لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



































 

مَن صنَع "الأسطورة" السلطة أم الدراويش؟

"خيمة" أمل دنقل في شوارع القاهرة

"ماذا لو عاش أمل دنقل حتى الآن؟

أمل دنقل‏سخرنا من السؤال، وشعر صاحبه بالحرج. قلنا له المعنى الوحيد لسؤالك اننا نشعر بالعجز. كانت المقاهي مزدحمة. نسمع الكلمات بصعوبة تجعلنا نرفع أصواتنا. ونفكر مع صاحبنا الذي كان مشغولاً بسؤال اعتبره مهماً: "لماذا بأمل دنقل؟". كان صديقنا المتحمس للسؤال كان يقارن بين حكاية قديمة عندما سأل عبد الحميد رضوان. وزير الثقافة سنة . "من هو أمل دنقل؟". سؤاله كان تعليقاً على مقال كتبه يوسف ادريس في "الاهرام" يطالب فيه بعلاج دنقل على حساب الدولة. كان أمل يرقد في الغرفة رقم بمعهد السرطان (له اسم أقل قسوة هو معهد الاورام). وعنوان مقال يوسف ادريس كأنه هتاف في مظاهرة: "يالله يا أمل لا تمت فكلنا فداؤك". كان الوزير تاجراً من النوع الذي يحبه أنور السادات (أعطاه وزارة الثقافة مكافأة يعاقب بها المثقفين). وفهم رسالة أديب مشهور يكتب في كبريات الصحف. أرسل باقة ورد. وسعى إلى قرار بالعلاج. اكتفت الحكومة أن يكون في الدرجة الثانية (تحكي عبلة الرويني زوجة أمل ان باقات أخرى تحمل بطاقات كبار المسؤولين توالت على المستشفى احتفاء بالشاعر المريض...).

- نجم النخبة على جدران المؤسسة

سخرنا مرة أخرى من الاسئلة التي تبدو مثيرة لغريزة النميمة. تبدو أيضاً منطقية لترتيب صراع وهمي بين مثقفين في المؤسسة ومثقفين خارجها. تساهم الاسئلة في هذا الوهم. كما تساهم في صنع "أسطورة" أمل دنقل.

"لكنه أسطورة فعلاً". قال صاحب السؤال عن السلطة وأمل. مشيراً إلى ان السلطة تريد "توظيف أمل دنقل". وتضعه على واجهاتها كنوع من الاعلان عن "ديموقراطية" زائفة.

وقال صاحبنا الثالث انه بالفعل "أسطورة معاصرة يصنعها من يريدون تبني أمل دنقل لأسباب تخص تصورهم عن ثوريته أو نقائه أو الحنين للحظته كما يتخيلونها".

سير الحوار كان في اتجاه "تفكيك" الاسطورة. لنرى أمل دنقل بالحجم الطبيعي (وهذا فعل صعب في لحظة لا يوجد فيها حجم طبيعي. كل شيء قابل للمبالغة والتحوّل رمزاً في حروب كبيرة وصغيرة...).

لأن الاسطورة ستجعل أمل دنقل يعيش مثل صور عبد الناصر التي يرفعها الناس في المظاهرات أو أغاني عبد الحليم في مديح الثورة الناصرية. هي فعلاً احتجاج على الواقع بالعودة إلى لحظة سابقة.وحنين إلى "زمن ذهبي" في مواجهة "الزمن الثقيل". وهو حنين مقبول من وجهة نظر السلطة الحالية لأنه بدون خطر مباشر تقريباً. فهو بديل عن صنع ثقافة أو رموز أخرى. ولأنها تستطيع استخدامه هي الاخرى للعب برأس الجماهير وتوجيه غضبها. صحيح ان أمل دنقل مختلف لأنه لم يكن أبداً" جماهيري "أو مطلوب خارج حدود النخبة. ظل طوال عمره نخبوياً وثورته نخبوية. وبتعبير أدق هو أقرب إلى نجم من نجوم النخبة.

- صاحب المقام البدوي في القاهرة

صورة أمل دنقل في ذهني هي شاعرصعلوك تغويه الشوارع ولا يمتلك بيتاً. استعاض عن إقامة علاقة مع المدينة المتوحشة (القاهرة) وفق البرنامج التقليدي للافندية والمثقفين المؤدبين في نظر السلطة... وقرر أن يقيم خيمته في شوارع المدينة (مثل المتشردين) ويصبح مزاراً (لم يكن هناك عاشق للثقافة يأتي إلى القاهرة ولا يريد مقابلة أمل دنقل) وولي أو صاحب مقام خاص بعيداً عن سلطة تشتري المثقفين وتضعهم في واجهتها وعلى رأس كتائب مدفعيتها... ولا في علب التنظيمات السياسية التي إما أنها تحوّلت إلى دكاكين نضال بالاجرة. أو استسلمت لسطوة الفكرة الواحدة.

أمل جاء إلى القاهرة بإحساس الغزاة. كان هذا في المرة الثانية. الاولى عاد منها إلى قنا مهزوماً. كانت في أعقاب . عبد الناصر كان في زهوته. ومشروعه السياسي يفتن الجميع. أمل نفسه تطوع في كتائب الفدائيين. توهموا انهم سيحاربون على الجبهة في بور سعيد. تدربوا على السلاح. لكنهم لم يخرجوا من مركز التدريب. كان أمل وقتها في فورة صداقته مع عبد الرحمن الابنودي. وهما ينتميان إلى نوع خاص من البيوت في ذلك الزمن في الصعيد. الأب مثقف تقليدي تخرج من الازهر وعاد القرية شيخاً معمماً. يدرس اللغة العربية ويكتب الشعر التقليدي ويصبح مرجعاً في شؤون الدين من إمامة الصلاة إلى الفتاوى. هذه الوضعية الخاصة تضعه في مرتبة مميزة. وهو ما تمتع به فهيم أبو القاسم محمد محارب دنقل. الاب الذي غادر الدنيا سريعاً. وأمل في التاسعة تقريباً. ليرث مكانه في البيت ويسعى لوراثته في الشعر لتكتمل الصورة فيلقي قصائد في المدرسة ويتهمه الاساتذة والتلاميذ بأنه سرقها من مخطوطات الاب. كان همه السير على خطى قديمة. لكنه في الوقت نفسه بحث عن خطوته الخاصة. يحفظ مواريث العائلة والمجتمع. لكنه يحتفظ بحق التمرد في الوقت نفسه. يقول في حوار (أجري معه في ). ولدت في قرية في أقصى الصعيد بالقرب من الأقصر (يقصد قرية القلعة التي تبعد عن قنا كيلومتراً...) كانت عاصمة أيام الفراعنة. اليوم تشتهر بآثارها ويتعايش فيها التفكير الفرعوني الموروث منذ آلاف السنين إلى جانب القيم القبلية التي حملتها القبائل العربية التي حطت هناك..." (..): "كان والدى رجل دين وكان متزمتاً. ومن هنا اكتسبت نشأتي الاولى بعض الصلابة وربما بعض الخشونة والجفاف..." (...): "كنت في تلك السن المبكرة متديناً جداً، وكنت أؤدي الصلاة في أوقاتها، كما كنت منتسباً إلى إحدى الفرق الصوفية..ومن خلال معاشرتي للمتصوفين والمتدينين ابتدأت في كشف التناقضات والفوارق الشديدة بين ما يقولونه في المساجد والحلقات الدينية وما في حياة الناس العاديين. فبدأت بكتابة قصائد أقف فيها ضد البدع الدينية. ومن هنا نشأ ارتباطي الاول بحياة الناس...".

في تلك الفترة كان تلميذاً متفوقاً يدرس بقوة. يختار شعبة العلوم في الثانوية العامة. ويحلم بتخصص دقيق (ربما كان يراهن على مستقبل في الطب أو غيرها من مهن تلعب بأحلام البرجوازية الصغيرة). عائلته كانت تبني آمالاً عليه، وكان كل شيء يسري وفقاً للعرف الاجتماعي حتى قابل الثقافة، والقاهرة.

سافر إلى القاهرة في سبيل حلم الجامعة. عمل في شركة أتوبيس الصعيد. وأقام عند عمه. لم يتحمل الجامعة. ولا عمه. وجرفه التيار الهادر وقتها في شعر عبد الرحمن الشرقاوي وقبله محمود حسن اسماعيل (ومعه على محمود طه) وبعده أحمد عبد المعطي حجازي. حجازي كان الاكثر تاثيراً. هو مغني الثورة. الرومانتيكي وقتها. وشعره يسير في الطبقات العليا من الحلم الذي تروجه أجهزة الميديا في نهاية الخمسينات الصاخبة.

يحكي أمل في فيلم عطيات الابنودى "حديث الغرفة ,.": "انتقالي إلى القاهرة، ارتبط أيضاً بتغير في نوعية الشعر، كنت انتقلت من الشاعر الرومانتيكي الحالم الذي يذوب وجداً، ويكتب عن فتاة تمشي بخطوات موسيقية، وعن مشهد الغروب والنيل إلى شخص يربط الكتابة بقضايا المجتمع حوله، نفسياً بدأت أخرج من دائرة الاهتمام بذاتي إلى مزج الذات بالعالم، وهوالاتجاه الذي كان أكثر تآلفاً معي".

في هذه المرة عاد بإحساس الغزاة. الفاتحين. نسي الاحلام العائلية وودع الوظيفة في محكمة قنا. وارتدى زي المحارب البدوي... وجاء إلى القاهرة كما يحكى في الفيلم "عندما قررنا أن نأتي إلى القاهرة للمرة الثانية قررنا أن نأتي كغزاة كنت أنا وعبد الرحمن الأبنودي هو يكتب العامية، وأنا الفصحى، جئنا بأفكارنا الخاصة عن العالم، في المرة الأولى كنا نريد أن ندخل في النسيج الموجود أما في المرة الثانية جئنا بخيول جديدة ومستعدين نفتح بها المدينة اما نجحنا أو فشلنا ونعود للعمل كموظفين ونلتحق بكليات ونلتزم فيها ونبقى موظفين صالحين".

المدهش أن أمل وعبد الرحمن افترقت بينهما الطرق بعد قليل من الوقت في القاهرة. ظل أمل تحت خيمته في شوارع القاهرة. وطارد عبد الرحمن أحلامه الواسعة. سار أولاً في طريق تنظيمات اليسار تحت الارض. وذاق طعم السجن عدة اشهر. في التوقيت نفسه تقريباً كان يذوق طعم شهرة مؤلف الاغاني ونجم المجتمعات الثقافية البعيدة عن الصعاليك. وأمل في مكانه بعيداً عن التنظيمات والشهرة العمومية. ظل الابنودي يقفز بطموحه بين ذكرى السجين وإحساس المشاهير... حتى غادر نقطة اللقاء مع أمل الذي قال له في الايام الاولى بلغة الحكماء "...ستصبح أغنى مني وأشهر، فأرجو ألا يغيرك هذا...". هل كان هذا نوعاً من الغيرة؟! أم نبوءة؟!
يحكي الابنودي الحكاية الآن. ولا يعلق عليها.

- حاكم سري في مثلث الرعب

أصبح أمل دنقل أحد الحكام السريين لوسط القاهرة. مقره بين "كافيه ريش" و"الاتيلية". يضاف إليهم الآن مقهى "الجريون": ليصبح هذا هو "مثلث الرعب" حسب تسمية ساخرة كان أول من أطلقها المدمنون القدامى للمواعيد الثابتة. الثلاثاء. الجمعة. الأحد. تلك المواعيد تضفي على المكان والشخصيات هيبة الكتل المهمة والجماعات المؤثرة. تقريباً مثل الأحزاب أو التنظيمات التي كان حلمي "الساذج" أن أذوب في إحداها كتعبير عن أهمية أو كهروب من فردية محرمة أو حتى من اجل شيء كبير غامض. لكنني في مرات نادرة اقتربت من المحاولة بجدية وسعادة مراهقة. كنت أشعر بالملل بعد وقت قصير جداً وربما قبل أن تكتمل خطوتي الأولى.

الإحساس الغامض الذي ينتابني تجاه هذه الجماعات المغلقة كان يزداد غموضاً في مثلث الرعب. لأنني افترضت من البداية انه في تلك المواعيد والأماكن الثابتة ليس هناك ولاء حزبي أو ميثاق تنظيمي. هناك الثقافة بمعناها الكبير المفتوح. المخلوط بالسياسة غالباً. لكنه مبني إلى حد كبير على فكرة الاكتشاف والإضافة وليس اليقين النهائي المحدد.

ربما السبب هو تلك السلطة الخفية التي تحكم الاماكن والمواعيد. سلطة لها قواعدها الموروثة وتحتكم في النهاية إلى أوضاع تراتب مقدسة. وهكذا ظلت أماكن المثقفين تتقلص وتنحسر حتى أصبحت تلك المنطقة المحددة في وسط القاهرة. وكأنها سلطة مركزية. تريد ان تتحكم في المداخل والمخارج. وتمنح الشرعية وتعتمد الصلاحية للشهرة. أصبح الحفاظ على المواعيد الثابتة هو حجز مقعد وبطاقة عضوية في نادي المثقفين. ولأن السلطة غير معلنة وتعتمد على مواهب خاصة، أصبح للنميمة قوة القانون. بل أصبحت هي القانون الذي يحكم وضع كل شخص. أنت في هذه الاماكن تصبح مثقفاً بحكم العادة. عادة التواجد الاسبوعي. وعادة التعدى اللفظي على آخرين. وعادات أخرى ترتبط بقدرتك على النقد الاجتماعي وتوجيه الاتهامات للآخرين باعتبارك النموذج النقي الذي يمتلك سلطة العارف وصلاحية إصدار الاحكام وتصنيف البشر. وهؤلاء أصحاب حظوة في مجتمع المثقفين، فهم الرتبة الاعلى من قوافل المضطهدين المعروفين باللفظ الكودي: كارهي البشر. هؤلاء يقيمون في تلك الاماكن مستعيدين صورة أمل دنقل. وسيرتها. مقلدين حياته في لحظة مختلفة تماماً. تقليد باهت.

وهؤلاء جميعاً آخر سلالة تأثرت بموضة أمل دنقل في الستينات والسبعينات: المثقف الصعلوك المتمرد الذي يعيش خارج الرعاية المباشرة للمؤسسات ويلعن الجميع. نموذج له سياق تاريخي ارتبط بتحوّلات في السلطة وقتها. وبتغيرات في المواقع بينها وبين المثقفين... فالسلطة أحياناً هي التي تخلق المتمردين عليها وترسم أشكالهم وطرق حضورهم... هؤلاء نوع من المتمردين، تبدو حياتهم متعلقة بوجود السلطة التي يحاربونها ينتهون معها ويشعرون باليتم حين تختفي فجأة.

أمل دنقل كصورة من صور المثقف الخارج عن النمطية. فوضوى. صعلوك. اكتشف أمل صورته هذه بين ركام هزيمة يونيو . في الشعر بالمراثي. وفي الحياة بأسلوب الحياة الخشن الصدامي المختفي وراء أقنعة سادية، لتحمي رقتها وانكسارها. خلف تلك الاقنعة وتحت خيمته التي صنعها من قيم قديمة خارجة عن التقاليد عاش أمل دنقل حالة خاصة من المثقف.

كان أمل دنقل في اشعاره وحياته أقرب إلى أمير الصعاليك. الذي يدافع عن المظلومين في مواجهة الظالم. فكرة قديمة. قادمة من التراث. ربما استوحاها من طرفة بن العبد الذي كان يسرق الاغنياء ليعطي الفقراء. والاهم من هذا أنه لم يكن شاعراً من شعراء السلطان وفي نفس الوقت لم يكن من الخوارج أو المتصوفة. كان شاعراً مستقلاً. وهذا ما جعل فكرة الصعلكة فكرة تقدمية (ثورية كما يحب دراويش أمل دنقل أن يصفوها) بمعنى انها فكرة مفارقة لواقع ولثقافة كانت تفكك المجتمع الذي رتبته ثورة عبد الناصر في حشود. وجاء السادات ليفكك الجموع ويرتبها في طوابير أخرى. هذا ما جعل أمل دنقل ثورياً بمعنى من المعاني لأنه عاد إلى فكرة قديمة جداً ليواجه خللاً معاصراً. انها بشكل ما تشبه ما تفعله الجماعات الاسلامية التي تعتبر هي الاكثر راديكالية الآن في السياسة. لمجرد انها ترفض الواقع. الفارق الكبير ان أمل دنقل صاحب موهبة اكتشفت مبكراً تقنيات حديثة في كتابة الشعر. هذا ما لا يجعله مستقراً في الصورة التي يرسمها له أعداء يرونه مجرد مغنٍّ ثوري قديم. تريده السلطة الآن مجرد مكياج على وجهها.

- فدائي يكتب المراثي في ريش

لمع اسم أمل دنقل وسط طقس شعرى جنائزي بعد حزيران . لطم الخدود. والقسوة السادية على الذات. أمل كان مختلفاً. كان مثل الحكيم. الذي يعيد القبيلة إلى أفكارها الاولى. يحمل عصا الذاكرة. كان يدرك ان الخروج عن النظام العمومي (مناوشته). أو معاداة المؤسسات الشعرية ومصانع التوحيد القياسي. بضاعة تعلي من أسهم الشاعر في مدينة يبدو سطحها فوضوياً. بينما باطنها وقنواتها السرية محافظة. على عكس المدن الحديثة. أو في تعارض معها.

القبيلة موجودة تحت القشرة الرقيقة للمدينة. والشاعر هنا. إله. نبي. رسول. معلم. هو أيضاً مغنٍّ. واختار أمل المراثي.

ربما كان اقرب إلى فكرة جميلة عثرت عليها في كراسة رشيقة كتبها الشاعر ويستان أودن عن "أزمة الشاعر في أزمنة المدن "وهي انه في زمن الحروب، إما أن يكون الشاعر فدائياً أو جاسوساً ولا يصح أن يكون جندياً نظامياً".

اختار أمل ان يكون فدائياً. وهو يقول في فيلم عطيات: "طبعاً شخص مثلي يجلس في مقهي ريش ويقابل أناساً من جميع الاتجاهات فهذا يشكل رؤية اجتماعية في الفترة السابقة على ، وكان حقيقة فالاختيار الذي اخترته صعب جداً وهوأن أكون أنا وليس ما يريده مني الآخرون، سواء كان الآخرون سلطة أو من المثقفين الدائرين في فلك السلطة أو حتى كان اتجاهاً مؤيداً...

مثلاً كان هناك اتجاه يرى أن مصر قبل دولة عظيمة ودخان المصانع أجمل شيء يغطي السماء وكل شيء زاه وجميل، وأنا في حقيقة الأمر أرى عكس ذلك، حتى عندما كنت أكتب شعرا لم أستطع أن أنشره في ذلك الوقت، وعندما نشرته فيما بعد، كثيرون اعتقدوا أنني كتبته بعد الهزيمة، لكون الفنان أوالشاعر يلتزم بموقف ويصر عليه على الرغم من أن كل من حوله حتى الناس الذين احترم آراءهم كانوا ضد الموقف، أي فنان لا بد أن يدفع ثمنها ليس فقط ثمنها الاجتماعي، وإنما أيضاً ثمنها في المناقشات والانفعال أثناءها، وهذا الخلاف في الرأي لم يكن يمنع الود والصداقات. فبعد هذه المناقشات الحادة نلتقي ونسهر ونذهب إلى السينما والمسرح والحقيقة أن فترة الازدهار التي كانت موجودة انعكست بشكل جميل على كثيرين....".

- صنم على رف الأبيض والأسود

هكذا كان أمل وكأنه على وشك الانفجار.

يرونه في السلطة يسارياً. وفي اليسار اعتبروه مخبراً لأنه لم يدخل السجن. وهو لم يدخل السلطة ولا دار في مدارات نجومها لأنه أولاً كان يشعر بكراهية من نظام الجنرالات رغم انه لم يختلف مع مشروعه القومي. هواعتقد انه منافس للسلطة. وريث عروبة مستمدة من القبائل العربية وتراثها وأساطيرها. وهو في الوقت نفسه لم ينضم لتنظيم سياسي. فكان هذا سبباً في فقدانه شارة التميز وقتها: دخول السجن.

هكذا وضع خيمته على أطلال مشروع عبد الناصر . ومن بعده أصبح شاهداً على عصر السادات. من حركة الطلاب في إلى فك الاشتباك الثانى بعد حرب أكتوبر وحتى الصلح مع اسرائيل في . لم يترك أيضاً التفاصيل الصغيرة من انتشار زمن البيع من مواقف السياسيين إلى اجساد الفقراء في سوق كبير كان هو شكل مصر في السبعينات.

هو في كل هذا النبي المبشر بلحظة قديمة جداً. لحظة المجد الذهبية. والقيم المطلقة وكعادة كل تبشير، ارتبطت افكاره بالقيم المطلقة. بدا بدوياً أحياناً. وداعية للقومية المغلقة المتعصبة أحياناً. ومجرد شاعر سياسي غالباً. لكن انقذه الموهبة وذكاء التقاط التفاصيل المعاصرة في نفس لحظة عمل الذاكرة القديمة. لم يكن مع شعراء الاناشيد السياسية. وبقى مع مصائر شخصياته المغمورة في الاماكن الهامشية في القاهرة. الشوارع ليلاً والحانات. والشقق المفروشة. بقي مع صوره الخاصة ورؤية ذاتية لا يتمثل فيها نبوة ولا فروسية قديمة في "أوراق الغرفة ".

وهذا ما تخفيه اختصارات السياسيين الذين يبررون هزائمهم باستدعاء قصائد أمل دنقل. وبعشاق صنع الاساطير الذين يقيمون اصنامها ليطمئنوا إلى افكارهم وليكتسبوا وجوداً من البقاء بجوار الصنم. وليطمئنوا إلى انهم يمكن أن يلعبوا بقيم عالم الابيض والاسود .عالم الوضوح الناصري: الاعداء والحلفاء. في عالم مختلف ليبدو لعبهم مقاومة للواقع وهو في الحقيقة هروب. يحول أمل دنقل من شاعر فعال إلى ذكرى قديمة منتهية المفعول.

الآن أرى ضرورة ان نهرب نحن من اختصار أمل دنقل. من حبسه في فاترينة السياسة والسلطة. والتفكير فيه كشاعر يلعب، ليفسد كل الترتيبات من حوله.

هل كان أمل دنقل شاعراً يلعب فعلاً.

المستقبل
السبت 19 كانون الأول 2009

أعلى