لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة

جهة الأسبوع



































 

أحب الماغوط

أحمد راشد ثاني
(الامارات)

فرشت لها المطارف والحشايا

فعافتها وباتت في عظامي

أحمد راشد آل ثانيالبرودة التي تسكن جسدي شبيهة بالحمى، كحمى المتنبي. لكنني أكثر بطولة من ابي الطيب أو عليّ أن اكون كذلك، عليّ ترك حفرة هذه الكنبة، عليّ ان اتحرك، قرأت هذا اليوم، أو في اليوم الذي قبله، أن جائزة العويس الثقافية ستوزع هذا الأسبوع، وهذه السنة فاز بالجائزة الشاعر محمد الماغوط.

منذ متى لم أر الماغوط؟ منذ زمن طويل لم أر الماغوط، الماغوط الذي أحب.

أحب الماغوط، أحبه، ففي صباح ما، وكأنني كنت نائماً على دكة ما في كورنيش البحيرة بالشارقة وجدت أحدهم يوقظني، ولما فتحت عيني رأيت الماغوط. كان في اغلب صباحاته في الشارقة ينزل مبكراً الى ذلك الكورنيش كي يتمشى، وبعد ذلك يذهب الى مكتبه في جريدة الخليج، في بناية “الخليج” الصغيرة وقتها المطلة على شارع الوحدة، أيام كان شارع الوحدة شارعاً، وكان الماغوط يغلق عليه الباب، ولا يسمع من خلف باب مكتبه إلا اصداء موسيقا كلاسيكية.

- يا ترى ماذا يفعل الأستاذ الماغوط الآن؟ هكذا كنت اتساءل أمام “الدكتور” يوسف عايدابي الذي كنت اجلس على أحد الكرسيين اللذين أمام طاولته في ردهة القسم الثقافي للخليج.

من هناك واصلت نشر كتاباتي الاولى. عايدابي والماغوط تبنياني كلقيط “ثقافي”. وعلى الرغم من جلوسه الطويل في المكتب واغلاقه الباب لم ينشر الماغوط من كتاباته إلا القليل، كما لم اكن بعد قد قرأت “حزن في ضوء القمر”، أو “غرفة بملايين الجدران”. وقتها ايضاً حدث لي أن أول أم “شابة” تتبناني (بعد ذلك ادعت عدة “امهات شابات” ذلك). وكانت تلك الأم هالة حميد معتقوق.

وكثيراً ما كنت ازور بيت هالة العائلي، الذي كان، أو كنت احس بأنه بيتي العائلي ايضاً. وكنت كثيراً ما اسمع في ذلك البيت العزيز أن الماغوط كان سهران هنا في الليلة الماضية. لكن وعلى ما يبدو كنت وقتها اصغر من أن احضر تلك السهرات.

كان عمري وقتها لا يتجاوز العشرين، والآن عندما افكر بالأمر أرى أنه كان من الحق ان يتعامل معي من حولي، حتى الذين يحبونني، وكأنني ولد، لكن أنا، ووقتها، كنت احس بالمرارة من مثل هذا التصرف، الأسوأ كان في كتماني ليس لهذا الاحساس بالذات، وانما لكثير من الأحاسيس الأخرى.

سنية صالح الشاعرة وزوجة الماغوط لم التقها إلا مرة أو مرتين ولدقائق معدودة. هذه الشاعرة التي كتبت قصيدة عذبة عن خورفكان، لم تسنح لي الحياة لكي اتعرف إليها، ولا اتذكر عنها إلا مجيء أحد اصدقاء - ئذ الي، وقوله إن سنية تريد نسخة من مجموعة “اشعار الاطفال” التي كنت قد كتبت عنها من قبل في جريدة “الخليج”.

الماغوط نفسه لم التقه بعد الشارقة إلا مرة أو مرتين في المقهى الذي يرتاده بفندق “الشام” بدمشق. وكنت كثيراً ما افكر بزيارته، سواء كنت عابراً وماراً بدمشق، أو جالساً أحلم في احدى شققي، أو “تشققاتي”، بالامارات. ولم يحدث ذلك، وفي أواخر التسعينات أو بداية الألفية الثالثة اجرت زميلتنا المشتركة في الخليج: هند عمرو حواراً مطولاً مع الماغوط نشرته في إحدى المجلات.

في الحوار سأل الماغوط عني. قالت له هند كلاماً مضخماً عن زيجاتي العديدة، لكن في الأخير فهمت أن الماغوط لايزال يتذكرني.

من حمى البرودة سأخرج، من حفرة الكنبة، وليس لدي مبرر الآن كي لا أرى الماغوط إذ دائماً ما كنت اقول وابرر إن دمشق بعيدة، ومتى سأذهب الى دمشق وكيف. لكن الماغوط هذه الأيام في دبي، ودبي قريبة، وعليّ أن اذهب اليه. عليّ الانتصار على هذه البرودة والذهاب الى دبي.

ولأني مريض، أو احس بأنني مريض، لم اذهب بسيارتي وركبت سيارة أجرة من محطة الباصات وانطلقت الى دبي. في الطريق كنت أفكر أنني الى أين ذاهب، فأنا لا علاقة لي، أو لا أريد أن تكون لي علاقة ب “المناسبات الثقافية”، وهنالك بالتأكيد سأرى “الخراتيت الثقافية” التي لا أريد رؤيتها، فأنا بريء، أو حاول أن أكون بريئاً، من هذا “السفك الجاهل للدم”.

لكن أنا ذاهب للماغوط، لأرى الماغوط، ولا عليّ، لا ب “المناسبة الثقافية”، ولا “بخراتيتها”، وعندما اقتربت سيارة الأجرة الجماعية من جسر القرهود، قلت للسائق:

- أنزلني بعد الجسر مباشرة.

فأنزلني، وكان الفندق الذي يسكن فيه ضيوف “جائزة العويس” بمن فيهم الماغوط، قريباً، كما كنت اخمن، من الجسر، ولكن دبي تطورت الى الدرجة التي مشيت فيها على قدمي كثيراً حتى وصلت الى ذلك الفندق.

حين وصلت طلبت “فنجان قهوة بالزعتر” كي اتغلب على برودتي، وأثناء شربي له ذهبت الى استقبال الفندق وسألت عن الماغوط فأوصلوني هاتفياً بغرفته. قلت له: أنا أحمد راشد.

قال: وأين أنت الآن؟
قلت: تحت في الاستقبال.
فقال لي: اصعد فوراً.

عدت لأجهز على بقية “فنجان القهوة بالزعتر”، وصعدت الى الماغوط.

فتح باب الغرفة شاب لطيف عرفت لاحقاً أنه من اقرباء الماغوط، وكرس حياته لخدمة هذا الشيخ/الاسطورة “للأسف الأساطير انتهت معي ولن يكرس أحد، حسبما اظن، نفسه لخدمتي عندما أكون شيخاً، أو ربما لن أكون”.

بعدها دخلت الغرفة ووجدت الماغوط، وجدته على غير “الصورة الشخصية” التي احملها له في ذاكرتي، فبدلاً من ذلك الجسد الفارع والملموم والشعر الاشقر ها أنا أجلس مع سمين تكاد تخنقه سمنته.

* كيف حالك يا أحمد؟
- قلت له: بخير، وكيف حالك أنت؟
.. وقال: وهل تتذكر أيامنا في الشارقة؟
قلت: اتذكر جداً.
قال: وكيف حال الأصدقاء؟ اصدقاؤك.
قلت: بخير، وكثير منهم يتذكرونك بحب.
- وسلمى؟
- ذهبت سلمى.

تحدثنا كثيراً، بعدها جاء عبده وازن، الصحافي والشاعر اللبناني. وبينما كان وازن يجري حواراً معه، كنت اسمعهما وأتساءل: الآن أكاد اعرف الماغوط. الآن أكاد اعرف لماذا احبه.

الماغوط اسطورة من الريف، الريف الذي كان يسمى في تاريخ ما الهلال الخصيب. الخصيب الاسطورة. الماغوط طلع من تلك الاسطورة التي تحولت الى ريف. طلع بلا زفة، أما أنا فقد طلعت من القرية التي كانت ولم تزل ولن تكون إلا قرية، كما طلعت وبعد أن انتهت كل الاساطير لم يعد هذا العصر، عصري، بحاجة الى مثل هذا النمط من النمذجة.

ثم إن ثمة أشياء كثيرة تجمع من هنا، من هذا المنطلق، بيني وبين الماغوط، فأنا على سبيل المثل اظن أنني احتفظ بتلك الروح التي تهتز تحت “اغصان” عشبة صغيرة في حوش البيت، بالقرية. بذلك النفور من المدينة “الشائكة” والصعبة والمتوهمة. بذلك الحب الى الحرية التي لا قواعد لها. حرية أن تكون أو لا تكون حتى بلا حرية.

فكرت بينما كان وازن يجري حواره.

قبل ذلك، قبل الحوار واثناءه كان الماغوط يدخن بشراهة، وكان لا يدرك الى أين تذهب الاعقاب في منفضته التي لا تكف عن الامتلاء، في النصف الثاني من الحوار الذي كان يجريه وازن مع الماغوط دخل علينا افراد عدة: كبار وصغار، فتيان وصبايا، هم على ما يبدو من اقرباء الماغوط، وجاؤوا وكلهم حنان وشوق لتقديم التحية لهذا الشيخ، والشاعر الكبير الذي تغزوه البدانة.

بنظرة اتفقنا أنا ووازن وخرجنا من الغرفة كي نتيح الفرصة الضرورية لأشواق العائلة. نزلت وطلبت “فنجان قهوة بالزعتر” من جديد بعدها خرجت من الفندق وعثرت على سيارة أجرة تعيدني الى أبوظبي.

في الصباح وجدت نفسي نائماً في حفرة الكنبة بأبوظبي، وتكسوني البرودة.

وكان من العادة، من عادتي، أن أمر على أبو يوسف في منزله كلما ذهبت أو حتى دخلت الى دبي.

هذه المرة لم أمر. وكان ما يشغل تفكيري اثناء العودة الى أبوظبي أنني لا أريد أن يوصلني أي شيء: التفكير أو الألم أو “الحرية” أو العمر، أو أي شيء الى هذه الحالة التي وصل اليها الماغوط. سأنتحر، سأفكر بالانتحار قبل أن اصل الى هذه الحالة.

هكذا كنت افكر وأنا عائد بسيارة الأجرة الى أبوظبي من دبي. دبي التي مررت عليها هذه المرة ولم ازر أبو يوسف. في بيت ابويوسف، في “مقصورته” الخاصة في ذلك البيت كنت اجلس لأستمع لابو محمد، صالح العراقي، وهو يترنم بالعود.

صالح صديق ابو يوسف أكثر مني وأعمق، ولما قال لي ابو يوسف: لقد ارتاح صالح..

استغربت، لكنه قال لي بعد ذلك وفي يوم آخر ولحظة أخرى: حين ذهبت لدفن ابو محمد نظرت الى وجه صالح في حفرة القبر فوجدته يبتسم. اتصدقني يا أحمد؟ لقد كان يبتسم.

لكني للأسف لم استطع زيارة أبو يوسف هذه المرة. فالبرودة، وبالرغم من فناجين القهوة مازالت تستبد بي.

أرجع الى الكنبة، تحفر برودتي الكنبة.
بعد أيام قليلة أقرأ في الصحف: مات الماغوط.
لماذا أتذكر كل هذا؟ هل لأن صديقي أبو محمد، صالح العبيدي، قد مات.

الخليج
الاثنين ,07/07/2008

أعلى