لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



































 

يوميات القراءة لألبرتو مانغويل: الكاتب حين يكون معقباً لا مؤلفاً

ناظم السيد
(لبنان)

لألبرتو مانغويل"يوميات القراءة" هو الكتاب الثاني الذي يتم نقله إلي العربية بعد "تاريخ القراءة" للكاتب آلبرتو مانغويل. الكتاب الذي صدر عن "دار المدي" بترجمة عباس المفرجي، يشترك مع سابقه في كونهما كتابين مخصصين للقراءة. كل كتاب مخصص للقراءة. لكنَّ هذين الكتابين يتناولان القراءة بحدِّ ذاتها. مع ذلك ثمة فرق شاسع بين المؤلف الأول والمؤلف الأخير. في حين بدا "تاريخ القراءة" الذي صدر عن "دار الساقي" قبل أعوام، مؤلفاً موسوعياً يتقصي حالات القراءة وأنواعها وتأملات بليغة في القارئ وسرداً تاريخياً للقراءة والورق والنشر، من خلال تداخل الأدبي بالتاريخي، والتوثيقي بالتأملي، والسردي بالانطباعي، ولا سيما أن الكاتب كان صديقاً لواحد من أشهر القرّاء والكتّاب في العالم وأقصد به بورخيس، فإن "يوميات القراءة" بدا كتاباً انطباعياً لا تتعدي فيه التوسعة العالم الشخصي للكاتب. في كل حال، تبدو المقارنة ظالمة بين الكتابين وإن كانت استدعتها فقط كلمة "القراءة" التي تجمع بين الكتابين وعنوانيهما وكونهما صادرين عن المؤلف نفسه.

يقوم "يوميات القراءة" علي فكرة طريفة وجديدة. يقرر الكاتب الأرجنتيني الشغوف بالقراءة والذي يعيش في فرنسا منذ زمن، أن يعيد قراءة بعض الكتب التي قرأها قبل فترة طويلة وذلك ابتداء من حزيران (يونيو) 2002. يضع برنامجاً سنوياً مكوناً من قراءة كتاب واحد في الشهر. هكذا يختار كتباً بعضها يعود إلي فترات المراهقة وبعضها إلي فترات الشباب، بدءاً بكتاب "اكتشاف موريل" لأدولفو بيوي كاساريس، "جزيرة دكتور مورو" للكاتب أتش. جي. ولز، "كيم" لروديارد كيبلنغ، "مذكرات من وراء القبر" لشاتوبريان، "إشارة الرقم أربعة" لتشارلوك هولمز، "صلات مختارة" لغوته، "ريح الصفصاف" لغراهام غرين، "دون كيخوته" لسرفانتس، "سهوب التتر" لدينو بوتزاتي، "الوسادة" لساي شانغون (من القرون الوسطي)، "تسطح" لمرغريت أتوود و"مذكرات براس كوباس" لماتشادو دي آسيس.

في هذه الرحلة الاستعادية يواجه الكاتب مواقف غامضة وجديدة. لنقل إنها رحلة ليست استعادية بقدر ما هي رحلة اكتشاف لمناطق بدت غير مأهولة من قبل بسبب ليس اختلاف الزمن ما بين القراءة الأولي والقراءة الثانية فحسب، بل بسبب اختلاف القارئ آلبرتو مانغويل ما بين هذين الزمنين. هنا تصبح القراءة أداة لاكتشاف الذات، لاكتشاف وعي هذه الذات بالآخر ووعيها بنفسها. ثمة مقياس لهذا الوعي يمكن استنتاجه من الملاحظات التي درج المؤلف علي كتابتها علي حواشي الكتب التي يقرؤها. أثناء إعادة القراءة لم يذكر المؤلف لماذا وضع خطاً تحت هذه العبارة أو تلك الكلمة، ولماذا دوّن هذه الملاحظة وما الذي لفته في هذه الجملة. انطباع ذكره المؤلف في مقدمة الكتاب الصغيرة: "القراءة عبارة عن محادثة. تماماً مثلما يُبتلي المجانين بحوار وهمي يتردد صداه في مكان ما في أذهانهم، فإن القراء يتورطون أيضاً بحوار مشابه، يستفزهم بصمت من خلال الكلمات التي علي الصفحة. في الغالب لا يدون القارئ ردود أفعاله، لكن أحياناً تنتاب قارئا ما رغبة بإمساك القلم والتواصل مع هذا الحوار بكتابة الهوامش علي النص. هذا التعليق، هذه الهوامش، هذه الكتابة الظل التي ترافق أحياناً كتبنا الأثيرة توسّع من النص وتنقله إلي زمن آخر، وتجعل من القراءة تجربة مختلفة وتضفي واقعية علي الأوهام التي يرويها لنا الكتاب، ويريدنا - نحن القرّاء - أن نعيشها".

والحال، فإن آلبرتو مانغويل يتصرف في هذا الكتاب- شأن سابقه- كقارئ. إنه يكتب كتابة تقوم علي كتابة سابقة. ليس الأمر بناء علي أنقاض كتابة سابقة بل هي نوع من تأثيث لعمارة اكتمل بناؤها. لا يشذ مانغويل في كتبه عن هذه القاعدة. ثمة تقديس للكتابة لديه فلا يتجاوز عملية التأويل. الكاتب هنا يتصرف أمام الكتاب كما يتصرف رجل الدين أمام النص المقدّس. كل ما يمكنه فعله هو إعادة قراءة هذا النص ومحاولة شرحه بطريقة خاصة. تقديس الكتابة هي التي تضع كاتباً في منزلة مانغويل في خانة القارئ. وعليه، يبدو "يوميات القراءة" كتاب تعقيب أكثر منه كتاب تأليف. نحن أمام عمل يقوم علي ذاكرة الآخرين، علي مخيلتهم. بالطبع لا يعني هذا نفي صفة التخييل عن مؤلف "يوميات القراءة"، لكن فعل التخييل هنا مقيّد سلفاً بالكتب التي يتناولها. "الكتب يجب أن تقرأ بالطريقة التي كتبت بها" يقول مانغويل نقلاً عن جيمس جويس وربما عن مارغريت دوراس في كتابه السابق "تاريخ القراءة".

تأويل هذه الكتب ليس محصوراً بها بالضرورة كما سبق. ثمة توسيع لها أيضاً إذا كان لي أن أسجل هذا الاستدراك. يبدأ مانغويل مشروعه لإعادة القراءة هذه في حزيران (يونيو) 2002. بالتزامن مع هذه القراءات تبدأ الاستعدادات لغزو العراق الذي سيحدث بعد سنة واحدة. هكذا ينتقل الكاتب من الحدث الكتابي (من كتاب) إلي الحدث العسكري. ما بين تخييل الكتاب وحقيقة الواقع يتنقل الكاتب، محاولاً وضع جسور بينهما، ولا سيما أن بعض الكتب التي قرأها لها مدلولات سياسية وتاريخية وفلسفية وإنسانية كبيرة كما هي "مذكرات من وراء القبر" الذي أراده شاتوبريان تأريخاً لفرنسا وليس سيرة ذاتية مغلقة إذا صحَّ هذا الوصف علي السيرة الذاتية (كل سيرة علي ضيقها ترصد الجماعة بمعني ما وتؤرخ للعام). بهذه الملاحظات العابرة للحظة القراءة داخل الكتاب يعمل مانغويل علي توسيع عملية القراءة عبر الاستعانة بالخارج. هذا التداخل يبرهن مرة أخري علي زمنية القراءة، علي تاريخيتها، علي سياقاتها التي لا يمكن فصلها ليس عن الوعي الشخصي للقارئ فحسب وإنما عن الوعي العام والزمن التي تتم فيه هذه العملية. القراءة هنا تماماً كالكتابة التي لا تنفصل عن التاريخ. هي أيضاً تماماً كاللغة تاريخية وتقع تحت شروط أخلاق الجماعة. وبهذا المعني فإن الأسلوب- كتفرد شخصي- ليس سوي خروج نافر علي أخلاقية الجماعة ولغتها. لكنه في النهاية خروج مشروط يظل مرتبطاً باللحظة التاريخية القاهرة.

"لا تثق بالذين لا يعيدون القراءة، ولا بالذين يقرؤون كثيراً" يقول الشاعر الأمريكي وليم فروست. أين يمكن أن نضع آلبرتو مانغويل القارئ النهم الذي يعيد القراءة؟ هذا هو السؤال المحيّر رغم أن "تاريخ القراءة"، الكتاب الرائع، يقوم علي قراءات موسوعية لا يمكن إحصاؤها، في حين أن "يوميات القراءة"، الكتاب الأقل إدهاشاً، يقوم علي إعادة القراءة لاثني عشر كتاباً فقط.

القدس العربي
15/07/2008

أعلى