لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

 مجلات أدبية قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع























































 

مقدمة "شظايا ورماد"

نازك الملائكة

في الشعر، كما في الحياة، يصح تطبيق عبارة برناردشو: "اللاقاعدة هي القاعدة الذهبية" لسبب هام، هو أن الشعر وليد أحداث الحياة، وليس للحياة قاعدة معينة تتبعها في ترتيب أحداثها، ولا نماذج معينة للألوان التي تتلون بها أشياؤها وأحاسيسها. ولا تناقض بين هذا الرأي وما يقسم إليه النقاد الشعر من مدارس ومذاهب حين يقولون "كلاسيكي، رومانتيكي، واقعي، رمزي، سريالي….." فهذه كلها ليست قواعد، وإنما هي أحكام.

وقد يرى كثيرون معي أن الشعر العربي لم يقف بعد على قدميه بعد الرقدة الطويلة التي جثمت على صدره القرون المنصرمة الماضية. فنحن عموما ما زلنا أسرى، تسيرنا القواعد التي وضعها أسلافنا في الجاهلية وصدر الإسلام. ما زلنا نلهث في قصائدنا ونجر عواطفنا المقيدة بسلاسل الأوزان القديمة، وقرقعة الألفاظ الميتة، وسدى يحاول أفراد منا أن يخالفوا؛ فإذ ذاك يتصدى لهم ألف غيور على اللغة، وألف حريص على التقاليد الشعرية التي أبتكرها واحد قديم أدرك ما يناسب زمانه، فجمدنا نحن ما ابتكر واتخذناه سنة. كأن سلامة اللغة لا تتم إلا إن هي جمدت على ما كانت عليه منذ ألف عام، وكأن الشعر لا يستطيع أن يكون شعرا إن خرجت تفعيلاته على طريقة الخليل.

ويقولون: ما لطريقة الخليل؟ وما للغة التي استعملها آباؤنا منذ عشرات القرون؟ والجواب أوسع من أن يمكن بسطه في مقدمة قصيرة لديوان. ما لطريقة الخليل؟ ألم تصدأ لطول ما لامستها الأقلام والشفاه منذ سنين وسنين؟ ألم تألفها أسماعنا، وترددها شفاهنا، وتعلكها أقلامنا، حتى مجتها وتقيأتها؟ منذ قرون ونحن نصف انفعالاتنا بهذا الأسلوب حتى لم يعد له طعم ولا لون. لقد سارت الحياة، وتقلبت عليها الصور والألوان والأحاسيس ومع ذلك ما زال شعرنا صورة لـ "قفا نبك" و "بانت سعاد" الأوزان هي هي.. والقوافي هي هي.. وتكاد المعاني تكون هي هي.

: ما للغة؟ وأية ضرورة إلى منحها آفاقا جديدة؟ فينسون أن اللغة إن لم تركض مع الحياة ماتت. والواقع أن اللغة العربية لم تكتسب بعد قوة الإيحاء، التي تستطيع بها مواجهة أعاصير القلق والتحرق التي تملأ أنفسنا اليوم. إنها قد كانت يوما لغة موحية، تتحرك وتضحك وتبكي وتعصف، ثم ابتليت بأجيال من الذين يجيدون التحنيط وصنع التماثيل، فصنعوا من ألفاظها "نسخا" جاهزة، ووزعوها على كتابهم وشعرائهم، دون أن يدركوا أن شاعرا واحدا قد يصنع للغة ما لا يصنعه ألف نحوي ولغوي مجتمعين. ذلك أن الشاعر، بإحساسه المرهف وسمعه اللغوي الدقيق، يمد للألفاظ معاني جديدة لم تكن لها، وقد يخرق قاعدة مدفوعا بحسه الفني، فلا يسيء إلى اللغة، وإنما يشدها إلى الأمام. الشاعر أو الأديب إذن هو الذي تتطور على يديه اللغة؛ أما النحوي واللغوي فلا شأن لهما بها. النحوي واللغوي عليهما واجب واحد هام: واجب الملاحظة واستخلاص قواعد عامة من كلام "المرهفين" من الكتاب والشعراء.

على أن الأديب الذي سنتفق على تسميته "مرهفا" لا بد أن يملك ثقافة عميقة تمتد جذورها في صميم الأدب المحلي قديمه وحديثه، مع إطلاع واسع على أدب أمة أجنبية واحدة على الأقل، بحيث يتهيأ له مع إطلاع واسع على أدب أمة أجنبية واحدة على الأقل، بحيث يتهيأ له حس لغوي قوي، لا يستطيع معه إن هو خلق، إلا أن يكون ما خلق جمالا وسموا. فإذا خرق قاعدة، أو أضاف لونا إلى لفظة، أو صنع تعبيرا جديدا، أحسسنا انه أحسن صنعا، وأمكن لنا أن نعد ما أبدع وخرق قاعدة ذهبية. ولن تقف وظيفة الأديب المرهف عند خرق قاعدة هنا، وإضافة معنى هناك، وإنما سيكون عليه واجب أدق من هذا تفرضه عليه طبيعة التطور، في اللغات الإنسانية الحية. سيكون عليه أن يدخل تغييرا جوهريا على القاموس اللفظي المستعمل في أدب عصره، فيترك استعمال طائفة كبيرة من الألفاظ التي كانت مستعملة في القرن المنصرم ويدخل مكانها ألفاظا جديدة لم تكن مستعملة. ذلك لأن الألفاظ تخلق كما يخلق كل شيء يمر عليه إصبع الاستعمال في هذه الحياة المتغيرة، وهي تكتسب بمرور السنين جمودا يسبغه عليها التكرار، فتفقد معانيها الفرعية شيئا فشيئا، ويصبح لها معنى واحد محدود، يشل عاطفة الأديب ويحول دون حرية التعبير.

ثم إن هنالك سببا آخر هاما يستدعي هذا الاستبعاد للألفاظ التي كثر استعمالها، هو أن الأذن البشرية تمل الصور المألوفة والأصوات التي تتكرر، وتستطيع أن تجردها من كثير من معانيها وحياتها. وخير مثال لهذا أننا ننفر الآن بطبيعتنا من استعمال ألفاظ كهذه: "عمبر، كافور، غصن بان، هلال، صدغ، عود، نرجس، لؤلؤ" وهي ألفاظ كانت في بعض العصور السالفة تبدو رقيقة شعرية، وربما كانت يوما مما لا يستعمله إلا المجددون من الشعراء.

وقد لاحظت خلال دراستي للآداب المعاصرة هذه الملاحظة الطريفة. لاحظت أننا، في هذا العصر، قد أصبحنا ننسى المدلول الخاص لكلمة "البدر" فنهملها إهمالا يكاد يكون كليا، ونؤثر عليها لفظ "القمر"، وقل في الشعراء المعاصرين من يرضى استعمال كلمة "بدر" إلا في الحالات النادرة، وأنا أعترف أنني أكلف نفسي أحيانا متاعب كثيرة لكي لا أستعملها. والتعليل السيكولوجي لهذا يسير، فأنا وسواي نتذكر بلا شك تلك العشرات من الأبيات الصماء النافرة التي تركها شعراء العصر المنطفئ والماضي، واستعملوا فيها كلمة "بدر" حتى جردوها من جمال معناها، وأطفأوها، وأبقوا منها ظلالهم هم عليها.

ربما كان هذا كله من عمل ما يسميه علماء النفس الاقتران Association. وربما كان له عندهم تعليل آخر، سوى أن هذا كله يتعلق بالسبب لا بواقع الأمر؛ فالمهم أن الألفاظ تصدأ وتحول، وتحتاج إلى استبدال بين حين وحين. وقد رأينا أن هذا الاستبدال وظيفة الأديب يقوم بها وهو "نصف واع" لأن الوعي التام قلما ينتج شيئا ذا قيمة.

* * *

لنعد إلى حديث الأوزان.

في هذا الديوان لون بسيط من "الخروج" على القواعد المألوفة. يلاحظ في قصائد مثل "جامعة الظلال" و"لنكن أصدقاء" و"مرثية يوم تافه" و"أغنية الهاوية" وسواها. وقد يحسن بي أن أؤكد للقارئ أنني لا أعد نفسي واحدة من المرهفين الذي تحدثت عنهم في الصفحات السابقة، سوى أنني أحسست أن هذا الأسلوب الجديد في ترتيب تفاعيل الخليل يطلق جناح الشاعر من ألف قيد. وسأحاول فيما يلي أن أبسط خاصية هذا الأسلوب، ووجه أفضليته على أسلوب الخليل. الأبيات التالية تنتمي إلى البحر الذي سماه الخليل "المتقارب" وهو يرتكز إلى تفعيلة واحدة هي "فعولن": يداك للمس النجوم

ونسيج الغيوم
يداك لجمع الظلال
وتشييد يوتوبيا في الرمال

أتراني لو كنت استعملت أسلوب الخليل، كنت أستطيع التعبير عن المعنى بهذا الإيجاز وهذه السهولة؟ ألف لا. فأنا إذ ذاك مضطرة إلى أن أتم بيتا له شطران، فأتكلف معاني أخرى غير هذه، أملأ بها المكان، وربما جاء البيت أول بعد ذلك كما يلي:
يداك للمس النجوم الوضاء
ونسج الغمائم ملء السماء

وهي صورة جنى عليها نظام الشطرين جناية كبيرة. ألم نلصق لفظ "الوضاء" بالنجوم دونما حاجة يقتضيها المعنى إتماما للشطر بتفعيلاته الأربع؟ ألم تنقلب اللفظة الحساسة "الغيوم" إلى مرادفتها الثقيلة "الغمائم" وهي على كل حال لا تؤدي معناها بدقة؟ ثم هنالك هذه العبارة الطائشة "ملء السماء" التي رقعنا بها المعنى، وقد أردنا له الوقوف فخلقنا له عكازات!.
هذا كله إذا نحن اخترنا الوزن "المتقارب" أما إذا اخترنا "الطويل" مثلا، فالبلية أعمق وأمر. إذ ذاك تطول العكازات وتتسع الرقع، وينكمش المعنى انكماشا مهينا، فنقول مثلا:

يداك للمس النجوم أو نسج غيمة
يسيرها الإعصار في كل مشرق

ليلاحظ القارئ بلادة التعبير، وتقلص المعنى. وأين هذا من تعبيرنا الأول:

يداك للمس النجوم
ونسج الغيوم

وينبغي ألا ننسى أن هذا الأسلوب الجديد ليس " خروجا" على طريقة الخليل، وإنما هو تعديل لها، يتطلبه تطور المعاني والأساليب خلال العصور التي تفصلنا عن الخليل. فالخليل قد جعل وزن البحر "الكامل" كما يلي:

متفاعلن متفاعلن متفاعـلـن
متفاعلن متفاعلن متفـاعـلـن
كفتاي ترتعشان أين سكينتي؟
شفتاي تصطخبان أين هدوئي؟

مرتكزا إلى "متفاعلن" التي اعتاد العرب أن يضعوا ثلاثا منها في كل شطر. وكل ما سنصنع نحن الآن أن نتلاعب بعدد التفاعيل وترتيبها فتجيء القصيدة من هذا البحر أحيانا كقصيدة "جدران وظلال" وهذا مقطع منها:

وهناك في الأعماق شيء جامد
حجزت بلادته المساء عن النهار
شيء رهيب بارد
خلف الستار
يدعى جدار
أواه لو هدم الجدار

ولو قطعناه لجاءت تفعيلاته كما يلي:

متفاعلن متفاعلن متفاعل
متفاعلن متفاعلن متفاعلات
متفاعلن متفاعل
متفاعلات
متفاعلات
متفاعلن متفاعلات

ومزية هذه الطريقة أنها تحرر الشاعر من عبودية الشطرين: فالبيت ذو التفاعيل الست الثابتة يضطر الشاعر إلى أن يختم الكلام عند التفعيلة السادسة، وإن كان المعنى الذي يريده قد انتهى عند التفعلية الرابعة، بينما يمكنه الأسلوب الجديد من الوقوف حيث يشاء.

* * *

ثم نتحدث عن القافية ذلك الحجر الذي تلقمه الطريقة القديمة كل بيت. قالوا إن العربية لغة واسعة غنية، وأن ذلك يبرر كونها اللغة الوحيدة التي اتخذت القافية الموحدة سنة في قصائدها، ونسوا أن أية لغة مهما اتسعت وغنيت لا تستطيع أن تمد "ملحمة" بقافية موحدة، أيا كانت، ولم ينتبهوا إلى أن ذلك كان واحدا من الأسباب التي حالت دون وجود الملحمة في الأدب العربي، مع أنها وجدت في آداب الأمم المجاورة، كالفرس واليونان.

وليس هذا مكان الحديث عن الخسائر الفادحة التي أنزلتها القافية الموحدة بالشعر العربي طوال العصور الماضية، وإنما المهم أن نلاحظ أن هذه القافية تضفي على القصيدة لونا رتيبا يمل السامع فضلا عما يثير في نفسه من شعور بتكلف الشاعر وتصيده للقافية ومن المؤكد أن القافية الموحدة قد خنقت أحاسيس كثيرة، ووأدت معاني لا حصر لها في صدور شعراء أخلصوا لها. ذلك لأن الشعر الكامل (الغنائي منه خاصة، والشعر العربي غنائي كله تقريبا) لا يستطيع أن يكون إلا وليد الفورة الأولى من الإحساس في صدر الشاعر. وهذه الفورة قابلة للخمود لدى أول عائق يعترض سبيل اندفاعها؛ فهي أشبه بحلم سرعان ما يفيق منه النائم. والقافية الموحدة قد كانت دائما هي "العائق"؛ فما يكاد الشاعر ينفعل، وتعتريه الحالة الشعرية، ويمسك بالقلم فيكتب بضعة أبيات، حتى يبدأ محصوله من القوافي يتقلص، فيروح يوزع ذهنه بين التعبير عن إنفعاله، والتفكير في القافية، وسرعان ما تفيض الحالة الشعرية وتهمد فورتها ويمضي الشاعر يصف الكلمات ويرص القوافي دونما حس. ولذلك، قلما نجد في أدبنا القديم قصائد موحدة الفكرة، يسيطر عليها جو تعبيري واحد منذ مطلعها إلى ختامها فالشاعر يضطر إلى مصانعة القافية، وأنا أعرف شعراء يختارون القافية، ثم يكتبون البيت وفقا لها، وهذا أبرز دليل على مدى طغيان هذه الآلهة المغرورة.

إلا أن من حسن الحظ أن شعراءنا المعاصرين قد استخفوا بسلطان القافية، وخرجوا عليه فاستعملوا نظام الرباعية وأشباهها. ويكاد هذا يصبح الآن أمرا مقبولا، لا يبقى على قوافي هذا الديوان اعتراضا. إلا أنني أعترف مع ذلك بأنني أخضعت القافية أحيانا لأكثر مما فعل سواي، فنظمتها في قصيدة "مسامير" هكذا: "أ ب أ، ب ج ب، ج د ج،د هـ د، هـ و هـ.. إلخ) وفي "رماد" استعملت نظام الرباعية كما يلي: (أ ب ب أ)؛ وفي "غرباء" استعملت نظام المقطوعة Stanza وكانت القافية في كل مقطوعة تجري هكذا "أ أ ب ب أ ب". أما قصيدة "الكوليرا" فقد كانت المقطوعة فيها أطول مما "ينبغي" قليلا، وقد جرت على هذا النسق: "أ ب ب ج ج د د ب هـ هـ هـ هـ) على أنني حررت القافية تحريرا تاما في قصائد مثل "مر القطار" و "نهاية السلم" و "خرافات" و "جدران وظلال" وسواها، فتركتها تتكرر كما يشاء السياق دون تقيد بنظام معين، ولعل هذه هي الخطوة الوحيدة التي تسبق الشعر المرسل Blank Verse. وإن كان لا بد من إشارة إلى قصيدة "الجرح الغاضب" فلأقرر أن الأسلوب الطريف في تقفيتها مقتبس مباشرة عن الشاعر الأميركي "إدغار آلان بو" في قصيدته البديعة Ulalume.

* * *

قلت إن اللغة العربية لم تكتسب بعد قوة الإيحاء، لأن كتابها وشعراءها لم يعتادوا استغلال القوى الكامنة وراء الألفاظ استغلالا تاما، إلا حديثا، فقد بقيت الألفاظ طول قرون الفترة الراكدة "المظلمة.." تستعمل بمعانيها الشائعة وحدها. وربما كان ذلك هو السبب في جنوح الجمهور العربي جنوحا شديدا إلى استنكار المدارس الشعرية التي تعتمد على القوة الإيحائية للألفاظ، كالرمزية، والسريالية، على اعتبار أن هذه المدارس تحمل اللغة أثقالا من الرموز والأحلام الباطنية والخلجات الغامضة، واتجاهات اللاشعور، ومثل ذلك مما لا تنهض به إلا لغة بلغت قمة نضجها.

والواقع أن القارئ العربي يتهرب من الشعر الرمزي، لأن اللغة تجابه التعبير عن مثل هذه الأحاسيس المبهمة أول مرة، فليس غريبا أن تتلكأ قليلا، وتتوتر. أما تعليل الأمر بأن ذاتية العربي تنفر بطبعها من الرموز ولا تجد جمالا في الدهاليز التي تتلوى وراء الحس والعوالم الخفية التي يعسر إدراكها، فأمر لا أعتقد به أنا على الأقل.

ذلك لأن النفس البشرية عموما، ليست واضحة، وإنما هي مغلفة بألف ستر. وقد يحدث كثيرا أن تعبر الذات عن نفسها بأساليب ملتوية، تثيرها آلاف الذكريات المنطمسة الراكدة في أعماق العقل الباطن منذ سنوات وسنوات، ومئات الصور العابرة التي تمر فيحدق فيها العقل الواعي ببرود وينساها نسيانا كليا، فيتلقفها العقل الباطن ويكنزها مع ملايين الصور التافهة، ويغلق عليها الباب، حتى إذا آنس غفلة من العقل الواعي، أطلقها صورا غامضة لا لون لها ولا شكل.

وليست مثل هذه الأحاسيس الغريبة وقفا على إنسان دون إنسان، سوى أن التعبير عنها يختلف. فالإنسان العادي يراها في أحلامه. أما الفنان فيعبر عنها بفنه وأحلامه معا. وما دمنا لا نستغرب حين نستيقظ أحيانا في أعماق الليل وقد حلمنا أننا نركض حفاة، في قبو قديم، كان جزءا من دار خربة كنا نسكنها منذ ثماني عشرة سنة كاملة، لم نعد إليها خلالها مطلقا، ومع ذلك لاحظنا في الحلم أدق الأشياء المنطمسة التافهة التي شاهدناها في السنين الغابرة: ذلك المسمار القديم المعوج على الجدار، وقد تدلى منه الحبل الباهت القديم نفسه. ثم هناك على ارتفاع أمتار، أنبوب المياه الذي كنا في طفولتنا نتسلقه أحيانا. أقول: ما دمنا لا نستغرب ذلك في حلم فلماذا لا نتقبله حين يصفه شاعر في قصيدة؟ إن الشاعر الذاتي الذي يراقب نفسه، كما لو كان يراقب بحرا زاخرا لا شطآن له ولا قرار، لا يستطيع أن يتهرب من مثل هذه الصور الباهتة الممحوة؛ فهي تلاحقه أبدا، ولا بد له من وصفها في شعره. والإبهام جزء أساسي من حياة النفس البشرية، لا مفر لنا من مواجهته إن نحن أردنا فنا يصف النفس، ويلمس حياتها لمسا دقيقا.

ومع ذلك فالإبهام ليس مقصودا لذاته، وإنما هو صورة من صور الحياة، ولذلك يندر أن نجد شاعرا، كل شعره معقد ملتو. أما الذين يتعمدون تعقيد شعرهم، فقد يكون "ألدس هكسلي" التمس لهم بعض العذر حين قال إن المعاصرين يهربون إلى الإبهام خوفا من الوضوح الذي هو الصفة الأساسية في الأدب الشعبي.

وليس قصدي من هذا التعليل للتعبير الرمزي والسريالي أن أقول إن طائفة من قصائد هذه المجموعة تنتمي إلى هذه المدرسة أو تلك.

وإنما أود أن أمهد لطائفة من القصائد التي عالجت فيها حالات تتعلق بالذات الباطنية أحيانا، وباللاشعور أحيانا، وهي حالات لم يقف عندها الشعر العربي إلا نادرا، فهو قد وقف نفسه على معالجة السلوك الخارجي للإنسان.

ففي "الخيط المشدود في شجرة السرو" حاولت رسم صورة شعرية للانفعالات والخواطر التي اعترت شابا فوجئ بنبأ موت حبيبته.

وسيلاحظ أن القصة العاطفية في هذه القصيدة ثانوية الأهمية بالنسبة للخيط المشدود في الشجرة وما كان له من صلة وثيقة بشرود الشاب المصدوم وحالة الهذيان الداخلي التي اعترته. فعقدة القصيدة تعتمد على الحالة التي تعتري إنسانا يتلقى نبأ مثيرا فاجعا لا يتوقعه. فهو إذ ذاك يصاب بشرود كبير عميق، ويبدو أنه لم يسمع النبأ. ويتلفت حوله فتعلق عيناه بأول شيء تافه تصادفانه. فيغرق في التفكير فيه.

وقد كان الشيء التافه في هذه القصيدة هو الخيط. كان مشدودا في شجرة سرو تقوم عند الباب، فانشغل العقل المصدوم بالتفكير فيه، وبقي منشغلا حتى عاد إليه وعيه وأدرك فداحة المأساة التي نزلت به.

ولن يعثر القارئ على شيء مثير في قصيدة "مر القطار" إن هو توقع أن يجد فيها وصفا لقطار أو لرحلة في القطار. فقد كان غرضي الأساسي من كتابتها أن أعبر عن الشعور الغامض الذي يحسه المسافر ليلا بالدرجة الثالثة من القطار. فهناك حالة التعب الكلي التي يجد فيها المرء نفسه، مشوبة بلون من الكسل والارتخاء. وهناك صوت عجلات القطار الرتيب الذي لا يتغير، ولون الغبار المتراكم على كل شيء، على الحقائب، وعلى الوجوه والثياب. ثم هناك منظر المسافرين الغرباء وقد جمعتهم عربة القطار صفوفا. والقطار يصفر بين حين وحين فيثير إحساسا غريبا في النفس. كل ذلك والسكوت يغمر العربة التي نام أغلبية الموجودين فيها وهم جالسون على مقاعدهم. وبين فترة وأخرى، يصدف أن يتثاءب مسافر غريب لا نعرفه ويهتف بملل وبرود (كم الساعة الآن) أو (متى نصل) أو (أين نحن) أو مثل ذلك من العبارات. فإذا أحس قارئ "مر القطار" ببعض هذا الجو كان ذلك حسبي.

أما قصيدة "الأفعوان" فقد عبرت فيها عن الإحساس الخفي الذي يعترينا أحيانا بأن قوة مجهولة جبارة تطاردتنا مطاردة نفسية ملحة.

وكثيرا ما تكون هذه القوة مجموعة من الذكريات المحزنة، أو هي الندم، أو عادة نمقتها في سلوكنا الخارجي، أو صورة مخيفة قابلناها فلم نعد نستطيع نسيانها، أو هي النفس بما لها من رغبات وما فيها من ضعف وشرود، أو أي شيء آخر.. فالأمر متوقف على ذاتية القارئ، وليس يعنيه أن أعين "أفعواني" أنا ، فذلك أمر ثانوي؛ وإنما المهم، أن هذا الأفعوان يطاردنا باستمرار وسدى نتهرب منه، حتى إذا لذنا بانلابرنث Labyrinth (وهو تيه معقد المسالك يدخله المرء فلا يملك مغادرته لالتواء طرقه وكثرة أبوابه حتى إذا استعملنا طريقة الإيحاء الذاتي كما صنعت أنا في القصيدة:

إنه لن يجيء

لن يجيء وإن عبر المستحيل
أبدا لن يجيء

فالنتيجة الحتمية أنه يجيء أخيرا، وسرعان ما نصرخ "إنه جاء".
وفي قصيدة: خرافات" يجد القارئ لونا من الشعور أحسه، ويحسه كثيرون، كلما ساد السكون مكانا. فإذا ذاك نسمع بأذن الروح ألف قصة تقصها الأشياء الراكدة حولنا، فالسياج يتكلم ويعيد ما كانت عنده من ذكريات انطمست وماتت. و"قصائص الورق الممزق في الخرائب" تحكي أقاصيص مثيرة عن حوادث بعيدة منسية، و"الغبار" يقص قصة النسيان الذي تذره العصور على كل شيء، و"مقاعد الغرف القديمة" تحدث عن جيل من الناس مر بها يوما ثم انتقل إلى أفق بعيد مجهول، وهكذا… حتى يكاد الإنسان الحساس لا يرى شيئا إلا ويحسه يغمغم ويهمس ويطارده بالكلام.

* * *

والذي اعتقده أن الشعر العربي يقف اليوم على حافة تطور جارف عاصف لن يبقى من الأساليب القديمة شيئا. فالأوزان والقوافي والأساليب والمذاهب ستتزعزع قواعدها جميعا، والألفاظ ستتسع حتى تشمل آفاقا جديدة واسعة من قوة التعبير، والتجارب الشعرية "الموضوعات" ستتجه اتجاها سريعا إلى داخل النفس بعد أن بقيت تحوم حولها من بعيد. أقول هذا اعتمادا على دراسة بطيئة لشعرنا المعاصر واتجاهاته. وأقوله لأنه النتيجة المنطقية لإقبالنا على قراءة الآداب الأوروبية ودراسة أحدث النظريات في الفلسفة والفن وعلم النفس. والواقع أن الذين يريدون الجمع بين الثقافة الحديثة وتقاليد الشعر القديمة أشبه بمن يعيش اليوم بملابس القرن الأول للهجرة. ونحن بين اثنين: إما أن نتعلم النظريات ونتأثر بها ونطبقها، وإما أن لا نتعلمها إطلاقا.

وقد يفيدنا أن نتذكر دائما أن التطور الذي يحدث في الفنون والآداب في عصر ما أكثر ما يكون ناشئا عن التقاء أمتين أو أكثر. فقد يحدث أن أمة معينة، تخمد قابلياتها وتركد قرونا كاملة بتأثير عوامل خاصة. ثم يأتي عليها زمن متوثب يوقظها فتتململ وتتحرك، وترنو إلى ما حولها، وتبدأ باستيعاب ما فاتها من ثقافات، فتستفيد من تجارب أمة مجاورة بقيت نشيطة فأضافت إلى الفكر الإنساني فصولا لامعة. فما يمضي نصف قرن حتى تنتهي الأمة التي كانت راكدة من مرحلة الاستيعاب، وتبدأ حيث وقفت الأمة المجاورة، وتبدأ بالإضافة. وهذا هو الأسلوب الذي يتبعه خط التطور في تاريخ الأمم، بحيث لا نستطيع أن نعثر على مذهب، أو اختراع، أو نظرية، توصلت إليها أمة بعينها، دون أن تستفيد من تجارب الأمم الأخرى.

* * *

آخر ما أود أن أقوله في هذه المقدمة إنني أؤمن بمستقبل الشعر العربي إيمانا حارا عميقا. أؤمن أنه مندفع بكل ما في صدور شعرائه من قوى ومواهب وإمكانيات، ليتبوأ مكانا رفيعا في أدب العالم.
وألف تحية لشعراء الغد.

نازك الملائكة
3/2/1949

المصدر: نظرية الشعر/ 5- مرحلة مجلة شعر - القسم الثاني: مقالات/شهادات/ مقدمات - تحرير وتقديم : محمد كامل الخطيب. منشورات وزارة الثقافة - دمشق،1996 (عن) ديوان : شظايا ورماد. المقدمة. نازك الملائكة.

أعلى