لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



































 

حوار صامت بين الشاعرة المنعزلة والكولونيل

("سخونة بيضاء" يضيء نواحي مجهولة من حياة الأميركية إميلي ديكنسون)

آمال نوّار
(لبنان / أميركا)

"سخونة بيضاء"، كتاب صدر حديثاً لكاتبة السيرة والناقدة الأميركية القديرة برندا واينآبل، يتناول للمرة الأولى علاقة الصداقة الحميمة التي نشأت عبر المراسلة بين إميلي ديكنسون، الشاعرة الأميركية الشهيرة والمعروفة بتوحّدها وحبّها للعزلة، وتوماس ونتورث هيغينسون، الكولونيل، والناشط السياسي والشخصية الأدبية البارزة وأحد كبار مؤيدي إلغاء نظام العبودية في زمانه. إنه كتاب عن الشعر والسياسة والحبّ، وليس تماماً كتاب سيرة أو تاريخ أو تحليل أدبي، إنما هو خلاصة لكل ذلك، جمعت فيه الكاتبة بين دقّة الباحث وخيال الروائي، فاستحضرت مشاهد درامية مدهشة من دون أن تتجاوز واجب المؤرخ تجاه الحقيقة. ووثقّت عملها بكمٍ هائل من المعلومات من دون ان تثقل كاهل السرد، فأنجبت في النهاية ما يُمتع المتخصص والقارىء العادي على السواء. وللكتاب أربعة محاور: حياة هيغينسون، أشعار ديكنسون، الرسائل التي تبادلاها، والأحوال التاريخية والسياسية والفنية لتلك المرحلة الدقيقة من تاريخ أميركا التي عاشا فيها. وقد نجحت الكاتبة في خلط أوراق تلك المحاور بأسلوب سردي شيّق، مؤكدةً بأنها كاتبة حسّاسة، متنوعة القدرات، طليقة، ومُحمكة السيطرة على موضوعها بمهارة. وتجدر الإشارة إلى أن لبرندا واينآبل ثلاثة أعمال سيرة سابقة: "سيرة حياة جانِت فلانر" 1992، "أخت أخ: غرترود ولِيو ستاين" 1996، و"هوثورن: حياة" 2004.

في عملها الرابع هذا، تقف الكاتبة إذاً على تفاصيل تلك الصداقة الغنية التي أدّت في النهاية إلى نشر أعمال ديكنسون الشعرية، فتخبرنا بأنها بدأت عام 1862 والحرب الأهلية على أشدّها، حيث تلقّى هيغينسون، القسّ سابقاً، والبالغ من العمر آنذاك الثامنة والثلاثين (وكان يكبر الشاعرة سبع سنوات) رداً خطياً على أحد مقالاته في "الأتلانتيك مانثلي" المجلة الثقافية الأهم في ذلك الوقت. الرسالة كانت من ديكنسون تجاوباً مع ما حملته مقالته من نُصْح وإرشادات للراغبين في نشر كتاباتهم في المجلة، وقد ضمّت أربع قصائد لها إضافةً إلى السؤال: "هل أنتَ كثير الإنشغال كيما تقول ما إذا كانت أشعاري حيّة؟" قرأ هيغينسون القصائد، فوجدها فريدة، غير قابلة للتصنيف، وأدرك أنه أمام عبقرية شعرية أصيلة وجديدة كلياً. وكان أن دشّن سؤال الشاعرة واحدة من أغرب علاقات الصداقة بالمراسلة في تاريخ أدب الرسائل في أميركا نظراً للإختلاف الكلّي بين طبيعة الشخصيتين. فنحن أمام شخص صاعد نجمه في مجالات كثيرة وخصوصاً السياسية منها، إذ كان داعماً قوياً لجون براون، يقوم بتهريب السلاح إلى كنساس، وعلى وشك أن يقود فوج الإتحاد الأول من الجنود الأميركيين الأفارقة خلال الحرب الأهلية، وأمام شاعرة مجهولة، معتزلة، متنسكة، غامضة، ولم يحصل قط أن تخطّت قدماها عتبة منزل أبيها.

على مدى حوالي الربع قرن وحتى مماتها عام 1886، داومت ديكنسون على إرسال قصائدها الباهرة إلى هيغينسون حتى قارب عددها المئة. وكان أبرز ما ميّز أشعارها، أشكالها العروضية المغايرة، طرق تقطيعها المفاجئة، وصورها الموجزة المبتكرة وغير المفرطة العاطفة. وبدت أنها أشعار مقتلعة من الجذور، وقادرة على إثارة التحولات العميقة في قارئها. وتطلعنا واينآبل على أنه لعقود من الزمن ظلّ هيغينسون موضع سخرية المهتمين بدراسة ديكنسون والمحبين لأشعارها. والشائع أن الأخير كان تولّى، بعد وفاة الشاعرة، تحرير قصائدها وإعدادها للنشر للمرة الأولى. ولكي يستسيغها قرّاء ذلك الزمن، فهو لم يتوان عن التدخّل في بعضها، حاذفاً ومعدّلاً كل ما يقع خارج إيقاع الذائقة الفيكتورية.

صفات ملتبسة

وكان البعض أحال حقيقة أنّ ديكنسون هي في الأصل مَنْ طلب نُصْح هيغينسون وإرشاداته (تلك الإرشادرات المحافظة والرجعية والغليظة في نظرهم) إلى بساطتها وقلّة درايتها، هي المعتزلة في عالمها الخاص، ودونها معرفة حقائق العالم الأدبي على أرض الواقع. هراء، ذلك الكلام كلّه هراء في رأي واينآبل. صحيح أن هيغينسون لم يكن بالمحرر الأكثر جرأة الذي تستحقه أشعار ديكنسون، ولكنه في المقابل لم يكن بالكاتب المنغلق أو المحدود الأفق. صحيح أنه لم يستطع الإحاطة بكامل شخصية ديكنسون الملغزة – مَنْ استطاع حتى الآن؟! – مع ذلك، فهو كان في نظر الشاعرة، الصديق الذي أنقذ حياتها كما ورد في إحدى رسائلها. وواينآبل هنا تعيد الإعتبار إلى إحساس الشاعرة الذي قادها إليه، وإلى من اختارته صديقاً لها وقارئاً لأشعارها، فيما تبيّن لنا مُستدلّةً ببعض الرسائل كيف أن هيغينسون كان بالفعل سنداً لديكنسون إذ منحها مسرحاً مهماً لصوتها. كما أنه كان أيضاً نافذتها على عالم السياسة الأوسع وواقع ذلك القرن المتوتر وأحداثه الصاخبة. وفي هذا الخصوص تستشهد الكاتبة ببعض قصائد الشاعرة التي بدى واضحاً أنها استلهمت موضوعها من بعض أجواء حياة هيغينسون. فأبيات مثل: "يا إله الأغلال/ كما الأحرار/ لا تأخذ حريتي / بعيداً عني"، أو قصيدة مثل "حياتي انتصبت سلاحاً مُلقّماً" تبدو أنها من وحي الحماسة التي عايشتها الشاعرة حين كان صديقها يكاتبها من أرض المعركة.

على أن المستغرب، كيف لشاعرة جريئة خرجت على نواميس الكتابة التقليدية أن تختار مراسلة أو استشارة شاعر متكلّف من نمط هيغينسون يعاني، باعترافه الشخصي، من حسّ باللياقة مُميت، ومن ميل مفرط إلى مراعاة الذائقة العامة ("كِياستي مُزمنة" يقول بأسف). وسيزداد استغرابنا حين نعلم بأنها لطالما تجاهلت معظم ملاحظاته واقتراحاته ولم تأخذ بها! الجواب الذي تجرّنا الكاتبة إليه هو أن ديكنسون لم تكن تتطلّع إلى معلّم بل إلى مُريد، تابعٍ؛ شخص تستطيع أن تسحره، تحيّره، تعييه، وتورّطه في الإصغاء إليها والإفتتان بأشعارها.

الرسائل الناجية

وعلى رغم افتقار هذا العمل إلى رسائل هيغينسون إلى ديكنسون والتي اختفى معظمها على إثر موتها (يُقال أن أختها أحرقتها)، إلا أن واينآبل سعت إلى الإفادة القصوى من الجزء اليسير المتبقي منها وأحسنت توظيفه. وأمعنت كذلك في استنطاق رسائل الشاعرة إلى هيغينسون، مثلما أجادت قراءة قصائدها وما اختبأ بين سطورها. وبرعت أيضاً في تحليل شخصيتها فرأتها امرأة أقامت في البياض خارج الزمن، وعاشت متوحدة، منعزلة، مبتورة عن الواقع والمكان والمرجعية. ولا عجب إذاً أننا لا ننفك نختلق الحكايات حولها. فهي شاعرة غامضة ومجهولة الحكايات، حتى حين نتأمل في أشعارها، نجدها خالية من القصص على غرار حياتها. فقصائدها غنائية، وجيّاشة المشاعر، ولكن ليس فيها قصة "مَنْ" فعل "ماذا". هي قصائد مثيرة للقلق لكونها مكتوبة عن تجارب يعجز المقيمون في الزمن عن فهمها وتسميتها. لم يلتقِ الصديقان سوى مرتين، أولهما كان بعد مضي ثمانية أعوام على تبادلهما الرسائل. وكان هيغينسون أسرّ لزوجته المريضة على إثر ذلك اللقاء، بأنه "لم يلتقِ بأحدٍ في حياته استطاع أن يستنزف قواه العصبية إلى هذا الحدّ." وفي إحدى الرسائل كتب هيغينسون إلى الشاعرة عن توقه إلى أخذها بيدها، وإلى الشعور بأهميته بالنسبة إليها. وفي الرسالة نفسها، وصف "الضباب السحري" الذي تغلّف به ديكنسون نفسها غير متيحة له سوى ومضات نادرة من الضوء. وتعجّب، كيف لشخص مثلها يعيش في عزلة أن يمتلك ما تمتلكه من أفكار مذهلة.

في 1879، بعد عامين على وفاة زوجته، وكانت عاقراً، تزوج هيغينسون مجدداً وأنجب. في الفترة نفسها، كانت نشأت علاقة حميمة بين الشاعرة وصديق والدها القاضي أوتيس لورد، وبعض الرسائل رشّحت بأنها فكّرت بالزواج من الأرمل العجوز. بعد رحيل ديكنسون، شاء القدر أن ينضمّ هيغينسون إلى الجيش ليلتقي هناك بمايبل تود، ربّة بيت أوستن ديكنسون (أخ الشاعرة) لزمن طويل. فأخبرته عن أشعار الأخت وعبقريتها المخبّأة لدى أخيها. وجرى لاحقاً التعاون المشؤوم بين هيغينسون وتود على تحرير قصائد الشاعرة، غير أن واينآبل تضع اللوم على تود وحدها، وتحمّلها مسؤولية معظم تلك "التحسينات" الرديئة التي أُدخلت على أشعارها، في حين تثني على رغبة هيغينسون التي لطالما كانت عرضةً للنقض والنقد، في إعلاء شأن أشعار ديكنسون.

رؤية جديدة

لا تدّعي واينآبل بإمكان مقارنة كتابها هذا بالمؤَلَف الشهير والمرجعي لريتشارد سيوول الذي تناول فيه سيرة حياة الشاعرة في جزئيين، إلا أنها تأخذ على الكاتب تجاهله التام لدور هيغينسون في حياة الشاعرة واصفة ذلك بالإنحياز المتعامي عن الحقائق، والذي لا تراه سوى صورة نمطية عن طريقة التفكير التي كانت سائدة بين أفراد جيل سيوول. من ناحية ثانية لا ترى الكاتبة إلى عملها في وصفه أكثر من بورتريه لبعض اللحظات الحميمة في حياة الشاعرة. فهناك أسرار كثيرة لاتزال تحتاج إلى إماطة اللثام عنها، مثل، ما طبيعة المرض الذي أصاب عينَي الشاعرة وهي في أواسط الثلاثين من العمر؟ أو ما هو الداء المزمن الذي بُليت به قبل مماتها؟ أو ما هو السبب الذي دفعها بعد مرحلة من شبابها إلى ارتداء اللون الأبيض فقط؟ أو ما سرّ اللُحمة الشديدة بين أفراد عائلتها، والعزلة الغريبة التي عاشوا فيها جميعاً؟ (إميلي وأختها فيني لم تتزوجا وأمضيتا حياتهما في منزل أبيهما. أوستن، أخوهما المحامي، عاش مع زوجته حياة باردة كحياة القبور في منزل محاذٍ لمنزل والديه).

يقول الشاعر والناقد فرانز رايت "إن "سخونة بيضاء" هو واحد من أكثر الكتب التي قرأتها عن الشعر إدهاشاً. إنه يدفعنا إلى رؤية إميلي ديكنسون، ربما للمرة الأولى، في وصفها كائناً بشرياً حقيقياً ينتمي إلى زمان ومكان محددين، بدلاً من كونها الصورة اللازمنية الشبحية والأثيرية لعبقرية شعرية من الدرجة الأولى." وفي هذا السياق، تصحّح لنا واينآبل أيضاً التصورات المغلوطة عن شخصية هيغينسون، فتُظهر لنا رجلاً أكثر شجاعة ونبلاً وقوة من ذلك الشخص التقليدي البليد الذي لطالما غالى محبو ديكنسون والمتعصبون لأشعارها في مقته. وتبيّن لنا كذلك كيف أنه بحكمته ومكره سعى إلى حماية شاعرة حسّاسة، مختلفة، وفريدة من الحماقات الشديدة للعالم الأدبي آنذاك. "سخونة بيضاء" كتاب ذكي الفكرة، نبيل المرام، عميق، نابض بالحياة، وهو في تقديمه لرؤيته الجديدة إنما يزيد الشاعرة ألقاً على ألق.

الحياة
24/11/2008

أعلى