
هَذَا الثَّورُ الأعْمَى
مَنْ رَفَسَ الأَرْضَ وطَعَنَ الفضاءَ بقرونِ خيالهِ
تَارِكَاً مُصَارِعِيهِ يَلْهَثُونَ في نَوْمِهِم خَلْفَ دَمِ النُّجُومِ الْمُتَقطِّرِ
وَاعِدَاً أسْلِحَتَهُم الفَاتِرَة بِمَعَارِكَ لا تُرَى.

خَائِنَةٌ
هَذِه القَطْرَةُ التي تَحْفِرُ في صَوْتِ الْمُحِيطِ قَبْرَهَا هَانِئَةً
وتَحِطُّ مِن قَدْرِ السَّحَابِ في قَلْبِهَا.

1

غَدَاً، يُصْبِحُ مَوْتُكَ صَنَمَاً تَتَعبَّدُ أسْفلَ أقدامهِ، تَلهثُ مُقْتَنَيَاتُكَ الثَّمِيْنَةُ تَحْتَ وطأةِ أصَابِعِهِ الْمُتَّسِخَةِ الجَّبَانَةِ.
غَدَاً، أيُّها الوَغْدُ، تَتَحوَّرُ الزَّوَاحِفُ السَّاكِنَةُ الـمُطِلَّةُ مِن جُحُورِكَ العَدِيْدَة، جُحُورٌ تَتَمَدَّدُ مِن لَمَسَاتِكَ، مِن نَظَرَاتِكَ، جُحُورٌ تُطلِقُ الفَحِيْحَ الَّذِي تَأْبَى سَمَاعَهُ، الفَحِيْحُ مُشَكِّلُ الخَطَوَاتِ بِشَهْوَةِ الفَرَائِسِ العَمْيَاءَ الصَّغِيْرَةِ وهِيَ تُستَدْرَجُ إليهِ في الثِّيَابِ النَّاصِعَةِ.

أسْتَدْرِجُكَ للمَوْتِ الهيِّن
للمَوْتِ الْمَرْصُوفِ أمَامَ الْمَلِكَاتِ الغَيْبِيَّات
لَسْتُ عَلَى عَجَلَةٍ مِن عُمْرِي
غَايَةُ عُمرِي أن يُظْهِرَ عَضَلاتِ الخَوْفِ أَمَامَ الله كَيْ يَسْتَرِيْحَ
بلا فَائِدَة
عَلَى العَتَبَاتِ الْمَوْلُوْدَةِ مِن نَظْرَتِكَ لغِلافِ السِّحْرِ
جَلَسْتَ
وربَّمَا لِسَنَوَاتٍ قَاصِرَاتٍ
جَلَستَ
وربَّمَا ليَوْمِيَّاتٍ تَتَمَزَّقُ أورَاقُ حِيْرَتِهَا حِيْنَ تَتَحَرَّشُ بِهَا رِيْحُ النَّاس
كانَ غُمُوضُكَ هذا
حَرَارةَ العَتَبَاتِ مِن تَحْتِي
ونَحْتَ الوَلوَلاتِ فِي الهواءِ المُحِيْطِ بِي

أنتَ بَريَّةٌ شَامِخَةٌ
عَلَيْهَا تُدَارُ مَعَارِكَ الصَّيْدِ والإفْتِرَاس دُونَ ضَغَائِنَ تُذْكَر
عَلَيْهَا تَتَغَوَّلُ السُّحُبُ المرِيْضَةُ عَلَى جَمَالِ الجَّفَافِ
أنْتَ البَريَّةُ
ولَكَ الخَيَار:
أن تَنْتَفِضَ مِن حُمَّى تَنْبَعِثُ مِن أَحْوَالِ التَّائِهِيْنَ
ـ الغَافِلِينَ عَن عَلاَمَاتِ نُجُومك ـ
مَنْ مَاتُوا غَرَقَاً في العَطَشْ.

أو أَنْ تُسلِّمَ عَلَى الصَقْرِ فِي فَمِهِ
وَهْوَ يَنْتَظِرُ جُثّةً قَادِمَة.

أسْتَدْرِجُكَ للمَوْتِ الهيِّن
وأرْصِفُ الـمَلِكَاتِ الغَيْبِيَّاتِ لكَ
لتُدْرِكَ عَظَمَةَ السَّيْرِ فَوْقَ رَوَائِحِهِنَّ
دُونَ أن تُشْفِقَ عَلَى وِحْدَتَكَ الذَّابِلَة.

2

لَوْحَةُ القَصْرِ تَبْدَأُ بِكَسْرَةٍ وَحِيْدَةٍ فِي صَخْرَةٍ مَعْزُولَةٍ لا تَجْذُبُ التِفَاتَةً، ولا حتى مِن ثدي أُمِّهَا الأرض.
لَوْحَةُ القَصْرِ تَنْتَهِي بِشَرْطَةٍ تُحْدِثُهَا الأجْسَادُ الْمُتَسَاقِطَةُ مِن عُلُوِّهِ الضَّاحِكِ، مُعْدَمَةً بأوامِرَ تَعْبَثُ بأحْشَاءِ ناطِقِهَا، تَنْتَهِي بِتَلْوِيْحَةِ الوَدَاعِ فِي عين طفلٍ شَهِدَ الْمَعَارِك في أرْوِقَتِهِ ونَامَ عَنْهَا قَرِيْرَاً نَادِمَاً عَلَى نَبْضِهِ الْمُحَرِّكِ للصَّدَى فِي صَالاتِهِ.
ألَوِّحُ لَكَ إذاً باللَّوْحَةِ دُوْنَ أنْ يَرْمِشَ لِي كَفَنْ
وأغَنِّي لَكَ:
خنْجرَ العَرَّافِ الْمَغْرُوسِ فِي ظَهْرِ السِّجْنِ، نَابَ الثُّعْبَانِ البَاكِي فِي كَأْسِ الْخَمْرِ الجَّمِيْل العَجُوزَ التي تَحِيْكُ فُستَانَ الْمَلِكَةِ الخَالِدِ، الْمَعْبَدَ الْمُتَكَوِّرُ فِي عَيْنِ الحَصَادِ الْمَقْتُولِ، جَسَدَكَ العَارِي وَهْوَ يَتَلَذَّذُ بِمُعَانَقَةِ السُّورِ الصَّدِئ ذِي الذَّهَبِ الْمَسْنُون.

3

عِنْدَ حُدُودِ الكَوَارِثِ
ألْعَبُ رِهَانَاً سَاذَجَاً بِصُحْبَةِ سَمَاءٍ عَمْيَاءَ ولُغَةٍ تَتَنَـزَّهُ فَوْقَ شِفَاهِ السفَّاحِيْنَ البُسَطَاءِ
بِصُحْبَةِ شَمْسٍِ خَافِقَةٍ بِجَبْهَةِ الطِّفْلَةِ الْمُتَّسِعَة
بِصُحْبَةِ جُدْرَانِ البيُوتِ ذَاتِ الفَسَاتِيْن الكَهْلَة.

عِنْدَ حُدُودِ الكَوَارِثِ
أُقَبِّلُ الْمَارِدَ القَبِيْحَ فِي جُرْحِهِ البَارِزِ ذِي الصَّدِيد
ذِي الأنْهَارِ اللَّزِجَةِ مِن سَيَلانِ الطَّمْثِ ومَسَاحِيْقِ الرُّصَاصِ التَجْمِيْلِيَّةِ
أَنْتَ تَنْظُرُ لَنَا أيُّهَا العَرْشُ العَزِيْز
ونَحْنُ نَلْعَبُ بِكَثَافَةِ القَلْبِ
والعَجْزُ نَرْدٌ مُتَفَسِّخٌ عَلَى وَجْهِ النَّهَارِ واللَّيْل.

كَائِنَاتٌ مَحْلُوقَةُ القَتْلِ
تَتَأمَّلَ النَّهَارَ الْمُهَاجِرَ مَعَ الطُّيُورِ
ثمَّ
فجأةً
تَصْرُخُ في إثْرِه
تَرْكُضُ بأقْدَامٍ حَافِيَةٍ إلاَّ مِنْ شَوْكٍ رُوحِيٍّ جَاهِلْ.

كَائِنَاتٌ مَخْفُوقَةُ الرقَّةِ تَتَأمَّلُ اللَّيْلَ العَابِرَ بِثَوْبِهِ الطَّوِيل مَسْحُوباً عَلَى مَقَابِرِ السَّمَاءِ الجَّمَاعِيَّةِ
مَقَابِرٌ لا تَتَعَدَّى الشِّبْرَ
تَارِكَةً بَقِيَّةَ الْمِسَاحَةِ للعَدَمِ العَجُوزِ الذي يَسْنِدُ الأَرْضَ بِرَاحَتِهِ الْمَهْدُومَةِ
وَهْوَ يُعَفِّرُ أصَابِعَهُ بالعُيُونِ التي شَهِدَتِ الذَّبْحِ والْخَسْف.

إنَّنِي أمْلُكُ القَلْبَ
ويَفْقِدُنِي العَالَمُ الْمَشْغُولُ بِعَدِّ غَنَائِمَ وَزَّعَتْهَا الْمَلائِكَةُ فِي لَحْظَةِ ضَعْف.

إنَّهُم يَمْلُكُونَ تَسَلْسُلَ الأحْدَاثِ العَاقِل
تَشَرُّبَ التَّارِيخِ لِنَكْهَةِ الدَّمِ فِي الذُّقُونِ والظُّهُورِ الْمُشْعِرَة
غَامِقَ الرَّقْصِ عَلَى أنْقَاضِ عَيْنِ الله
حَارِقَ الوَقْتِ عِنْدَ احْتِجَازِ العُنُقِ فِي آخِرِ زَاوِيَةٍ مِن رُوحِ الْمَاءِ العَارِفَة.

إنَّ الأرض تلك
هذا:
بَرَاكِيْنٌ تَحْلِبُ الغُرُوبَ والشُّرُوقَ إلى رَحِمِهَا لتَتَسَلَّى بالانْتِظَار، مُحِيْطَاتٌ تُجْلِسُ الإتِّجَاهَاتِ الأَرْبَعَةَ عَلَى ظَهْرِ الرِّيْحِ الْمِسْكِينَةِ لِتَحْمِلَهَا، تَنْتَشِرُ مِن عَرَقِهَا الْمُتْعَبِ ذَرَّاتُ البَشَر الْمَسْحُوقَة، لتُغَطِّي سَمَاوَاتِ الجِّذْرِ الْمَجْهُولَة، نَظَرَاتُ الكَائِنَاتِ البَحْرِيَّةِ الغَامِضَةِ فِي قَاعِهَا شَوَاطِئٌ، تَسْرِقُ مَتَأَمِّلِي جَمَالِهَا عَلَى لُهَاثِهَا الخَارِقِ وتَحْتَجِزُ الْمَاضِي والحَاضِرَ والآتي فِي لَهْفَتِهَا عَلَى الأُفُق.
أيُّهَا الأُفْقُ الْمِسْكِيْنُ القَاتِل
أنْتَ لا تَمْلُكُ شَيْئَاً.

4

لَيْلٌ
كَائِنَاتٌ تَمْتَصُّهُ بِعُيُونِهَا كَامِلاً
لِتَجْتَثَّ ثُبَاتَهَا اليَوْمِيّ
سِلْسِلَةٌ مَعْدَنِيَّةٌ تَحْمِلُ بِدَاخِلِهَا حِكَايَةَ الكَوْنِ
يَمْتَصُّهَا اللَّيْلُ لِيَعْرِفَ ذَاتَهُ البَارِدَة.

وكُنَّا نَتَحَلَّقُ كَآلامٍ مَنْبُوذَةٍ، ـ دُونَ عَنَاءٍ يُذْكَرـ حَوْلَ هَالاَتِ القَمَرِ العَارِفِ
ونُغَنِّي عَلَيْنَا قُبُورَنَا الْمَجْهُولَةَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ السَّاخِن.

هَلْ كَانَتْ مَجْهُولَةً ؟

كَانَتْ مَسْنُودَةً بِكَلامِ الله الْمُوَزَّعِ بِدِقَّةٍ تُوْرِثُ الجَّهْلَ واليَأْس
لِتُخْرِجَ رَأْسَهَا الْمَبْتُورَ مِن سِجْنِهَا القَاعِيِّ الفَاتِر
قَاعٌ عَلَّمَنَا إيَّاهُ تَنَفُّسُنَا الْمُنْتَظِم
طَمْأنِيْنَةُ جُلُوسِنَا النَّهَارِيِّ بِصُحْبَةِ الفَتَيَاتِ الْمَالِكَاتِ لِرَعَشَاتِ العَالَمِ الخَفِيَّة.

سِلْسِلَةُ مَفَاتِيْحٍ إذاً
كَانَتْ تَخْنُقُ الْمَشْهَدَ اللَّيْلِيِّ بِأَكْمَلِِه
وهِيَ تَكْشِفُ فُحْشَ الأبْوَابِ بَعْدَ يَأسِ طُرَّاقِهَا.

يا لَهَوْلِ الثَّبَاتِ عَلَى الأرْض
يا لَهَوْلِ التَّحْدِيْقِ فِي الرِّيَاحِ الطَّبِيْعِيَّة
يا لَهَوْلِ اللَّيْل.

إنَّهَا مُجَرَّدُ نَوْبَةِ مَفَاتِيْحٍ تَاهَتْ عَن يَدِ القَانُون
ذلِكَ الْمُنْتَظَرُ عِنْدَ بَوَّابَةِ الغَنَائِمِ الفِرْدَوْسِيَّة
بِنَظَّارَةِ نَدَمٍ
وشُرُودِ سَرَابٍ مَهْزُومٍ بِعَيْنِ الْمَرْوِيِّ مِن آبَارِ الجَّمْرِ السَّحِيْقَة.

5

إنَّ الحِجَابَ ضَارِبٌ، عَلَى كُلِّ حَالٍ يُكَالِبُ أنْفَاسَهُ عَلَى الحَوَاسِّ السَّالِفِ ذِكْرُهَا بِغَرَضِ الإحَاطَةِ بِوَجْهِ الْمُطْلَق.
رُغْمَ جُلُوسِنَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الدَّانِيَةِ مِن أَنْفِكَ الْمُرْتَجِفِ، وشَفَتَيكَ الْمُتَبَاعِدَتَيْنِ حَالَ سِرٍّ يُوْشِكُ عَلَى السُّقُوطِ سَهْوَاً، إنَّ الحِجَابَ لَضَارِبٌ ضَارِبٌ، بِفِعْلِ يَدَيْكَ، فِي القِدَم.

عِنْدَمَا تَحَرَّكَ بَصَرِي تِلْكَ الحَرَكَةَ البَسِيْطَةَ السَّاذَجَة، اسْتَطَعْتُ أنْ ألْمَحَ ذَلِكَ الوَقْتَ النَّادِرَ مِن الطَّبِيْعَة، ولَكِنَّهُ لا يَفْتَأُ يَخْتَفِي.
بَعْدَ أنْ تَمُرَّ السَّنَوَات، ويُوْلَدُ مِن صُلِْبي أبْنَاءٌ عُمْيَانٌ يَحْلُمُونَ بِرُؤيَةِ ألوَانِ جُلُودِهِم الجَّمِيْلَة ولو لوهلةٍ سَائِلَة، سَيَأْتِي ذَلِكَ الْمَوْقُوْتُ بِنَظْرَتِهِ، ويُحَدِّثُنَا عَن ذَلِكَ الوَقْتِ النَّادِرِ مِنَ الطَّبِيْعَةِ، لأنَّهُ سَيَمْلُكُ القُوَّةَ عَلَى تَثْبِيْتِهِ بَعْدَ كُلِّ مَا تَرَاكَمَ فِي عَيْنَيْهِ مِن عَمَاءٍ أبَدِيٍّ قَهَّارٍ لِمَا يُرِيْد.

سَيَقُولُ لَنَا:
إنَّنِي أَتَّجِهُ الآنَ بِخَطَوَاتِي نَحْوَ الوَقْتِ النَّادِرِ، إذْ فِيْهِ دَبَّابَةٌ عَلَى الطَّرِيْقِ الْمُؤَدِّي للأشْجَارِ النَّاسِكَةِ، إنَّهَا بِلا شَكٍّ دَبَّابَةٌ ضَالَّة، ظِلالُ جِبَالٍ ـ بلا جِبَالٍ ـ تُلْقِي بِنَفْسِهَا عَلَى انْحِنَاءَاتِ الْمَعْدِنِ القَاسِي للدبَّابةِ، أضوَاءٌ ميِّتَةٌ تَنْـَزلِقُ مِنْهَا بِيُتْمٍ أسْطُورِيٍّ، وعَلَى عَتَباتِ بَابِ الدَّبَابَةِ الجَّانِبِيِّ جَلَسَ شَاعِرٌ مُطْرِقُ الرَّأسْ، وعَلَى شَعْرِهِ سَطَعَتْ صَيْحَاتُ طُيُورٍ جَارِحَةٍ، ومِن أصَابِعِهِ البَوَّاحَةِ سَالَتْ قَطَرَاتُ بَارُودٍ مُسْتَعْمَل.
عِنْدَمَا أقْتَرَبْتُ مِنْهُ، رَفَعَ رَأسَهُ غَيْرَ مُنْدَهِشٍ مِن وُجُودِيَ الأعْمَى فِي هَذا الوَقْتِ السرِّيِّ النَّادِر، ومَا كَان لَهُ إلا أنْ تَحَدَّثَ مُشِيْراً بِعَيْنَيْهِ، بِطَرْفٍ خَفِيٍّ إلى الدبَّابَة، كَانَ بِثِيَابِ الحَرْب وفِي عَيْنَيْهِ نَظْرَةُ الخِيَانَةِ الأبَدِيَّةِ لِمَا يُعْرَفُ بِحَسَاسِيَّةِ الشَّاعِرِ ورَهَافَةِ دَمْعَتِهِ الوَاضِحَةِ عَلَى كُتُبٍ مُهْمَلَة.

قال:
(يَا لَجَمَالِ الْمَعْدَنِ يَكْسُو عُرْيَ الدبَّابَةِ، كَمْ تَحَمَّلَ مِن خَوْفٍ مُحْكَمٍ تَبَخَّرَ مِن جلُودِ الجُّنُودِ تَحَمَّل مُعَاتَبَةَ الأرضْ ـ أُمِّهِ ـ على تَصَدِّيْهِ الأرْعَنِ لِمَهَمَّةِ الزَّحْفِ البَطِيءِ بِأوَامِرٍ بَدِيْهِيَّةٍ مُرْعَبَة).

دَاعَبَ الأرْضَ، بَل أَخَذَ يَنْتِفُ تُرَابَهَا بِرِيْشَةٍ سَقَطَتْ مِن طُيُورِ شَعْرِهِ، مُحَاوِلاً كِتَابَةَ فَوْضَاهُ الْمُتَلَعْثِمَةِ دَاخِلَ نَظْرَتِهِ لِحَرَكَاتِ الطَّبِيْعَةِ السَّطْحيَّة، لَقَدْ عَادَ إلى إطْرَاقَتِهِ سَالِمَاً، غَانِمَاً بارْتِسَامِ الْمَعْرِفَةِ عَلَى وَجْهِي، مُحَرَّقاً بِلِذَّةِ اكْتِشَافِي لِمَخْبَئِهِ؛ بِلِذَّة اكْتِشَافِهِ صَبْرَ الدَّبابَةِ عَلَى جَهْلِ الشُّعَرَاءِ والفَلاسِفَةِ وأمَّهَاتِ الجُّنُودِ وعُيُونِ الأطْفَالِ الخَائِفَة.
قَالَ ـ وَهوَ يُطْلِقُ صَوْتَ تَهَكُّمٍ مِن شَفَتَيه ـ:
(هَلْ تَعْرِفُ حُكْمَ الْمَجْهُول؟ وماذَا عَنْ حُكْمِ الْمَنْبُوذ؟ ومَاذَا عَنْ حُكْمِ السَّاقِطِ تَحْتَ قَانُونِ الكَوْن؟ إنَّ لِكُلِّ شَيءٍ يَدٌ فِي مَا يَحْدُثُ لَهَا بِطَرِيْقَةٍ سِريِّةٍ مُضْحِكَة، وإنَّهُ لَمِنَ الخُرَافَةِ أن نَبْعَثَ العُرْيَ الذِي سَنَرْتَدِيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِن أسْفَلِ سَافِلِيْن لِيُجِيْبَ لَنَا بِكُلِّ بَسَاطَة!!. أنْتَ تُرِيْدُ: "بِكُلِّ بَسَاطَة"؟ أنَا أُريْدُ شِعْرَهَا الذِي سَتَتْرُكُهُ خَلْفَهَا بَعْدَ أنْ تَقْتَنِصَ دَرْسَهَا الْمَجَّانِيِّ السَّافِر، لَكَ مِنِّي عَهْدٌ بألاَّ أقْتُلَكْ إنْ تَتَبَّعْتَ سِيْرَةَ الْمَجْهُولِ والـمَنْبُوذِ والسَّاقِطِ تَحْتَ قَانُونِ الكَوْن بِمَعْرِفَتِهِ).

وعِنْدَمَا حَدَّقتُ بأسْرَابٍ شُدَّت لِهِجْرَتِهَا بالذُّهُولِ، قَالَ:
(يَا عَزِيْزِي الْمَخْدُوع، إنَّ للشُّعَرَاء قِيْمَةَ قَتْلٍ فِي حَدِّ ذَاتِهَا الْمَسْنُون، ويَحْمِلُونَ فِي هَذا الخَيَالِ تَأوُّهَاتٍ مَفْغُورَةَ الذَّبْحِ لأجْلِ التِهَامِ سُلطَانِ الحَيَاة).
(إن الدَّبَابَةَ لذَاهِبَةٌ فِي طَرِيْقِهَا للأشْجَارِ النَّاسِكَة، سَتَتَعبَّدُ إلى الأَبَدْ، رَاثِيَةً نَوَايَا القَذَائِفِ الَّتِي فَارَقَتْهَا لِتُثبِّتَ أَقْدَامَ العُرُوشِ الْمَائِيَّةِ لِلحُكَّام، رَاثِيَةً حَالَ الأمْطَارِ التِي سَالَتْ عَلَيْهَا وهِيَ تَهُمُّ بإبَادَةِ الْمَزَارِعِ الْمُكَدَّسَةِ بالنَّبَاتَاتِ الجَّافَة، سَتَتَعَبَّدُ إلى أنْ تَنْتَقِلَ إليهَا قَابِلِيَّةُ الحَرْقِ مِن الأشْجَارِ النَّاسِكَة، حيْنَهَا سَتَنْتَهِي، سَتَبْدَأُ بَرَاكِيْنُ الجَّمِيع بِشَقِّ ثِيَابَهَا، لأنَّ الأسْلِحَةَ الْمَزْرُوعَةَ فِي رُوحِ الإنْسَانِ سَتُشْغَلُ بالنُمُوِّ الحَقِيْقِيّ، بَعْدَ تَجَرُّدِ الأسْلِحَةِ الفَتَّاكَةِ مِن بَصَمَاتِ السَّمَاءِ ورَائِحَةِ الطَّبِيْعَةِ وشِعْرِ الشُّعَرَاء).

ثمَّ إنَّنِي يَا أَبِي أتَنَازَلُ عَن تَحَسُّسِ شِفَاهِ الْمُتْعَةِ بِأسْمَالِي
تَارِكَاً مَرَارَتَهَا تَعْبُرُ عَمَائِي، شَاكِيَةً لَكَ بُعْدَكَ عَنْهَا.

ثُمَّ إنَّنِي امْتَلأتُ بالشَّاعِر

ثُمَّ إنَّنِي لَبَرِيءٌ مِنَ الحَيَاة.

6

مِنْ آخِرِ السَّنَوَات
مِن آخِرِ قِطْعَةٍ فِي ثَوْبِهَا
وهِيَ تُرَفْرِفُ غَاوِيَةً هَوَاءَ التَّارِيْخِ العَلِيْلِ، بِرِئَةٍ سَكْرَانَةٍ بالشَّمَاتَة
مِن آخِرِهَا الْمُسَمَّرِ بالنُّبُوءَات
الْمَشْفُوعِ بِنُبُوغِ السَّحَرَةِ وشَحَّاذِي العَمَى:
الْمُرَقَّمْ
الهَالِكِ بأشْلاءِ الْمُلُوكِ الْمُغْرِيَة، الْمُهَدَّلِ بِغَنَجِ الحُورِ العِيْن، الْمَجْرُوحِ بالخَيَالِ المُطْلَق.
من آخرها:
تَخْرُجُ شَمْسٌ كَاذِبَةٌ
بِخَطَوَاتٍ خَفِيْفَة
دُونَ أنْ تَحْرِقَ القمَاشَ الوَاهِي، الفَقِيْر.
تُعَلِّمُ الأَرْضَ، الَّتِي تَسْتَقْبِلُهَا، تَوَهَانَ الحِسِّ المُعَرِّضِ لِلْحُبِّ وتَضْحَك.

لَمْ تَخْتَلِف الصُّورَةُ كَثِيْرَاً
فِي أوِّلِ السَّنَوَاتِ كَانَتْ اليَدُ البَشَرِيَّةُ مُجَوَّفَةً بِشَكْلٍ مَعْقُولٍ لِتَحْتَوِي الشَّمْس، والَّتِي تَتَسَلَّلُ الآنَ هَارِبَةً، تَجْوِيْفٌ دَائريٌّ ثائرٌ بالبِدَايَةِ والنِّهَايَة، دَاخِلَهَا تَتَلألأُ صُوَرُ المُدُنِ، الغَابَاتِ الحَرَائِقِ المُعَلاَّةِ عَلَى سُطُوحِ القُرَى، عُيُونِ الأطْفَالِ البَعِيْدَةِ وهِيَ تَشِدُّ انْتِبَاهَ الأمْطَارِ العَابِرَة
تَتَكَثَّفُ صَرخَاتِ الإنَاثِ التَّائِهَاتِ فِي الدَّغْلِ البَائِر بَيْنَمَا تَتَغَزَّلُ مِيَاهُ البُحَيْرَاتِ بأجْسَادِهِنَّ الضَّاوِيَة، صورُ الثَّعَالِبِ الوَحِيْدَةِ وَهِيَ تَتَسَامَرُ أَمَامَ جُحُورِ الأرَانِبِ الشَّهِيْدَةِ، الجِّبَالِ بِسَلاسِلِهَا الجَّمِيْلَةِ المُحَلاَّةِ بِقَلائِدَ مَحْبُوكَةٍ بالجَّمَاجِمِ البرَّاقَة، وللمُحِيْطَاتِ أحْوَالُهَا الشَّارِدَةُ فِي تَفْسِيْرِ الحُريِّةِ الميِّتَةِ فِي قَاعِهَا.
دَاخِلَهَا
كَانَتْ الصَّيْحَةُ الخَالِدَة
والجَّسَدُ خَالِقُ الصَّدَى
والرُّوحُ كَاتِبَةُ مَسْرَحِيَّةِ القَبْرِ عَلَى تُرْبَتِهَا.

7

خَارِجَ خَارِطَتِكْ
البَيْتُ القَابِلُ للكَسْرِ
خَالِقُو هَوَائِهِ بِأيْدٍ مَهْجُورَةٍ مِنَ الطِّيْن؛ مُغَرِّدَةٍ بِدُمُوعِ الخَفَافِيْشِ
حَدِيْدُ المَلاَئِكَةِ المُسْتَجِمِّ بآيَاتِهِمْ
أَسَّسَهْ الرَّقِيْبُ الَّذِي مَادَ عَنْ قَامَةِ العَبَثِ البَشَرِيِّ الَّتِي أنْتَصَبَتْ دَاخِلَهْ
يَتَغَوَّلُ بالمَطَرِ المُتَطَايِرِ مِنْ سَقْطَتِهْ
ويُلَيِّنُ قَلْبَ الجِّدَارِ الْمُسَوِّرِ للبَيْت
جِدَارٌ كَسَى عَوْرَةَ النَّائِمِيْنَ بِدَاخِلِهْ
ضوءُ أَعْيُنُهُم سَالِمٌ
ـ بِحِمَايَتِهِ ـ
مِن مُدَاعَبَةِ الفَضَلاتِ المُسِنَّةِ
شَمْسُكَ تَأْتِي
تتمرَّدُ، تُشْفِي حُدُودَ الفُصُولِ بِأَنْ تُحْدِثَ الصَّرْخَةَ الكَافِيَة؛ للخُرُوجِ عَلَيْهَا
وللبَيْتِ أنْ يَرفُضَ الدِّفء
يَشْرَحُ مَمْلَكَةَ اللَّيْلِ دَاخِلَ صَرَعَاتِهِ
وجُنُودُ النُّجُومِ الَّذِيْنَ قَضَوا نَحْبَهُم فِي مُصَارَعَةِ الصَّخَبِ المُسْتَعِرْ
فِي الزَّوَايَا
وِفِي شَفَقٍ يَكْتَوِي بِالغُبَارِ القَدِيْم
ظِلالٌ تُحَرِّكُ سَاكِنَهَا
مُنْذُ أنْ كَانَ مُلاَّكُها فِي سَرِيْرٍ يَرُجُّونَ ثَلْجَ المُلاَمَسَةِ الشَّاسِعَة
يَشْغِلونَ تَوَاطُؤَ أغْلالِهِم بِأَنِيْنِ اللَّهَب
وَهْوَ يَنْفُضُ قُوَّتهُ عَبْرَ قُبْلَة
أَلَمْ يَكُن الظِلُّ أصْلاً
غِوَايَةَ ذِكْرَى الجَّسَد
وحُلمَ الجَّمَادِ بِحُريَّةٍ مُسْتَحِيْلَة ؟!.

خَارِجَ خَارِطَتِك
يَقُومُ مَكَانَ الخيَامِ ـ الَّتِي اقْتَلَعَتْهَا أَظَافِرُ تَارِيْخَهَا ـ
أَثَرُ الطِّفْلِ حِيْنَ حَبَا تَحْتَ رَحْمَتِهَا
مُسْلِمَاً بَالَهُ لِتَخَيُّلِ أَشْبَاحِ جَدَّتِهِ فِي القمَاشِ الْمُسَرَّبِ لِلحَرْقِ
كَاسِرَاً عَيْنَ شَمْسٍ تَرَصَّدَتِ النَّفَسَ البَارِدَ فِي صَوْتِهِ
وفُضُولٍ يَضُجُّ بِكَفِّهْ
وَهْوَ
مِن
شِدَّةِ
الرُّوْحِ
يَقْبَلُ أنْ يَشْتَعِل.
تَقُومُ مَكَانَ الرِّيَاح
شَهقَةُ امْرَأةٍ ضَاعَ مِنْ جِلْدِهَا جِنْسُهَا
ضَاعَتْ الخَطَوَاتُ الَّتِي أطْلَقَتْهَا بِصَحْرَاءَ فَسَّرَتِ الرِّيْحُ مَلْمَحَها المُتَقلِّب
والسَّنَوَاتُ الَّتِي لَمَعَتْ فِي حِجَابِ مَبَاهِجِهَا لَمْسَةٌ تُفلِتُ اللَّيْلَ مِن سُترِهِ
وهِيَ
مِن
شِدَّةِ
الطَّلْقِ
تُسْرَفُ فِي جَنَّةٍ وَاشِيَة.

تَقُومُ مَكَانَ الدِّمَاءِ
إرْتِجَافَةُ كَفِّ الَّذِي جَرَّحَ الأرْضَ وهِيَ تُطِلُّ ـ بلا كَلَلٍ ـ مِنْ مَقَاصِدِهَا الدَّائِرَة
مِنْ أَصَابِعَ شَائِخَةٍ تَسْرِقُ الحِبْرَ مِن صُوَرٍ ثبَّتَتْهَا الحُرُوبُ البَرِيْئَةُ
طِفْلٌ يُسَمِّي القَذِيْفَةَ نَجْمَاً
ثَوْرٌ يُدَوِّرُ شَهْوَتَهُ فَوْقَ أنْقَاضِ أُنْثَاهُ
سَقْفٌ يُجَمِّلُ نَظْرَتَهُ للسَّمَاءِ الَّتِي تَخْتَفِي
وهِيَ
مِن
شِدَّةِ
الأرْضِ
تُشْفَى بِيَأسِ اسْتِدَارَتِهَا الخَالِدَة.

يَقُومُ
المَكَانُ
لآلِهَةٍ
بَائِدَة.

8
وكَانَ ذَلِكَ لأَجْلِ نِسَاءٍ شَفَّافَاتٍ وخَمْرٍ مِسْكِيْنٍ يَجْرِي مَغْلُوبَاً عَلَى أَمْرِهِ فِي أنْهَارٍ حَائِرَةِ الاتِّجَاهِ من تَحْتِهِمْ
وكَانَ ذَلِكَ لأَجْلِ أَعْلامٍ خَرْقَاءَ فِي أَطْرَافِ المَجَرَّةِ تُعْلِنُ حُدُوداً قَابِلَةً للإحْتِضَانِ، تُعْلِنُ عَنْ تُرْبَةٍ تَحْتَمِلُ قِيَامَ قَوَائِمِ عُرُوشٍ جَارِحَةٍ عَلَيْهَا
وكَانَ ذَلِكَ بِتَثْبِيْتِ العُيُونِ كالدَّبَابِيْسِ عَلَى خَرَائِطَ تَنْتَفِضُ بِدَاخِلِهَا أَرْوَاحُ الخَرَائِبِ الرَّاعِفَة
وكَانَ ذَلِكَ بالخَرْقِ الْمَتْلُوِّ عَلَى رُؤُوسِ طُيُورٍ غَائِبَةٍ فِي تَسْلِيْحِ الضُّوءِ والظَّلامِ بِأَجْنِحَتِهَا.
تَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ يَدُ الْمُرَاقِبِ
يَدُ الْمَذْبُوحِ عَلَى أمْرِهِ
يَدُ الرَّاهِبِ عَلَى جِلْدِهِ الْمُتَمَرِّد
يَدُ الْمَعْقُوفَةِ عَلَى كُتْلَةِ أبْنَائِهَا الْمُتَوَرِّمَة.
مِن بَيْنِ كِلِّ القُطْعَانِ أسُوقُ تِلْكَ الَّتِي تُدْرِكُ حَتْفَهَا فِي شِفَاهِ الهَاوِيَة
أَسُوقُ لَكَ قُطْعَانَ السُّحُبِ حَتَّى أَدْنَى حَرَارَةٍ تَنْفُثُهَا الأَرْض، حَتَّى فَمِ الوَرْدَةِ الْمُسْتَيْقِظِ تَوَّاً حَتَّى صَدَى الصَّرْخَةِ الْمَشْنُوقِ عَلَى حَوَافِّ الأعْشَابِ الْمَكْشُوفَةِ للرِّيْحِ العَاصِفَة، السُّحُبُ تُجْهِشُ بِرُوحِهَا مِن تَأَثُّرِهَا بالقِطَعِ الحَرَارِيَّةِ العَابِثَةِ ذَاتَ الضَّفَائِر؛ الْمُنْتَشِرَةِ عَلَى كَامِلِ الكَوْنِ بِلاَ آيَاتٍ تَرْفَعُ آذَاناً لتُعْلِنَ صَلاَتَهَا الجَّهْريَّةَ، كَيْف ؟ وجَامِعُهَا مَحْرُوْسٌ بِتَقَلُّبَاتِ اللَّيْلِ ومُضَاجَعَةِ الكَوَابِيْسِ الَّتِي بِلا فَمٍ ولا رَائِحَة، تَبْويْبِ الأَبَالِيْسِ ـ عَلاَمَاتِ الأَرَامِلِ مُوَهِّجَاتِ الذِّكْرَيَاتِ بِشُهُبِ القَلب ـ، كَيْف ؟ وَصَوْتُهَا مَسْحُوقٌ يَحْفَظُ مَاءَ وجْهِهِ بِتَجْرِيْحِ حَلْقِ مُتَجَرِّعَهُ الْمُفْتَرَضْ ؟! كَيْف ؟ وسَمَاوَاتُ رُؤَاهَا تُمَاسِكُ رُوْحَهَا بِشَظَايَا الْمَرَايَا الْمُثبَّتَةِ عَلَى بَطْنِهَا هَنِيْئَاً لِسَلاَمَةِ العَيْنِ صَاحِبَةِ اللَّفْتَةِ البَارِعَة ؟!.
وأَسُوقُ قُطْعَانَ السُّحُبِ عَارِفَاً بالذِّئَابِ الَّتِي تَنْسَلُّ مِن قمَاشِ قَمِيْصِي السَّارِح، عَارِفَاً بالأطفَالِ الْمَلُولِيْنَ البَاحِثِيْنَ عَن ابْتِسَامَةٍ فِي صُورَةِ السَّحَابَةِ الْمُبَاغَتَة، عَارِفاً بِمَوَاعِظِ الْمَنْفِيِّينَ قَاتِمَةِ الجَّدْوَى وهِيَ تَرَى فِعْلَهَا يَتَجَذَّرُ فِي تَرَدُّدِ الأمْطَارِ الَّتِي لَنْ تَهْطُل
وأسُوقُ لَكَ القُطْعَان وهِيَ تُسْقِطُ فَضَلاَتِ لَمَسَاتِهَا المُهْدَرَةِ طَعَامَاً للعُمْيَان.

9
السَّنَابِلُ تشْغِلُ أروَاحَهَا بِقَضَايَا الرِّيَاح
بأرْحَامِهَا الْمُشْرَئِبَّةِ بالطَّيْرِ والصَّيْد
والصَّرَخَاتِ الوَلُوفَةِ للشَّمْسِ فِي غَرْبِهَا
بانْتِفَاخِ الفُصُولِ التِبَاسَاً وفَتْكَاً بِقُرَّاءِ مُسْتَقْبَلِ الثَّمَرِ الْمُرْتَخِي فِي الفُرُوعِ العَلِيْلَةِ.
أَشْبَاحُهَا ـ السَّنَابِل ـ تَخْلِقُ أرْصِفَةً فِي ازْدِحَامِ الْمُدُن
وإزْدِهَارِ سُلاَلةِ أبْنَائِهَا بالصِّنَاعَةِ
والتُّرْبةِ الْمَعْدَنِيَّة
أشْبَاحُهَا كَائِنَاتٌ مُشَرَّبةٌ بالتَّشَرُّدِ فِي عَيْنِ فَاحِصِهَا الْمُنْتَظِر
وَهْوَ يُغْرِقُ أقْدَارَهَا فِي كِتَابِهْ.

(مَلاَئِكَةٌ غَارِقُونَ بِوِحْدَةِ لِذَّاتِهِم يَشْرَحُونَ انْقِطَاعَ الْمِيَاهِ عَنِ الرِّيْحِ، والسُّحُبُ أنْتَشَرَتْ فِي جِيُوبٍ يَدُسُّوْنَ أَطْرَافَهَا فِي بَوَاكِيْرِ أنْوَارِهِم).

وكَأنَّ السَّنَابِلَ ـ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنَ الْمُدُنِ الفَاتِكَة، بِهَزَائِمَ لا تَنْتَهِي ـ
شُلَّةٌ مِن أرَامِلَ غَالَبَهُم فِي الدُّمُوعِ العَمَى
يَتْرُكُونَ سُلاَلَةَ أزْوَاجِهِم للقِيَامَةِ
والذَرَّةِ الهَيدْرُوجِيْنِيَّةِ الحَائِرَة.

10
أغَانٍ تَتَخَلَّلُهَا لَحَظَاتٌ صَامِتَةٌ يُلقَى عَبْرَهَا سَلامٌ
(لأيِّ شيء؟)
أغَانٍ كهذِهِ
لا تَحْيَا إلا دَاخِلَ قَارُورَةٍ حَدَّدَ مَادَّتَهَا حَاكِمُ الكَوْنِ العَظيمِ لَحْظَةَ مَسَّهُ حُلمُ الإنسان.
مَادَّةٌ خَطَّاءَةٌ تُشْوَى بِخَطَواتِ الطُّرُقِ المَسْدُودة، تُمنحُ البُهتَانَ حينَ يَلفُظُ ضَميرُهَا طَلَبَ القُبْلَةِ.
وقد كانَ للرِّيحِ أَيادٍ أيْضَاً عِندَمَا تُؤمِنُ بِأنَّ لَهَا خُلوَةً في هذا العَالَم، وكانت تُمسِكُ القَارورَةَ بين يَدَيْهَا كَوَجهٍ عُذْرِيٍّ يَأَّسَهُ الإنْتِظَار، وتَرْجُو الأغاني بِلُغَتِهَا الضَّائِعةُ في الصيغِ الشِّعْريَّةِ أنْ أعْمَلِي أبداً داخِلَ الهوَاءِ الذي مَرَّ فِيهِ أوَّلُ طائرٍ أنْجَبَتْهُ السَّمَاوَاتُ، وهوَ يُؤَدِّي سَقْطَتَهُ الأخيرَةَ، ولْيَكُنْ عَمَلُكِ تَمِيْمَةً تُجَنِّبُ الحَيَاةَ حَسَدَ الملائِكَةِ الصَّائِبِيْن، تَميمَةً تَشنِقُ فُتاتَ الأصابِعِ الَّتِي تُنْجِبُ نَارَاً وتُلوِّثُ نُطْفَ اليَقِيْنِ في ثَلْجِ تَارِيخِهَا، تَمِيْمَةً تَحْكِي للمَوْتِ تَفَاصِيْلَ جَسَدِهِ الَّتِي تَكْسِرُ كلَّ مرآةٍ وَقَفَ أمامها متأمِّلاً، وتُكسَرُ داخِلَ كلِّ عينٍ لَمَحت صوَرَهُ الزَّائِفَة.

كانَتْ نَظْرَةُ الأرْضِ صَمَّاءَ دَائِمَاً.

يُنفَى الطَّائِرُ فِي الهَوَاء
أصْلاً كَانَ فِي العَدَمِ الْمُلْتَهِبْ
لِهَذَا، أصْبَحَ يُغَرِّدُ، ويَصِيْحُ بَيْنَ مُقَاوَمَاتِ الهَوَاءِ الجبَّارَة.

تَتَسَلَّقُ الكَوَارِثُ السَّكْرَانَةُ جُذُوعَ الأشْجَارِ اللَّينَة
تَتَوَهَّمُ خُلُودَهَا بَعْدَ تَقْبِيْلِ الأوْرَاق
لَكِنَّ الطَّائِرَ بالْمِرْصَاد.

لِكُلِّ شَجَرَةٍ (إنْدَايَةٌ) فِي الجُّذُورِ
تُخْفِقُ فِي تَعْرِيْفِ هَوَاءِ الْمُتَنَفِّسِ بالعَبَرَات
تُفْلِحُ فِي تَصَوِّرِ السَّمَاءِ وَهِيَ تَسِنُّ قَوَانِيْنَهَا ـ السَّارِيَةَ الْمَجْهُول ـ عَلَى جَسَدِهِ
الطَّائِرُ يَأْتِي لِيَنْقُرَ خَشَبَ الجَّسَدِ الْمَخْفِيِّ بِرُعُونَةٍ
الطَّائِرُ بالْمِرْصَاد.

صُورَةُ الصيَّادِ ثَابِتَةٌ فِي عَيْنِ الطِّفْل
(الصيَّادُ: أبَاهُ الْمُبْتَسِم)
مَنْ عَلَّمَهُ الأسْمَاءَ جَمِيْعَاً
عَلَّمَهُ الذَّنْبَ الْمَعْقُوفَ زِيْنَةً حَادَّةً فِي شُبَّاكِ غُرْفَتِهِ المفتوح، المُتوَحِّش
عَلَّمَهُ تَدْرِيْبَ البِحَارِ عَلَى سُلُوكِ شَخْصِيَّاتِهَا اللانِهَائِيَّة، الأنْهَارُ الْمُتَّهَمَةُ بالإغْرَاقِ السَّهْل
عَلَّمَهُ إصَابَةَ الهَذَيَانِ فِي مَقْتَل، حِيْنَ يُحْكِمُ الطَّائِرُ بَصْمَتَهُ عَلَى إنَاءِ الخَمْر الْمَكْسُورِ ويُجْرَح
عَلَّمَهُ دَهْنَ الأيَادِي الَّتِي سَتُصَافِحُهُ ـ طَوَالَ العُمْرـ بِرَائِحَةِ غِشَاءِ العَيْنِ الوَاهِي.
(صُبَّنِي يا أبِي فِي أسْمَاءِ الكَوْنِ حَلِيْبَاً لَمْ يَفْطِمْ مَجَرَّةً بِيَقِيْنٍ يُلْمَس)

صُورَةُ الصيَّاد ثَابِتَةٌ فِي عَيْنِ الطِّفْل
صورةُ السِّرْبِ الْمُهَاجَمْ
الشِّتَاءُ الرَّاجِفُ دَاخِلَ عظام أفْرَادِهِ الْمُتَصَلِّبَة
البَقَاءُ الْمُنْتَفِعُ بِكَوْنِهِ أجْنِحَةً
والطَّائِرُ
بالْمِرْصَاد.

تَبْهِيْمُ الْمَعْبَدِِ بِخُلُودِ السَّاجِدِيْن
لا يَعْفِيْهِ مِن الشَكِّ الْمُتَدَفِّقِ مِن الجَّبْهَةِ السَّاجِدَة
الشكُّ الَّذِي يُخَلِّفُ كَهْفَاً فِي تَجَعُّدَاتِ الْمُتَأَمِّل.

تَبْهِيْمُ الْمَعْبَد بِنَثْرَ الطُّيُورِ عَلَى سَقْفِهِ الحَائِر
لا يُشْفِيْهِ مِن غِيَابِ الشَّمْسِ عِنْدَ الغُرُوب، ومُتَرَتّبَاتِ ذَلِكَ، مِن انْجِذَابِ الطُّيُورِ لِوَكْرِ الشَّمْسِ الكَاذِبْ، وتَفَتُّتِ أَجْنِحَةِ الخَفَافِيْشِ فَوْقَ الرُّؤُوسِ الغَافِلَة.

الطَّائِرُ بالْمِرْصَاد.

يُنْفَى الهَوَاءُ فِي العَدَم
يَبْقَى اللَّهَبُ مُعَلَّقَاً بِنَظْرَةِ الطَّائِرِ الأبَدِيَّةِ للبَريِّةِ الخَائِفَة
وَهوَ مُثبَّتٌ أَعْلَى صُخُورِ الجَّحِيْمِ الْمُرَمَّمَةِ بِتَشَقُّقَاتِهَا.

عينُ الجنَّة

سَاقِيَةٌ سَكْرَانَةٌ فِي أُُفُقٍ مَيِّتٍ تَدْعُو صُقُوراً جَائِعَةً لِتَأَمُّلِ الْمَاء:
مَاءُ الْمَلائِكَةِ القَابِضِيْنَ عَلَى مَصَائِرِ الفِئْرَانِ الْمَبْذُولَةِ للبُيُوتِ الجَّمِيْلَة
مَاءُ السَّلاسِلِ الكَاسِيَةِ لجِرَاحِ الرَّاكِضِ العَارِي فِي سَاحَاتِ الْمُلُوكِ الرِّيَاضِيَّة
مَاءُ كَمِيْنِ النَّشْوَةِ مُغْتَرَفَاً مِن سِيْقَانِ الجنَّةِ وَهِيَ تَتَأَوَّهُ مِن وَطْأَةِ خَيَالاَتِ الأَرْضِ.

فِي النِّهَايَةِ
كُرَةٌ أَرْضِيَّةٌ تُوْحِشُهَا لَمَسَاتُ الأَقْدَامِ الْمُرْتَعِبَة
سَاقِيَةٌ سَهَّارَةٌ تَكْشِفُ عَوْرَتَهَا عِنْدَمَا يَعْكِسُ الغَفَّارُ اتِّجَاهَ الزَّمَن.

***

عصام عيسى رجب

  • من مواليد قرية كجرت بشمال كردفان، عام 1963.
  • تخرج من كلية الدراسات التجارية بمعهد الكليات التكنولوجية بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا حالياً، عام 1987.
  • حاصل على الدبلوم العالي في الترجمة من وحدة الترجمة والتعريب بكلية الدراسات العليا جامعة الخرطوم، عام 1992.
  • مقيم في الرياض بالمملكة العربية السعودية منذ عام 1993.

صدر له:

  • الخروجُ قبلَ الأخير، شعر، مركز الدراسات السودانية القاهرة، 1999.

سِفْرُ السَّكينة

إلى: الهادي أحمد علي

قالتْ امرأةٌ في المدينةْ:

السَّكينةْ
ما يتصاعدُ من ذكرياتٍ مع التبغ
وقد غفل الهمُّ عن القلب
أو فتصاعدَ مِثلَ الدُّخان.

والسَّكينةْ
طيرٌ إذا حنَّ
غنَّى مواجِدَهُ للشَّجر
ومالَ ببُحَّتِهِ للوراء
فأخضرَّ نهرٌ
وطارَ جبَلْ.

والسَّكينةْ
كأسٌ تُسارِرُ خمرَتَها:
شِفِّي
تشِفُّ بك الروحُ
عاشِرةً
وترِفُّ السَّكينةْ.

والسَّكينةْ
بحرٌ رهيفُ
كما آخِرِ الشُّعراء
يُخبِّئُ جيشاً مِن الموجِ
في بُردَتيهْ
كي تمرَّ السَّفينةْ.

والسَّكينةْ
ما ضاعَ مِن بلَدٍ
لم تصنْهُ الأناشيد
فهوى مِثلَ صخرةِ "سيزيف"
نحو سفحٍ بعييييدٍ كما الحُلْم
غارَ بخيبَتِهِ وأندثر.
والسَّكينةْ
كَفُّكَ
وهي تَسافِرُ في جسَدِ امرأةٍ
تنامُ كما البحر
تجوسُ أصابِعُك المغمضاتُ
فيثقُلُ موجُ تنفُّسِها
مثلَ القصيدةِ
حين يكونُ دوارُ النشيد
ويشهقُ نهدٌ
كأبهى غريق.

والسَّكينةْ
ما رددته المياهُ
على مسمع الصخرِ
حتى ترقرق منه الكلام
حنيناً حنينا.

والسَّكينةْ
أنْ يقرأَ الوردُ طالعَهُ
فيرى مُشتَهاه
ثُمَّ لا ينثني نحو ضؤٍ
عفتْه البنات
فباء بظلمتِهِ وأنتحر.

والسَّكينةْ
أولُ شئٍ تراه
حين تفارقُكَ الروح
تنتظرُكْ
على دَرَجِ الغيمِ
حيثُ الحبيبةِ تغزلُ شهوتَها
ويطولُ السَّفَر.

والسَّكينةْ
أُختُكَ تمشي إلى بيتِها
في السَّماء
لمْ يعُدْ ها هُنا
غيرُ هذا التَّعب
غيرُ جِسْرٍ يُعلِّقُ حَيرتَهُ
في الهواء
لمْ يعُدْ ما يُليقُ
بضحكتِنا في الفرَ ح
أو فبدمعتِنا إذْ تسيل
لمْ يعُدْ مِن مكان
لمْ يعُدْ ما يضيق.

والسَّكينةْ
ما نسِيَتْهُ الملوك
حين أستقامت إلى السيفِ
يكتبُ سيرتَها
ما أستكانَ لَهُ الدم
أو غشتْهُ الضغينةْ.

والسَّكينةْ
هي نهدُ الفتاة
لمّا يراوِدُ َكَفَّ القصيدة
عن حبرِها
َّثُمَّ يُكوّرُها قبضةً من هواء
أو فهي ليلُ المدينة
ساجٍ على عاشقٍ
قبَّّلته حبيبتُهُ قبل عام
فأحتلمْ.

والسَّكينةْ
ما شرَّدتْهُ الحياةُ مِن الشِّعر
تهِفُّ عليك القصيدة
كأشهى النِّساء
وتجفِلُ حين تهشُّ عليها
ببعضِ انتشائك
ولاتَ غِناء.

والسَّكينةْ
آخِرُ طيفٍ يلوحُ
بسُمرَتِهِ للجنود
حزيناً كأنْ
لم يخلُقِ اللهُ
إلا الحزَنْ:
ـ إذاً، فلِم كانتِ الحربُ
وها رايتانِ مُنكَّستانِ
ودمٌ غارِسٌ رُمحَ لعنتِهِ
في العراء ؟.

والسَّكينةْ
طِفلُكَ يبكي
لأنَّ الشِّتاءَ طويلٌ
كدرسِ الحِساب
ولأنَّ العذابَ لَهُ:
أنْ يُضيِّعَ مِمحاتَهُ
أو تختفي لُعبَةٌ
تحتَ بعضِ الثِّياب.

والسَّكينةْ
صُورتُها
وهي تطلُعُ مِن
بيتِ شِعْرٍ وحيد
كتبتْهُ الرياحُ على خَصرِها
حين غطَّتْ سماءٌ مفاتِنَها
كي يضِلَّ المَطر.

والسَّكينةْ
ليلٌ بلا أسئلة
يمُرُّ وقد وضَعتْ
أوزارَها الحربُ
نامتْ يدٌ تُمسِكُ السيف
وأُخرى تُطوِّقُ عُرياً فسيحاً
كما شهوةٍ
مُنذُ بدءِ الخليقةِ
قد سقَطتْ مِن سرير.

والسَّكينةْ
نحنُ النِّساء
سيِّدات الحياةِ الجميلات
رياحين أنفُسِنا
أجسادُنا تكتبُ الشَّعْر
والحربُ ترقصُ رقصَتَها
في البعيدِ البعيد
في خيالِ الجنودِ المُرفرِفِ بالموت
والذِّكرياتِ الدفينةْ.

والسَّكينةْ
هذا الغِناءُ الذي
سكَبتْهُ بناتُ الحنينِ
على مَهْلِها
هُنا
كان وجدٌ يسيل
وهُنا
طارُ طيرٌ ولم
وهُناكْ
رسَمتْ يدُها وجهَهُ
شارِداً مِثلَ بالِ الغزال
ثُمَّ نادَتْ:
تعااااال.

والسَّكينةْ...

سَماوات

إلى إبراهيم وطفي
أو
فإلى كافكا

هكذا دائماً
تتزوجُ الحبيباتُ
مِن الآخرين
مهندسي طُرُق
أطباء جيدي السمعة
عساكرَ
موظفي بنوك، ربما تقاعدوا
بعد عشر سنوات
أو أقاربَ بعيدين
لا لشيءٍ سوى أنَّ ظلالَ هؤلاء
أطولُ سُمرة
وقلَّما تدورُ للوراء
ومزاميرَهم مديدةُ النَّفَس
ومناديلَ شهَواتِهم
أكثرُ هفهَفةً
(حتّى السِّهامُ الرهيفةُ
التي أنغرَستْ عند رُكنِها
تُشيرُ إلى خارجِ القلب)
وأعيُنَهم سيدةُ النَّظرَات
تُحدِّقُ فيك
حتَى يشردَ البحرُ منك
ولا..
لكن تروغُ الحبيباتُ مِنْ الشُّعراء
هؤلاء دروايشُ جداً
فلا يجيدون فتحَ البيوتِ
إلا قليلا
والأطفالُ
يأكلونَ القصائد
لكنَّ الإنتظار
من أولِ السَّحر
إلى أنْ يجِفَّ حبرُ القصيدة
طويلٌ
وأعمى النبوةِ
مثل دعاءٍ
ضلَّ
طريقَهُ
إلى
السماوات.

شجَرة

إلى عصام عبد الله،
فهو من غرسَ هذي الشَّجرةَ هنا
وإلى نزيه أبو عفش،
أشبهِ الناسِ بالشَّجر.

مثلَ شجرة
تُحدِّثها أنك ستكسِرُ غصنَها
(يدَها التي بها
تُسرِّحُ خضرتَها)
تقول لها /
أنَّك تُريدُ أنْ تُسْكِنَ جوعك
فلا بدَّ لك من غصنٍ تأكُله
أنَّك سترفعُ ثوبها
عالياً في الهواء
وسـَ.....
مثلما هو شائعٌ عن الشَّعراء
أنَّك لم تشاجر زوجتَك
منذُ عامٍ ونصف
وتخاف
وأنّك ساخطٌ على حاكِميك
وستُشعلُها ناراً
يخضرُّ لها نهدُ الكون.
................
................
شيئاً ما يرتجِفُ قلبُ الشَّجرة
لكنَّها في غَفلةٍ من نواياك
تطيرُ إليك
تطرحُكَ ظِلاً أخضرَ
وتحرثُكَ طويلاً
حتى ينقطعَ منكَ النَّفَس

***

عفيف إسماعيل عبد الرازق

  • من مواليد الحصاحيصا، عام 1962.
  • عمل محرراً صحفياً بالقاهرة بكل من مركز الدراسات السودانية ـ مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ومجلة شعر، بين عامي 2001 ـ 2003.
  • عضو مؤسس لمنتدي الحصاحيصا الثقافي ـ بالسودان.
  • عضو جماعة الجمام المسرحية ـ السودان.
  • مؤسس منتدي شموس الثقافي السوداني بالقاهرة.
  • عضو هئية تحرير صحيفة: المهاجر السودانية ـ أستراليا.
  • مؤسس منظمة أجنحة للتبادل الثقافي والتنمية ـ أستراليا، ويشغل الآن منصب الرئيس.
  • كاتب مسرحي.

صدر له:

  • فخاخ.. وثمة أثر، شعر، أكاديمية الشريف للنشر الخرطوم، 2001.
  • رهان الصلصال، شعر، كتاب مجلة شعر المصرية، 2003، ترجمته إلى اللغة الإنجليزية د.عايدة سيف الدولة، وصدرعن دار سمنثا العالمية للتعدد الثقافي والنشر، أستراليا، 2005.
  ؟  
لماذا لماذا لماذا
كل كل كل
ما من ما
نحبه نحبهم ننتظره
يصير يتركوننا يصير
بعيداً ؟! لليتم المبكر ؟! مثل "جودو"؟!

ميلاد

في
الفضاءِ
الطلق
رمت بالربع الأخير من العام
ثم
باسمها المتعدد الالقاب
تبعتهما:
// بعض أحلامها المؤجلة //
// رسائل إعترافات سرية //

بترت الجزء الموفور من أرق الروح وميراث الحنين
بعد أن زفرت آخر عاشق خارج دوائر قانون الجاذبية
وهي تتخففُ
من
ثِقل
الأشياء
بصقت كل مخزونها من الدمع
خلفه تاريخ ميلادها
ووصاياهم المتشابهه
وقهقهت ملء الإنعتاق
كي يعلو
منطادها
إلى
سدرة
البدء.

بيكاسو ما قبل وبعد الجرنيكا

اللوحة الأولى
إنه الترمبيت
من سلالة قرن الثور لا يكف عن الإشتعال
يشحذ الصرخة في ذاكرة الإنتباه
ويشغل الروح التائهة عن ألوانها الباهتة
ولا يمل من تكرار لحن إفتتاح المهرجان.

اللوحة الثانية
دفئها يعوى مثل أنغام متوحشة يعزفها "الموسيقيون الثلاثة"
دوائر حلزونية
ومثلثات تتسابق وتتصاعد إلى أعلى:
إخترق صلصالي
وأحترق
لكن لا تبتعد
إقترب
ولا تقترب
إبتعد
ولا تبتعد
إقترب
ولا تحترق
أحترق
ولا تحترق
فـ.. قـ.. ط..
إخترق
إخترق
أو
إحترق
إ.. حـ.. تـ.. ر.. قـ ..

اللوحة الثانية
ـ لا
لا
لا.. وألف لا سيدي
لن أقسم بآلهة لا أعرفها ولا تعرفني
أنا لا أستخدم ألوان ذرية
لم أرسمها
أنتم من رسم "الجرنيكا".

اللوحة الأخيرة
لم تكن هي التي ترقص بجنون تحت الرماد
ولم يكن هو
أو ظلهما
أو "المهرج"
أو"آرليكان" متنكراً في طيف حلم مكبوت
أو همس التوق حين تحترق الرؤيا
أو عين يتيمة لم تغادر بعد طفولة الرؤية والبدايات
أو إنه يجرب رشقة ريشة يابانية
بل كانت هي تلك الرغبة العجوز !!

عازف البيانو الأعمي في ميدان فورست
أو
ظل بلا أثر

اللاجئون الجدد هم أكثر الغرباء تيه / كائنات حائرة تتوسط المابين/ يقفون على حواف البكاء بلا دموع في أعينهم حنين راعف للمستحيل وتوق حارق للخلود/ هل تكفي الأبدية لتعويضهم زهر سنواتهم المسروقة وغدهم الغامض ؟
بنصف ذاكرة يعيشون /
نصف هنا /
والآخر هناك في بلاد بعيدة /
دائماً يرتدون ملابساً لا تلائم الطقس/ بشغف من يريد أن يغير العالم، يتابعون بنهم كل نشرات الأخبار العالمية ثانية بثانية، تذبحهم عناوينها الدامية / فلا ينتبهوا لأحوال النشرة الجوية فيبللهم المطر/ يهيمون في الطرقات مرتجفين مثل طيور يتيمة / يحاصرهم إرتباك شائك وبعض حرج / يصبوا لعنات خرساء على السماء الغريبة التي تمطر بلا بروق أو سحب داكنة / ويعودون بنصف ذاكرتهم لإجترار لعنات أزمنة دائرية أقتلعتهم فجأة من تحت سماء يطمئنون لها ويعرفون كل تحولاتها كأصابعهم المعروقة /
ذاك المارد الأسمر سليل آلهة النيل العظيم / حقا إنه إبن جدته العرافة وبخورها المعطر وذاكرتها البدائية / يعرف الأماكن بروائحها / ويشم تعب الآخرين عندما يعبرون من أمامه /عندما تحدثه حبيبة الشقراء عن فاكهة لا يعرفها لا يتخيلها إلا إستوائية / وإذا حدثته عن تنورة جميلة أعجبتها لا يتصورها إلا مشجرة مثل روحها التي يتوكأ عليها في بلادها الغريبة /
ويل للغريب بلا حبيبة /
الغريب لا يصادق إلا أرواح غريبة /
يري بأذنه /
ويسمع بعينه /
يتخيل الأشياء بنصف ذاكرة، ويسمعها كما يحب لها أن تكون في أبجديته الجديدة التي لا يعرف جيداً رسم حروفها وتتشابهه عليه الأصوات فيها / عندما لوحت له بيدها اليسري مودعة وقالت له:
نلتقي يوم الجمعة الساعة الثالثة مساء في ميدان "فورست" بوسط المدينة / تخيل الغريب بذاكرته الإستوائية أنه سوف يعانقها في ميدان وارف أكثر من قلب أمه / لكنه في ضحى الجمعة وجده صحراء موحشة مع بعض التحسينات الخرصانية تنبت من بلاط صخري قديم / وعندما قرأ تلك اللافتة Forrest Place، تبخرت من ذاكرتة آخر واحة في أمنياته أن يجد بعض إخضرار في ميدان السيد فورست أو لوحة لهما / أصطادته نغمات كانت تتصاعد في ذاك البوار من أصابع عازف بيانو أعمى في حلة سوداء كأنة قادماً للتو من العصر الفكتوري، كان يُنغم The Lonely Shepherd، لم ينتبه المتعجلون بخطواتهم الراكضة أمامه لتلك الأرواح المستوحشة التي تبكي بقلبه ثم تخرج من بين أصابعه وتهيم في الفضاء، لم ينتبه أحد منهم أن يرمي قطعة عملة معدنية صغيرة في قبعته السوداء المهترية الممدودة أمامه كقدم فيل رضيع محروقة / بل تعالت صراخات مراهقين صاخبين يعبرون، تلونت روؤسهم مثل أعراف الديوك، وقهقهوا كثيراً وهم يشيرون بأصابع فاحشة، ويعرون مؤخراتهم ويضربون عليها بكف واحد ثلاثة مرات أمام عينيه اللتان كانتا تحدقان في سواد الكون وتريان صلصالاً يتناسل أقماراً ذهبية / على ناصيه ميدان السيد فورست كتمثال روماني قديم كان يقف أحد محترفي التمثيل الصامت متلوناً بالفضة من ظفره إلى شعره يدير كلعبة إلكترونية وجهه بإتجاه من يرمي له قطعة عملة فضية ويبتسم / وعلى الناصية الأخرى حاوي يبتلع سيفاًى/ وآخر يتلفع بأفعي ذات ألوان براقة / وبائعا لبلونات في هئية حيوانات أليفة يتوسط المكان / عشاق بمرح يتخاصرون ويبتسمون برضا من يملك الأرض والفضاء / في تلك اللحظات عازف البيانو الأعمي كان يعزف أحد مفضلات الغريب If I Were a Rich Man، فينجلي بعض من سخام الصدي بروحه فيري أمامه غجريات مزركشات كحلم صبي يعبرن بصخب بلا خيام / طفلة تتشبث بأصبع أمها المستعجلة وتلح كي تشتري لها آيسكريم / حلقة صغيرة حول رسام يعطيك ملامحك بدقة فوتوغرافية في خمس دقائق / من وشم لاعب كمال الأجسام يطل لسان تنين يكاد أن يلتهم من يقف قرب كتفه / صبية تعبر نصف عارية كأنها في مسابقة عالمية للفوز بملكة عدد الحلقات المعدنية التي تتدلى بأحجام مختلفة من أنفها وقرب حاجبها الأيسر وفي أذنيها وفي منتصف شفتها العليا وفي لسانها وأخري بحجم كبير علي سُرتها / عازف كمان كوري يثرب نحيب ملائكة معذبة تريد الإنعتاق / بملامح وديعة سرب من الأسيويين الضامرين الطيبين يتلفعون بثياب برتقالية اللون يمرون بخطوات هادئة كأنهم في صلاة بوذية لا تنتهي / خلفهم يسير حافيا كنبي، مبنوذ عجوز من السكان الأصليين لأستراليا يشم الغريب أوجاع روحه المتشظية ولظى إحتراق قلبه / ويري رجليه الحافيتن تعانقان أوتاد الأسلاف في باطن الأرض/ وآلام أجيال مسروقة تطل من عينيه اللتان تحجر الدمع فيهما على حواف الصراخ المكظوم /
ينتبه الغريب.. إنها الساعة الخامسة مساء.
نصف ذاكرته نسيت إنتظاره لحبيبته الشقراء / وصارت تتفرع مثل لبلاب تطارد مقطوعات "شوبان" السريعة التي جعلت عازف البيانو الأعمى فجأة ملك الميدان ضابطا إيقاع الخارجون من نهارات العمل الطويل / مسرعون كالناجون من الطاعون يوفون نذورهم بوضع العملات الذهبية في قبعته، قلبه يجادل "شوبان" في سماواته البعيدة وأذنه تتحسس برهافة فقيرة هل هذه رنة عملة بقيمة دولار أم دولارين ؟!، تلك الخشخشة لفئة الخمسة أم العشرة دولار؟، الغريب يتحسس جيبه فتطل من محفظة نقودة الجلدية صورة حبيبته الشقراء فيتذكر بنصف ذاكرته المثقوبة التي حلقت إلى ما فوق قوس قزح بأنها لم تأت.
في أول الليل سار الغريب وحيداً مبللاً بالغياب مثل ظل بلا أثر لطيور يتيمة //.

***

طارق الطيب

  • من مواليد القاهرة، عام 1959.
  • مقيم في فيينا، النمسا.
  • حاصل على العديد من المنح والجوائز الأدبية من النمسا.

صدر له:

  • بعض الظن، شعر، القاهرة، 2007.
  • و8 أعمال شعرية أخرى.

امرأة سياسة

السيدةُ التي أمْتَهنَتْ السياسةَ
في غَفْلةٍ من الزَّمَنْ
وصارَ في حقيبةِ يَدِها
أغلَى أنواعِ المساحيقْ
ومئاتُ الأوامِرِ
نَسِيَتْ عهدَها لنفسِها
قبلَ رُبْعِ قرنٍ
أن تظلَّ كما هيَ.

السيدةُ تبحثُ كلَّ صباحٍ
عن وَجْهِهَا القديمِ في الْمِرْآة
وفي غَمْرَةِ يأسِها اليوميّْ
تحشُرُ في حقيبةِ يَدِها
بضعةَ آوامرَ قاسيهْ
تدُسُّها جوارَ مفاتيحِ بيتِها
والمساحيقْ
تُغلقُ بابَ بيتِها بنفسِها
لكنَّها بعدَ ذلكَ
لا تَفتحُ بابَ سيارتِها
ولا تُغْلِقُهُ
ولا أيّ بابٍ آخرَ
طَوَالَ يومِها.

سيجموند فرويد

السيدةُ التي كانتْ تخدُم "هِرّ" سيجموند فرويد
لم تكُن على عِلْمٍ بِمَا يفعلْ
وبما فيه يُفكِّر
كانت تعتَبِرْهُ رجلاً مُرَتَّبًا
ومُريبًا
تُنظِّفُ بيتَهُ
وتَغْسِلُ له مَلابِسَهُ
تدْعَك ياقاتِ قُمْصَانِهِ بشِدَّة
خَوْفًا من أنْ تَتْرُكَ فيها أثَرَ إهمالٍ
تنفُضُ بإصْرَارٍ الكنبةَ
التي سقطَتْ عليها آلافُ النفوسِ والأحلامْ.

في الْمَسَاءِ حينَ كانتْ تجْلِسُ إلى صديقاتِها
في بيتِها وتَصْنَعُ
كعكةَ "الكوجيل ـ هوبْف" لَهُنَّ
تحكي كيفَ أنَّها
تُشْفِقُ على هذا الرَّجُلِ المِسْكِينْ
تَحْكِي لَهُنَّ
عن كنبتِهِ الشهيرة
التي يرتمي عليها كُلُّ زَائِرٍ
وزَائِرَهْ
وهو ينحني عَلَيْهِمْ
وعَلَيْهِنَّ
كَمَنْ يُنصِتُ لأصواتٍ بَعِيدهْ.

خديعةُ النَّجْمِ

قَوَاربُ من النَّزيفِ
تسبحُ ضدَّ التيارْ
تَهْرُبُ من ظلامٍ
إلى ظلامٍ أظلَمْ
النَّجْمُ الذي يَهْدِيها
يَغُشُّها عندَ الشاطئْ
ويعودْ
تنتظرُ في قواربَ من النزيفِ
مُكْتَظَّةٍ بأنفاسٍ لاهثةٍ
وعيونٍ مفتوحةٍ كأعينِ أسماكٍ ميتهْ.

ومن ظلامٍ
إلى ظلامٍ أظلمْ
إلى شواطئَ
تكتظُّ في الليلِ بالموتَى
يُنظِّفُها في النهارِ
من نجا
من خَدِيعَةِ النَّجْم.

لمْ ينجحْ أحَدْ

كأنَّهُ إمتحانٌ للبَشَرْ
أوراقُ الإمتحانِ تأتي مَطويّهْ
وعليهمُ الأسئلهْ
ينتظرونَ النتيجةَ
سنواتٍ
يَخِرُّ منهمُ الأملُ
والتذكُّرْ
بَشَرٌ ليسوا معصومينَ من الخطأ
والهفواتْ
مُجْبَرُونَ على النِّسْيَانِ
يعُودُونَ لإجاباتٍ عَصِيّةٍ
يُكرِّرُونَ عشراتِ المراتِ
إمتحانًا
لم يرسُبوا فيهِ
ولم ينجَحُوا.

***

عاطف خيري

  • من مواليد العام 1969.

صدرت له:

  • سيناريو اليابسة، شعر، 1995.
  • الظنون، شعر، 1998.
  • تشجيع القرويات، شعر، 2006.

الأعمي الأعمق من ذلك

نصوص من كتاب تشجيع القرويات

الأوّل
المسترسلُ في يابسةٍ قد تَضُر
المستعرضُ عاهةَ البيت أمام السّفر:
سيؤخذ بالتحليقة المباغتة
ويذعن في أولِ العقل
كمنقار.
الهربُ كذلك بحاجة إلى مُعلِّم
إلى مشورة الفضاء
وما أرتُكِب من خيام.

الثاني
الصباحُ أغدق الأذى
على المهل
تساقطتْ فوقنا يرقاتُ مودِّعين
سرابُ الأخريات شرب
ومدّ يدَ العون
طائرٌ
بالكاد يتعلّمك فتسير
واحلاً فوق تلال العزيمة
منازلك تتقرّح بالوصف
ولك رتبةٌ في الهلع.
الريشُ وما أقترفته من هياكل
الغصنُ وما تنكّبتَ من ظلال
في قمامة إكتراثك:
حظوظٌ
لم تُمْسس ملوثة بفضلات النجوم
الثمارُ الأبعد من اليد
كونها في فمٍ نيئ
عرقُ ما حدث يتفصّد
وفي شقوق الفقد
على آجر ما لم ينهدم
ستفقس بيضةُ إهمال.

الثالث
في الحضيض ممالك
أُبهةٌ شاخصة منذ شظايا
رسائلٌ تُفض بالحراب
عصافيرٌ مصفّدة
لسوءِ حُسن الطيور
أجنحةٌ عذبةٌ في الحضيض
أقعدتها القواريرُ
لا العطر
أقعدتها مقاديرٌ
كالعطر
كلهم في عجلةٍ من حزنهم
أستطردوا في ظلام وخميرة.
آخرون
ضربوا أمهاتهم كالخيام
في حضيض امرأة.
أخريات
بقين في حجرة الدمع
يجمعن روث الأمنيات البعيدة
قرب سرير الأصيل.
بعضهم يلحن بضوءٍ مريض
يتضور أحذيةً وتخاريم غلال.
جبلٌ ذاهلٌ عن تلال البنات
من إطراقة جاره كأسه امتلأت
في كلِّ رشفةٍ يحتسي ما يُضحك الأرضَ
تحت الثياب
ما تخلعه على أخريات
من شحوبٍ وتاج
من وسائدِ مرّة واحدة
على آرائك كل مرّة
في شواهقٍ من حضيض
روائحٌ تمشي على أربع
الزقاقُ يعرج إثر طلقة القمر
أحدهم بدأ زورقاً
ولاذ بالتراب.

الرابع
جرحى بإنتظام
ربما الربيع يستجوب إحداهن بالجوار
أفعى على ما يرام
كثيرون
الحجارةُ أيضاً عرضةٌ للتصوّف
هذا الصباح
هنالك من تضمّد البيت
تاركةً الشاي تحت ظلف الحبهان
وتعفو عن نباتٍ ونبات
من شقوق الباب
هنالك أرضٌ لم نعد نتجاذبها
صيحةٌ مرحة على سلعة غامضة بالفضاء
الرسائلُ الموجعة كحجرٍ في العتمة
فرصتنا الأخيرة بتعذيب الرسول.

الخامس
تمضغ عشبةَ الليل
بجوارك
النجمةُ تتبرعم في عذرية الحظ
عائلةُ الألوان في فكٍ عائلي
الحطبُ اللين تحت قدور الأفق
أنت تشعله بالتوجّع جنوباً
في نوبة المغارب
العاملُ يستحق قنينة يأسٍ كاملة
ما قُطِّع بالمدية المتأففة
وما نضج تحت لهبةٍ نيئة
ليس كافياً
تنقصنا في هذه الموجة
عشرةُ أذرعٍ من عذوبة التماسيح
ما يسيئنا في هذه الدمعة
الأفاعي والأفاعيل
الأمور التي تَدفع للأمراء
للبسطاء
للأكثر غموضاً من زوجة الوزير
السّهر وإلحاقُ الضرر بالليل
البقيةُ النادمة على الأجنحة
هذا ما هيّج صخوراً
وألهب مخيلةَ معادن
ليس اقتناء امرأة
ولا تكشيرة عضلة مُحب
ما ظلّ غامقاً في البشر
سماءٌ حذرة وبروقٌ بلا حشمة
التمارينُ الشاقة على ما هو أسوأ
البارحة دون هتاف
والعودة من النهر
بلا ضغينة
ما غاب برفق عن فطنة الليل
ما سقط عنيفاً فوق شجر الحقيقة
حيازةُ قارب
وخسران عصفور.

السادس
هذا ما هيّج صخوراً
وألهب مخيلةَ معادن
الحبُ منصرفٌ إلى العمل
منذ التي نشد أزرها بالسماد
إلى أمهات الشرطة
ومقدمة المركب الغامض
دائماً
الحياةُ بيأسٍ أقل
والأرخصُ من الماندولين
لم يُعْزَف.
الأوهى الأوهنُ من ذلك
إذ نشتري القليلَ بأبهظ من تلك
ننفق الشرقَ كله في لمسةٍ واحدة
نظل طيلة المرأة عرضة للتبغ والأجنحة
على وسائدٍ مُستلفة
نبيض نومةً هائلة الإصفرار
نتقن الفضاءَ حين نبصر النفق
والذي بسعف الموهبة تدلى
كي نستوعب القبعات.
إلى هذه الدرجة تعوزنا سلالم
إلى تلك الربوة يفسدنا الهلال
الأعمى الأعمق من ذلك
الرجلُ قبل قليل سيدمع
بعد قليل
القمرُ هوايتُه الريف.

فتحي البحيري

  • من مواليد أم درمان، عام 1969.
  • بكالوريوس العلوم الرياضية جامعة الخرطوم.

لم يطبع ديوانا حتى الآن.

غريبة ٌ
لكن سأبكي !

وأشرعتي تروق لمائها
وعافيتي تريق على المدى العادي من أسمائها ودمائها
ونسور حزني تستبيح نهايتي، موت المحبة في مهامي الملحقات بنور كون لم يزل يرمي حياة الآدمي ببحرها وسمائها
أدنو من التاريخ، ألعقه الهوينى، وأرتشف الحضارات القديمة كالذي يبكي، يحب، ويندملْ
جرحي أحاسيسي العميقة بالتي بيني وبين بدايتي الأخرى، ومعمار التمرد، والإباءْ
جرحي قناديلي إذا أنتهت القبائل للخنى
جرحي بديلي، عذب الخافون صوتي، أرتأت الفصائل موتنا
بل حفز الشعراء خيباتي العديدة بانتهار شموخهم
ورموا بلادي بالغياب، وبالذي أرضى لغير العاذريّ
وقلت لي:
يا جامحة
أن الطواويس التي لا أنظر في دمك
ملكي، ويعمرها اتئادي، والظنون الطامحة.

كأنك في رضا العربي عن حاجاته، لغة وإيماناً وعرضا وإبلْ
كأنك بي الحضارة (لا تقوم على سوى نصر الآدمي وعزهِ)
كأنك بالمناخ عواصف البدء الرهيبة، لا هبوب الإرتياحْ
وأنا، جمالك لا يغيِّرني على يومي، ولا يساقيني الضياع، ولا يقطع الطرقات نحو فحولتي البكر العوان، ولا يصل ْ
وأنا ما كنت كي أرد الأسى، بئر الحبيبة، رافلا ً في حرزه
ما كنت إلا راعياً بالفضل والمعروف صاحبتي الحقيقة والجراح ْ.

جئتني لنهارك الخالي من اللغة
(التي أنتابها، فتضج بالأبكار والدم والعذارى، وإذن لغنيت الغداة بصارتي وبهاءها وبوركت في هذي الفلاة نهارا، وعمّدَت القصائد خافقي خيول حزن لا تني، وإذن لرضيتِ من هذي الحياة قصيدتي ورضيتني)
كيف إحتمالي مر فاكهتي بدونك، أو حلو محياي الحيي بغربتي، ومبادئي ؟
كيف إحتمالي أن أموت، ولم تزر انتهاءي للقليل من المنى، خطوات قلبي العبقري بحزنه وحبوره.

عدت، لكن غريبة الصوت حتى على مأواك أغنيتي
غريبة على موعدي الأوفى، وبنت الصبر عافيتي البوار، وكل شيء
غريبة، لكن سأبكي، وأحضر في المساء مآتمي الكثر
إعتدادي بالحياة، وحاجتي للموت
إحتمالي للتفاصيل السخيفة، والتأهب الأقصى لما ليس في موعدٍ أبدا
عدت غريبة ً
يا مشتهاة ُ
ولكنني أجدكْ.

تنام أغنية بالعراء
كأنها عدلت

ليت وردا متفسح الألوان جاء مكان هذي الأغنية
أندي من الأحزان في أثنائها
أعمي لا كالرؤية السوداء فيها
يحب الجيئة الموت ولا يحتاط لغدر اللحظة الأخرى
يبيع الروح ما تسوي تماما
لا يهم غناءه وله الغناء الحلو أيضا
أي البلاد تجئ في لون الحقيقة والدم الورد المبين
حبيبة حمراء
ليت لي مكان هذي الأغنية
عصفورة تلهو، وتهزأ بالحقيقة والمجاز
بالريح والصوت السنين، على فراغ الحوصلة
تأمر ما تبقى من نواميس الحضور على جناحيها وقلبي
بالغناء الحلو أيضا
ولا تهم مسافة الأسفار فيها، أي لون ستأخذ في غد
ليت لي، مكان وجه الإرتحال المر
صوت
يملأ لي مكاني غريبا سواي ويفتديني موجة أعلى
لأرحل في ضميري وحده
مثقل الأكتاف بالنغم الحنين، وبالحنين
لا شيء يعترض السؤال عن التشكل صاحبا أو في كما
الموت والرجل المحال
لا شيء يعترض المكان عن الرحيل، بأي لون تأخذ
الرؤيا معي
هو أن تدر غرابتي لبن الحضور وتدعي خيرا وتمضي
هو أن تمر من القصيدة هذه مدن الخيانة كلهن
ويغتسلن باللبن الغريب
يحتاج صفو رياحه القادم جدا
ليمنح مطلق اللعنة مجرما أو مجرمة
ليدك ما صنعوا بإبريق الغناء
ويستعيذ الله من طاغوت بداخله سينبح من قريب
تحاصره الحقيقة هكذا
والطعوم المرة الأخرى بداخله
كيف يغسل ثوبه
من هذه الأدران واللغة الكثيفة
طين هذي الأغنية
ويفرك قلبه
ليرى الورد الحبيب بألف لون لا يخون
والحزن يزهو كالدعاش
تنام أغنية بالعراء كأنها عدلت.

وقت الغريب:
أحن إليك يا مختبي

لوقت الغريب أحن إليك يا مختبي
لوقتً احتفائي بشيء نبيل
لوخز الحقيقة
لا وجهها
أحن.. حذائي.. بلادي.. البنات.. يدي.. مكتبي
ولكني أصوم عن الإشتياق على الإنتباه
فلا يبيعون هنا شيئا يعجل مصرعي أو يحذفه
لا يبيعون هنا
وقت الغريب ودمع الغريب
ولا يبيعون
هنا دمي خالياً من كيمياء ذل لا تقوم به صلاة الإشتياق
وأنا لا أمقت بالإلحاح يا امرأتي سوى التاريخ، علمني ـ قليلاً ـ أن أموت، وغاب عني
وأحب الوردة الحمراء جداً
(لا تحن إلى قبلات وجدي مطلقا، كالأسى، إبريل، والشعر الجميل)
لكني سأمقت لو قدرت بلاد حزني
وأفرغ للحياة
لوقت الغريب
دما
صحواً
يداً
أسئلة.ْ
ــــــــــــــــ
وأدعو الحقول لنزهة ٍ
لا السابلة ْ
أدعو القمح للغنيات
أدعوك إلى غربتي.

أعتني بالوردة الحمراء في صدري
إنها تفهم الله والحب والسنبلة
تفهم عذري
أعتني بدوائري الخضراء في قعر خيالي الصحيح
وأزودني عنك
عن موعد إبريل الوفي
وعن ذكرياتي الواهية
أصنع الأطفال بالحب
الحياة بمتعة العيش البريئة وحدها
موتي الجميل بمحض هذي الوردة الحمراء في صدري.

على خطى موتي الجميل أحن إليك يا مختبي
وقت الغريب يضيء عندما يوجدُ
ولكني أغني عميقاً بهذي الحياة الصموت
أغني ولكن أموت
أحن
إليك
ولا
تشهدُ.

***

محمد جميل أحمد

  • من مواليد بورتسودان، عام 1967.
  • يكتب في العديد من الصحف العربية.

صدر له:

  • خريف الرماد، شعر.
  • أحداق النرجس ـ قراءات جمالية، نقد.
  • إشكاليات الخطاب الإسلامي: الإيدلوجيا ـ والتأويل، فكر.
  • بر العجم، رواية، دار الحصاد بدمشق، 2007.
  • فازت الرواية بالجائزة الثانية في المسابقة السنوية لجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي في دورتها الثالثة بالخرطوم أكتوبر، 2005.

الجسد المهجور

1

ربيعـُك موسمُ الدِيدان في المدن التـُرابية ْ
نديمُـك ضّلت الدنيا حكايته
ينازع ُ في تراب الموت
موطنه خيامُ الدهر ِ
والأيّام عاصفة ٌ نُحاسية ْ
عناقيدٌ تـُعطـِّـنُ خمرها جسدا ً
يسوق السائسُ المخمورُ في يدها
خيولَ الموت للأبـدِ
قناع ٌ دونما رُؤيا
كليــلِـك يا غـُبار الروح متربـة ً
تشـدُّ الطين َ من حمأٍ
يُخـثــّره رمادُ العـُمر ِكالـّـزبد
عنيفٌ حينما يغدو سجينـُك يا خريف َ الـلـّـذة الحمراء ِ
مصلوبا ً على الجـّـسدِ.

2

تهـّجيتُ كينونتي في السراب الذي أسرجته الحكا يا
فيا جسدا هجرته القناديلُ في متـْربات الدجى
أين مرساك في اللـُجّ
والموج رش المدى
والمرايا
شركٌ للوجوهِ التي لونتها التماثيلُ
واللوحة المعدنية ْ
تـُفتــّــح للضوء ماعتــّمته الزوايا
وظـِلـّي أديمٌ تحجّر في مرقد الوهم ِ يرنو إلى صورة الموت حول المكان
الذي جفّ منه الضياء ْ
حمأ ٌ أذبلته الحنادسُ تحت الرياحْ
تائهاً يسرق العمرَ في زفـّة الـبـِيدِ والرمل
يهجو المسافات حتى انفلاق الصباحْ
عارياً خفَّ عنه الكساءْ
والنعل أثـقلَ الخطو بين المتاريس
يمشي على فِــتــَن ٍ كالجراحْ.

3

شركٌ رفرفاتُ الخطى في الأثير إلى مخدع ٍ
صّورته الأماني
حظك اليوم نحسٌ كرجع الصدى حين تـقرع ُ آنيــة ً من نحاس الأساطير ِ
تمسك فـُـقــّاعة َ الـّرغو ِ
ماء السراب الذي أهـرقته القناني
عتيقٌ كدالية الكرم عطنــّها سكر العاشقين
في مهرجان الــِّدنان.

4

دلفتَ العالمَ المنخورَ
بين مدائن الموتى
يــدُ الديدان تشتعلُ
وحيدا ً تنهب الأيام ُ وحشته
تدور سنابكُ الظلمات لا ريــث ٌ على غدهِ
ولا عجَــلُ
وحيداً في الثرى الصادي
يطارد في تراب الوهم تحت سمائه العطشى
سراباً رقّ في قاع المدى شركا ً
يمــدُ لــه يــدَ السـُّــقيا
فلا يصلُ.
الطرائد

شَجرُ الليل ِ نحنُ
نطلعُ من عتـَبات الصدى
الغيومُ نساءٌ توشـّحْنَ بين الطرائد
فرساننا يندبونَ
على قـَمر خاسر ٍ
والقبائلُ مغلولة.
أولُ الدهر/ آخره في الرمال
كان الصَّدى ما تقولُ به الريحُ
كان المدى صَهوة ً للطـِّرادْ
والبـِيدُ صّـفتْ سرائـرَنا
لا تشُـكُّ الرؤى عالقا ً
في الصحارى
ولا تقدحُ الشمسُ أحدا قــَنا.
نحن صيدُ المقادير
أسلافـُنا عَسَسٌ يرقبون القيامة َ
بين السماء القريبة والوقت
كـُنـّـا نرى صورة َ الأرض
مهجورة ً
والتواريخُ تغفو على تاجـِها
والطيورُ الخفيفة ُ
فوق الردى شَهقة ٌ من جُـناح ٍعلى سِدْرة ٍ
فترى زُغبُها صيدَ قابيلَ.
تلك الطرائدُ
تلك النساءُ
اللواتي تدلينَ في حانة الروح
تلك الغزالة أختُ
الورود التي أذبلتها البراري.
حِجازية ٌ بنت فاران
يا جبل الروح أين الدماءْ ؟
وحولك حــدَّ الثرى (شهرزادْ) ؟
بنت المناحة / واللـّهو
تنسى الطيالسُ
في صدرها قـهوة َ الـّدمْ
ينسى الطـِّرادُ الطـِّرادْ.

شَبَح

ودّعتُ أحلامي... فأيــنَ لقــائي ؟

أنا صْـيدُ أيـّامي... وطعمُ فـــنائي
أمسكتُ من روحي هــــباء ًعاثراً
وحـَللتُ من ذاتي علــــى أسمـائي
ونزفتُ لـذ ّاتي بآخــــر دمــــــعةٍ
سكنت عيون الليل في أشـلائــي
قدَري على حَسَكِ الحياة منــاحــة ٌ
تبكي عـــلى أطلالها... أصــدائـي.

وطن

هو الطينُ تعويذة ٌ مُزْمِنهْ
الرّدى صوْلـَة ٌ
والردى أحصنه
فأهرب من الطين
هذا آوانك في المّحو
لا يعرفُ الطينُ صورته
والهياكلُ أقنعة ٌ
والغريبُ المُعــلـّق بيني وبينك
اُرجوحة ٌ مُحْزِنهْ.

بهجة النسيان

إلى أمي الثانية
التي لم تلدني

فيما كان حذائي يلمع بين يديها، عند شيخوخة قدحت خيالها بذكرى أبي، قبل خروجه من المنزل (أيام الحلفاء)... وحين جاءت لوحشتي من بلاد أليفة، بعد أن سكنت ساحل العمر، كنت بعيدا، وكانت قريبة من كل شيء في غرفتي البائسة، حتى من (التلفزيون) صديقها الذي يعرض عليها ـ في غيابي ـ صورة (كوندليسا) فتقول لنفسها بصوت مسموع:
(هذي بنت سودانية).
وتلعن جميلات (العطور والشامبوهات... إلخ) حين تبصرهن (على الشاشة) لأكثر من شهر دون تبديل سراويلهن، لا بسبب الجمال والبياض؛ بل بسبب سراويلهن الداخلية المعيبة بالإضافة إلى ما يمكن أن يرشح عن تلك السراويل بمرور شهر كامل ؟.
في الثمانين، أحبت الحياة كما لم يحبها أحد من العالمين، وحين رأت صديقي الشاب الأعمى، دمعت عيناها وقالت:
(هذا أكيد من الملائكة) لأنَّ براءة متدفقة حلت محل عينيه؛ ولأنها ضحَّت بـ(نكهة العمر) من أجل عينيها، حالما أمرها الطبيب بالإقلاع فوراعن قهوة، قدحت مزاجها قبل ميلاده وأكتفت (خوفا من الضغط والعمى) بمزاج نشربه على يديها.. صديقي وأنا.
في المزاج رأى صديقي الأعمى نشوة المذاق بين جبال وجنائن ذكرته بقهوة أمه قبل ثلاثين سنة، وأبصر في البياض رائحة خضراء تنبعث من فمه لتعيد إليه ذكرى الأشواق الوردية البعيدة في (كسلا)1
بعد شهور من فراقها، أدرك صديقي الأعمى: أن النساء (بهجة البيوت).
ففي ذلك الصباح كان يتحسس لمعان موقد الغاز متعجبا ًمن يديها النظيفتين.
ذلك الصباح كنت بعيدا، فيما كان صديقي الأعمى يروي لها أمنياته الخضراء برطانة شيقة :
(................................)
حينها، عرفت معنى أن يكون اليوم مزلاجا للشمس !
كما قال (التجاني يوسف بشير)2:
(................................)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 كسلا: مدينة خضراء جميلة بشرق السودان.
2 التجاني يوسف بشير: شاعر سوداني رؤيوي معروف، مات شابا عن 25 عاما.

***

عالم عباس

  • من مواليد الفاشر بدار فور، عام 1948.
  • تخرج من جامعة أم درمان الإسلامية، 1972.
  • نال وسام الدولة للآداب والفنون، 1979.

صدر له:

  • إيقاعات الزمن الجامح، شعر، مصلحة الثقافة بوزارة الثقافة، الخرطوم.
  • منك المعاني ومنا النشيد، شعر، 1984.
  • ماريا وأمبوي، شعر، دار النسق، الخرطوم، 1987.
  • أشجار الأسئلة الكبرى، شعر، دار جامعة الخرطوم للنشر، 1987.
  • أوراق عاشق من الخرطوم، شعر، 2006.

أوراق سرية من وقائع ما بعد حرب البسوس

كما كشفها حفيد المُهَلْهِلُ بن ربيعة

فلمّا وقفتُ أجادِلَهُمْ بالزَّبورِ التي بينهم، حذّروني، وهاجوا وماجوا، ومن بعد ما خَلَصُوا في الحديثِ نَجِيّاً، ركبوا رأسهم، ثم عاجوا..
قالوا:
لنا دينُنا.
قلتُ:
لي دينِ.
قالوا:
صبَأْتَ.
وقالوا:
خَسِئْتَ.
وقالوا
وقالوا
فقلت لهم:
قد كَذَبْتُمْ على الله.
قالوا:
ومن أنْتَ حتى تُحدّثُنا عنهُ ؟.
عندئذٍ، شلَّني الرعبُ حين هوى فوق رأسي السؤالْ
فلمّا أفَقْتُ
إذا هُمْ يقولون:
إنّا أخترَعْناهُ، هذا الذي هِمْتَ في حبِّه عاكِفاً، وإنّا صنعْناهُ من حُلْيِنا وهوانا، وإنّا أبْتَدعْناهُ، فَهْوَ لنا دونكم.
قُلْتُ:
مهلاً، إذَنْ قد كَفَرْتُمْ.
فقالوا:
فنحْنُ الذين نُكَفِّرُ لا أنْتَ، نحنُ لدينا الكتابُ وأمُّ الكتاب، نُصوصُ القداسةِ صُغْنا عباراتها سُوَراً، وضربنا عليها الحجاب، وأحْتَكَمْنا لآياتِها كي نسُودَ عليكم، فنجْعَلُكم تحت أقدامنا، ثُمَّ نحنُ أحْتَكَرْنا تفاصيلَها، فَنُفَسِّرَ كيف نشاء، فإنْ ما تناقَضَ الآنَ بعضُ الذي لا نُريدْ، وما قدْ أردْنا، نسَخْنَا، وصًغْنا الذي نشْتَهِي من جديد، وأنَّا لَنُنْقِصُ في مّتْنِهِ ما نشاءُ، وأنّا نُزيد ثُمَّ منْ أنْتَ حتّى تُنازعَنا أمرنا، وما أنتَ منّا، ولا من قريشٍ، ولا مِن تَميم، ولاَ في القريتيــنِ عظيم.
وهَبُّوا غِضاباً إلى السيفِ.
قالوا:
وما أنْتَ، ما أنْتَ ؟، إنّما أنتَ ذَيْلٌ لنا، كلْبُنا قابِعٌ بالوصيد.
قلتُ:
أفْتَريْتُم على الله.
قالوا:
أفْتَريْنا، فماذا إذن؟، ألهذا أتيتَ تجادلُنا كيْ تسودَ وأنتَ الحقودُ الحسود؟، نحن نسلُ ثمود ونحنُ أحبّاءُ هذا الإلهِ وأبناؤهُ نحن، قبل اليهود.
غير أني طفِقْتُ أجادلُهم بالتي هيَ أحْسَنُ حتى أساءوا.
فقلْتُ:
أجْعلوا ما لقيْصَر يمْضي لقيصر، وما كان للهِ، لله، عَلَّ الذي بيننا اثْنانِ: دُنْيا ودينٌْ فَيَتّضِحُ الفَرْقُ، كي يَسْهُلَ الرّتْقُ، في ثوبِ هذا النِّزاع العقيم.
فما قُلْتُ ذلك حتى أنْبَرَوا
آخذينَ خناقي
فشدّوا وَثاقي
وكانوا يقولون:
نحنُ الذين تنادَوا، ومَنْ "قيصرُوا" اللهَ نحنُ، ونحنُ نُؤلِّه قيصرَ كيف نشاءُ وأكثر! فما كان لله يمضي لقيصر، حَكَمْنا، وإنّا على ما نشاءُ تصير الأمور.
فقُلْتُ:
ولكنكم تزعمون بأنّا سواءً، ولا فضْلَ إلاَّ بتقوى.
فقالوا:
صدقْتَ، فأنتم سواءٌ، ونحن سواءٌ، وشتّانَ بين السوائين.
قُلْتُ:
فقد كان يجْمَعُنا الدينُ.
قالوا:
لقد كان، فالآنَ فرَّقنا الدينُ.
قلتُ:
فهذا أوان الفراقِ إذنْ ؟
فليكُنْ!
فماذا فعلتم بهذا الوطن ؟
وهذا البِناءُ، وضعنا مداميكَه، والأساس معاً
وما زال في الوُسْعِ تشييده شامِخاً
كما قد بدأنا
ولكن ْ معاً !
صحيحٌ
على كتفنا كان عبءُ البناءِ الكبير
والدماءُ التي تتَدَفَّقُ في ساحة الحربِ
كانت دمانا
ولا بأسَ أن كانَ أغلبنا في الضَّحايا
وقود المعارك
والجند
والهالكين !
ويوم حملْتُم لواءَ القيادة، ما نازع النّفْسَ شكٌّ يمسُّ جدارتَكم حولها
يوم ذاك، إذا كان حقاًً يقال !
وقد كان ما بيننا الدينُ، والشرْعُ
صدقُ المقالِ، وحُسْنُ الفِعالِ، ونُبْلُ الخِصال.
والعدلُ كان هو الفيصلُ الحقُّ، والحَكَمُ القسطُ، يوم النِّزال!
فما بالكم هؤلاء نكَصْتُمْ
وآثَرْتُم الظلمَ، والحَيْفَ، جُرْتم ؟
ما عقَدْتُمْ، نَقَضْتُمْ
ما رَتَقْتُم، فَتَقْتُمْ
وها ما بنيْتُم هدمْتُمْ، وما زِلْتُمُ تفعلون.
بَني أُمَّ
هذه الأرضُ
كتفاً بكتفٍ
وكفّاً بكَفٍّ
شقَقْنا ثَراها، لنصنَعَ هذا الوطنْ
سقَيْنا عُروقَ الرِّمالِ العَرَقْ
سكبْنا الدموعَ، ليالي الأرَقْ
صَبَغْنا النّجوعَ النَّجيعَ
وسالت دمانا على كلِّ شقٍ
نشُقُّ الطُّرقْ
فَكُنّا بنيها بِحقّْ!
فها أيْنَعَتْ
وحان القِطافْ
فما بالكم تفْترون علينا، وعن حقنا تمنعونا
ونُمنَعَ حتى الكفاف ؟
ونعطَشُ والنيلُ جارٍ لديكم
وأنتم ترونا ظِماءً نموتُ، بقُرْب الضِّفاف
ففيمَ نخافُ، وكيف نخافُ، وممَّ نخافْ ؟
هو الظلمُ نخشى، وحَيْفَ القريبِ
ونعجب كيف يرقُّ الغريبُ ويقسو الحبيب ؟
سهِرنا عليكم زماناً
وما ضَرَّنا لو تناموا ونصحو
وقفنا الهجيرَ، نُظَللُّكم كي تسوسوا
وذقْنا المراراتِ، كي تنعُموا بالعَسَلْ
رعيناكمُ في المُقَلْ
فكيف بني أُمَّ هُنَّا عليكم فأقصيتمونا
وآذيتمونا
فما بالكم تكْفرونَ العشير؟
وبالأمس كُنّا لكم إخوةً، قبل هذي الفِتَنْ
وكنتم زعمْتُم أبانا أباكم
ومن ثديِ أمٍّ رضعْنا
نذرنا نموتُ وفاءً لهذا التُرابْ !
لماذا عبثتُم بأحلامنا
فغَدَتْ في السراب ؟
لِمَ الآنَ صِرْتُم علينا ؟
وصار لكم انتماءٌ جديدٌ
وعِرْقٌ
وسِنْخٌ
سِوى ما عهِدْنا ؟
أَلسْنا أتينا، كما النيل أزرقُ
جئتُمْ، كما النيل أبيضُ
ثُمّ ألتقيْنا على مَقْرَنٍ بَيِّنٍ
وإمتزاجٍ أصيل ؟
ألسْنا مضيْنا معاً، نَهَراً واحداً
وأكتَسَبْنا معاً لوننا النيلَ
هذا الجميلُ الذي لا شبيهَ لهُ غيرُهُ
ذاتُه فيهِ
نيلٌ
ولا يُشْبهَ النيلَ
ماءٌ
وليس بماءْ
فكيف تريدونه يَتَحَدَّرُ عكسَ المَصَبِّ
وأنْ يتَفرَّقَ أزرقَ، أبيضَ
كيف تريدون للدم أنْ يتنكرَ من حمرتهْ
فيصبح ماءً
مجرّد ماء
ويستبدل الطينُ من سُمرتهْ
فيغدو هباءً
وأن يتعَرَّى
ويستَشْعرَ العارَ في سُمرَتهْ ؟
أتسمحُ كيف بهذا الهُراء
وأيُّ الغرورُ إعتراكَ
فصِرْتَ كما الثورُ في هيجتهْ
صرتَ تُحطِّمُ تلك العلائقَ
تُشعِلُ فينا الحرائقَ
تفتننا
وتفرّق بين الخليل وبين الخليل.

آالآن تطلب مني أدافعُ عنكَ
أصُدُّ الغُزاةَ وأفنى لتبقى
وها أنت كالسوس تنْخرُ في سامقات الشجر؟
ودأبكَ الدهْرَ تمضي
تقَتِّلُ فينا
وتذبحُ منا
وتسحلُ، تنهبُ، تسبي وتهتِكُ عِرْضَ أخيك!.
آالآن صرْتُ ابنَ شدّاد
والأمسَ كنتَ تعيّرني باسم أمي
فتصرخُ:
(يا ابن زبيبةْ).
آالآن يا عَبْسُ، صرتم تنادوا عليَّ
وقد كنتُ أُطْرَدُ، تُلْقى عليّ َفتاتَ الموائدْ!
أما زلتُمُ آلُ عبْسٍ تظنون أن العصا
والقيودَ تُطوِّعني لأُواجِهَ أعداءكم
فَأَكِرَّ عليهم، كما تشتهون ؟.
بَنِي أُمَّ
لا
واجهوا من دعوتم
بأقوالكم
وبأفعالكم
وأكاذيبكم
فهذا حصاد الذي تزرعون!
وإني ليعجبني أن تذوقوا من السم ما تطبخون
وأن تصطلوا بالجحيم التي توقدون!.
فإنْ كان لا بد أن أتْبَعَكْ!
فسأمضي معك!
وأرقُبُ كيف تسير إلى مصرعكْ
وأشْمَتُ فيك، إذا حاصروك، وساقوك قسْراً
إلى حيثُ يُقْضَى عليك
ومن خاض تلك الخطايا معك
إلى مضجعك!
وأرصد كيف التكبُّرُ والعنجهيّة والغطرسةْ
وكل الضّغائنِ والحقدِ، تلك التي وسمَتْ عهدكم
والهوان الذي سُمْتُمونا
ومُرَّ المآسي ونار الكوارث

ثُمّ نرى
كيف تُسْقَوْنَ منها، جزاءً وفاقا
وكأساً بكأسٍ
وقسطاً بقسطٍ
وعدلاً بعدل!.
كُنَّا لكم شجراً في الهجير
فكنتم فؤوساً!
وكُنّا لكم حضن أمٍّ رءومٍ
فلمّا ملكتُم قطعتُمْ رؤوسا
رعيناكُمُ صبْيَةً
ثُمَّ لما شَبَبْتُم عن الطوقِ
كبَّلْتمونا!
وكُنّا نجوع لنطعِمَكم
فلمّا بشمْتُم
بصَقْتُم علينا.
قُضِيَ الأمرُ
لاتَ مناص
فليس بِوُسْعِ أَحَدْ
أنْ يُعيدَ الحليبَ إلى الضرْعِ
بعد الخروج
ولا أنْ يُعيدَ الجنينَ إلى رَحِمِ الأمِّ
ليس بوُسْع أحد
أن يُعيد الرصاص إلى فوَّهات البنادق
ما من أحد
يعيدُ السهامَ التي انطلَقَتْ
بعد نبْضِ القسيِّ
وإن أخطِأِتْ قَصْدَها، أو أَصابَتْ!
وهل مِنْ أحدْ
يستعيد الحياة لمن قد قتلْتُم،
وأحرقْتُمُ ودفنتُمْ ؟
أنتهي للأبد
فليس بوُسع أحدْ
بعد جُرْحِ الكلام
أن يعيدَ لنا الإبتسام.
كذبتُم
وخُنتم
وما زلتُمُ تكذبون!
جرحتُمْ
وأوغَلْتُمُ في الجراح
فليس بوسْع أحد
أن يُعلِّمَنا كيف ننْسى!
غفرنا
وقد نغفر الآن
أمّا لننْسى
فهذا محالٌ
ـ فيا للأسى ـ
ليس ننسى!.
وَجَبَ الآن أن نتوقّفَ حتى تَرَوا
أيَّ جُرْمٍ جرمْتُم
وما تُجْرِمون!
وكيف اسْتَلَلْتُمْ سكاكينَكم، في برودٍ مخيفٍ
تحُزّوُنَ أوصال هذا الوطنْ!
تفنَّنْتُمُ في البشاعة والموبقات
وصِرْتُم تُديرون فَنَّ الفظائعِ، بالحَمْدِ والبَسْمَلَةْ!
تأكلون الحرام
تُحِلُّون مال اليتيم
وتغتصبون
كما تسفكون الدماء
وما فوق ذلك
بالحمد والبسملة!
وبالهمْهَماتِ
وبالتمْتَماتِ
وبالسَّبْحَلاتِ
وبالحَوْقََلةْ!
أيُّ شعْبٍ تظنُّونه غارِقاً في البَلّهْ!
أيُّ ربٍّ تخونون
مَنْ تخدعون ؟
وأيَّ إلَهٍ تظنُّونَه غافِلا.!.
قُضِيَ الأمْرُ
حلَّ عِقابُ الإله الصمد!
فليس بوُسْع أحدْ
أن يعلِّمَنا كيف ننسى!
أثرُ الفأس
في الرأس
والدم ما زال طَلاًّ
وما زِلْتُ مثلَ المُهَلْهِلِ، مثلَ أبي، صارخاًُ:
(لا صُلح حتى تردوا كليباً)!!

وينهضُ شيخٌ يثورُ على الحلْمِ، يُلقي زَكانَتَهُ جانِباً، ثُمَّ يمضي إلى السيف، بالرغم عنه ويهذي:
(كل شيءٍ مصيره للزوال / قد تجنّبْتُ وائلاً كي يفيقوا / لا صلحَ حتى نملأُ البيد من رؤوس الرجال / أبى وائلٌ عليَّ إعتزالي / ليس قولي يراد، لكن فعالي/ شاب رأسي، وأنكرتني العوالي/ طال ليلي على الليالي الطوال / لم أكن من جناتها، علم الله وإني بحرِّها اليوم صال).

هي يونس قلبي في اليم، وعيناها شجر اليقطين!

إلى بندرشاه أيضاً

ولم لا!
واحدة
هي امرأة
أتصورها وأنا أكتب
تعبرعبر حوافي عينيها كلماتي
فتفلترها
وتعطِّرها
فإذا خرجت
تتبرَّج حتى تشهق أسطرها السكرى
سطراً
سطرا
وتراقصها حرفاً
حرفا
وتطير
فراشات جذلى من نور
وتطاردها
فتيان الزهر غمامات
في حقل مسحور.

امرأة هي واحدة
أتصوّرها حين يشيخ الشعر
فيخبو في عينيه أوار القلق المبدع
تتيبّس بين مفاصله كلمات من أخشاب
لا يأنتيها مطر الدفء
ولا يرفدها
ذاك الألق الوهّاب.

أتصوَّرها
فإذا هي شاخصة
فتمس براحتها "العيساوية" موتاي
فإذا كلماتي تورق
واللفظ الصوّان القاسي
يتفجّر منه عيون الماء القدسي
فأحصيها
نهراً
نهراً
أتتبّعها مجرىً
مجرى
حولي
تتكدس غابات من ريح الجنة
تحتشد الأضواء ملوّنة
برقاً
برقاً
تنهمر الموسيقى
شلالاً نحو البحر الأعمق
عينيها
حيث مصب الشوق الواله
والفرح العذب
وينبوع الصدق
وبوتقة العشق المجنون.

هي امرأة
هي واحدة
متفردة
لا أكتب إلا حين تفاجئني
وتحاصر عيناها حلمي اليقظان
تتقطّرني في الحرف
وتسكبني في البوح
وتذبحني
كيما تحييني
بالسكين
فأفيض كنهر من شعر
أو ينبوع من نغم
أو ملك ينهض
من تحت ركام الطين.

هي يونس قلبي
مقذوف في اليم
وعيناها شجر اليقطين.

باء التي أغفلتْ

باء هو الباء، باء البهاء، وباء البهار، وباء البنفسج
باء هو البحر، بوابة، للبكاء وللبوح، والباذخات من الغيم، تهمي على باسقات الشجر
باء بعيدٌ كما بحة الناي بعد الرحيل إلى بكة الشعر، حيث البلاغة تزهو بباء البديع وباء البيان.
هو الباء بئر القوافي، وبدر المنافي، وبرق البلاد التي بارحها الندى.

باءٌ كباء الختام الذي يتشكل في آخر السطر يهدي المعاني لحاءٍ مجاور
هو الباء: باء بوزرٍ من البوح يسري ببهو الكلام
باءٌ يبلّر برد الهوى، ويبلل بوصلة العاشقين، بباء البنين وباء البنات.

حاءٌ
يحرك حرية العشق، حاءٌ من الحيرة المستكنة، حال الحَمَام تَحَمّى بماء النوافير في حالمات البكور
حاءٌ هو الحُلْم حين تحَوَّلَ من حالة الوهْمِ، حاء الحقيقة، والحيرة المصطفاة
حاءٌ حوى ما حوى من حريق المقام
حاء كحاء الحبيب إذا حام حول الحمى، وأحتوته حقول الحيارى
فجاء بحاء يقطِّرُ حناءه من لحاء الحنين، ومن حوقلات الحناجر في ليلة الذكر
حيث الدراويش حَتّوَاْ حُتَاتَ الحَزَنْ
حاء الحنين، وحاء الحنان، وحاء التحنُّنِ، حينئذ، والحرير
الحرير الذي يتماوج من جسد الحور، أو حنجرات الحرائر، أو حوريات النعيم المقيم
حاءٌ تسربل بالضَمِّ، وأعتنق الباء، صار لباءِ المودة أهلاً، وللحب سهلاً، ومهلاً يشق الزحام
حاءٌ تشبث بالحلق، كالشهقة المغفلة
وكالغيمة الهاطلة
وكالدهشة القاتلة
حاء الحِمَام إذا حُمَّ، حاء الحمَيَّا، وحاء الحمى، والحياة، وحاء الحيا والحياء، وحاء الحلال ومن بعض حاء الحرام.

حرفان سيدتي
حين يقترنان
يفيضان نيلاً من الإخضرار
كأنهما في الختام
قد أختصرا الأبجدية في وَجْدِ حرفين
حتى كأن المُعَرِّفَ(ألْ)، بهما يَتَعَرَّفُ
حتى كأن الألِفَ اللامَ ثوْبانِ
لا يخصفانٍ سوى العُرْي
ثوبانِ من نَكِراتِ الكلامْ
حرفان من محكم الآي
بانت تفاصيل معناهما
في النبوءات
معنى الرسالات
مسرى الملائك
مغزى لكون مهول من التضحيات الجسام.

حرفان سيدتي
والتفاصيلُ آتيةٌ
فهل الحَرْفُ ينهضُ
حين أجيءُ إليكِ
أقدِّمُ بين يديكِ كتابي
وأجلو سماءَ الترقُّبِ
أجعلُ للأُفْقِ ترنيمةً كي تُسَبِّحَ باسمِكِ
والطيرُ والجَبَلُ الصّلْدُ
والكائناتُ النيامْ
تُأوِّبُ باللحنِ، تصحو، على الكلمات الحسان
الأنامْ.

لا
إنَّ لكِ الوَجْدَ
حتى وإنْ ضاق ماعونُ حرفي بوُسْعِ الكلامْ
وأنَّ لكِ الشوْقَ
حتى وإنْ كان صمتي البليغُ
يُدَمْدِمُ في سِرِّهِ المتبركن
مثلَ (فيزوف)
تَغْلِي مراجِلُهُ في أتون الضَّرامْ.

سَكَتُُّّ
لأنَّ الكلامَ الْتَبَسْ
وفي الجَوْفِ منْهُ الكثيرُ الخطيرُ
وأخشى عليْكِ إذا ما أنْبَجَسْ.

سَكَتُّ
لأنَّ الكلامَ إذا ما عَبَسْ
وضاق به الصدر
ثم أحتبس
يشِلُّ النَّفَسْ.

***

عاصم علي عبد اللطيف

  • من مواليد 1957.
  • تخرج من جامعة القاهرة فرع الخرطوم، العام 1981.
  • معد برامج إذاعية ـ بالإذاعة السودانية.

لم يطبع ديوانا حتى الآن.

امرأتي المقدسة

إذا رأيت طفلة السحر
قديسة تجيء في النهار
كما يمر بين غابة الأصيل
أرى المكان جنة
أرى الزمان في سحائب الشتاءْ
ولا أرى سواك في بصيرتي
سوى سرابك الطويل يا صبيحة ْ
أجيئك المغامر الذي يطِّوق الصباح والمساء
كما يحوم الفراش حول شعلة
وعاشق الرحيق في الزهر
أطوف في رحابك الأثيرة الهوىْ
أواه
يا وحيدة الغرام والسهر.

أيتها الوردة

أيتها الوردة
خذيني في أوراقك
خذيني في روحك
فالعالم يركض نحو الموت
وروحك تـتـفتح كل صباح
من يمنح عطرا
أيتها الوردة
سراب الروح خواء
والناس جبال
الناس بلا ألوان
عطرك لون الروح
رغم النزع
ورغم فراق الغصن
تحت حذاء عابر
...........................
...........................
...........................
آه أيتها الوردة
يا معنى الإنسان
ما أجمل حزن الإنسان.

ذكريات

مثل الأسى في الدرب من ضجر الحياة
ماذا سوى العمر القصير
من بعد ثلج في الديار النائيات
لا زهر
لا أطفال في الزمن السعيد
سوى اليتامى.
أواه من تلك السويعات القليلات الكلام
ترتد أيامي إليها
مثل روح في الغمام
والعمر يحملني على ظل الحياة
كالحلم يقبع في الثرى
وينام في الأبد البعيد
والذكريات تضج في شفق السكون
والذكريات:
أسراري الكبرى على النخل الحزين.

***

فاروق تاج السر حسن يعقوب

  • من مواليد كسلا، عام 1975.
  • خريج جامعة أمدرمان كلية الإقتصاد.

صدر له:

  • أشغال قميص البداءة، شعر.
  • أحد عشر، قصص.

إحتفاءً بالكائنات
أو
مديح الأصابع

ممسكةً بكمنجة الحنين
من ضِلعها المُوجَع المُستَفِز
تفتحُ الكائنات نوتة غامضة
وتشرع فى نشوب قيامةٍ هادئة
ولائمَ فاخرة
كى يشبع الجسد بعناصر إصغائهِ
من خميرة الروح.

وممسكةً بذاتِ الكمنجة
تنسفُ ورداً يابساً لوّثَ المشهدَ
بلحنٍ أخير
يقبضُ اللونَ من خاصرة الضوء.

بهدوءٍ تلتِمُّ إلى تناقضها ـ الكائنات ـ
وتعيدُ صياغةَ الفراغِ شيئاً يَقبَل الإضافة / الحذف
وتتحسسُ:
الشارع المشطوب من صوت الحبيبة
هالُ قهوتها اللاذع
فتوقٌ بفكرة البحر/ الفِعل
تحرشٌ بلحم الرصاصة البض
الرائحة الفاغِمة من أطلس الضُمادات
ومخططاتُ الحنين المفاجئ
سُـرّةُ اللون
خطاب الشتائم
الجهات المُطفأَة بالعدم
يرقاتُ فِعل التسوس
وأسرار البنفسج الفائح من القلب.

ممسكة بالبهاء
تديرُـ الكائنات ـ شؤون الطقس
كى يغردَ خارج شرط الضراوة
تهدهدُ ضمير سيجارةَ الوعي
علّ الرماد ينام قريباً من شهوةٍ
بإتجاه فستان (الأخضر) والخريطة العشب.

ترسمُ
ربما وطناً إحتياطياً
أو امرأة لإكتمال النشيد القديم
تكسِرُ إطار اللوحة / القيد
فتنفسحَ الرؤية على ما لا يُحصى
من الأشياء
والمعنى
وفى حِنوٍ عنيف
ـ ذاتها الكائنات ـ
تفضحُ الخفاءَ
والبساتين
وتخيـِّط للطين جرحه الإلهي الوثير.

ملوّثة بالحبر
تعرقُ ـ الكائنات ـ
كفلاحٍ يأتمِنُ الأُفقَ على بذرةٍ
وتخلعُ النياشين عن السترةِ / الجوخ
ـ تعلقها على مِشجب التاريخ ـ
وتُلبِسُ الوقتَ عُرىَ جلوسهِ الفادح
بينما شهقة الدم تفتحُ هذا الفضاءَ
وتسنده على عاتق الزوايا الميته
من قُبة السماء.

مطهمة بالترجماتِ
واللغة الناجِزة
تَخطُّ الكائنات إنابةً عنى :
(كعادتى
أنسلُّ منى
وأُحمِّلُ الأصابعَ أعبائها:
أعمال الصياغة
وتفجير طاقة البنفسج المنزوى
خلف الضُمادات والغياب).

أُرجوحة

يدى إحترقتْ
من أولِ إرتباكٍ فى نبضة القلب
حتى إمتلاء سلّة المهملات باللغةِ والعصب
جاهدةً ألاّ يكونَ الرماد
آخر محطةٍ يلتقى اللونُ فيها بالطريق.

هكذا العالم
موحشٌ لولا الحبيبة
المُسرِفةُ فى شئون القلب والمسافة
مالها لو خلّتْ طرحة الشوق على سَاعدِي
كى ألوّح بعجزي ؟.

هكذا يتضائل العالم
يصبحَ هذا العراءُ
فكرة آخذة فى النموِّ كلبلابةٍ على نافذة العين
فيا سيدي
نُم عن هاجس التحولات التي قد تَقلِبُ
الدمعَ مادةً فاعلة
إنني أبكي نصيبي من اللحن
لو أيقظَ فجوةً بين أوتار كمانة القلبِ
وقد أضحكُ حتى النشاز.

قد أذهبُ حتى أقاصى التثاؤب
فالمرأة الخائنة:
شمعة تنزف أنوثتها بـ (طائل) أنني
سأبقى هنا أو هناك
بالداخل / الخارج
صعلوكٌ يرعى وحدته ويلعنها
إنمايُوقِدُ من الذوبِ إمرأة للمساء الـ.........

والمتعبون .....
لا أُقسم بهذى الرهافة
وإنها لمُجلِبةٌ للرياح
إنكسار الغصون
قانون التشتت
فأحتمليني ـ ماريا ـ بنصفِ نبوءة
نصف إنسان
لا تتشمّمي بدمي المحترق ـ ديانات العشب
كي لا تحرقي
و كي نُفاجئَ اللون بِعُرينا
فيخجلَ بإتساع.

قالتِ الفوانيسُ إحتشاد الطريق بـ......
تململَ الحذاءُ
لافتةُ الجسر تقول:
رافقتكَ الـ............... قيامة !
وعائداً
حيّانى الطريق بخُبثٍ طازجَ الدفقِ:
ـ هل نَسيتَ شيئاً ؟
ـ نَسِيتُ محبرتى عُرضةً للنسيم.
خطوتى أيضاً أحترقتْ
فى الطريق الحميم إلى (الشيء).

هكذا العالم
موحشٌ وموحٍ
وبين "الشين" و"الياء"
يبقى المد
والجزر
أُرجوحة ثابتة
لتنكفئَ
أو
لا تنكفئَ
أو..............
................. لا شيء.

صِيغة الجذر
مخطط أولى لسلوك الجد فى ريعانه

حركة أولى
رغم أنه جَدي ـ بشكلٍ ما ـ
أو أنه يَشبهُ جَدي الذي ذهبَ إلى الحرب في (تَسنَي)
وعادَ مُخلِّـفاً إحدى أسنانه
ـ ربما سقطت هناك فى يُسر ـ
رغم كل ذلك لم أكن حكيماً
بما يُضعِفُ هرمون حماقاتي
حين يعنفني الآخرُ فِي !.

حركة ثانية
فاجأني جَدي في الإنترنت
و(ضبطني) أهرشُ صلعته الـكـ (صلعة غاندي) !
فوراً أطفأتُ الشاشة و(جَريتْ)
أحضرتُ له (غنمايته) المطلوقة
(سِفنجته) الخضرا
(نضّارته) المنسيّة في المصحف
والقطن الضالع في (الدموريّة) !
(ثمةَ شيء أخفيتُ، غير الجسد الناحل) !.

حركة ثالثة
بسيطاً كهيئة غاندي/ جدي
أحملُ وطأةَ بعض الطين الأسمر
على كتفي الروح
وأعبر شارع ذاتي
ثمةَ صوت يمرقُ من خُلل القطن
الزائف في سحنتهِ
وينادي الجهة الأخرى
ـ أيسمعني جدي ؟ ـ
ثمة شيء أخفيت !
فليغفرَ لِي غاندي (حِكمته)
حين أقول:
أحبك أيتها الـ......
وأفتشُ في لغز بساطتهِ عن جذرٍ لي !.

حركتان
فاجأني غاندي ووبّخ في شقاواتي
إيقاع الحكّة
ـ ربما إنابة عن الجَد ـ
نَبشِ في سِيرتهِ عن أسماء خَبأَهُنَ
خلفَ سياج القطن
فتسلـّلن إلى نهار التَرِكة
إسرافي في تبذير الصمت
فتجاسرتُ بالصمت !
........
سألني ماذا أخفيت ؟
ـ خبأتُ عن جدي (قرجته) اللاحقة
وجسد ينقِح تحت الجينز
سيرة جدي من دود مخططاتي بإتجاه الصيغة المُتَحوِلة !.

حركة قصوى
بسيطاً كصيغة الجذر أقول:
ـ مُنْبَتاًّ عن تربة الهواء ـ
أُحبكِ أيتها المُسماة !
جنونٌ طفيف هو الذي يعبث بالأسماء
وينتقي لك صوتي الخائن وهو ينادي:
أيتها الـ ..................
..................... باذخة !.

***

عادل إبراهيم عبد الله

  • من مواليد كوستي 1979.
  • درس هندسة الحاسوب.
  • ناشط في الوسط الثقافي.
  • أسهم في تأسيس عدد من المنابر بمدينة كوستي والخرطوم.
  • يعمل بالصحافة الثقافية والأدبية بالسودان.

لم يطبع ديوانا حتى الآن.

هدير الشظايا
الرعشة معطوفة على سبع مقاطع

1

لمْ يَكُنْ هُنَالِكَ بُدٌّ مِنْ أَنْ يُسَوِّي القَلْبُ فَرِيضَتَهُ، ويَسْهُو عَنْ الجَرْحِ الأَكِيد
ذَلِكَ مَا قَالَتْهُ لِي نِثَارَاتُ خَوْفِي مِنْ هَذَا المُخِيفْ:
العَاطِفَةْ .

2

لِحَفْرِيَّاتٍ خَلَتْ في جِدَارِيَّةِ الأَحْزَانِ، كَانَتْ تَخْتَبِيءُ فِي "لَثْغَةِ" الكَلامْ
حِينَمَا يَسْتـَفِيضُ النُطْقُ عَنْ رُعْبِ المَعَانِي.. واللُّغَةِ
هَكذَا أَخْرَجْتُ جُرْحِي عَلى مَضَضْ وأَنَا أَنْحُو نَحو الإِرْتِكَابْ
والفَضِيحَةُ هِي مَا قدْ يَخْلَعُ أَرْصِفَة العَاطِفَة عَنْ غَيْبُوبَة المُطْلَقْ
بِذَا تَسَـللَّنِي الوَقْتُ
وأَشْهَرَنِي لِطِفُولَة المَكَانْ
مُعَلَّقٌ عَلَى جَسَدٍ مِنْ القَلَقْ .

3

فِي المِلْحِ القَدِيمِ تَعَلَّمْتُ مِنْ الأَبْجَدِيَّةِ أَنْ الحُقُول البَعِيدَة وَحْدَهَا
قَدْ تُدْرِكُ جَسَارَةَ هَذَا الصَّمْت
وأَنْ البِلادَ الّتِي ذَوَتْ
مَحْضُ قَرَابين ٍ لِغَيبْ / أَنْهَكَتْنِي ثُمَّ بَعْثَرَت الأَصْدِقَاء
سَاعَتَهَا تَضَرَّجَتْ كُلُ "الكُرَّاسَاتْ" بِالدَّم الرشِيقْ
(وَجْهَان لَكْ
وَجْهٌ صَاغَتْهُ القَبَائِل
وآخَرٌ
يَعْلَمُـهُ النَشِيدْ (
وبالأَبْجَدِيّةِ ذَاتِهَـا
تَوَكَّـئَتْنِي المَدَائِنُ
سَطْرٌ للغِيَاب
وسَطْرٌ لِدِروبِ الحَنِينْ.

4

الكِتَابَةُ
جَسَدٌ
تَخَثَّرَ فِي الرِّيح.
الرُّوحُ
حِبْرٌ
أَرْهَقَتْهُ ذَاكِرَةُ الدُرُوسْ .

5

...
ومَضَى سِفرٌ مُثْقَلٌ بِقَسْوَةِ الإِكْتِشَافْ
كُنْتُ كُلّمَـا خَرَجْتُ عَنِّي
إِليْهَا
أَوشَكْتُ
مُفْرَطَ الكَابُوسْ
تَنْغَرِسُ فِي يَدِي نُبُؤَاتٍ قَاسِية
عَنْ الّذِي أٌحِسُّهُ
ولا أًعْلَمْ .

6

العَاطِفَةُ
كَانَتْ غِوَايَةً أُولَى فِي فيَافِي الإِحْتِرَاقْ
أَعْلَنَتْ فِي اللّيلِ وَحْدِي
وكَانَتْ يَقيِنِي و(سَمَرُ الصُّحْبَة فِي لَيـْلِ الأَلَمْ)
ـ رَمَادُ جَذْوَتِي
دَنَّسَتْهُ البَنَاتْ
فِي الحُزْنِ القَرِيبِ
سُدىً
ورِهَابُ وَقْتٍ شَحِيحٍ
عَلَى حَدِّ الغِنَاءْ
فِي شَهْوَةِ الوَلَدِ البَعِيدْ .

7

هَا وَقْتٌ آخَرُ
أَنْحُوهُ فيَّ
رُعْبُ
العَاطِفَةْ .

النـافـــذة

بلذةِ الجَالِسِ علَى الغَيٍبُوبَة، وإِسْتِغراقِ قَتِيلٍ فِي دَهْشَةِ الدَّم مِنْ فِتْنَة الضَّرِيحْ
بِنَبْضِ الغَارِب فِي أَقْصَى الحَبِيبَة، والمَفْضُوح كالشّجَن الذِي فِي صَمْت الأَيَادِي العَمِيقة
عِند السَّلامْ
سَلامُ الحُزن الذِي يَسْكُـن الرُّوح مَعَ النَّشِـيد
نَهرٌ
مِنْ الفَوْضَى
لُغة ٌ
تُبَعْثِرهَا الشَّوَارِع
وأُفق ٌ
قَد تَبدَّدَ فِي الإِتِّجَاه / وَطَنٌ يَحْتَدمْ
كَائِنَاتٌ تَغْرَقُ فِي الجُّنُونْ، والنِيلُ فِي خَارِطَةِ الفُصُول.. غَائِرْ
شَاسِعُ المَكَان ذَاهِبٌ فِي التَأَمُّلْ
أَجْمَلُ المَعَانِي فِي الوَطَن تَقْتَرِحُهَا الحُرُوبْ
إذَنْ سَأَكْتُبُ عَلَى ظَهْرِ خَوْفِي
أَنَّ البِلاد تَبْلَعُهَا الدُّمُوعْ.

***

فضيلي جمّاع عبد الله

  • من مواليد ضاحية اللو شمال شرق أبيي، عام 1951.
  • ماجستير في الترجمة واللسانيات، جامعة باث بإنجلترا، 1987.
  • بكالوريوس لغات (عربي – روسي)، جامعة الخرطوم، 1973.
  • مقيم بلندن، حيث يعمل مترجماً بسفارة المملكة العربية السعودية بلندن، منذ العام 1995.

صدر له :

  • دموع القرية، رواية، 1972.
  • في أودية الغربة، شعر، 1974.
  • الغناء زمن الخوف، شعر، 1985.
  • قراءة في الأدب السوداني الحديث، مقالات في النقد وتاريخ الأدب، 1990.
  • شارع في حي القبة، شعر.
  • قراءة في الأدب السوداني الحديث، جزء ثاني.
  • حصاد كونغي، مسرحية، ترجمة، للكاتب النيجيري وولي شوينكا، الحائز على جائزة نوبل في الأدب لعام 1986.

رَسْمٌ عَلَى الماءْ

1

رسمْتُ على الماءِ
وجهَكِ يوماً
وحولَكِ شمسْ!
وخلفكِ سهلٌ عليهِ الرُّعاةُ
يغنُّونَ للسُّحبِ الهاربهْ
رسمتُ القُرى
والجداولَ
والطيرْ
وأنتِ على حافّةِ القلبِ تمشينَ
لاهيةً بالنُّوارْ!
تمدِّين كفّاً طرياً
إلى جبْهتي !
فتخْمدُ بين الأضالُعِ نارٌ
وتنشبُ نارْ!
رسمْتُ العيونَ التي
لم يزرْني خيالٌ سواها
تغارُ من الفجْر
إنْ قلتُ فيه قصيدة
وتضطّرِبُ الخُصَلُ الطائشاتُ
إذا اللَّيلُ داعبها وأحتواها.
رسمْتُ على الماءِ وجْهَكِ
والشَعْرَ
واللّيْلَ
والفجرَ
والسُّحبَ الهاربات
وفي غمضةِ العينِ
كان الجميعُ
بلا موْعدٍ يرحلونْ!
لهذا فإنِّي أحِبُّ الرّحيلْ
وشمسَ الأصيلْ
وأشقى كثيراً
كثيرا
إذا الليلُ روّى البوادي
بلحنٍ جميلْ
وأترعَ قلبي بأغنيةٍ دافئة!
وأهربُ من ظلِّ حُبٍّ شقيتُ به
ومن مطرٍ ليس يروِي
لكيْ أتذكّرَ أنِّي
على صفحةِ الماءِ يوماً رسمت
وفي حدقاتِ العيونِ أقمْت
وأنِّي أسافِرُ عبْرَ البلادِ
كثيراً
كثيراً لأنسَى.

2

من الخيرِ أنّكََ تلهبُ ظهري
وتسكنُ عظمي
وجلدةَ رأسي
لتجعلَني وتراً يتغنّى
وبحراً يفيضُ كنوزاً
ونجْماً حزيناً يشعُّ ليفنَى!.
من الخير أنكَ تبعَثُني
في الحروفِ التي ذبحتْني
نشيداً ومعنى !
وأهْرُبُ من ظلِّ حبٍّ شقيتُ به !
لألقاكَ طوْقَ نجاتي
وموتي
وعمري الجديدْ !
فأمضي لأرسمَ وجهاً
يطالعُني في الرواحِ
وحين البيوتُ تنامُ
وتحلُمُ كل الحقولِ
بضوءِ القمرْ !.
لماذا يهاجِمُنا في السكينةِ
هذا الذي
بعُنْف الرياحْ
ولينِ الصباحْ ؟
لماذا ؟
وحجْمُ المسافةِ
أكْبرُ من عُمرِنا ؟
عجِيبً زمانُكَ
ظلُّ الجنادُبِ يمتدُّ حتى
يغطي السياجْ
وتشتاقُ لو تتمطّى
على العُشْبِ حيناً
وطوراً تُحلّقُ كالنسْرِ
فوق الجبالْ
يفتِّتُ قلْبَك هذا اللهيبُ
يحيلُ الرعُودَ
إلى مطرٍ ليْس يروِي!
ولكنّ هذا الزمانَ العجيبْ
يهزُّك من قمّةِ الرأسِ
حتى الأظافِرْ
فتحزُمُ بعضَ الثيابِ
وحِبْراً
ودفترَ شِعْر
وتصرُخُ في لُجّةِ الصمْتِ:
إنِّي مسافرْ !!
فيمتدُّ ظلُّ الجنادُبِ
حتى يغطِّي ورُودَ الحديقة
عزاؤكَ كلَّ العزاءْ
مُحاولةُ النجمِ
أنْ يصطفِيك صديقا
ويُفْضي إليْكَ بأسرارِهِ
في المساءْ !
فتدنُو لترسمَ
آهٍ
رسمْتُ على الماءِ
وجْهَكِ يوماً
وحولَكِ شمسْ
وأذكرُ أنِّي جعلْتُ الشُعاعَ
بلونِ الخُدودِ
وأعطيْتُ عُشْبَ الحقولِ
براءةََ وجْهِ الحبيبة!
لكنّ كلَّ الرسومِ أختفتْ
لهذا فإنِّي أُحِبُّ الرحيلْ
وشمسَ الأصيلْ
وأشْقى كثيراً
كثيرا
إذا اللّيْلُ روَّى البوادي
بلحنٍ جميلْ
وأتْرعَ قلب.
بأغنيةٍ دافئة!

3

تواريْتِ يا امرأةً من دخانْ
ظننْتِ الشوارعَ خلفكِ ترحلُ
والدُّورَ تهجر سكانَها
تسلّلْتِ من بينِنا كالسّرابِ
وغطّيتِ ردْفَيْكِ بالعيْبِ
ما كنتِ إلا مدينتَنا الهاربة
يطاردُها ظلُّها في الخفاءْ
تَوارَيْتِ يا امرأةً من دخانْ
وأعطيْتِ ظهْرَك للباحثين
عن الصّحْوِ فيكْ
وعن ضحكةٍ بضّةٍ
جلْجلتْ في المكانْ.
سأرسُمُ في الماءِ
أنّ الزمانَ الذي
كنْتِ فيه مضى
والمكانَ أختفى.
لم يعُدْ في إنتظارِكِ
من يضْفُرُ الأملَ الحُلْوَ ثوبًا
ولا عادَ مَنْ يشتهيكِ موالاً
ويُسْرِجُ أحلامَه للزمانْ.
تواريْتِ
أخفيْتِ وجْهَكِ عنّا
سنُجْهِدُ أنفُسَنا مرةً
مرتيْنِ
وعَشْرا
لكي نتذكرَ لوْنَ الأغاني
التي جمعتْنا
وطعْمَ الدوالي
وقُمْريةً تحمِلُ الدفْءَ في صوتِها
وتغسلُه بدموعِ السحاب
سأجهدُ نفسي
لكي أتذكرَ أني
عشقتُكِ يوماً
وغنّيْتُ في طيبةٍ
للذباب على ثوْبِ عُرْسِكْ
وأنِّي جعلْتُكِ شمساً
تُضيءُ اللّيالي العِجافَ
وتمنحُني العافية.
تذكّرْتُ
أَذْكُرُ أني تذكّرْتُ أمسي
فأعطيْتُ نفسِيَ وَعْداً
سأسكُنُ بيتاً جديدا
وأركبُ ظهْرَ الرِّياح
وأبني لواحدةٍ تشتريني
قصوراً من الوهْمِ
تُرْضي غرُورَ النساءْ
وأرسمُ في الماءِ
لونَ العيونِ
وطعْمَ الأماسي
وشكلَ السماءْ.
سأرسُمُ عُرساً
وزوْبعةً
أو خُرافة
وأحلُمُ مثْلَ الكثيرينَ
بالورْدِ
والنُّورِ
والشمسْ
وأكتبُ في لوْحَتي
أنَّ عصرِيَ حُرٌّ
يُحِبُّ الضِّياءْ !
ويكرهُ كلَّ العناكبِ والمُومياءْ
وأنِّي وُلِدْتُ لأهتُفَ ملْءَ فمي:
تعيشُ العصافيرُ
والضّوءُ
والسُّحُبُ الهاربة.

رُدِّي زَبَد البَحْرِ إلى البَحْر

أرْسُمِي بالأحْمرِ القاني
علَى المْندِيلِ وَرْدَة
وأكتبي بالأخْضَرِ اليانعِ
أنّ الفجْرَ
لنْ يخْذلَ عشَاقَ أغانيهِ
ولن يخلِفَ وعْدَه.
لبريقِ الدمْعِ في عيْنَيْكِ سِرٌ
عجباً أنْ يضحكَ الدمْعُ بعينيكِ
ويهْوَى الشّيءُ ضدَّهْ
وأنا أبحث في منفايَ عنْ صوتي
وأُصْغِي للصّدى المنْسابِ
من ضحْكتكِ الجَذْلَى
وأهْفُو لأناجيكِ
وأسْعَى لأُناديكِ
فلا ألقاكِ إلاّ في خيالي
كلّما آليْتُ أن أرْكِزَ
في جوْفِ المتاهاتِ رِحالي
هتفَتْ عيْناكِ أنْ أملأَ بالحُبِّ يقيني
فإذا رجْعُ الصّدَى
ما أنفكّ في جوْفي ينادي:
زَمَنٌ أعْياكَ فأصبرْ
سفرٌ أضْناكَ فأنْظُرْ
في تُخومِ الكوْنِ
ما يملأُ دنْياكَ يقينْ
وتمهّلْ
ريثما تنبثِقُ الألوانُ
من جُنحِ فراشهْ
ويضجُّ الكُحْلُ مزْهُوًَا
بأحْداقِ العيونْ
فالأماني الخُضْر تحدونا
لما تُضْمِرُ دنيانا
وما سوف يكون‍‍ْ
أجْمَلُ الأشْعارِ ما تُوحِيهِ عيْناكِ
وأحْلى كلماتِ الحبِّ ما نعْجزُ
أنْ ننطقَها يومَ لقاكْ
فأرْسمي بالأحمرِ القاني
على المنديلِ ورْدهْ !
وأكتبي بالأخضرِ اليانعِ
أنّ الفجْرَ لن يخْذلَ عشّاقَ أغانيهِ
ولن يخْلفَ وعْدَهْ
وأرسمي في حافَةِ المنديلِ
بالأزْرقِ موجًا
وأعاصيرَ
أرسمي ريحاً إذا هاجَ
فلن تفلحَ أسوارُ الأكاذيبِ
ولن يقدرَ شيءٌ أنْ يصُدَّه.
وأرسمي شمساً وبستاناً
وغاباتٍ ونيلْ
وطبولاً
وبروقاً
وزغاريدَ نساءٍ
وسيوفاً
وخيولْ.
وأرسمي في الجهةِ الأخرى
بلادي
آهِ
ما أجْملَها
طرِّزيها
وأنثري الألوانَ
في كلِّ المساحات‍
ومن أزْهَى حريرِ اللّونِ
في خاصرةِ المنديلِ
شُدِِّي وتَرَ القوسِ
ورُدِّي زبَدَ البحْرِ
إلى البحْر
ومن عذْبِ مياهِ العِشْقِ
فأسْقِي ورْدةَ النارِ
وغنِِّي لجمالِ الكوْنِ
في لحْنِ الصبايا‍‍ ‍‍‍
وأرسمي شمساً
وأقماراً..
وأحراشاً
ونيلْ.
أرسمي شوقاً ينادينا
إلى كلِّ الفصولْ
تلتقي الألوانُ
في منديلك السِحْرِيّ
ناقوساً
وأجْراساً
وأعْراساً
وعُشْباً
وصلاهْ
وأبسمِي رُغْم إحتباسِ الدّمْعِ
في عينيكِ
وأمشي في دمانا !!
وتعالي ندفنُ الخوْفَ
الذي حاصَرنا
ونردُّ الشمْسَ للأطفالِ
في "حَجْوةِ" صَيفْ !!.

كان الوطنُ
وكنْتِ معي

كحفيفِ النسمةِ
طيفكِ ذات مساءْ يدخل
يتنقّل هوْناً
بين رتاجِ القلبِ
وساحلِ رمش العينْ
يتماهَى خيْطاً فضّياً
يتبعْثرُ في أرجاءِ الغرفةِ
شلاّلاً من نورْ
وغلالةَ ضوءٍ وشجنْ
يتنقّلُ هوْناً
يدخلُ ثمّ يعودُ
فيخلع عند البابِ
خيالَ الظلِّ
وينشرُ عِطراً
ليس يماثلُهُ
في الروْعةِ
إلا
فوْحُ عطورِ الجنّة.

كنتُ وحيداً
وكنتُ أُغالِبُ
جمْرَالشوْقِ إلى وطنٍ
أحمِلُه وَشْماً في الكفّينِ
وخارطةً في القلبْ
وأصدِّق ظنِّي.
أُقسمُ أنّي
كنتُ قريباً منكِ
ومن أحراشِ بلادي
أرخي سمعي
كان الوطنُ وكنتِ معي
في لحْنٍ طيَّ شريطِ كاسيت
ينداحُ فأبصرُ فيهِ
تضاريسَ بلادي
وعذابَ الشُّعراءِ
وأحزانَ العشاقْ.
..........................
(يا أنّة المجروحْ
ياالرُّوحْ حياتِكْ رُوحْ !)
..........................
ويسْعَى طيْفكِ
بين رتاجِ القلبِ
وساحلِ رمشِ العينْ
وبلادي وشمٌ أحمِلُهُ
في القلبِ وفي الكفّينْ
وأمدُّ يدي
لأداعِبَ خصلةَ شعرِكِ.

آهٍ
كان اللّْيلُ معي
وكنت بعيداً عنكِ
وعن وطنٍ أحملُهُ
وشماً في الكفّينِ
وخارطةً في القلبْ !.

***

محجوب كبلو

  • من مواليد عام 1950.
  • عضو إتحاد الكتاب السودانيين.
  • كاتب بصحيفة الرأي العام السودانية.

لم يطبع ديوانا حتى الآن.

أعْبَاءُ خَفِيرِ النَّائِمَة

مُتَغَاضِيَاً
عَنْ حَقِّيَ العُضَالِ
كَبُسْتَانِيٍّ
في تَصْفِيفِ وَبَرِ الثَمَرِ والجَّوْزِ
أَكْتَفِي بِخِفَارَةِ وَرْدَةِ نَوْمِكِ الهَنِيءِ
وأَحُومُ حَوْلَكِ
ـ لَئلاَّ أُوْقِظَكِ ـ
بِحِذَائَيْنِ مِن هُلام
أُعِيدُ إلى بَهْوِ أَحْلامِكِ
طَوَاوِيسَهُ الهَارِبَةَ
ومُصْغِيَاً إلى الإحْتِجَاجِ اللَّدِنِ على الفَرَاغِ
"ما كانَتْ تَحْتَوِيهِ السّتْرَةُ القُطْنِيَّةُ"
الرَّابِضَةُ عندَ قَدَمَيْكِ كَقِطَّةٍ
خَافِرَةً ـ معي ـ
شَكْلَ النَّوْمِ الشَّفَّافِ الفَجِّ
المَحْكُومِ بخصائصِ الحَريرِ
لا بِقَواعِدِ التَّشريح
أَسْحَبُهَا
كَمِنْدِيلِ مُوَاءٍ بنفسجيٍّ، بِيَدٍ مُتَعَثِّرةٍ في الحُلُمِ
لأجَفِّفَ عَرَقَ رَوُحِي
وأُضَمِّدَ
بِرَمَادِ مَصَابِيحِكِ
جِرَاحَ شَخْصِ الهَوَاءِ العَارِي
المُمَزَّقِ بِشَفَراتِ البَسَاتِين.

وإِذْ
ـ على دُخَانِ الشَّفَقِ ـ
تَبْدَأُ الكَائناتُ
ألْعَابَ الحُبِّ
بِمَلابِسِ السَّهْرَةِ
أَقْشَعُ نَوْمَكِ
بِذِرَاعَيْنِ مِنْ وَلَهٍ
فَتَذْهَبُ رِيحِي تَحْتَ رُكَامِ النَّكَهَاتِ
ويَغْمُرُنِي طُوفَانُ الطَّلاوَة
لأدْرِكَ كَمْ كَانَ النَّوْمُ سَاهِرَاً على نَجَاتِي.

نَشِيْد الغَرَق

كانَ صَوْتُكِ يَرِفُّ فَوْقَ غَرَقِي تَنَهُّدَاتِ جُرَّةٍ إثْرَ شَفَةِ المَاء، وكانَ مُلْتَبِسَاً بَيْنَ الشَّدْوِ والحَمَامَة، وآنَ طُلُوعِ وَجْهِكِ خَلْفَ سُدَفِ العُبَابِ كَوَجْهِ المُغَنِّي خَلْفَ أوْتَارِ القَيْثَار.
كانَ وَجْهُكِ لي، وكانَ العُبَامُ يَنْسُجُ فَوْقِيَ قَامُوسَهُ.
أمَا كانَ لِي؟ وهذه المُخْضَمَّةُ تَلْعَقُ ضوئِي وتَتَجَشَّأُ عَدَمِي.
تَنْتَشِلِينَ غَرَقِي بِذِرَاعَيْنٍِ مَائِيَّتَيْنِ فَتَطْفُو بَدْلَةُ عَوْمِ رُوحِيَ الحَيَّةُ ـ جَسَدِي ـ مُبَطَّنَةً بالعُلْجُومِ والطُّحْلُبِ، ومَوْشُومَةً بِتِذْكَاراتِ جَمْهَرَةِ المَاءِ وغَوْغَائِه.
تُمْسِكِينَ يَدِي كَأجْدَى هَذَيَانِيَّةٍ لِغَرِيقٍ، جَائِزَةً بي أَهْرَاءَ عَدْنِكِ وحَظَائِرِهِ، مُخَلِّفَيْنِ وَرَاءَنَا حُوْذِيَّةَ الزَّمَنِ المُسَرْنِمِينَ، تَسِيلُ قُبّعَاتُهُمُ الكَسْلانَةُ على صُدُورِهِم ولِحَاهُمِ الأَيْلِيَّةِ، وتَرْنُو إلى أُفْقِنَا كَائِنَاتُ اْصْطَبْلاتِ الرَّبِّ المُسَوَّمَةُ فَتَصْهَلُ بالعَسَلِ والأوْرْكِيدْيَا.
اْسْتَقَمْنَا واْنْحَنَتْ لَيْلَتُنَا نَحْوَ إِجْهَاشِهَا فَتَعَلَّلْنَا بِتَأْوِيلِ خَرَسِهَا القَمَرِيِّ: "لَوْ كَانَ أَبَاكِ لَمَا نَوْسَرَ بِهِ جُرْحُكِ أنَّى أَغْفَى، ولَمَا هَبَطَ مِنَ الجَّنَّةِ مُخَضَّبَ اللِّحْيَةِ بِهَدِيلِك، كُلُّ شَيْءٍ مِنْكَ يَسِيرُ إلَيْهَا حتَّى خَطَوَاتُها نَحْوَك، كُلُّ شَيْءٍ مِنْكِ يَجْأَرُ إلَيْهِ حَتَّى خِيَانَتِكِ إيَّاه".
تُؤَجِّلِينَ كَقَوْسِ قُزحٍ بِلَوْنٍ وَاحِدٍ خَرِيفِي، ومِنْكِ يَبْدَأُ تَقْوِيمُ مَجَاعَتِيَ الذَّهَبِيَّةِ: رَبَّةٌ لا تُجِيدُ سِوَى صُنْعِ القَهْوَةِ والظَّهِيرَاتِ المفقودةِ من الرُّوْزْنَامَة، تَحِيكُ مَلْمَسَ اللَّيْلِ قُفَّازَاً لِلْعَاشِقِ والنَّهَارَ كَانَافَـاهْ أَزْهَارٍ وفَوَاكِه، وتُتَرْجِمُ كُلَّ اللُّغَاتِ، بِفَمٍ صغيرٍ، إلى الصَّّمْت.
أتَسَلَّلُ مِنْ مِخْدَعِكِ مُعْتَرِفَاً بِبَرَاءَتِي، وتَخُونُ يَقَظَتِي وَصَايَاك:
لَنْ أُبَارِكَ
لَنْ أَغْفِرَ
لَنْ أَمْتَثِلَ
لَنْ أَنْتَحِلَ
لَنْ أَعْتَلَّ
لَنْ أَذْبُلَ
لَنْ أَقْسُوَ
لَنْ أَتَوَحَّشَ
لَنْ أَنْتَحِبَ
لَنْ أُذْهَلَ
لَنْ أَنْجُو.

نُوْسْتَالْجِيَا الإسْتِقْلال

القَاهِرَة
هَلْ كَانَتْ ضَلالاتُ كُرَةِ قَدَم/ ؟ / عندما صَبَّ جَلالَةُ المَلِكِ فؤاد الشَّايَ في كوبِ عبد الخير السوداني / مُفَجِّراً الإغْتِلامَ القَوْمِيَّ تِجَاهَ فَتَاةٍ قِبْطيَّة / ؟ / قَتْيلَةُ الدَّانْتِيلاَّ المَسْمُومَةِ اسْتَحَالَتْ أُحْفُورَةً في مَاسَّةِ الغُرْفَةِ المُغْلَقَة؛ يُوبِيلاً قادماً.
هَلْ تُحْظَى بِغُرْفَةٍ في المَلَكُوت؟، وهي لا زالَتْ تَحِنُّ إلى نُظَّارِ القَبائلِ/ ذَوِي العِصِيِّ الغليظةِ / أَصْدِقَاءِ عَشِيقِها الحَاكِمِ العَامِّ / ذلك الاُكْسِفُورْدِيِّ ذي المَنَادِيلِ الكَثيرةِ / وأَفْضَلَ مَنْ يُدَافِعُ عن قَضِيَّةٍ خاسرة:
ـ كانُوا لا يََرَوْنَ جَسَدَه؛ الضَّبابَ لَنْدَنِيّ، فَوْقِي، فَيَفْرُمُونَهُ مَعِي كالبَصَلِ مع اللَّحْم.

لندن
هَلْ أَعَادَ المَلِكُ جُورْج سَيْفَاً مُخْتَلِفَاً / ؟ / صَالَةُ سُوزْبِي لِلْمَزَادَاتِ تَعْرِضُ سَيْفَاً نَبَاتِيَّاً:
وَنْ
تُو
ثْرِي
كْلِنْغْ كْلِنْغْ كْلِنْغ
هَلِّلُويَا
مَوْلِدُ المَسِيحِ النُّوبِيِّ بِمُعْجِزَاتٍ هَرْطُوقِيَّة:
الزَّبِيبُ عَلِيقَةُ خَيْلِهِ
قَصْرُهُ مِنْ طُبُولٍ اسْكَتْلَنْدِيَّةٍ
يَحْمِيهِ الفُولاذُ الدِّيْمُوقْرَاطِيُّ واللِّحْيَةُ الزَّرْقَاء.
لَهُ المَجْد:
ـ حَرَثَ حَقْلِي ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَعْلَفْ خِلالَها غَيْرَ حَلِيبِي، ودُخَانِ غُلْيُونِه.
ـ كانَتْ كَلِمَةُ "جَسَدُكِ" تَتَلَوَّى فِي فَمِهِ كَفَرِيسَةٍ صَغِيرَة.
ـ كَانَ يُهِيبُ بِسُلالَةٍ نَبَوِيَّةٍ أنْ تَخْرُجَ من صَحْرَاءِ جَسَدِه.

أُمْ دُرْمَان
شُيِّدَتْ من غُرُوب
غُرُوبٌ يَسَّاقَطُ مِن شَرِيحَةِ بطِّيخٍ مع فِرَقٍ مُوسِيقيَّةٍ خضراء
حِجَابُ حَدَائقٍ سِريَّة
نساءٌ مُهَجَّناتٌ من الزَّرَافِ وأفْرَاسِ النَّهْر؛ "المُنْتَظِرَاتُ الخَالِدَاتُ للمَسْلُولِينَ الشَّبِقِين" يَرنين إلى دَبِيبِ عَصْرِ البُخَارِ الأمْدُرْمَانِيِّ بِفُكَاهَتِهِ الذَّهَبِيَّةِ: الإسْتِحْمَام؛ شَايُ العَصْر
تَصْفِيفَةُ إبراهيم عوض، التُّرَام "زَرَافةُ الله في أَعْشَابِهِ؛ الَّتِي تَسْلَحُ أطْرَافاً صِنَاعِيَّةً"
مُعَدِّيَّةُ شَمْبَات التَّوْرَاتِيَّة، الأَوِزَّةُ الخُنْثَى؛ مُلْتَهِمَةُ أَعْضَاءِ الصِّبْيَةِ العُرَاةِ لِتَتَقَيَّأهُم في السادسةِ أمامَ سينما بَرَمْبَل فَتَلْتَقِطُهُم دِيَكَةُ الحِرَفِيِّينَ المُخْصِبَة / الفُونُوغْرَاف يَسْطُو على صَلاةِ المَغْرِب.
غُرُوبٌ تَبْغِيٌّ تَصْنَعُهُ مَصَابِيحُ فَانْ غُوغِيَّة لِلاَفِتَاتٍ فَجَّة:
[تَرْزِي سَيِّدَات]
فَتَاةٌ يمينَ العِبَارَة؛ تُصُوِّبُ مُسَدَّسَاً نحوَ فَتَاةٍ أخْرَى يَسَارَ العِبَارَة.
حِصَانُ "كَالْتِكْس" المُجَنَّح وكَلْبَةُ "أَجِيب"ذاتَ الأرْجُلِ السِّتَّة، يُثْقِلانِ خَطْوَ الأطفالِ في الكوابيسِ الخضراء.

[مِشْرَبُ الدَّجَاجَة]
أمَامَ الجَّامِعِ الكَبير، بَابُهُ الخَلْفِيُّ في المِبْغَى؛ حَيْثُ نِسَاءٌ بلا رُؤُوسٍ يَحْمِلْنَ مِظَلاَّتٍ على قَارِعَةِ الغُرَفِ الضيِّقَةِ بإنتظارِ صَبَاحَاتِ آحَادٍ إثْيُوبِيَّةٍ لن تَجِيْء.

الخُرْطُوم
لندنُ من الشُّوكُولاتَة
تَسِيلُ على رَبَطَاتِ العُنُقِ المُزَرْكَشَة
أبْيَضُ
تَبْغِيٌّ
فضِّيّ
ألْوَانُ مَشْهَدِ السُّودَانِيِّينَ يَوْمَ القِيَامَة، وثَمَّةَ رائحَةٌ رَسْمِيَّةٌ؛ رَوَثٌ وفَنِيْكْ، تُرَفْرِفُ من أكْفَالِ خُيُولٍ لامِعَةٍ تَحْتَ ضوءِ الشمسِ؛ طاهِيَةِ العَدَم، وهي تُنْضِجُ شَعْبَاً من ذُرَةٍ، على أَرْضٍ تَفْتِنُ السُّحُبَ الهَرِمَةَ لِتَتَنَاسَلا: آذَانَ فِئْرانٍ خَضْرَاء؛ صِيْصَاناً خُضْرَاً، دَجَاجَاً أَخْضَرَ: حَصْدٌ بِمَنَاجِلِ مَكْسِيم الوَلِيد ـ كُمْبْرَادُورِيَّة كَرَرِي "الآن مَحَلِّيَّة كَرَرِي" ـ 1898 ـ بَعْدَ مِيلادِ المَسِيح.

***

خالد ماسا

  • من مواليد العام 1978.
  • ماجستير الدراسات الدبلوماسية من جامعة النيلين.
  • بكالريوس العلوم السياسية من جامعة النيلين.
  • ناشط في مجال حقوق الإنسان والعمل الطوعي.
  • كاتب بعدد من الصحف السودانية والمواقع الإلكترونية.

لم يطبع كتابا حتى الآن.

تويا

ها أنت في رئتي
ومن رئتي
يمور
يموج
أوار هذا العشق مختلجا بكل أزاهر الدنيا
وكل طيوف عشقك مهرجان.
هل أنت إلا يا عبير الشوق تسكنني
وتسكن آخر الأغوار عندي
بلسما
أو قل رجاء
أو كما تحلو لك الكلمات عقدا من نشيد العمر دوزنة البيان
إني كما ألفيتني لهبا من الأشواق
هداة شاعر ندف
وصيحة عاشق نزق وغابة سنديان
من أنت لي ؟
حتى أكون البحر.. والمرساة.. والدمع المسافر في مناديل الوداع
أتلوحين ...؟؟
والصبر يقتله الأسى
ورمالك الحرَّى تلوذ بشاطئي وتخط في بحر اشتياقي
أن أجئ إليك يقتلني الهوى
صب يفجره التياع
لم أحسن الكلمات حين كتبتك شعرا يغازل مهجتي ويخط التيه في جسدي صراع.
هذا أنا
ملاح أغنية يسافر في ضجيج الوعد يقتله الأسى في ضجيج عينيك حينا والرجاء
ماذا إذا لمست شذى عينيك لهفة شاعر مزجت ملامحه بآخر أغنيات العمر والتيه الأريحي.
تويــــــا
مجنونة رئة الرحيل إلى قلب يصارع مُر هذا الإنتماء
مجنونة لغة الجراح إذا تماهت تلعق الكلمات في رئتي وتمتص الدماء
مخبوءة هذي (البحيرة) عن نشيد (البحر) نورس عاشقيك وثورة الأنواء
هذي.. هذي.. إليك بجزع القلب مختلجا.. يساقط من وجيف الروح أحرفها ومنشفة النشيد
ثم كوني أول الأشياء فوق عوالمي .
شبق التمني.. لغة الوريد إلى الوريد
أو في دمائك سافريني متعطش النزوات صب أخرس الكلمات ينتظر البعيد.

واحد وعشرين أكتوبر
كلما اقتربت من الإستواء
أوجعتني الزوايا

مدخل أول
فيما يخص الزمان
الزمان
واحد وعشرين أكتوبر
من سنة التساب
ذات مساء حزين كانت الساعة تمام الحزن
سأغادر هذا المسار المفضي إلى الإستفهام
فساعة الحزن تعلن تمام الإنهزام.

مدخل ثاني
فيما يخص المكان
نقوش على درب الأحزان
(البحار مصلوب على شواطئها النزيف).

مدخل حزين
فيما يخصني
يوما ما سأغسل أحزاني بماء العين
ثم أترك للبحر السهر والحمى
فكون المرء يحب البحر
فإن لديه شعور دائم بالمأساة
وهذا ما يبقيه حياً خلال الفترات المؤقتة من الفرح .

مدخل من باب الخروج
فيما يخص البحر
تويـــــــــا
أو تذكرين ؟؟
أنا أذكر
نعم كنت أخصك بالشعر والحمى كما يفعل المثقفين في وطني
وخصتني تلك الليالي بالحلم
منذها "تويــــــا"
وأنا أفرد في نفسي مساحه لأنثى (كاملة الدسم)
أحدثها عن"الوطن"
وعن خصوصية هذا اليوم
وتحدثني عن(يوم باكر)
أحدثها عن ثمة علاقة بين الثورة وهذا اليوم)
تحدثني عن
(لماذا أخترنا هذا اليوم ؟).

مدخل للتساب
فيما يخص النزيف
(أربعة أعوام مضت)
أسعيد أنا حين أفترقنا ؟
وبيني وبينك تعتمل إبر الحنين
وطعم الملح المر في خدودي
خذي نثاري
وأجمعي ما تبقى فيك منك
وأنتفضي مثل عنقاء الرماد من الدمار
وخلاصة القول
التجاوز
والتجاوز صفقة كبرى لبيع الإحتمال.
"يوتو بياك" إذ نادتني الشمس
لا تدفنيني في هذا الحزن
سأحمل جنازتي وأعدو نحو البحر
أربع أعوام مضت
وأنا أقلب دفتر الأحزان لفتاة تركتني أصرخ همسا (أواه يا عشقي الأعرج)
"تويـــــــا"
يا لنهارات الخرطوم
"لا تمنحني سوى الحزن طازجا".

مدخل عام.. فيما يخص هذا اليوم
كنت قد ألتقيتها في فناء جامعة النيلين
سعيد بتوزيع كروت دعوة الإحتفال بـ21 أكتوبر في الجامعة
وكانت سعيده بأن خصها هذا الشاب ببطاقه مكتوب عليها (ست شموس الكون منايا)
ياااااااااااه
ألهبتني هذي الشمس حبا طوال سنين الجامعة.

مدخل ثوره.. فيما يخص الوطن
وطني
(عليك الحزن ورحمة الله تعالى وبركاته).

مدخل للخروج
"كلما أقتربت من الإستواء أوجعتني الزوايا"
"تويـــــــا"
الحزن جواي البحر
شيليني من جواي
أديكي البحر.

فأنا أعلم بأن الإبحار بلا مركب مشوار البحر وحده
ولتعلمي بأنني الآن بحر كبير.

***

أحمد النشادر

  • من مواليد العام 1982.

صدر له:

  • العذراء تتفاقم، شعر.
  • اختراق الضاحية، شعر.
  • آلاء الخنثى، شعر.
  • صدرت الأرض في مجلدات من شعر الماعز، شعر.
  • لأن.. يا للهول، شعر، بالإشتراك مع مأمون التلب ومحمد الصادق الحاج.

بَحْرُ الْخَفِيف
في الأثَرِ الذي يَتْرُكُهُ حِذَاءٌ عَلَى الرَّمل

1

تَذْبَحُ المذبحَ لَمْعَةُ الدَّمِ في دمي
يَمُوْءُ النُّطْقُ تحتَ القَدَمِ
يا نادلَ الرملِ يا طفليَ المتَّسخ
كيف تسلخُ كلَّ النهارِ من المعدنِ الـ يَتَوَضَّأُ جِلْدِي
بل لماذا تنامُ وأنتَ بريء
(ألا تستحقُّ هذه أن تصرخ َبها؟).

***

قل لي يا أنت، الذي أنت، والذي هو أنت
كم هو مرعبٌ أن يُمتَّعَكَ حرفٌ في المذبح
أن تتشنَّجَ من لَذَّتِهِ حتى تنبت عروقُ الهواءِ في آهاتها
أن تراهقَ هَاءَهَا
يا أنت، يا جوهرَك، يا فُتَاتَك
تفتِكُ بجوهرِكَ الغريبِ المليءِ
يتكسَّرُ الفراغُ القويُّ على أعتابِ كُنْهِكَ من فَرْطِ كُنْهِكَ من دِقَّةِ كُنْهِك
قل لي:
هل تَزلُّ القَدَمُ ؟
أم تصبح نقيةً زلالاً، عابرةً محضَ العبورِ الحلو
والسِّرُ الأوَّلُ في العالَمِ يرقدُ كعذراءَ تتهشَّمُ في عُذرِيَّـتها
الحلمُ يتدفَّقُ في الحلم؛ ينـزعُ ملابسَ الريحِ ينـزعُ ذاته عليها
يسقيها دمَهُ (نِعْمَ النديم).
والآن، في هذا المحفل الضخم، الآن... الآن تقولُ دمعةٌ دمعة:
(يا ملحي، الكذبة الأولى في العالم تتحقَّق، سأنْشَرِطُ من الرَّهبِ، سَأَبْيَضُّ مما أرى).
والآن، كم حاسَّةً أحشدُ في المظاهرة على سطحِ هذه القطرةِ المتفصِّدةِ من منطقةٍ هي النطقُ بكلمة منطقة، كم؟ كم؟ كم؟!.
وانْحَنَت الأشجارُ تُذَلِّلُنَا لأنْ نراك، هناك... في الخاطر، حيث يدفعُكَ الصفاءُ (كلّ أنْ يصفو) الصفاءُ الذي نَسِيَ لحظةً (لحظتُها: الملل)
وأنتِ هناكَ تَنْطَبِعِينَ كأنِّكِ لا تَضَّايَرين
وهنا في هذا المضارعِ النَّمِّ، تحدُثُ الرُّؤيا
دونَ أن تَجْرَحَ
تَجْرَحْ.

***

كانت كلمة (دميم) تَسْتَحِمُّ في سحرِهَا الذي يُغْمِي الْحَوَافَّ والذي هو الحواف.
الحوافُّ تنهالُ على الداخلِ من أعمقِ ما في القُرْبِ؛ تنهالُ كأعصابِ إلانسان؛ واليقظةُ من عُنفِ القُبْلَة، ومِن القُبلة، همومُ الشَّوْكِ تجفُّ في شفتي (لست أنا) (أنا في المكان) قابَ قوَّسَنِي وأَضْنَى ولا أستطيع أن أراك:
يا خيبةَ الأشجار يا دمَها المُخاط.. يا حبيبي، "هنا ينكسر صوتي وأعثر على كلمة (يذوب) منكسرةً تحته".

***

(رُبَّ حزنٍ لا يَرَى ذاته
لا يحزِنُه أحدٌ
غير هذي القصيدة)
ما تمزَّقَ إلاَّ من فرطه
ففرَّطْنَا في كلمةٍ تَصلُحُ كفوطةٍ للندى الذي يُسرُّ الآن إلى أُذُني بشيءٍ مُخجِل.

***

ذَكِّرني بالخبز أن أَنْسَانِي
واْفرح أيها المذبح (لا أحدَ يعرف هذا سوانا).

***

الحشائشُ ترعى الحشائشَ وتُهْدِرُ أقدامَ هذي الغزالة
هنا تحتَها قبلَ ألف عامٍ من الرِّئَةِ والتَّفْرِيطِ في الصلاة، كانت مطبوعةً آثارُ حذاءٍ على الرَّمل، كلّما فتحتُ يدي وجدته فيها ولا أثر لَهَا.
تمشي بدون هذا القيد تسقط من الخوف، تمشي فيه تسقط فيه، كيف تقفز خارجَكَ وأرْجُلُكَ الكثيرةُ تمشي ضِدَّ بعضِها وعيونُكَ من تحتها تركضُ بينها؛ تبحثُ عن صمتٍ أبلهٍ مُعَلَّقٍ في الهواء بحيث تجلس عليه أنت.

***

كيف تَمُرُّ بدون تَمُرّ
كيف يغلي الضوءُ في الحُبِّ النَّاسِي؛ كيف يعودُ إلى البيت، كيف تدير الناحيةُ قلبَهَا لتراه في فراغِها، وكيفَ والحُمَّى تُحَلِّقُ في فناءٍ يصفِّفُ خواءَهُ بالترابِ الرَّاقِدِ كصديقٍ أصغى إلى حذائه يَتَعَلَّمُ التوبة.

***

تَنْـزِلُ بحيثُ تصبحُ كُلَّك
تنـزلُ أكثر لتكون الفقيدَ الذي تَشْتَهي
عندك الرّمحُ تبرقُ في أعلاهُ الرِّئَةُ كسؤالِكَ: "مَن المنتصر؟".

***

تَتَسَرَّى بأخبارِ يديكَ الْمَنْفِيَّتَينِ في نظرتِكَ المُستغربةِ، مُتَعَوِّدَتَينِ دَمَكَ الأسطرلاب، تفتحانِ الغابةَ لسماءٍ تُغلقها، وتعطيكَ حُرِّيَّةَ أن تَضْحَكَ
تُشْرِكُ الفساتينُ في لونِكَ
تَضْحَكُ من قولِكَ للقماشِ؛ من قوله:"ضِقتُ ذرعاً"
تَضْحَكُ حَدَّ تُشِعُّ في مكانٍ آخر.

***

تُعْجِبُكَ الغلظةُ في العين، سكاكينُ الصوتِ المؤنَّثةُ تَحِيضُكَ جانباً بحيث تراها
(هي أيضاً لا تعدو أن تُرى)، وتَشِبُّ مجرداً مما تعرفه، مُبْقِيَاً ما لا تعرِفُهُ عُمْلَةً تتداولها مع غَدِكَ الطويلِ بما فيه من جسدك وهو الجسد (لكونه بَعد).

***

تَشُقُّ جُغرافيا مُعَبَاةً في أكياسٍ ليس لها سيرةً سوى سيرتِهَا الذاتية
تَتعَب وتقول:
"يا غيب، كيف لا تسدي لي خدمة
كيف يا نَأْمَةَ الأرز في ماءِ الفوطةِ الرَّطبِ بالبُعْدِ والمجازفة،
كيف تجفِّينَ يا لكمةً في وجهِ لُغَةٍ تَرُدُّ عليكِ بأدنى ما فيها ؟".

***

ليس بالقَحْبَةِ وحدَهَا يَحْيَا النسيان
لامَسْتُمُ الدَّمَ
الغفلةَ
تُبِيحُ ميسمكَ لصُنَّاعِكَ، تعرف كم غَشّوا البحر،ِ ولكنك تربحُ ولا تعودُ ترى حِراباً أو جهة تعيثُ زُرْقةً في يديكَ والبكاءِ طبعاً.

***

(الذئبُ لا يخاف إلا طِباعه
يخافها لأنها تخافه
لأنها تخاف).
[سوءُ فهمٍ لبقٍ كبينونةٍ كُبرَى للشارعِ في السُّلّ، والجرعاتُ من القريحةِ البردانةِ مِن تَجَوُّلِهَا بين إبطِكَ وأوساخٍ قديمةٍ محايدةٍ في قفصِكَ الصدري].
الجَّمَالُ:
(أن تغرَقَ)
(تستغرِقَ)
(وخزةٌ)
(بيضةٌ)
يتألّمُ من ضغطِ الْمِسَاحَة
يُلِصِقُ الصُّوَرَ ولا يَكُونُهَا
(يَكُونُهَا)
(لا يُرى)
(له حواسُّه)
ظاهرياً يتمّ تمثيلُهُ ضوئياً لصالحِ المتعة، أن يكونَ بداهةَ الْمُتعة
أن يجلسَ تحت الأشجار كأنَّهُ ليس الأشجار، تهوي الشواهقُ (بَرَّاحَة) في عُمْقِهِ الجَّافّ الإرتطامُ يسمَعُ صوتُهُ وذلك الغبارُ المتصاعدُ الخفيفُ ينـزلقُ من على سطحِهِ السقوطُ وتهمدُ جوانبُهُ ويتلفَّتُ جوهرُهُ الخفيفُ في خِفَّتِهِ حتى تَخِفَّ أكثر، فيحصُلُ على أقلّ ما يمكن منه، فيستطيع أن يقولَ كامِلَهُ في كلمةٍ واحدة كـ (الجمال).

***

الأنثى تَلُفُّهُ في الفَقْدِ المحلولِ بتركيزٍ مناسبٍ لإبتسامتِهِ طريحةِ الفِرَاشِ منذ سمعَ بها في حجرةٍ تُسْتَعْمَلُ للحبسِ الإنفراديّ في جمجمته، العذابُ أبسط من العذاب، وأكثر منِّا، العذابُ أن ترى جيداً مَنْ يدوسُ عليكَ بأنفاسِهِ الصخورُ الذائبةُ في مَلَلِهِ المصهورةُ كأنها حمم
إذْ يَدُوسُ تَتَفَلَّتُ في تفكيرك بعيداً، ترى ذلك من هناك وتقول:
"كيف إذن عرفتُ الجمالَ قبل ذلك".

***

يُدْهِشُكَ أنّه مذ خَلَقَ اللهُ مسامكَ لم تَأْتِ الأمطارُ، تُرَاهَا أيضاً تعرف؟، تستدرك، هي أيضاً خَلَقَهَا الله
تنفُضُ الترابَ عن يديك
مُرتاحاً تقول:
"والآن أَهدرتُ دمي".
[نَبِـي ٌّ غيرُ مرسلٍ يرسلُ مجازَه].

***

يتبرَّزُ العراءُ عكسيَّاً الزهورَ التي تحيطُها بجسمِكَ فتذبُلُ في الغَزَل.
تَلِفُّ خارجَ القوس، أقصاه، داخله
الركضُ يساوي دائرة، تَتَمَنَّى بقلبِكَ فقط أن يُفْلِتَكَ لأجلك مرةً واحدة.

2

ذات يوم لم يحدث شيء
والآن، وأنا واقفٌ في جلوسي
على كل هذه الفراغات التي تَمُصُّ جسدي من أثداء لا مرئية، أثداء نَبَتَتْ بفعل الْمَصّ
واقفٌ، تَهبُّ الريحُ من أقصى غيابي فيَّ إلى أقصى حضوري
تعذِّبها المسافةُ الطويلةُ فتبكي شَرَرَاً من زجاج ٍ حادٍّ له طعمُ الدَّمِ، ولونُ الحِدِّةِ وحِدِّتُها بكاءاً يطعنُ المسافة.
تَهُبُّ أعضائي داخلي، الرِّئَةُ التي هي محيطٌ من الكينونةِ المرطَّبةِ بعنايةِ الخيش، تَرْجِفُ من بُعدي عن بعضي، ترتطمُ بجلدي الصَّلْدِ من الداخل، والجاهلِ من الخارج، ترتطم حتى يصاب أوكْسجِينُها بكَدَمَاتٍ
ومن عيوني يَخْرُجُ أقزامٌ عريانونَ مدهونونَ بمخاطِ حفنةٍ من حشائشِ الشَّبَكِيَّةِ التي تعُودُ جذورُها إلى التركيزِ المحضِ اللذائذيَ وقيل البلاهة.
أغُطُّ في موعظتي وشَعْرِي تشدُّه مجرةٌٌ أخرى لترُصَّ أوضاعَها المملَّةَ
كواكبَهَا ونجومَهَا فيه.
[تبدأُ الأسرارُ في كَنْسِ بعضِهَا البعض، وتتقدَّسُ الأماكنُ بمجرد الإشارة إلى كونها أماكن]
تعودُ أصابعي من رحلتِها في جمجتي ومعها تذكارٌ عُرْضَةٌ للسَّرِقَةِ من الداخل:
(فأر)
فأرٌ فرَّ من مذبحةٍ في كواليس واطئة كلهاثٍ فاجرٍ؛ واطئة ودهاليز
فأرٌ له لونُ الفكرةِ الرَّمَادِيّ يرتطِمُ بحيث يُسْكِرُهُ فقدانُ مكانِهِ الأوَّلِ أثناءَ، يهوي إلى آخرَ تُسْكِرُهُ الهاويةُ، ويترنَّحُ بأطْوَالِهِ كُلِّهَا ولا يستطيعُ أن يرى عورتَهُ فيحزر أنَّ كُلَّه عورة.

***

أضَعُ عنقي وأثَبِّتُهَا، وأحفرُ لها في جسدي، وأضَعُ عليها أرواحَ مَنْ مَرّوا هنا (كُلُّهُمْ أنَا) وأكَسِّرُهَا بفأسٍ من عظامي الخالصةِ مُنِحَ لي كتميمةٍ ضدَّ فكرةِ أن أتَفَتَّت، ثُمَّ أضعُها في قُرَحٍ من درجةِ العيبِ وأظَلُّ أقْليهَا النَّهارَ كُلَّه، منتظراً أن يقتلَني أملٌ واحد.

***

أعود من الكُراسةِ لأظافري وأبدأ الدخولَ إليَّ كَمَنْ يسحبُ جسدَهُ من تحت الكون، أدْخُلُ عكسيَّاً في جسدي، أظْهَرُ كعقربٍ تتبرَّعُ بذيلِهَا للسُّمِّ ليقيمَ أوَدَهُ، أُطْفِئُ السجائرَ في منخاري لأسُدَّ هذا المنفاخَ المتورِّدَ، تبصقني زهرةٌ على حافَّتها من رعونةِ الموسيقى في البَالِيْهْ، جوار المسرحِ المهدَّمِ والقِطَطِ المشردةِ في كَرَفِتَّةٍ صُنِعَتْ خصيصاً لطفلٍ دُمْيَة يديرُ مُخَطَّطاً للإنقلابِ في فيلم إستعراضي ضد البشريّ الْمُسْتَخْدِم.

***

أتَجَرَّعُ كُلَّ هذه المشاهد ناعساً
كل هذا وكأنَّه لم يكن، كلّ ذلك تزجية.

مَصْيَدَةٌ تَئِنّ

الكلمات التي تُهيِّجُ الإكتظاظ
الكلمة التي تكتظُّ بي
ألق المكتئب
الصداقة الفجة مع موس الحلاقة
كلما
أحسُّ بأنني
أرتكب
وطالما يقتديني
كيف لا أنتصب
مثلما
الرمش "يانصيب الدمعة"
التراب فنار ما تحته
تؤول إليه الــ نصف ماهي لن تكونه
ولو أعتقدت.
باسْم كل ما هو شجرة
ووضيعٌ بكفي وخانق
لن ....
ولا .....
ولماذا ..........
أحب.
تصطف النار في حقد النحاس الذي منشأهُ اعتقادٌ في رسغ جارية تزن لا شيء وريختر
تصطف في مدخل التنكيس والبلع ضد إرادة اللفظ، حرفة كيميائية لدرجة البيض الفاسد فاحَ من سمعتي ونشأتُ كما قدَّر القمح لعروق السبعين سنة من التمباك والضرائب وبنت العم.
تستطيع الفراشة أن تستطيع
ولكن التأفف كلي القدرة
الستائر الزبانية
اللقيط
أقماطه النيل
الطمي في حلق الخزَّان
اللغة الانجليزية في كحة بيضاء تُسبِّح كلما نامَ النعاس في كراسة أول الفصل
والتلاميذ أرهقهم نوط النبرات فعلَّقوا مهازلهم وغنَّوا نشيد الأب اللامتناهي
سمَّدوا بنات جيران ما سيحدث
بما سيحدث
عتقٌ
قيد
قيدُ
عتق.
يا عبدي
تحب قيدك
نرشيك بألوانه
ترسمنا ببهي عذابك
فمُكَ من علٍ في ردهتنا
صراخه المسبوك
لا يحيق بك إلا حبنا
العِبرة ترفع تمام اللازم
لا أحد يشهد الدمعة إلا الأفقي الذي أفضى لي بكلما هو حامض
دَعَكَ بسمعته شرشف قامتي
نسي جلده في الزمن.
(فجأة تجسَّد كل شيء
ليرى كيف نشبع نحن الممصات).
كلما "لا شيء"
شقوق
ترعٌ للهواء الثقيل
ضحك الدم من عمق النميمة في كبرياء العرجة
في اللسان مدينة خالية اسمها "غرباء"

ولكن من الذي يقود
رقصة شعبية تُتَداول كعملة لغيب أملس تكلَّم فأسترقَّ غيبا خشناً
مُخطط الزرافات الحكيم.
ما ألين الحكمة
أعالي الخلية الواحدة
تلك الساعة التي سال فيها لعاب الزنديق
فأغدقنا على ما نقترحه
بارتكابنا هذا
صُدَّ عني كل بطني
بالتفريغ
القيان يتجشأن نعاس الوردة التي كلما خانتنا
أضجعنا على صعيد آخر
ظبيٌ ما أقرده
في فنجان يقتسم معدنه
مع هواء داخله وهواء خارجه يتعاركان جفاف الغنيمة
جمادات لحوحة
ملحاح
آثامها مهبط التنفس
شُدَّ الحزام
للإقلاع أم لعادات الهبوط
المهم أن لا تتسخ ياقتي من تكثركم في عرجتي
إنخداع
أفيخوا
كيف البلاهة إذن
الأحد... يصر
الطيور... تفر
الآنسات .. تــ ...
كُفَّ عن التحديق ببطء البلاهة
في الذهن غوريلا يهم لونها الفستق الجاف
الجلوس تحته تنفس أخرامه الخروج كخراطيش
هوَّات للدعابة وصغيرة
كسر
كسر
كسر
شرط
شرط
شرط

الدمعة التي تحول بيني وخفاء الزنزانة
الدمعة التي تحول بيني وبين خفائي
وزِّعوا الإغاثة
لكل من يضحك
مبللاً الهواء بما لا يدري
غُفرانك
يدق الفراغ في مصبِّه
أما مِن دمعة ؟
غُفرانك لو تستطيع.
هزيلٌ وادعاء ولا ذنب للقطط التي مومياء فيك
تنشب الأقمشة في الدفء
ميلاد حاسة جديدة
رزق يوم
أدفعُ ما علِقَ ضدي منِّي برئتي التي ما عدت "لا تنام".
أطأ لهاثي
أجمعُ اخناتونات شقر من بَخَّة في الشتاء
وقملاً مُعززاً مما ينسبني اليه الناس
مشيئة سيقاني
أم لماذا فارغٌ بين كل اثنين
أصبتَ
أصبتَ
ولم يسقط ما يدُل.
والكذب
وقربك المضطرب
أكرهك
ولا أكتم حكة في سال يسيل بين الآتي وما يليه
لعل هذا اسمٌ على مدمى
مزهرية لا تقبل "........"
شمسُ الله البارحة
أين وضعتها
كفوا عني لا شعوركم
لا تتسعون
ولا تضيق بكم
لا تتسعون ولا
تضيق بكم.
ثم ماذا ؟
أشاءُ
أشاء
أشاء تنصيبي بصدق
نسياناً سُفلياً لبئر تغوص منذ أن كانت أرضاً
وإلى أن لا تنتهي تثقب الأرض والفراغ من الجهة الثانية طواعية
أتخلَّى عن عيني اقتلاعاً محضاً أغرسها
في طمي يصرخ من شدة الصراخ
وبثور تشي ببعضها
ملاسة جوانبها بخجل فوَّاح
أرشو
أرشو
أرشو
ولا تبصرون.
حتى الأوساخ تغرف مني وتستحم ولا طعم لطهارتي إلا طعم المغص
المجانب لحدوثه يؤلم بالبقاء بعيداً عن كونه
(ولا حتى ألم حقيقي واحد)
يتفشَّى دمي في زعيق الجارة
وهكذا
صدى دائم.

ذنب

يلصق 7 آلاف عام في فخ سمواً كالمختنق
يتفتت من وإلى
رهن إشارة البذر
الخط يبيع سُعالاً من الرهف
تهطله طيور تشرب حروف البُعد
فكيفَ قريب ؟.
ولج / بكل ما / وليس له
لا شهيد
ولا قريب فروت
ذنبُ مَنْ ؟.

نبذ

أرضٌ
كيف أُقنعها ؟
كلي قبور
وتدور
كلهم قبور
وتــ.....
كيف أُقنعها ؟.

أجمة

لا تُمَسّ
منتظمة
تَحْتَكُّ
تقوُّسَ الزير
تنقُّطَ الماء
مَن..
وأين..
ولماذا..
الوعــــــــــاء.

بَكَرة

هيِّن
بدين
تغشاه
ولكن كيف؟
تدخلهُ
دائماً كيف؟.

حِرفة
حرفة
رفٍّ خالٍ من أن تَندَّ عنه كلمة
تُفرحني
حرفتي
تُحزنني
المُعزِّية.

والغ

والغٌ غُسِلَ بالذهن      7 مرات
بسرة الندم               شران ونصف
بلا تنظر أسفله          أنت الهاوية
عليه وحده / تهطل / عليك اللعنة.

لَبس

تدور فيك عكسك
بلهاث ما تعرف
تذرف وعيك في مجرى بعيد
تنوء بكل هذا
وكلهم أكثر بكثير
أنت القلة
لحاءٌ أم طستٌ
أم ماذا سِعرُك ؟.

الــ .....

عَشَاء الجملة القريبة
ركضُ البعيدةِ
مُرتاحاً
يزن بكفه الفارغة الأبــد
ويتناقص.

؟

عزاء واجب في الطفل الخد، الكِبَرُ رطب، والصِغَرُ رطب
دوارٌ أصابَ الهواء بالعجلة من المنكر.. طيلسان وظرف وتَمَطٍّ.. ووَجْد.. والكمنجة تندلق إلا كرسي في ظن الشخير الهامد في العجوز الصف الأخير يحلم بفتاته ولا ورد يرصده أو مكيدة وكلما أوغل أوشك على أن... ينسى وظريف.
يُحب أن يوصف للقيلولة بأسنة وأصابع أن يختبئ كرعافٍ في كراسة تفتحها اللعبة تتطلب إغلاق العين وإسبال جفن ما، حفنة ساندوتشات وقارس يعوي بحنان لحنان و.. تصمد.
يحب أنْ شعبياً لدرجة البالوعة
ترشهُ أم تعده
حنانيك
رفسٌ   رفسٌ   رفسٌ   ولا تهتز أريكة الريح
والجفن جفنك
مهما غازلت أسفل أعلاك بقفزة عريضة الرشوة
كيف تَعبُّ وتعبُّ للداخل أم للخارج
لمن إذن ؟
أصدأ
وأصدأ
ومهما....
فلن......
صدقني
أم أنه لا زال لماذا ؟.

وصول

ترجف
ترتجف
يكسبون بضع هزَّاتٍ في فراغهم
يتحورون عميقاً
"بيولوجيا / فيزياء / خفة...."
(شرحه صعب)
عميقاً ولكن طفيفاً
أصطفاف في مكان ما في الداخل
ليس كما كان
ماذا تعني
كأنني في العماء مركب لا أستطيع ركوبه
فأين ؟.

ثقة بالــ ....

لصٌ
وتسرقونه بالبلل
أما من جاف
(يثق في العظم مثلاً)
مثلاً.

محاولة للتخلف

تُكْثِرُ الهواءَ ولا تكترث
شقوق في رجلك من كثرة التصفيق
تود لو...
بعيداً هناك
تتم التعرية
ما ألذ التعرية
ما ألذ عيونهم
لماذا تقطر إذن ؟.

رجيم

يكتفون بنفثك في أي مكحلة
يعرفون أنك لن تؤرق النجلاء
كالتلميذ في اللوحة يجلس
هو عربون العين
بالغريزة:
لن يقع.

كان

سداً من الملح كان يذوب
كانت حموضته متورطة لا تنجو من لونها إلا لتهلك في الطرحة
شدة مالها من قلب
أعصابه تفر
شدة ما تحبه
نوافيره تنفتق
يعجز عن أن يكرع شيئاً
شدة ما ذهبت
مصيدة تئن
يعزُّ عليه أن
يعزُّ عليه أن لا
كل يوم بالشيكولاته الرديئة تطلي الدرهم البينهما
كل يوم محض ذائب
كل يوم عيونها تكسر رسولاً
تراها الرسالة أم جافة فحسب
يقسم بالشنق أن يشنقها
تسيل
يطلق الرصاص على أقرب أغنية
يكرع ما يرى
كان
يا للأسف
ظلَّ.

كيف؟

كل هذا ولم
صدقوني
لا يمكن أن يكون إلا
كيف كل يوم تجدون في البئر قاعاً
كيف ؟.

كَافْكَا تَقْرِيباً

* سطحٌ
بَقْبَقَةٌ
وبينهما أمورٌ مشتبهات.
نَضَعُ خُصْيَتَيْكَ بعنايةٍ على الطَّاولة؛ وبعنايةٍ نُزِيحُ قَضِيْبَك، نبتهلُ للشمسِ فَتَزْوَرُّ عن كهفِنَا نُسَخِّنُ المكواةَ حتى تحترقَ شمسٌ من غِلٍّ حَرِيفٍ تُمْضَغُ كالعلكةِ وتُلْصَقُ بسطحِ معدنٍ بَرِيءٍ حتى لا يَسِيح
نَضَعُ خصيتيكَ والمكواةُ مِنْ أعلى
نَضغطُ السَّطحين على خصيتيك
يُغْمَى عليك
تَتَنَـزَّهُ في الألَم وتصبحُ صخرةً من الماءِ الصارم
نَفُكُّ الليلَ عن جُثَّتِكَ ونَضَعُهُ في الجِّوَارِ
نوقدُ زيتاً بما ساحَ من خصيتيك
نَخُصُّكَ به.
ما اْنْهَمَكْنَا من قِلَّةِ الصَّديدِ
ولا لَبِسْنَا شَأْفَتَك زهواً
هي أحوالٌ تَتَعَالَى
وطرقاتٌ تُسْمَعُ في الأحذيةِ وثُفْلِ الشَّايِ
بلعوماً حُلْوَاً هو أصيصك / نسكُبُ سائلَ ما سَاحَ
مُنَكَّهًَا بِرَوَثٍ وفَرَحٍ وأوْلَوِيَّات
نُجَرِّعُكَ ذلك
مَصْهُورَك
نَسْقِيكَ ما يَسْقِيكَ ونُعيدُ تعَاَرُفَكَ مع شعبِكَ الوَدُودَ
الْمُسْتَدْفِئَ في صَفَن.

* تُبْحِرُ سفينةٌ في غضبِ الملاّح
ونُشَيِّدُ من ذلك فستاناً ونَذْوِي من الحب
[الوقتُ أسيرٌ لدرجة يأسِر].

* زهرةٌ في السَّمَاءِ تَغَارُ من سَمَاءٍ في الزَّهرة
مقتطفٌ من دمعةٍ تقفُ أمامَ البحر
يَذُوبُ في عينِ أحدِهِم
يَنْسَى نِعَالَهُ
ونسلٌ بِلُغَةٍ مُشَقَّقَةٍ
يَبْزُغُ ويُعِيد.

* ما أبعدَ دَمِك
ما أقربَ فَمِك
(منهمكاً في السقفِ تنساه
وتُرَى من الخارج معلَّقاً في ابتسامة).

* كوميديا في الأرْجُل، تتصاعد وتتماسك بها
حيواناتٌ لَبُونَةٌ وصاعقةٌ لتخيطَ العالَمَ قبل أن يَنْصِلَ وتنكشفَ العورةُ وتصبحَ النكتة أكثر
باردٌ ـ لأن ذلك حُرٌّ حتى ليعجزَ عن أن يشتعل
دَمُكَ ملابسُ نومٍ عادية وخزانة
والأشكالُ المعطاءةُ كأنَّها أفعال
تَصْنَعُ غرفةً خفيفةً في النُّطْقِ
ثقيلةً تَسْتَرِقُّكْ
أنا عريان
وهذا ما يُفَسَّرُ بالمقاسِ الفلسفيّ
أنا جائع وذلك لا ينفي كوني رقماً
دَمٌ من الوتريَّاتِ يُشَاهِدُ هذا لِيُنَكَّلَ بِـه
البلغمُ الحائرُ يتسكَّعُ في حيرةِ الوردة
في المدنِ
يرتخي
بشكلٍ مبتدئ
البدءُ رجس.

* وُضِعَت المنضدةُ في الأعالي
وتَآسَنَ الهواءُ في الكرسِيّ
شخيرُ العجوزِ إطْنَابٌ
بَغْلَةٌ تَعْثُرُ فيما يُرَاق
ويُذْهَبُ مذاهبَ في احتضانِـه.

* يَسِحُّ كيانُك في المفترق
فَتَرِقُّ لَكَ
وتُؤَنِّب.

* أطْوَلُ ذهولٍ يدخلُكَ يَخْرُجُ منك طفلاً وعربةً في قَرْنٍ سابقٍ وأسماءَ قليلةً
أكثرَ أكثرْ.

* تبغٌ يُعَادُ تَرْمِيمُهُ يشيرُ إلى ذلك.

*غَزَالُكَ
مَنْسِيٌّ في الأطراف
وأصابعُك الزَّنيمةُ تَتَمَلاَّه
وقلبُكَ غَاصٌّ بحضورٍ رخيص
يُبَاعُ ويُشْتَرَى.

*" ..........." أُسُودٌ في شارِبِكَ
محكومٌ عليها بالبَرّ
ومحكومٌ عليكَ تَتَمَنَّى لبوءة.

* الزُّهورُ قبورُ الهطول
عَرْجَةُ النَّبْتَةِ سَلَفٌ صالح
الزّهورُ
مَنْ غَشَّنَا
أصْبَحْنَا ما عادَت تعني
أمْسَيْنَا إمعاناً في ما عادت تعني.

* ترتفعُ الصراصيرُ قدراً ما
تَحِسُّ نَفْسَكَ زَغَبَاً وتَنَفُّسَاً
وتعودُ صديقاً دَارِجِيَّاً لأفصح نسل.

*سطحٌ
بقبقةٌ
وبينهما أمور مشتبقات.

*الأعالي أجيرةٌ في دَمِك
وأنت تبردُ في السَّطْحِ
وتُقَادُ بِمَحْضِ
تَرْسُبُ في اجتيازِكَ
وتَبْقَى لثغةً
تنمو عَلَفَاً
وتنمو.
(ليس كلّ مَن في السّجنِ سِجْنٌ
بعضُهُم يَبْذُرُ حقوَيْهِ إمعاناً في الطمأنينة).

*يضحكني التَّخَطِّي:
من فكرتي يصنَعون أقفالاً.

*ميتٌ من التَّعَب مع ميتٍ من الشيكولاته
يقتسمانِ
كافكا
تقريباً.

يتبع

أعلى