الزمان منفتح نحو الموت
جابرييل مارسيل
للموت في الشعر والفكر والأساطير، مقاربات عديدة، مختلفة، متجاذبة، يأخذ مساحة شاسعة عبر التاريخ الإنساني، منذ موت انكيدو وبكاء جلجامش عليه، ثم البحث عن زهرة الخلود الضائعة، وصولاً إلى الشعر العربي القديم، الرومانسيين الألمان، نوفاليس، إميلي ديكنسون، إليوت، جورج تراكل، ريلكه في مراثي دوينو، السياب، حاوي في أسطورة الموت والانبعاث، بول سيلان الذي اعتبر الموت:
زهرة تزهر مرة واحدة. أو الموت أستاذ من ألمانيا، عينه زرقاء.
* * *
في التجربة الشعرية في عُمان، يبدو لي أن موضوعة الموت هذه، تتجلى شعرياً أكثر ما تتجلى في أعمال الشاعر العماني سماء عيسى. لا بل أكثر من هذا، إذ إنني أزعم أن تجربة سماء عيسى، في هذا المستوى قد تكون واحدة من التجارب الأبرز والأكثر كثافة، على الصعيد العربي. كما تشكل مقاربة هذه الموضوعة، حيزاً أكثر اتساعاً وتنوعاً ونقطة جذب ظهرت ربما في تجارب أخرى بكيفية مختلفة.
يرسم سماء عيسى ـ خصوصاً في أعماله الأولى مشاهد قيامية، مسكونة بفجيعة، وخراب أرضي يكاد يكون شاملاً، ابتداءً من مجموعته الأولى، 'ماء لجسد الخرافة' بل ربما أبعد من ذلك، عبر نصوصٍ قليلة كنت قد اطلعت عليها قديماً، ونشر بعضها في مجلة 'الكلمة' اليمنية، وهي نصوص يعود تاريخ كتابتها إلى أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات. لكنني أرى أن موضوعة الموت هذه، في القسم الأخير من أعماله، تتجه صوب صوت الفرد والذات، موت أقرب إلى البوح والعزلة وصمت الكائن، ثم ذلك الإحساس بالاغتراب والفقدان. يذهب الشاعر أحياناً مخفوراً بوعي شقي وحاد إلى الإبانة الصريحة عن هذا، في مجموعته 'منفى، سلالات الليل'.
كنهر الروح
يحمل الموت إلى قصائدي
أرواح تركت منازلها
إلى غيوم الماء
ظللت صمت قبورها
سماء الموت.
على الأرجح أن شعر سماء عيسى، شعر مراثٍ، مراث عن العالم والكائن، عن الطبيعة بمختلف تجلياتها وعناصرها، أو هي بالأحرى مرثيات لجوهر الكينونة، لكن لا يذهبن المرءُ إلى الاعتقاد بحضور صور شعرية سوداوية، وغارقة في الوحشة، فحسب، فهذا حاصل، غير أن التصعيد الشعري لديه، متنوع وله نغمات ودرجات مختلفة، فيذهب الكلام أحياناً إلى استحضار صور شعرية يخترقها ألم شفيف وتأمل بالغ الصفاء، أشبه بتأمل تساقط أوراق الخريف. نغمة حنين تذهب إلى الأشياء وهي تختفي وتندثر فيذهب الشاعر لتوديعها، للوقوف أمام رمادها بصمت وتذكار في غاية الشفافية. رؤى عن الجمال الزائل تقترب أحياناً من عالم الصمت.
مثلما تبعث المياه الحنين،
كنواح العذراء
كنا نسمع نداء الحطّابات
وأجراس الموتى.
أو هذا المقطع من عمله الشعري 'مناحة على أرواح عابدات الفرفارة':
تتيقظ أحزانك السوداء
يا أمي
ومن الليل يبقى صدى صلواتك العذبة
ويرحل طائر الله بك بعيداً، بعيداً
في الموت.
ومن هذه المجموعة بالذات، هناك مقطع شعري نافذ بقوة حضور الموت وكثافته إلى حد التصالح معه.
أنام وتحت وسادتي
ينام الموت.
وهذا المقطع يذكرني دائماً بـ'الختم السابع' فيلم بيرغمان الرائع، حينما يذهب الموت لا إلى النوم مع الشخصية الأساس فحسب بل وحتى الدخول في رهان معها عبر لعبة شطرنج أمام شاطئ البحر. (بالمناسبة يحضر الموت في أفلام بيرغمان، بونويل وتاركوفسكي بشعرية بصرية وبكيفيات مختلفة، ممتزجاً بإحساس الذنب والخطيئة). يأتي سماء عيسى كأغلب جيله من ذاكرة متشظية، مسكونة بانكسارات عميقة على الصعيد السياسي والفكري، العربي بشكل عام. لكن سماء الشاعر الحالم دوماً، يمتلك تلك الرؤيا الصافية، لتحميه من فجاجة الواقع المباشر، وليدخل لاكتشاف الموت في عمق الأشياء، ذلك الذي يدعوه هايدجر بالوجود الأصيل. لذلك لا ترتكز التجربة الشعرية عنده على التمسك بخلاصٍ ما، خارج إطار الفعل الإبداعي الشعري، إذ ما تبقى يؤسسه الشعراء، كما قال هولدرلين.
***
في عام 1991 وفي زاويته وقت للكتابة، كتب الشاعر قاسم حداد عن تجربة سماء عيسى الشعرية. أقول كتب وعن حق بأن 'الجملة الصغيرة المكتنزة، المترفة بصريخ الروح، تعتمد صناعة المشهد، إنها صور تنهض من بلاغة المشهد الشعري. فالشاعر لا يعبأ بالتفاصيل إلا نادراً، لغته ليست جزئية، إنها في كلية المشهد'.
* * *
قلت سابقاً إن مقاربة موضوع الموت عند سماء عيسى تتخذ أشكالاً مختلفة، واحدة من هذه المقاربات التي في ظني تكاد تكون المنشأ الأصلي في تجربته، هو الايروس بمعناه الفلسفي العميق. ففي جزء كبير من تجربته الشعرية، هناك ذلك التجاذب الغامض والآسر بين الحب والموت، بحيث يأخذ الموت شكلاً آخر للحياة، وإشراقة قريبة من فعل التعبد. أيتها المرأة لم لا تأخذين القمر لفرجك الشهي
بعض من قطرات دمك ستحيي عروقي الموتى. ويظهر هذا أحياناً عبر تذاوت حتى مع شخصيات تاريخية، خصوصاً في مجموعة 'دم العاشق'.
أنا الساكن
بين الحب والموت
كموجة يتيمة دحرجها
الملاك
إلى المنفى
أو مقطع كهذا
وبحثت عن خيط
يصل بين
لحظة الحب
ولحظة الموت
وفي قصيدة 'عزّان بن تميم الخروصي' يكتب:
أغلق الهجير
أبوابنا
وبكتنا
حقول
وينابيع
تركتنا في العطش
ضمتنا إليها
شجرة جرداء،
وروتنا
امرأة،
بمياه الذكرى.
إن المقطع السابق المرتبط بالهجير والعطش والمقطع اللاحق المرتبط بالمرأة ومياه الذكرى هما بالضبط يشكلان فضاء تأويلياً فيه من الثراء والعمق في تلك المنطقة الايروسية التي اعنيها، تلك العتبة الممتزجة بالحب والموت.
* * *
في مجموعته الشعرية 'درب التبانة' يقارب سماء عالمه الأثير، بلغة خافتة، شفافة لتقترب الكتابة أحياناً إلى نوع من المناجاة الروحية الخالصة، وهو يتناول عالماً بعيداً ومنسياً فيه كثافة الصمت والغياب:
متى أقذف إلى الصحراء
ولا أعود منها
ولا تسمع صراخي السماء
ولا تدل عليّ نار
لكن حينما تتغير نبرة الذات يصبح للأشياء القديمة والمنسية حضور مميز
مسحاتك القديمة
معلقة على الأشجار
من الآبار يطلع صوتك
مظلماً وحزيناً
دون أن يصل إلى الأرض
هنا نجد عالماً من الحنين والطفولة المفقودة، طفولة الموت، عبر استعادة تكاد تكون مستحيلة، لأن هذا العالم أليم ومرير بسبب انشطار الكائن، إذ ينطفئ في العتمة الجمال. هذا الجمال الذاوي أصلاً والذي كان ذات مرة هدية من الرب. في هذه المجموعة يلجأ الشاعر إلى استخدام طرائق سردية للتوصيف الشعري فتصبح مساحة الذاكرة حاضرة على نحو أكبر كدليل يقوده إلى مناطق قصية، معتمة، فتلعب الذاكرة دور انتقاء الأمكنة واختزال الأحداث. في قصيدته الأخيرة 'موت غض' يذهب سماء عيسى إلى الاقتصاد في اللغة، إنها كتابة أشبه بالمقطعات أو قصيدة الومضة. هكذا يمكن أن نجد في تجربة سماء عيسى الشعرية، إحالات عديدة وغنية، إلى الموت بمعناه الوجودي. بعض هذه الإحالات تسترفد من الذنب الخطيئة، الحب، الغياب، الزمن، الخ... وفي ظني أن هذه الثيمات تحتاج إلى قراءة موسعة وتفصيلية. إنه لمن الشيق تتبع بعض الثيمات الأساسية عند الشعراء العمانيين، عبر قراءات تتناول ملمحاً معيناً في هذه التجارب، فهناك ثيمة الترحال كمرتكز للتجربة الشعرية، التفاصيل وعلاقتها بالفقدان أو حس الاغتراب الحاد والطفولة الجارحة وعلاقة ذلك باللغة، أو حالات السأم والحيرة والحنين المفقود، لأنني أعتقد أن القصيدة تقول ما تريد هي أن تقوله، لكن مساحتها السرية الغامضة أوسع مما نظن.
الجريدة
25 اغسطس 2010