يبدو الفن والسياسة متصلين اتصالاً وثيقاً إلى حد التناغم أو التداخل حتى لو بدا كل منهما يعمل في حيز مستقل. فحتى على المستوى اللغوي نجد ما يؤكد ذلك حيث يورد لسان العرب للسياسة معاني مختلفة من بينها الرئاسة والحكم، ومن بينها ان السياسة «هي القيام على الشيء بما يصلحه»، إضافة إلى معنى آخر يتعلق بالترويض والتذليل. أما الفن فيجعله المعجم الأشهر في تاريخ العرب مرتبطاً بالتوسع في الشيء وحمله على ضروب وخلائط شتى. لكن المعنيين الأكثر إلفاتاً في هذا السياق هو اعتبار الرجل الفن أو الفنان «رجلاً يأتي بالعجائب» تارة، وشخصا ذا «عنن واعتراض» طوراً آخر. هكذا يتداخل مفهوما السياسة والفن من حيث العمل على تغيير الواقع القائم وتذليل الصعوبات التي تحول دون ذلك. في كليهما تبدو المهارة ممراً ضرورياً لترويض الجماعة في الأولى، ولترويض اللغة أو الكتلة أو اللون في الثاني. ورغم ان الكثيرين يضعون السياسة ضمن باب العلم الذي تدرس قواعده ومناهجه في المعاهد والجامعات فإن السياسة في بعدها العملي والملموس تندرج في خانة الفنون التي تتطلب مهارة فائقة وقراءة ذكية لما يعتمل في أحشاء الواقع واجتراحاً للحلول والمخارج الملائمة قبل الوصول إلى الطريق المسدود. وكما يخاتل السياسي الواقع الملبد بالمصاعب بحثاً عن نقاط ضعف يمكن التسلل منها باتجاه التغيير، فإن الفنان، والكاتب على وجه الخصوص، يخاتل اللغة النمطية والجاهزة بحثاً عن أفق آخر للكتابة أكثر صلة بنبض العصر ومتغيراته وكشوفه.
سأحصر الأمر هنا بالكتابة دون سواها تسهيلاً للموضوع المطروح ومنعه من التشتت لأقول بأن مشكلة العلاقة بين السياسة والإبداع الأدبي لا تكمن في العلاقة نفسها بل في الأسس التي تقوم عليها هذه العلاقة، بحيث لا يبدو الثاني ملتحقاً بالأولى وتابعاً لها كما يحدث في العادة، باعتبار ان السياسي يمتلك المقدرات المادية والأمنية والمعنوية التي تسمح له بممارسة ضغوطه على الكاتب، في حين ان ما بحوزة هذا الأخير، على أهميته، لا يتمتع بالنفوذ الآتي الذي يمكنه من تحويل اللغة إلى سلاح فعال في المواجهة المباشرة بينهما. فالسياسي بحكم سطوته وإمكاناته لا يتعامل مع الكاتب إلا بوصفه أحد رعاياه الذين عليهم ان يقدموا واجب الطاعة ويسخروا موهبتهم المتوقدة في امتداح الحاكم وتقريظ مزاياه وإنجازاته وتظهير صفاته الحسنى أمام العامة، وبخاصة أمام المشككين والجاحدين والمعترضين. وفي وضع كهذا يمكن للكاتب ان يختار التحول إلى مداح يرطن بحمد السلطان، أو يختار الوقوف في المكان الوحيد الذي يليق بالمبدعين وهو الرفض والاعتراض والدعوة إلى التغيير طلباً للحرية والعدالة. كما يمكنه الفرار من المواجهة متذرعاً بالعجز أو الفقر أو إيثار السلامة والنجاة بالنفس، كما يفعل الكثيرون في زمن التحولات التاريخية والمفصلية.
الدائم الأبدي
أراني هنا منحازاً إلى الخيار الثاني بين هذه الخيارات الثلاثة حيث على المثقف في الأساس، لا المبدع وحده، ان يتماهى مع التفسير الحرفي للفعل الثلاثي «ثقف» والتي تعني قوّم وعدّل وأصلح الشيء. وهذا المعنى للثقافة يضع المثقف تلقائياً في مواجهة الطغيان، والحاكم المستبد، ويدفع هذا الأخير تلقائياً بالمقابل إلى تحسس مسدسه كلما سمع بكلمة مثقف، كما صرح غوبلز وزير الدعاية والاعلام في زمن هتلر. وكما يحرص الطغاة رغم كرههم للمثقفين على استمالة هؤلاء وإخضاعهم لمشيئتهم وتحويلهم إلى مجرد كتبة مأجورين فإنهم يبدون حرصا أكبر على استمالة الكتاب وبخاصة الشعراء من أجل تحويلهم إلى شعراء بلاط واستثمار مواهبهم النادرة في تجميل بشاعة الحاكم وتلميع أوسمته، وهو ما فعله بشكل مهين ومخجل العديد من الشعراء العرب في العقود الأخيرة. إن المبدع حين يفعل ذلك لا يفرط بكرامته الشخصية فحسب بل بكرامة تلك الجوهرة الثمينة التي خصّ بها دون الآخرين والتي يمرغها عن سابق تصوّر وتصميم في وحول الاستخذاء والنخاسة الأدبية. ولا أضيف جديداً إذا ذكرت مرة اخرى يقول جوزف برودسكي، في مرافعته الشهيرة أمام لجنة جائزة نوبل، بأن السياسي في عمقه لا يملك سوى ان يحقد على المبدع لأن هذا الأخير يمثل على الأرض ما هو دائم وأبدي، في حين ان السياسي نفسه لا يمثل إلا ما هو عارض ومؤقت. وحين يرتضي المبدع ان يعمل وصيفاً للسياسي أو خادماً له فهو يغدر بجوهر وجوده الشخصي ويخون «معنى ان يكون» على حد بدر شاكر السياب.
على ان الاختيار الصائب لموقع المبدع ودوره ليس كل شيء لأن ما ينتظره على جبهته الداخلية أقسى وأمر. فأن يكون الكاتب في الجهة الصحيحة أمر جيد ومستحسن، لكن الأهم من ذلك ان يحسن تغيير نفسه وتجديد أدواته التعبيرية فيما هو يدعو إلى تغيير السلطة المستبدة أو الواقع المهترئ والمتأسن. فمواجهة الاهتراء لا تتم بلغة أكثر اهتراء، والانتصار لمقاومة الاحتلال لن يكتسب مصداقيته الحقيقية إذا كانت النصوص والقصائد التي تحتفي به مجرد بلاغات حماسية منظومة وآيلة إلى التآكل والنسيان. وكيف لقصيدة أو عمل فني ان يندرجا في خانة المقاومة إذا كانا غير قادرين بحد ذاتهما على مقاومة موتهما الذاتي وزوالهما السريع؟ هكذا لا بد للمبدع أن يقاتل وفي الآن ذاته على جبهتين اثنتين: جبهة الخيار السياسي النقدي والاعتراضي والمواجه للطغيان، وجبهة الخيار الإبداعي المغاير والمجدد لأدواته ورؤاه وكشوفه، بعيداً عن التهريج الخطابي والوعظ التعليمي والإنشاد التطريبي المحض.
وقد تكون وطأة الايديولوجيا، وبخاصة الشمولية منها، أقسى على الإبداع وأكثر فتكاً به من وطأة السلاطين والحكام والقادة السياسيين. فهؤلاء الأخيرون يمكنهم أن يكتفوا بإرضاء ذواتهم المتضخمة عبر رشوة بعض صغار النفوس من الشعراء والكتبة المتملقين، تاركين للأدب المختلف أن يتفتح في ظروف معقولة وغير كارثية لكن الأنظمة والأحزاب العقائدية تجثم على الأدب والفن بكامل ثقلها وفظاظتها وتحدد لهما مواصفات مسبقة تحولهما إلى منشور دعائي أو مرافعات دفاعية عن المقدس الايديولوجي. وسواء كانت الايديولوجيا الحاكمة ماركسية أم قومية أم إسلامية فإن نتائجها الوخيمة على الإبداع هي نفسها في جميع الحالات، وبخاصة في مرحلة انتقال الايديولوجيا الثورية الى السلطة على الأرض. ففي المرحلة الأولى يتقاطع الحلم بالتغيير مع سعي الأدب والفن إلى تحقيق اليوتوبيا الارضية التي لا يكف المبدعون عن نشدانها، أما في المرحلة الثانية فإن الايديولوجيا المنتصرة على اختلاف مذاهبها تحاول إنهاء التاريخ وإقفاله إقفالا محكما، محولة الفنون كلها إلى مانشيتات دعائية بائسة.
الاختراق
ومع ذلك فإن المبدعين الكبار يملكون بما لديهم من مواهب استثنائية وحدوس رؤيوية كاشفة لا أن يخترقوا الايديولوجيا فحسب بل ان يخترقوا مواقفهم ومعتقداتهم النظرية نفسها. وإذا كانت الكثرة الكاثرة من الشعراء والكتاب الرديئين ومتواضعي الموهبة تسقط بسقوط الايديولوجيا التي أنتجتها وروجت لها، فإن القلة المبدعة بالمقابل تملك ان تخترق التاريخ والجغرافيا على حد سواء، بمعزل عما يحدث على السطح السياسي للعالم. فسواء انتصرت الايديولوجيا الإسلامية أم لم تنتصر لا يمكن للزمن أن يسقط من حسابه أسماء عمر الخيام وجلال الدين الرومي وفريد الدين العطار وابن عربي وحافظ الشيرازي. كما أن سقوط النموذج الماركسي الحاكم في الكثير من البلدان لا يمكن ان يسقط بأي حال أسماء ماياكوفسكي ونيرووا ولوركا وأراغوان وإيلوار. وثمة في الجانب الآخر من المعادلة شعراء وروائيون وفنانون وقفوا على الصعيد السياسي الى جانب القوى والأنظمة الرجعية والفاشية، فيما كان نتاجهم الإبداعي يشير، دون قصد منهم، إلى الجهة المضيئة من التاريخ، حيث يمكننا أن نستشهد في هذا السياق بالروائي الفرنسي بلزاك الذي وقف إلى جانب نابليون الثالث في مواجهة كومونة باريس فيما كشفت أعماله عما يعتمل في أحشاء المجتمع الفرنسي من تمزقات وصراعات ونزوع إلى التغيير. إضافة إلى أسماء أخرى من مثل توماس مان وت.س. إليوت وعزرا باوند.
لا بد من الإشارة أخيراً، ونحن نعيش في ظل الربيع العربي وما يرافقه من تحولات دراماتيكية، إلى ضرورة التمييز بين الزمن السياسي والزمن الابداعي. إذ ان الأول يمكن ان يأخذ شكل الانتفاضات والحراكات المتسارعة في حين ان الثاني يجري ببطء شديد ويتطلب تغيرا في الأفكار والمفاهيم والذائقة الجمالية السائدة. لذلك فإن معظم ما تمخضت عنه الثورات حتى الآن يندرج في خانة الردود العاطفية المرتجلة أو الاستثمار الدعائي الصرف. ولعلنا نحتاج إلى وقت أطول لكي تؤتي الثورات أكلها على المستوى الإبداعي الأكثر نفاذاً وعمقاً. ولا ينبغي ان يفهم مما سبق ان الأدب والفن يجب ان يغيبا بالكامل عن لحظة التغيير نفسها وان يكتفيا بالتهيئة لها او استتباعها في ما بعد. فثمة أشياء لا يمكن تأجيلها بتصميم وتصور مسبقين، كما لا يمكن ان نمنع شخصا أصيب بطلقة أو طعنة من أن يطلق صرخة احتجاج سريعة وتلقائية. إذ لم يمنع انخراط أراغون وإيلوار في الحركة السوريالية من أن يعدا للمقاومة الفرنسية ضد الاحتلال قصائد حماسية ساخنة تكتب على الجدران أو تصبح أناشيد في الحناجر. والأمر نفسه فعله نيرودا في ذروة التآمر الأميركي والفاشي ضد حق بلاده في الحرية والعدالة. وما ينسحب على الشعر ينسحب على الأغنية والملصق واللوحة والنشيد، خاصة أن بيت أبي القاسم الشابي الشهير بات أيقونة الثورات العربية وملهمها الأثير. تماما كما هو حال الأغاني والأناشيد القديمة التي نبشت من قاع الذاكرة الجمعية واستحضرت على عجل. لكن استدعاء الأدب والفن لتلبية وظائف عاطفية وتحريضية في زمن الثورات والمفاصل التاريخية الخطرة هو الاستثناء لا القاعدة، وهو سطح اللغة لا قرارتها، إذ في القيعان وحدها تلمع جوهرة المعنى التي لا تكف عن اللمعان.
السفير
17 فبراير 2012