لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



































 

لحظات متجددة مع محمد الفايز

صلاح دبشة
(الكويت)

محمد الفايزيا صاحبي، لبحارنا أن يعرض مذكراته للعالم، أن يكشف عن كينونته المحتشدة بالتاريخ والمشاعر، وأن يقدم الحياة وفـقا لخبرته ومعـاناته واكتشافاته. له أن يبدأ بطرح الأسئلة، كنت أود أن أقول له: استمر، ولا تفكر بإنهائها. على الأقل ليمنحنا حياة نحن في أمس الحاجة إليها، فالإنسان بلا أسئلة كائن بلا حياة.
لقد سأل يا صاحبي عن ركوب سفن ورفع أشرعتها في ليل ضرير، وعن أحداث درامية مع أسماك البحر، وعن صراع مرير خاضه في البحر، صراع أبدي لا نهاية له. وتطرق في مضمون أسئلته إلى أسماء سفن وأسماك، لنوثقها في ذاكرتنا، وهو توثيق لسيرته أيضا، وهي سيرة ذاتية رفعها إلى مرتبة التاريخ بمكر، للدفع نحو الإيمان بأحداثها، ومن ثم تعميم مشاعرها وإخراجها من حيز الاستئناس العابر.

البحر ميدان الصراع، والبحار في لجّته يتطلع إلى الحياة ولا يفلسفها، ويرى الموت ولا يحدق فيه، وهو هنا سيمنحك مشاهدات، أي سيتحدث إليك من واقع الملاحظة، وبالتالي لن يطرح عليك أسئلة تبحث عن تأملاتك الشاردة، ولا عن ثقافتك ووعيك، سيطرح عليك أسئلة محددة، وسوف يحصرك بين نعم أو لا:

(أركبت مثلي... )
(أرفعت أشرعة... )
(هل ذقت... )
(أسمعت صوت... ) ...إلخ.

إنها أسئلة تتعلق به أكثر من تعلقها بك، ولذا فهو لا يطلب تاريخك بل يؤسس لتاريخه فيك، وهو أيضا لا يتحقق من ذكائك بل يمتحن خبرتك، فإن قلت: نعم. (وهذا نادر) جعلك تمشي خلفه ليضيف إليك أشياء جديدة، وإن قلت: لا. أخذك معه ليبوح بمعاناته لك في سياقات ممزوجة بالمعرفة والعواطف، إنه يسعى إلى تحريضك للإصغاء له.
قد تسأل يا صاحبي: هل البحر ملاذه الأخير؟ وأقول لك: لم لا ؟ ألا تراه يقول:

(والبحار أحنى علي من الأرض التي محلت)
(البحر أحنى من ضفافك)
(والشراع أذرى إلي من الصنوبر)
(يا بحار الملح فيك ألذ من عنب الدوالي في المدينة)

فالبحر ملاذه الأخير، والأول أيضا. وهو لا يريد الهروب من الأرض بل يرنو إلى التجرد من ويلاتها، على الرغم من أن البحر فيه عذابات شتى، لكنها تنشأ من عوامل طبيعية لا تخضع لسيطرة البشر أو تحكمهم، ومن كائنات تتصرف وفق فطرتها وغرائزها في إطار الدفاع عن نفسها وتأمين حياتها، ففي البحر لا وجود لمؤامرت وتواطؤات، والمواجهات فيه مكشوفة، لا تدليس فيها ولا تحاك بليل، وبمعنى آخر ليس هناك خبث تحركه الشهوات ويديره العقل. أما الأرض فحدث ولا حرج يا صاحبي، فهي:

(تبقى ككف بخيل تأبى العطاء)
(فلا عطر يضوع فيها ولا نبتت كروم)
(أرض الحرائق والسموم)
(كهف الهموم) ...إلخ.

وهذا أقل ما يقال عنها، فبحارنا يا صاحبي يرى حضوره الإنساني والمعيشي في البحر بأهواله، فالأرض أصبحت مأوى للقرود وابن آوى. إنه يتجه للبحر، ولا شيء سواه، وسيعيد للدنيا حديث السندباد ذلك البحار القديم، بمغامراته وأحلامه، سينقله من حيز الخرافة إلى دائرة التاريخ، هذا وعد منه، تحمله إلينا تطلعاته.

اوان
20-1-2010

أعلى