من قرأ في الأيام القليلة الماضية، مقالة الشاعر الفرنسي جاك روبو: “عناد الشِّعر”، في النشرة العربية من “لوموند ديبلوماتك”، العدد(35) يناير/كانون الثاني 2010؛ فإنه لابد سيشعر بالإحباط مباشرة، وهو يتابع توصيفه عن الوضع الذي آل إليه الشِّعر والشعراء في زمن اللاشعر، زمن العولمة . فالشِّعر بمنطق السوق والمنفعية السلعية، بحسب روبو، لم يعد له أهمية لأنه لا يمكن بيعه واعتباره سلعة تدر الأرباح . فالفنون مثلاً كلها يمكن تسليعها وبيعها، وبإمكانها أن تدر الأرباح أيضاً، كالسينما والتشكيل والموسيقا والرواية والمسرح والرقص، والأوبرا . . الخ؛ إلا الشِّعر فهو مطرود على الطريقة الأفلاطونية مرتين من المدن الكونية للعولمة، مدن مفارم الأسواق الكبرى .
إذن، وبما أن الشِّعر لا يباع وليس له مردود مادي بلغة المبيعات؛ فإن الإصرار على الانتماء إلى فئة الشعراء لم يعد مجدياً وليس له معنى؛ بل “أن تكون شاعراً لا يعني شيئاً في الحقيقة”، بحسب روبو . كما أن اتخاذ صفة الشاعر في أيامنا هذه، قد أصبح يثير “السخرية” بل حتّى “المعابة”، وأن مواصلة كتابة الشِّعر هي نوع من العناد لفن يمضي إلى حتفه أساساً . وعليه، كما يضيف جاك روبو، فإن الشِّعر “لم يعد أبداً هو ما يصنعه الشعراء . فهم لم يعودوا أهلاً له، إذْ إن الشّعر قد أضحى في مكان آخر: في الأغنية، وفي غروب الشّمس، وفي الرواية . .الخ . ذلك أن الشّعر بالنسبة إلى العالم، لم يعد ممكناً إلا في حال تم إيجاده في المكان الذي لا يوجد فيه” . لذا، وفي المحصلة الأخيرة من هذا التداعي الكفكاوي لوضع الشّعر، كما يسرده علينا روبو، باتت أيام الشِّعر معدودة في الوجود . أي أن الشِّعر، هالك لا محالة وسيختفي من الوجود . هذه تقريباً، أهم النقاط المثيرة التي وردت في مقال جاك روبو . فإلى أي حدٍّ تُرى، يمكننا أن نتفق أو نختلف مع هذا الطرح؟
إن أول ما خطر على بالي، بعد انتهائي من قراءة هذه المقالة التي أختلف معها في معظم نقاطها، هو شعوري بالخوف على مستقبل أولئك الشعراء الشّباب الذين ما زالوا يتلمسون دربهم الأول في عالم الشّعر . فماذا لو اطلع هؤلاء الشّباب والشّابات، على هذا الكلام اليائس والمحبط عن وضع الشِّعر والشعراء في زمن العولمة؟ وماذا لو اقتنعوا بأن الشِّعر قد غدا بلا مستقبل، وبأن أيامه قد أصبحت معدودة في الوجود، وبأن الشاعر ليس له أي أهمية تذكر بعد اليوم؟ فماذا سيكون موقفهم من ذلك؟ ومن يضمن لنا، بأنهم سيواصلون كتابة الشِّعر وبأنهم لن يهجروه إلى الأبد؟
إن كلام جاك روبو إذاً، وعلى هذا المستوى السوداوي، بحاجة إلى عين فاحصة، ناقدة، حذرة، مقارِنة، بدل مجرد التسليم بما يقول من دون مراجعة أو مناقشة . فروبو أولاً، لا يتحدث عن وضع الشِّعر في العالم، بل يركز على الوضع الشِّعري الراهن في فرنسا تحديداً . لأن أوضاع الشِّعر في العالم، تختلف من بلد إلى بلد ومن قارة إلى أخرى؛ كما أن هذه السوداوية لا تشمل جميع أقطار العالم بما فيها أوروبا ذاتها أو الغرب كله، وهذا ما سأوضحه بعد قليل . وصحيح مثلاً، أن من أشدّ الأخطار التي تواجه الشِّعر واللّغات بشكل خاص، هو هذا النهج الاقتصادي المعولم الذي ليس له وجه ولا روح، والذي لا يعترف بشيء خارج منطق الاستهلاك والمنفعة الربحية، والذي يجرف كل شيء أمامه من دون تمييز ومن دون أن يراعي قيمة ما يجرفه أو يحطمه . لأن المهم بالنسبة لمنطق السوق، ليس القيمة وما تمثله من معنى، وإنما السعر وما يمثله من ربحية مفترضة . غير أن هذا الاكتساح الاقتصادي أيضاً، سيكون من السذاجة فعلاً إن اعتقدنا بأنه يعادي الشِّعر وحده، كما يريد روبو إيهامنا بهذا، وإنما هو يشمل الإنسان والأمكنة والهويات والقيم والأخلاقيات والثقافات جميعها . فعندما نحصر قضية السوق في علاقته بالشِّعر وحده، ومن دون أن نفطن أو نتبين الأبعاد الكارثية التي يسببها الاكتساح الاقتصادي للمجالات الأخرى، بالرغم من فوائده الجمة أيضاً، فهذا يعني بأننا نتعامى عن رؤية عناد الإنسان المهدد في وجوده أصلاً، والذي هو ينتج ويتداول ويستهلك الشِّعر والفنون الأخرى . أي أن عناد الشِّعر(وإن كنتُ شخصياً لا أحبذ استخدام هذه الكلمة في الحديث عن الشِّعر)، ليس مفصولاً أبداً عن عناد الإنسان: الشاعر، الكاتب، الفيلسوف، الفنان، . .الخ؛ في دفاعه عن حقه في الوجود، وفي رفضه لقوى المحو والموت والتماثل والاستلاب التي تهدد حياتنا جميعاً .
أما على صعيد شخصي، فلقد قمتُ بكتابة العديد من المقالات عن وحشية السوق وأخطبوطيته، ولست مستعداً هنا لأن أكرر ما قلته سابقاً . ولكن بكلمات قليلة أقول: إن صراع الشِّعر والأدب والفنون عموماً مع الطغيان الاقتصادي في تسليع الأشياء وتحويل الإنسان ذاته إلى سلعة، ليس هو وليد اللحظة الراهنة كما يُظن ويُعتقد، وإنما هو يعود أساساً إلى القرن التاسع عشر، حين بدأ بعض الشعراء الكبار الممهدين للحداثة يستشعرون ذلك البؤس المتزايد للبشر في المدن الكبيرة، وكيف بالتالي يتم تهميشهم ونفيهم وعدم الاعتراف بهم، وذلك لصالح الطبقة البرجوازية التي حولت المدينة إلى سوق كبيرة يتم استغلالها لمصالحهم . من هذا الرحم الصدامي الأول إذاً، بين الشعراء الرمزيين والطبقة البرجوازية في القرن التاسع عشر، ورفضهم لجميع التقاليد الشّعرية السابقة للرومانسيين الذين انصب اهتمامهم على كسب الجماهير والمحافظة على موروثات الشّعر(بايرون، هيغو، ولامارتين)؛ ولدت تلك الانشقاقات الشّعريّة الكبرى في تلك المرحلة الاستثنائية . فعلى يد شعراء كبار مثل لوتريامون، ورامبو، ومالارميه، وبودلير، في فرنسا، ووالت ويتمان، وأدغار ألن بو في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، ولد مسار الشِّعر الحديث كله . لهذا، فإن جميع هؤلاء الشعراء المبشرين بالحداثة، لم يسعوا أبداً لنيل رضا الجمهور، بل سعوا متعمدين إلى الكتابة بطريقة “تتنافى وذوق الجمهور”، وآمنوا بأن الشِّعر قد صار فعل تمرد فردياً (معتزل)، بل صار تدميراً سريّاً للغة الكلاسيكية ولتاريخ البطولات الرسمية الذي صنعته البرجوازية، وذلك عبر اجتراح رؤيا شعريّة جديدة تنحاز لصالح اللغة اليومية والنبوئية، كما تنحاز لتاريخ الإنسان العادي المهمش والمتسكع والبوهيمي أبطال الحداثة الجدد، كما ركز عليهم بودلير بالخصوص في أعماله الشّعريّة .
الخليج
30/01/2010