قد يستدعي هذا العنوان على الفور ما كتبه غارودي قبل اربعة عقود عن الواقعية بلا ضفاف، عندما حاول توسيع مفهوم الواقعيه كمصطلح أدبي ليشمل كتابا من طراز كافكا وشعراء مثل سان جون بيرس واراغون ورسامين مثل بيكاسو، والشعرية التي لا ضفاف لها هي ما يعبر عنه احيانا بقصيدة النثر، كلها تشمل ما هو أبعد من ذلك، خصوصا عندما يكون الشعر مبثوثا في نسيج نصِ ما حتى لو كان رواية او قصة قصيرة، لكن ليس على الطريقة التي سماها ميشيل بوتور البقعة القرمزية، حيث تبدو الشعرية في نص ما مجرد عبارات متباعدة، او بقع بيضاء في شعر حصان بنيّ.
ان تاريخ الشعر على نحو ما هو تاريخ تجاوز الاشكال لان الشكل وكما قال ادونيس هو قبر، وبالتالي ستكون النصوص التي تلبي معايير وتعريفات مسبقة توابيت، بعكس النصوص التي تعلن العصيان والتي تشبه مهودا ذات أجنحة، والاصرار على أن للشعر حدودا وضفافا وأشكالا هو كالاصرار على تدجين البحر، وسكب أمواجه في جرار، بحيث يفقد قوة تياره وعنفوانه وحتى لونه الأزرق السماوي الشفيف لكن ليس معنى ذلك أن كل قصيدة جديدة تبدأ من الصفر جماليا ومعرفيا.. والشاعر الذي يتوهم بأنه أول من غنى يثير الاشفاق لانه ليس آدم الشعر وبكارته الأولى، مما يجعلنا نستذكر عبارة دانتوس الخالدة، سحقا لمن سبقونا فقد قالوا أقوالنا كلها، والشعر في نهاية المطاف لا يقول رغم أن أحد تعريفاته الجائرة في تراثنا هو فن القول، لهذا كتب الشاعر أودن ذات يوم أنه اذا قال شاعر ما بأن لديه ما سوف يقوله شعرا فهو ليس شاعرا على الاطلاق فالشعر ايحاء وليس تصريحا، كما انه هروب من الذاتي وانعتاق من أسر البوح الغنائي الأفقي، ولعل ما تقطر حتى الآن من الخبرة البشرية في كل مجالات الخلق ومنها الشعر هو ما يقترح مقياسا تقريبيا ومتحركا بقدر ما هو نسبي، والنثر ليس كما تصور بعض المدرسيين هو نقيض الشعر، فالنقيض الحقيقي للشعر هو النظم، أي الشبيه الزائف لأن الأشباه تذكرنا بغياب الأصول بعكس ما يتصور صانعوها!!
* * * * * *
كان لقصيدة النثر العربية منذ ستة عقود ثلاثة أنماط من الريادة، نمط تأصيلي بحث لها عن جذور آباء في التراث، وتحديدا في الموروث الصوفي، وان كان النفري في المخاطبات قد ظفر بالحصة الكبرى من هذا التأصيل، وهذا النمط من الريادة وقع من حيث لا يعلم في كمين الاطروحة الاتباعية المضادة للحداثة، بحيث اوحى لقارئه بأنه يبحث عن شرعية ما لشعر! يته.
والنمط الثاني من الريادة يمكن تسميته على سبيل المجاز حداثة الموانىء او الترانزيت لأنه اكتفى بالركون الى المنجز النقدي لقصيدة النثر في اوروبا وبالتحديد بالفرنسية، لهذا تحول كتاب سوزان برنار الشهير الى كتاب مقدس لدى بعض شعراء قصيدة النثر، ولم يكن غريبا ان تبدو بعض النصوص التي كتبت في الترانزيت من حيث معجمها اللغوي ومفارقاتها، بل من خلال الحساسية والذائقة الجمالية وتسلل القراءات في شتى حقول المعرفة الى النصّ الشعري ...
والريادة الثالثة، من طراز مغاير ان لم يكن مضادا للنمطين السابقين، ومحمد الماغوط هو جذر هذه الريادة بلا منازع، لأنه ابتعد قدر الامكان عن التأنق النظري والسّجال الذي انتهى الى تخوين وتجريم متبادل، فقد قال الماغوط انه كان غريقا في البحر، ورأى خشبة طافية على سطح الماء، فتعلق بها لينجو، وليس لديه من فائض الوقت ورفاهية الاختيار ما يكفي لأن يتساءل عن هوية الشجرة او الغابة التي تنتسب اليها تلك الخشبة الشريدة !
لقد راوح النقد العربي كثيرا حول مصطلحات وعناوين وتعريفات، وخسر الكثير من حقائق الشعر وجوهره وهو يبحث عن هويات وأنساب، كما انه بقي أحادي البعد في التعامل مع قصيدة النثر او أي شعر بلا ضفاف، فلم يذهب بعيدا للبحث عن اسباب حقيقية لتغير الايقاعات والرؤى، بحيث لا نجد ناقدا عربيا واحدا جازف في الذهاب الى جهة خامسة او فصل خامس، كتلك المجازفات التي دفعت نقادا وشعراء غربيين الى التحليق عاليا وبعيدا كالنّحل الدؤوب للحصول على رحيق بري، يفرز العسل غير المغشوش والمحشو بالسكر الذي طالما علف به النحّل الداجن في الحدائق القريبة، وهنا سأتناول مثالين فقط، احدهما مقترب انثروبولوجي للبحث عن اسباب تحول الايقاعات لبيير كلاستر من خلال كتابه الآسر ' مجتمع ما قبل الدولة' والاخر بحث لشاعر انكليزي مات قبل ان يبلغ الثلاثين من العمر في الحرب العالمية الثانية هو كالدويل ...
كلاستر عاش زمنا بين قبائل بدائية بقيت على قيد اعرافها الموروثة وتقاليدها والميثولوجيا التي تحدد لها منظومة القيم والمفاهيم، ووجد ان الصيادين في احدى القبائل يحرمون من الاستمتاع بالطرائد التي يصطادونها، لهذا يشعرون بالاسى لأن نجاحهم مسروق، لهذا اكتشف كلاستر ان الشبان من هؤلاء الصيادين يجترحون كلمات وايقاعات خارج لغة القبيلة، وغالبا ما يبدأون في غناء شجي غير مفهوم في الهزيع الاخير من الليل، عندما تنام القبيلة، وتخبو النار في مواقدها ولا يبقى ساهرا ! معهم غير الخيول والقمر ...
حسب تحليلات كلاستر فإن هؤلاء الشبان من الشعراء يمارسون انتقاما من القبيلة ولغتها وايقاعاتها دفاعا عن حقهم في الطرائد التي يصطادونها ويحرمون من تذوقها ... وهذا المقترب رغم فرادته لا يبتعد كثيرا عما قاله الشاعر كالدويل عن الارتباط العضوي بين انماط العمل والانتاج وبين ايقاعات الشعر، فالثورة الصناعية واحلال الالة مكان اليد البشرية خلق اغترابا قاسيا استشعره العاملون عندما غابت عنه السلعة التي يصنعونها بكامل شكلها وحدودها، فمن كان يخيط المعطف كله اصبح لا يرى منه غير عروة او جيب او خيط، وكذلك الحذاء والقبّعة، وأدى هذا الاغتراب الى خلل بنيوي في الايقاعات، فبعد ان كانت جماعية تستلهم الحانا موروثة ومحفوظة، أصبح لكل ايقاعه، لهذا فان النقد العربي الذي واكب قصيدة النثر او استبقها او حاول استثمارها مكث في منطقة بدائية من التوصيف والتعريف والانهماك في سجالات لا تتخطى فقه اللّغة، نذكر للمثال ايضا الناقد روزنتال وهو من أبرز راصدي الحداثة الشعرية في اوروبا، ربط من خلال رؤية شاملة وبانورامية بين حداثة بودلير وما طرأ في زمانه من استخدام مصابيح الغاز ووقوف البغايا تحت الأعمدة التي تحمل هذه المصابيح، فالناقل او المحاكي نادرا ما يسأل نفسه عن جذور الظواهر، لأنه يتعامل مع تجلياتها فقط ومع المرئي منها بالعين المجردة على السطح، ولدينا في بواكير الحداثة الشعرية العربية بعد الحرب العالمية الثانية امثلة مثيرة في هذا السياق كتأثر الشعراء بالعرب ومنهم رواد ما كتبه اليوت واودن وايديث سيتويل حول المدنية العملاقة المعاصرة التي تسحق الانسان، رغم ان المدن العربية قبل ستين عاما كانت اشبه بالقرى المتورمة، وضواحيها غير مضاءة وطرقها غير معبدة، وكانت الخيول والثيران تحرث أرضها، وحين نقرأ ما يكتب حول نكوص الحداثة وما تعرضت له من مصادرات واجهاض، ينصرف ذهننا الى المصدات التقليدية وارهاب الاتباعيين فقط، وننسى او نهمل فقدان الحداثة العربية الانساق والسياقات الحضارية والاجتماعية، وقد لا نجد عسرا في اعادة الكثير من القصائد التي كتبها رواد الحداثة الشعرية العربية الى اصولها العمودية، لأن ما حدث هو بعثرة العمود، واعادة توزيع الكلمات والسطور، وغاب عنا لزمن طويل ان العمودية ليست شكلا شعريا فقط، انها رؤيا، ونهج ومقترب من التاريخ والكون، فقد نجد روائيا عموديا وقاصا عموديا، تماما كما ان مصطلح الغنائية في بعده الأفقي ليس حكرا على الشعر، و! قد لا نع دم اذا بحثنا فلسفة يمكن وصفها بالغنائية.
ان شعرية بلا ضفاف هي رهان مستقبل غير مستوطن تماما بالماضي، لكن صبّ الانهار والبحار في الجرار هو الفِقه المزمن لثقافة هي رهينة التّدجين.
القدس العربي
2/28/2010