لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



















































 

موت الكورس

قاسم حداد - أمين صالح

في غاية الرؤيا نرى عناصر تتخلق: مشمولة برعب الواقع، مجبولة بالرغبة وشهوة الاقتحام. إنها تزدرد المرارات وتثق في يأس يثمر أملا
الأفق، وحده الذي يغرينا ويغوينا.
ويهدينا الحلم، نحن المخبولون بالكتابة، في غموض الملابسات اللانهائية التي تسمى: الحياة. قادر أن يمنحنا لذة الاكتشاف ورجفة العناصر عند الاتصال. عوالم تنأى بعيدا عن القداسات والخرائب. تلك هي ابتكارات الحلم الذي به ننجو من التلوث والتفسخ.
ونشهق في بهاء الكون أن يكون.
إذن، سنهب للأشباح خطيئة الحضور. كل الأشباح المحبوسة في أحلامنا سنطلقها في هذا الصراخ المهيمن. سوف نسيء إلى نوم الآخرين، وننتهك أسرتهم التي لا تحلم. من يحمل عبء الواقع يتضمخ برذاذ الحلم. إنه السلاح الأشد سطوعا، الأكثر توهجا في النص الجديد.. به يبتكر الكاتب ما لا يمكن توقعه، ولا يمتثل لمنظومات الفكر والكتابة السائدة. نحن نحاول، مع آخرين هنا وهناك، أن نفتح نافذة لنطل من خلالها على الأفق الشاسع.. أفق الكتابة. ويقينا ثمة نوافذ كثيرة مغلقة، ترجو فتحها، لنطل- أو نعبر- من خلالها نحو مجال يتيح لنا أن نرى بشكل أفضل، وأكثر إنسانية أو كونية.
أسر اللذة، حلم يسطع. ضد النص الأول
هذا هو الهاجس المتأجج في التجربة الطالعة. ليس النص الأول نموذجا، ولا سطوة له على المخيلة. إن لم تستطع هذه المخيلة أن تبدع نصوصها الجديدة بشروط إبداعية جديدة، فمن الأجدى أن تنتحر، إذ لا رغبة لدينا في إعادة إنتاج النص الأول، أو التنويع على شكلانيته وجاهزيته.
ألهتك. المغلولون يهتفون للعبودية.
يعلو صوت الجوقة في مدح النص الأول. علينا أن نكسر هذا الصوت ونعلن أن كل كتابة خاضعة لشهوة النار. للكاتب حقه في صياغة الحاضر، مثلما كان للأسلاف حقهم في صياغة الماضي.
هكذا ننجز شيئا ليس وثنا، مرشحا للتحول والتجدد.. وحتى الهدم. لا نحاكي أحدا، لكننا في العراء عرضة لرياح التجارب والإبداعات، نتأثر بها، نتفاعل معها.
نستمد مصادرنا من الواقع، لكننا لا نعكسه ولا نحاكيه، ما نراه لا يمثل حقيقة الواقع، بل صورة مصغرة، ناقصة، وغالبا ما تكون زائفة ومشوهة. خلف ما نراه يكمن النصف الآخر، المكمل، الذي هو ربما أوسع وأشمل. أننا نحاول الوصول إلى هذا المستتر، الخفي، بأدوات الحلم والمخيلة.
وراء نصل العتبات: سهل يضحك:
لا نبحث في السطح بل نحاول اقتحام الباطن، لا نكتفي بالمعطيات والنتائج، إنما نغزو الموقع الذي منه تتشكل العلاقات والحالات. فالذي يرصد الظواهر يتعين عليه أن يتقن الإمساك بالعناصر والأبعاد، مسلحا- لا بالحدقة وحدها ولكن- بالغريزة والحدس و الرؤيا وبعض مهارات الحاوي أو الساحر. أي أن يكون مزيجا من الشاعر والروائي و الفيلسوف والكيميائي والساحر، عندئذ:
التفاحة تصير منجما، والخوذات للزينة.
الإبداع مساءلة دائمة للواقع، شك دائم في الأجوبة التي لم تعد تشبع فينا سوى الرغبة في الاحتماء والتحصن خلف أسئلة جديدة. طرقات تترقب القدم الجسورة التي تبدأ الخطوة.. هي أشد وعورة ولكنها ترشد إلى الجهة السليمة التي لا يفتحها سوى سؤال آخر.
لذ يستهوينا استجواب الواقع
لذا يستهوينا إغواء المستتر
للوعي إيقاع يتشكل داخل النص لحظة الكتابة. إيقاع جامح لا يتآلف معه غير من يغامر. ذلك الذي يجيد مخاطبة الطفل الكامن في اللغة، ويقدر أن يمتزج بمنطق الأشياء وغواية الموضوعية.
في المخيلة تكمن البراءة. في الشارع يعلو ضجيج الكلام. الواقع يقترح البشاعة ويريد إغواءنا لقبول ما ينجب. إن كان ثمة مجد، ففي صهر العالم وتحويله إلى ملعب أو منتزه.
لهذا نلجأ إلى اللغة المأخوذة بترف الهذيان.
لا تقول لنا اللغة. نقول لها الأشياء، نعلمها المعنى، ربما رأينا القمر قفصا والوردة جنازا والنجوم قطيعا من الضفادع، والإيقاع الغريب المعيب في حرف ما سرادق من العزف و المصادفات. النص يكتب اللغة. نهذي قليلا ليبدأ نظام من الفوضى يخترق حاجز المعنى و المعجم والمستنقعات. ربما رأينا في الكلمات ذكورة وفي الحرف أنوثة تتيح للنص خطيئة تنقذ اللغة من عادة الوأد.
لهم يقين البهائم..
ونطأ يابسة مشحونة بأصداف الغرابة.
الكتابة نقيض الكلام. الكلام لسان الواقع. الكتابة هذيان الحلم وتجليه في آن، نواجه المعقول بالغرابة، بهذه الطريقة نفضح لا معقولية الشارع التي كانت تستر نفسها بالمنطق والوعظ والخطب.
إننا نعرف جيدا أن الكتابة رعشة الجسد، بينما الكلام سيظل أبدا علفا للأذن. تراكمات بلاغية تؤله الشارع. نحرق هذه الأكوام ونمجد الغابة.
الكتابة- إذن- تدمير لعناصر الواقع بعناصر الحلم. شحذ للأنصال لمحو المسلمات.
حينذاك، يهيئ العالم نفسه للتشكل وفق الصيغة الجديدة.
موجة هائلة تكنس غبار المدينة، والمنارات تشهد.
لسنا جنودا، ينبغي توضيح ذلك.
نعرف أن كل كتابة موقف، لكننا لا نزعم أننا قادرون أو مؤهلون لأن نغير الكون. مهمتنا أن نشير إلى الخلل، أن نفضح، أن ندلي بشهادتنا ونمضي صامتين.. ربما أكثر حزنا من قبل.
نرنو الرابض في الخندق، نشاطره الحلم والرغبة، وأحيانا نتبادل الاكتشافات.
الكتابة- بالنسبة لنا- متعة ذاتية. نأتي لنكتشف ما يذهلنا. ليست لدينا مواعظ. نكتب لنتعلم لا لنعلم. اكتساب مهارات.
التجريب بذرة الإبداع
نقدر الآن أن نستحضر كافة منجزات الإبداع البشري وصهرها في موقدنا، وإنضاجها بلهبنا. نزعم ذلك بكل وقاحة. نزعم أيضا أننا نقدر الآن أن نكتب تجربتنا بشروطنا وعناصرنا الذاتية.
لا نشعر بالرهبة في مواجهة تجارب الآخرين. هذا يعني أننا نملك حرية في الكتابة لا يملكها أولئك الذين يدعون فهم كل شيء.. حتى الجغرافيا. مهمتنا أيضا أن نرعب الآخرين، بخاصة، أولئك الذين ينظرون في اتجاه واحد يكتبون بطريقة واحدة.
هذا الرجل يريد أن ينام، الرجل الذي يفهم العالم والفضاء، وكافة أنواع الخضروات يريد أن ينام. ونحن نطرق بابه، نقلق منامه. نزعج أشياءه. يخرج ليرى، لا يرى. نكون قد اختبأنا. يعود للنوم. نعود للطرق. يخرج. لا يفهم.
بيت ساكن. ليل هادىء، وخلق الحظيرة انفجارات
صاخبة: خلق يبدأ.
في الهدم اكتشاف. من يعرف مكامن الذهب غير الذي يحفر الأرض؟ الذي لا يجرب يقلد. أن تقلد يعني أن تصدر عن سواك، عن الآخر، وتكتب صورة شكل منجز صار معروفا ولا مجال لجمال المفاجأة فيه ولا لغرابة الدهشة.
أيضا، لا بد للمقلد، لكي يفرض حضوره، أن يقمع وأن يصادر حرية الآخر الذي لا يقلد.
إرهاب فكري نحاربه بالإفراط في التجريب. بدورنا نحارب النظام بالفوضى، المنطلق بالغموض، البناء بالتخريب، الأشكال والمضامين القديمة بالأشكال والمضامين الجديدة..
نحن والعالم حول مائدة الحوار: استنطاق.
نقف خارج دائرة التيارات والمدارس. لا نتبع راية. نجرب، نلملم شظايا الذاكرة التي اختزنت الإبداعات الإنسانية، ونجرب. لا سطوة لأحد أو شيء في لحظة الكتابة. الكتابة سفر. انتقال من المعلوم إلىالمجهول، من الألفة إلى الغرابة، من الواضح إلى الغامض.
نخترق الغامض لنكتشف اللغز،وكل لغز يجر لغزا. من يستطيع أن يؤكد أن الوصول إلى اللب يستدعي شكلا معينا ومحددا؟ غرابة مجال، اكتشافات لا تحصى.
الكاتب ليس عبدا للأشكال، بل خالقا وخائنا لها في آن. كل شكل يصير قفصا في اللحظة التي يثبت فيها ويستقر. جئنا لنلهو بالأشكال. نبتكر شكلا لنحطمه في اليوم التالي : هكذا نبارك حرية الكاتب الداخلية، ونمجد سطوته على مخلوقاته.
نسعى إلى شكل يكون بديلا، أو عدوا، لما سبق ابتكاره وترسيخه.
نسعى إلى التحرر من القوانين والمفاهيم التي تؤطر وتحدد كل كتابة.
نسعى إلى إثارة غيظ الأكاديميين وسخطهم.
لا يعنينا القارئ الذي، مثل الأعمى، يسألنا بعد كل خطوة عن المعنى والمغزى. هذا القارئ سنأخذه برفق، وفي صمت، إلى أقرب مأوى للعجزة.
يعنينا القارئ الذي يستجوب العالم، ويستنطق الأشياء، انطلاقا من الصور الغامضة التي نقدمها إليه بين الحين والآخر.. تماما مثل الطفل يلمح وميضا في السماء، فيفجر أسئلة لا تحصى في وجه من يحيط به.
لمن نكتب؟ سؤال داعر، خبيث، جبان، يدعو، ضمنا، إلى القبول والامتثال، إلى المهادنة والتملق، إلى كبح كل خروج عن المألوف، سؤالا لا يعنينا بأي شكل من الأشكال ولا نحترم من يطرحه

نعلن موت الكورس، وبأننا: ضد الإرهاب الذي يمارسه القارئ (والكاتب والناقد والناشر وبقية المؤسسات) حين يفرض تصورا أو مفهوما، محددا وثابتا، ويطلب من كل كتابة أن تخضع له.
ضد راحة وطمأنينة القارئ على حساب مصادرة حرية الكاتب.
ضد القارئ المستهلك. مع القارئ الفاعل.
ضد القارئ الذي يبحث عن الحلول والتغيير والثورة، في كتاب، لينام رائق الذهن على سرير مريح.
ضد ما هو مقولب ومعلب ومهين للذكاء البشري.
ضد كل كتابة تهادن وتتملق القارئ (وبالتالي تزيف واقعه وتحرف وعيه).
لا شأن لنا بالناقد الذي يلج النص بأدوات لا تتجانس مع النص ذاته. نقبل به، ونوليه إهتمامنا، إذا تجرد من مواقفه ومنطلقاته واستنتاجاته وأدواته السابقة.
النص ليس متحفا، إنه متاهة.
على الناقد الراغب في الدخول أن يحمل معولا صقيلا. لن نحتال عليه بالقول إنه في منتزه، لأنه سيجد نفسه في نفق منجم. قد يكتشف ذهبا أو حجرا.. المزيد من الأحجار. إذا اتكأ على مقولات ونظريات، باتت مبتذلة ومستهلكة من فرط تداولها، فسوف يخوض في الممرات تائها ولن ننجده، بل نتفرج عليه من ثقب ونضحك على ورطته.
الكاتب لا يمتثل للقوانين التي تأتي إلى النص من خارجه. استحضار مصادر وعناصر الوجود، سبر نسغ الكون بشغف حر. كيف، إذن يقبل الامتثال؟
نقول، كل نص يبتكر قوانينه الخاصة. يأتي آخر ليلغي ويبتكر. وكل تحول إشراقة.
النقد فعل إبداعي. هكذا نفهم. لكن الكثيرين يمارسون النقد كفعل قضائي. بالتالي، تظل الهوة قائمة.
محاكم التفتيش تعلن عن حضورها بين وقت وآخر. هي، الآن تشهد ازدهارها. الحكم معلن، التطبيق مؤجل. نفايات.
النص مدى مفتوح. مرن كالحرف، هائل كالحرية.
لكن، أليس النص، أو المدى، معرض للاحتلال بعد حضوره؟ من يقدر أن يصد غزو المصطلحات والمعاجم وهواة التصنيف؟ ما أن يتأطر النص حتى يتجمد ويصير عرضة لللانكسار. لن يكون هذا- وحده- سبب موت النص، بل أيضا رغبة الكاتب في التجاوز وارتياد أقاليم أخرى في الأفق. النص ليس خالدا. إنه قابل للهدم. أو هو مجرد محطة تؤدي إلى أخرى. الكاتب الذي يبدع قادر على ابتكار أشكال جديدة تنسجم مع كائناته.
النص ليس إشارة إلى طريقة وحيدة في مغامرة الكتابة. إنه استدعاء لطرق عديدة، ينبغي علينا أن نترك لأنفسنا حرية اكتشافها والاتصال بها. ننفر من المثال. نتشبث بما سيكون.
حرية مطلقة في الابتكار.
احتمال: أن يكون الكهف سجادة
نكتب نصا لننجو من فخاخ المصطلحات والتنظيرات. لا نعتقد بأن ذلك سيلوث أو يشوه منجزات العقل البشري. لكن نجزم بأن الأوثان الراهنة تنتفض هلعا لمجرد أن يكفر المرء في الانعتاق من سطوتها وهدم مقدساتها.
احتمال: سلاحف مبهرجة تنسج أصفادا على الباب.
بالنص نتحدى القارئ والناقد، نتحدى ذواتنا. نحرض الغامض أن يسطع لكي يريك، يستفز، يصدم. وإذا شعر أحد بأننا نهرب إلى الوضوح أحيانا، فلأننا- مثل غيرنا- ليست لنا القدرة، دائما على مجابهة الغامض، سر الإنسان، سر الأشياء. الجمهور الذي اعتاد على التلقين لن يجد متعة في متابعة رحلتنا، لذا نريد جمهورا لم يروض بعد لكي يرى معنا، أو يفترسنا.
احتمال: أن نتسرب كالحبر من ثقب الملهى.
نلهو:
بالحبكة، بالسرد، بالضمائر، بالشخصيات، بالأحداث، بالمكان، بالزمان، بالتاريخ، بالتضاريس، بالتعاليم، بالوثائق، بالنصوص، بالقارىء، بالناقد، باللغة، بالطبيعة، بالأشياء، بالمواد، بالأسماء، بالأطر، بالأوصاف، بنا.
نرتاب في كل شيء
نستجوب كل شيء

ينبغي إعادة النظر في هذه الرؤية (قاسم حداد)
يجب هدم بناء النص بعد اكتماله (أمين صالح)

ديسمبر 1984
البحرين

المصدر :البيانات - أدونيس، محمد بنيس، أمين صالح - قاسم حداد / دفاتر كلمات (1) الطبعة الأولى 1993 البحرين (عن)

أعلى