لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة
بحر، بحرين، ثلاثة
جهة الأسبوع



































 

رسمي أبو علي ، ينزع المسامير ويترجل ضاحكاً

زياد أبولبن
(الأردن)

زياد أبو لبناقتصر الحديث على مجموعة قصصية من تأليف رسمي أبو علي ، بعنوان :"ينزع المسامير ويترجل ضاحكاً" ، ولديّ عدد من الملاحظات الشكلية تسبق الحديث عن المجموعة ، أولها: نُشرت المجموعة في كتاب ضمّ الأعمال الأدبية لـ "أبو علي" الصادرة عن دار مجدلاوي للنشر والتوزيع في عمان بدعم من وزارة الثقافة الأردنية عام 2008 ، والملاحظة الثانية: تتجزأ المجموعة إلى ثلاثة أجزاء ، فالجزء الأول جاء في مرحلة بيروت من عام 1977 - 1982 ، والجزء الثاني في مرحلة ما بعد بيروت من عام 1983 - 1987 ، والجزء الثالث في مرحلة العودة إلى عمان 1987 - 1993 ، والملاحظة الثالثة: إنّ الجزء الأول قد صدر في بيروت عام 1981 عن المصير الديمقراطي ، بعنوان :"قط مقصوص الشاربين" ، وضم اثنتي عشرة قصة ، ثم صدرت مجموعة بعنوان :"ينزع المسامير ويترجل ضاحكاً" في رام الله عن دار الحوار بدعم من وزارة الثقافة الفلسطينية عام 2000 ، وهو العنوان الذي جاء في أعماله الأدبية ، وضمّ الأجزاء الثلاثة ، والملاحظة الرابعة: نشر رسمي أبو علي ست قصص في جريدة "الرأي" في السنوات الثلاث الأخيرة ، ولم تجمع مع أخواتها القصص في الأعمال الأدبية.

من القصة الأولى إلى القصة الثانية والثلاثين في المجموعة القصصية نتبيّن أمراً مهماً يسهلُ علينا من خلاله دراسة أعمال أبو علي الأدبية كلّها ، ألا وهو إنّ هذه الأعمال تتمثّل بنسبة %99 من سيرة أبو علي ، بل تكاد أن تتطابق مع الواقع بحذافيره ، لولا أن القاص يوظّف هذا الواقع بصورة فنيّة قائمة على الخيال في بعض جوانبها ، بل نكاد أن نُعاين تلك الشخصيات في القصص كما هي في الواقع ، سواء ما جاء بالاسم أم بالملمح ، بل نحن نتعايش معها بفوارق بسيطة في التركيب البنائي للقصص ، ففي قصة "قط مقصوص الشاربين اسمه ريّس" ، يبدأ السارد بوصف طبيعة المكان الذي تجري فيه أحداث القصة ، بل يُصبح السارد إحدى شخصيات القصة ، بل أقول: إنّه الشخصية المحورية التي تلعب الدور كلّه من البداية للنهاية ، أي أقصد في النهاية نهاية الحدث القصصي ، وليس نهاية القصة ، فهي قصة مفتوحة على فضاء متخيّل كما هي باقي قصص المجموعة ، وأنت تقرأ القصة كأنك تتابع كاميرا تلفزيونية تلتقط مشاهد من هنا وهناك في بناء درامي متوالْ ، يتداخل فيه التبكيت بالتنكيت ، وهو ما يشكّل ملامح القصص جميعاً ، فـ "سيمون" شخصية رئيسة في القصة تجتمع بعلاقة عاطفية مع السارد بفعل الأنا ، ويبدأ رصد الأمكنة المتعددة وارتباطها مع شخصيات هامشية في المجتمع ، وكلّ شخصية من تلك الشخصيات تُعبّر عن موقف في الحياة سواء أكان سلبياً أم إيجابياً ، فيعبّر السارد عن شخصية الفلسطيني العادي ، وأقصد بذلك أن مرحلة بيروت فرزت شخصية الفلسطيني المناضل (الفدائي الانتحاري) ، وشخصية الفلسطيني الفقير ، الذي تشغله القضية ليل نهار ، كما يشغله رغيف الخبز ، وأبو علي يقول لنا بصورة ما: هناك فلسطيني عادي يمثّل الحالة الفلسطينية البعيدة عن الشعارات الكبيرة ، الذي يعيش حياة عادية يمارس فيها الجنس وغير ذلك ، وفي قصة "فنجان قهوة .. ربما كوب ماء ... لا ،"يُسميهم "الرصيفيين" ، أي أن "أبو علي" كسر النمط الشائع في تصنيف الشخصية الفلسطينية ، التي تتمثّل بصورة كرتونية نمطية ، كما يتخذ من شخصية "أبو روزا" الكردي نمطاً أخر من الشخصيات التي عاشت بيروت ما قبل وما بعد ، كي يكون مشجباً لانتقاداته الاجتماعية والسياسية وغيرها في خمس قصص ، وهي: الأحلام السكايلابية السعيدة للمواطن الكردي غير السعيد أبو روزا ، النهاية المحتملة لدون جوان آخر ، أبو روزا معتقلاً ، (هذه القصة مهداة إلى: صديقي أبو روزا وولف في معتقل أنصار) ، شيء من الملح ، أبو روزا بوذياً ، وذلك في نزعة ساخرة من الواقع المؤلم ، تتمثّل بالكوميديا السوداء في بعض جوانبها ، بل تخرج بنا إلى اللامعقول ، أو العجائبي ، كما هو في قصة: "تنويعات على الفكرة الرئيسية لنصري حجّاج" ، إذ يقول على لسان الطبيب موجّهاً كلامه لنصري :"اسمع ، إنني مشغول جداً كما ترى ، ليس معك ديسك ولا سرطان ولا أي شيء ، كل ما هنالك. كيف أقول ذلك؟ نعم ، الذي حدث ، ولا أعرف كيف هو أنه تمّ استبدال عمودك الفقري بعمود فقري آخر ، أعرف أن هذا ليس معقولاً ، بل هو مستحيل نظرياً ، ولكن هذه هي الحقيقة ، ما حدث بالضبط هو أن أحدهم (وأنت نائم) سرق عمودك الفقري ووضع مكانه واحداً لرجل -أو امرأة - في السبعين من عمره -أو عمرها - هذه هي كل المشكلة وعليك بعد أن تندهش كما تشاء ، أن تتعايش مع هذه الحقيقة. انتهت المقابلة ولا تنس أن تدفع الأجرة للممرضة وأنت خارج." ص,77 فنجده كما يقول فرويد: "إن غير المألوف هو المألوف والعكس صحيح أيضاً" ، أما في الجزء الثالث من المجموعة "العودة إلى عمان" ، لم يعد رسمي أبو علي مشغولاً في قضايا الثورة والقضية الفلسطينية من الجانب النضالي ، وإنما نجده يتحدث عن هموم صغيرة تشغله بين السكن في بيت قديم أم الانتقال إلى بيت جديد ، وحكاية عن صديقه ناجح حسن (قصة: كيف اشترى صديقي -ناجح - حذاء؟) ، وصديقه "الذي عاد إلى اسمه ..." فكان اسمه في التنظيم المسلح شريف أبو كفاح ، واسمه الحقيقي ، الذي عاد إليه فنّاص البريص ، وهما اسمان محوّران من اسم نزيه أبو نضال - غطاس صويص ، وكي لا تصبح القصة أو الحكاية مطابقة للواقع ، غيّر القاص في الأسماء ، وقليلاً من التحوير في الحكاية الواقعية ، فالواقعية كما صنّفها النّقاد "هي انتقاء حدث غير عادي ، وشخصية غير عادية ، أو كارثة ومصيبة ، والقصة تعتمد الإدهاش والمبالغة ، والسخرية دون معايير ضابطة تميّزها عن التهريج ،"(د. ناديا خوست: مسار الواقعية في القصة السورية) ، وفي بعض قصصه يسترجع الذاكرة لأحداث مرّت قبل سنوات طويلة ، كما في قصة "زواج وموت أعور جودة" ، وأعور جودة اسمه محمد أحمد يوسف جودة ، فأحسب أنه شخصية حقيقية تتحرك في مكان (قرية المالحة) ، خاصة أن القاص كتب ملاحظة في ذيل القصة: "رواها محمد أبوعلي" ، إذاً هي استذكارات يسردها الراوي ، يتداخل فيها سرد شفوي وكلام يومي ، فأصبح العالم فيها احتفالاً متعدد الأصوات والألسنة ، وهذا ما يسم معظم القصص التي جاءت في الجزء الثالث من المجموعة "العودة إلى عمان" ، وانظر قصة "حكاية طويلة جداً اسمها أوميدا" وقصة "ينزع المسامير ويترجل ضاحكاً".

أقول إن بعض القصص في المجموعة هي أقرب للمقالة من القصة القصيرة ، بما تحمله من أفكار ، وما تحمله من قضايا قابلة للمناقشة ، كما في قصة: "أبو روزا بوذياً" ، كما أقول إن كثيراً من قصص رسمي أبو علي تتشابه مع قصص رشاد أبو شاور في بنائها ، وفي لغة الخطاب ، الذي تنتهجه ، فالقاص الذي يتحول لسارد الحكاية ، يلتقي مع القارئ في صنع حكايته ، خاصة إن "أبو شاور" و "أبو علي" يلتقيان في مدرسة (الحكّائين) الشفهية بلغة الأنا.

حاول رسمي أبو علي أن يجسّد حركة الشعب الفلسطيني ، وتاريخه الوجداني والروحي ، بقصص ترسم ملامح الماضي والحاضر والمستقبل. فقدّم خطاباً "هو في جوهره متعلّق بالشخصيات ، لأن ينقل أفعالها وأقوالها وأفكارها ، تأتي والأقوال والأفكار هكذا مسوقة على لسان الشخصيات نفسها دون وساطة من أحد" (عبد الرحيم الكردي: الراوي والنص القصصي). كما حاول تقديم مفارقة كي تعيد "التوازن الذي يُبقي الحياة متوازنة أو سائرة بخط مستقيم ، تُعيد إلى الحياة توازنها عندما تُحمل على محمل الجد المفرط ، أو لا تُحمل على ما يكفي من الجد ، كما تظهر بعض المؤلفات المأساوية ، فتُوازًن القَلًق ، لكنها كذلك تُقلق ما هو شديد التوازن"( د.سي ميويك: موسوعة المصطلح النقدي). ومن ينظر في قصص أبو علي يلحظ تلك اللغة في عفويتها دون تكلّف ، أو تزويق ، وهي "بعيدة عن صرامة القصة القصيرة التي تختار التفصيل المنتقى المعبّر ، وتسدّد صفحاتها القليلة في انطباع واضح"(د. ناديا خوست: مسار الواقعية في القصة السورية). وتنساب روح مرحة خلال السرد ، تلطف المشاهد والحكايات التي يسوقها أبو علي ، وتجدر الإشارة إلى أنّ هناك هيمنة للسرد الذاتي في القصص جميعها ، سواء بتوظيف ضمير المتكلم أو ضمير الغائب على طريقة المونولوج المروي ، وأحياناً عن طريق البناء المشهدي.

الدستور- 29 اغسطس 2008

أعلى