في واحدة من أجمل مدن شرق آسيا، مدينة بوسان الكورية الجنوبية التي يتعانق فيها البحر والجبل، ويمتزج الاهتمام بالطبيعة وصيانتها بالتقدم التكنولوجي والحداثة العصرية الباهرة، عقدت منظمة اليونسكو مؤتمرها العالمي الأول حول الإنسانيات، في نهاية الأسبوع الماضي، ساعية إلى التشديد على دور العلوم الإنسانية والفنون في تحسين ظروف البشرية والتغلب على المعضلات التي تواجهها، والصراعات التي تشتعل في كل ركن من أركان الكرة الأرضية، والأزمات الاجتماعية والاقتصادية، والكوارث الطبيعية التي تنشأ دون أن يكون للإنسان يد فيها، أو أنها من صنع الإنسان الذي يغلبه جشعه فيهدد الكرة الأرضية التي يعيش عليها بالزوال.
ثلاثة أيام من النقاش المتصل حول دور العلوم الإنـسانية، بين علماء وفلاسفة وباحثين في الأنثروبولوجيا وكتاب وأدباء من مختلف أنحاء العالم، كانت نـتـيجـتها بـيـاناً أطـلـقه المـشـاركـون حول ضرورة الاهـتـمام بالإنـسـانيات لإصلاح حال العالم المعاصر الذي ضعفت فيه الإنسانيات في وجه مد التكنولوجيا الزاحف. كان بين الحاضرين حائز نوبل للآداب عام 2008 الروائي والكاتب الفرنـسي جان ماري غوستاف لوكليزيو، والفيلسوف الأميركي الألماني الأصل فريد دالماير، تلميذ جورج هانز غادامر والمتأثر بصورة واضحة بفكر الفيلسوف الوجودي الشهير مارتن هيدجر.
وكان هناك فلاسفة وأساتذة علوم سياسية ونقاد أدب من أميركا وبريطانيا وفرنسا وأستراليا والهند والبرازيل والمكسيك وفنزويلا وهولندا ومالي، وبلدان أخرى من الشرق والغرب، وأنا الوحيد من العالم العربي لأتحدث عن «ما بعد 11 أيلول» وعواقبه الوخيمة على الشرق والغرب، وضرورة استلهام النموذج الأندلـسي للـتعايش بين الثقافات والحضارات لا صراعها وتصادمها كما قال الأكاديمي الراحل صمويل هنتنغتون الذي شبهه لوكليزيو بهتلر.
اللافت في هذا المؤتمر، الذي اختتمته مدير عام اليونسكو إيرينا بوكوفا بكلمة عن ضرورة الإنسانيات في عالم معاصر تنهشه الصراعات، هو الحضور الكثيف للطلاب الكوريين، من الجامعة والمدارس الثانوية، ومشاركتهم في توجيه الأسئلة وطرح بعض القضايا التي تشغلهم حول حالة العالم في الوقت الراهن، ما يشير إلى متانة المؤسسة التعليمية في كوريا الجنوبية، واهتمام هذه المؤسسة بإطلاع الطلاب على أفضل ما تنتجه العقول البشرية، ما جعل أكثر من جامعة كورية جنوبية تحتل مكانها بين أهم مئة جامعة في العالم.
النزعة الكونية
النقاش الثري، الذي دار حول عنوان كبير هو «الكونية في عالم متعدد الثقافات»، ركز على ضرورة جعل الإنسانيات دافعاً لتقدم الإنسانية والتوصل إلى أخلاقيات كونية تمنع البشر من تدمير البيئة التي تحتضنهم والكوكب الذي يجعل وجود النوع الإنساني، وكذلك الأنواع الحيوانية والنباتية، أمراً ممكناً. وهذا ما جعل أوتشانغ كيم، الأستاذ في جامعة إيهوا الكورية للنساء يشدد، في كلمته الافتتاحية التي دارت حول «الأخلاق العالمية والعالم المعولم»، على أهمية القيم الإنسانية وضرورة أن تستند العولمة المعاصرة إلى الطموحات والقيم الأخلاقية التي تنطوي عليها بعض تيارات العولمة الإنسانية، وأن يسعى البشر كذلك إلى التخلص من الفروقات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية التي تفصل بين البشر والحضارات الإنسانية، داعياً إلى نظرة شمولية تجمع البشر جميعاً تحت مظلتها، فما نطمح إليه بالفعل هو الحد من العوامل التي تهدد القيم الإنسانية وإنسانية الإنسان في عالمنا المعاصر، والتأكيد على الحفاظ على الحياة من خلال إقامة نوع من الحكومة العالمية التي تنظمها قواعد قانونية وسياسية ذات طبيعة إنسانية كونية.
في المقابل سعى فريد دالماير إلى إضفاء المزيد من القيم الإنسانية على البشرية من خلال المشاركة الفاعلة للإنسانيات في منع تغول الحداثة على الحياة الإنسانية، وانسحاب العاملين في حقل العلوم الإنسانية إلى خلفية المشهد. فقد أصبح العلم خادماً للحداثة التي تركز على كون المعرفة ذات طبيعة استعمالية لغايات التقدم التكنولوجي والتمدين المستمر الذي يهدد الطبيعة وإنسانية الإنسان. يصح هذا الكلام على المجتمعات الغربية، كما يصح في المجتمعات غير الغربية. وقد تحولت الكليات المختصة بالعلوم الإنسانية والفنون في الجامعات الأميركية، على سبيل المثال، إلى مجرد تجارة تسعى إلى الربح. ولهذا السبب فإن التخصصات الإنسانية التي لا تمكن أصحابها من إيجاد وظائف في سوق العمل يضعف حضورها في الجامعات، وقد تسقط من المقررات الدراسية. ولحل هذه المعضلة يشدد فريد دالماير على منظور مارثا نيسباوم التي تستوحي في كتاب لها عن تعليم العلوم الإنسانية في أميركا نظرة الشاعر الهندي رابندرانات طاغور في إيلاء الفنون أهمية خاصة في إشاعة قيم كونية عليا من المواطنة العالمية وكذلك قيم التحضر البشرية.
التعدد الثقافي
جان ماري غوستاف لوكليزيو دافع في كلمته عن قيم التعددية الثقافية التي استوحاها من انتمائه إلى الثقافة الفرنسية، التي تشدد على نموذج ثقافي إنساني كوني، وتحدره في الوقت نفسه من مجتمع جزيرة موريشيوس. انطلاقاً من هذا الانتماء المزدوج، والتربية الثقافية المهجنة، والتي تجمع الثقافة الشعبية المحلية لأهل تلك الجزيرة الصغيرة الواقعة في البحر الهندي، إلى ثقافة أوروبية، تشدد على قيم التنوير، وذات امتداد عالمي مثل الثقافة الفرنسية، يدعو الكاتب الفرنسي إلى ثقافة متعددة الأصول والانتسابات. فلغة موريشيوس التي يستعملها جميع سكانها هي لغة الكريول التي صكها العبيد، الذين كانوا يجلبون إلى الجزيرة من معظم أنحاء إفريقيا، من لغة أسيادهم، وهي أحدث لغة في العالم على الأرجح. ومن هنا شكلت الجزيرة، بسبب ماضيها الكولونيالي، حيث كانت قبل استقلالها مستعمرة إسبانية ففرنسية فبريطانية، موضعاً لتلاقح الثقافات وامتزاجها. ومن هنا يدعو لوكليزيو إلى ضرورة استلهام الثقافات التي تحبذ تطور النفس البشرية والمناقب الأخلاقية والعلاقات الاجتماعية بدلاً من تلك الثقافات التي تركز جل اهتمامها على التطور التكنولوجي الذي يسعى إليه العالم المعاصر. فمن خلال التعليم والثقافة نأمل بأن نغير مصير عالمنا المريض الذي يعاني من الحروب والصراعات، وازدياد الشقة التي تفصل بين البشر، وتزيد من استغلالهم بعضهم بعضاً، وتؤدي إلى عوالم متراتبة كما نشهد في زماننا الحاضر.
انطلاقاً من جملة التصورات السابقة، كانت الدعوة إلى أخلاق عالمية، وتصور إنساني كوني في عالم متعدد الثقافات، لا تهيمن عليه مركزية ثقافية واحدة، هي الرسالة التي تبناها المؤتمر الذي أسهمت في تمويله وزارات التربية والتعليم العالي والثقافة والعلوم واللجنة الوطنية الكورية الجنوبية لليونسكو وإقليم بوسان وبلدية المدينة، لكي يجتمع ما يزيد عن مئة عالم وفيلسوف وكاتب من القارات الست ويثيروا جدلاً حاراً حول مستقبل البشرية في عالم معولم ولكنه منقسم أكثر من أي وقت سابق.
السبت, 24 ديسيمبر 2011