لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

قاسم حداد بصوته قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع























































 

الشعر المغربي المعاصر أو هذا الثقب في اللغة

احساين بنزبير
(المغرب)

»On ne fait pas la poésie sans casser d"oeufs«

١

احساين بنزبير كأن شيئا ما يحدث في الكتابات المعاصرة. ومن بينها الشعر من طبيعة الحال. وحين أقول المعاصر أعني أوأريد أن أعني هذا القلق الدائم والمستمر اتجاه اللسان والكتابة. أما الأدب فمسألة أخرى.
الشعر كما أراه، على الأقل بالنسبة لي، ليس تعبيراً عن إحساس أوترجمة للواقع، إلخ... هذا كلام يدغدغ الرأس ويصيب بالشقيقة. بل الشعر الذي أعـنيه هوالذي يبحث عن الشعر ويحاول في النثر أن يحدث ثقباً. ولست أتحدث عن قصيدة النثر. بل عما نسميه الشعر أي الذي لا يقاس. وكل ما يقاس، ينقرض على حد تعبير فـالير نوفارينا. ورفوف المكتبات العربية أوالغربية مليئة بهذا الصنف من الكتابات. أما الشعر المعاصر غير ذلك. إنه منجم اللسان. إنه هجرة في المساحة. إنه ثقب في اللغة التي تعلمناها في المدارس والجامعات.... الشاعر المعاصر لا يكتب كالآخرين. علاقته باللغة واللسان حرب وحيز في حالة طوارئ. الشاعر المعاصر لا يعرف ما الشعر. بل يـبحث عنه في فعل الكتابة ويهيئ رأسه بكل ما في رأسه من ورم.

٢

من باب التوضيح أقول إن ما يحدث في الشعر المعاصر والكتابات المعاصرة أيضاً يكتب بالممحاة. كالرسامين الذين يرسمون بالممحاة. النفري مثلاً كتب بالممحاة. فجر ماضيه في حينية كتابته أوقوله لما سيكتب. النفري منسي في لاوعي الثقافة العربية عموماً. النفري كتب بنفس تتخلله سرعة فائقة. إيقاعه هووليس إيقاع الخليل. الممحاة تساعد الشاعر على التوغل في طرق وطنية لسانية. وما ينقص في المغرب هوالحفر في المعاصر والإنصات إليه والدخول إلى مغامرته. وليس قراءته بعين قديمة. حيث التخلص من العالم القديم يشرع في التخلص من العالم القديم فينا أولاً. وهنا تطرح مسألة المعاصرة جدياً. ما الذي يعني أن أكون شاعراً معاصراً؟ ما المعاصرة في الكتابة؟ ما الذي يحدث حين أعيش داخل العالم بشكل معاصر؟ إلخ... أسئلة تصبح ضرورية حين نحاول الدخول في الشعر المعاصر. والمعاصرة la contemporanéité لا تعني بتاتاً نفي ما كان قبل. ربما حين تكون القطائع استيعابا لأسئلة الماضي، المعاصرة تبدأ كسؤال وثقب... مجرد اقتراح.

وأنا أكتب ما يلي، في الرأس أصداء لما أقرأ من كلام حول الشعر من صنف:

ـ الشعر تعبير عن الواقع.
ـ الشعر بحث عن لغة جميلة.
ـ الشعر بحث عن الجمال. وهلم جرا.
الشعر المعاصر عكس هذا تماماً. إنه العنف الذي يمارسه الشاعر على اللسان. والنفري خير مثال. وطاركوس أيضا. الشعر حرب ضد الواقعي وليس ضد الواقع. الشعر تمتمة فعلية. الشعر يوجد حيث لا أحد ينتظره. والشعر الذي أعني ليس مرضاً مخجلاً، إنه مقـاومة وليس تواصلاً. عبره لا نتواصل، نقاوم ضد لغة المدارس والكتب التي تدغدغ المخ بشرح العالم ومده بمعان تموت من فرط الوضوح وأشياء لا تعمل إلا على غرس الإبرة في الدمل. سأعود إلى هذه النقطة لاحقاً.

٣

الشعر المعاصر يبدأ حين المعاني تتوقف بشكل عام وعام جداً. والأمثلة هنا كثيرة. في المغرب على الخصوص أذكر (وهذه المرة أسمي) شعراء أمثال محمد بنطلحة، جلال الحكماوي، عبد الإله الصالحي، أحمد بركات، مبارك وعبد القادر وساط، حسن نجمي، محمد حجي محمد، عبد الحميد بنداوود، وذاكرتي ليست قصيرة، إلخ... هذا الصنف من الشعر يتحرك داخل أكال الحداثة. إنهم شعراء لا يؤسسون مدرسة أونقابة شعرية. بالأحرى قلق اللسان في الكتابة والبحث عن لسان آخر وتجديدهم يقلق الذوق المهيمن ويعمل على نقل الرهانات الأسلوبية على حد تعبير christian prigent. وقد أقول إن الشعر (وهذا يخصني شخصياً) recyclage de la langue. إنه يحرث اللغة ليعيد تكوينها. وفي نصوص مغربية معاصرة عديدة أكال إيجابي وفعلي لم يفطن لهما أحد؛ أوتتم المقاربة بشكل أعرج. وهذا ليس حكماً، إنه استنتاج لما يجري.

لكل دراجته. هناك السوليكس. وهناك الهارلي دافيدسون.
الشعر الذي أتحدّث عنه يركب السوليكس. يركب الذي لا يمكن أن نحتويه. يركب صعوبة لمس العالم عوض لمسه. إنه هجرة دائمة في بلاغة ترفض كل ماكياج وزخرفة للغة. مكانه في بلاغة تخرج من الثقب أي أنها اسم الصعوبة التي تواجه ما يحدث. وفيما ينتج في المغرب من نصوص ودواوين دنونحوالغنائي le lyrique. والغنائية في الشعر المعاصر رهان على الذي لا يتحفظ بلسانه. لا يحترم بل يصير عاقاً في حيز اللسان. والنفري أيضاً. والسطر الشعري أيضا. والبيت أيضا. البيت المكتوب في النص. وكأن مستقبل الشعر يضحى في البيت الشعري le vers . مجرد استنباط لا أقل ولا أكثر. غير أن التساؤل والحفر في الغنائية غائب تقريباً في متن النقد الذي يتناول الشعر. قراءات في معظمها انطباعية. عفواً. أوأكاديمية. أما ترجمة الشعر فصاع آخر. تساؤلات تأتيني وأنا أكتب ما يلي. من انتبه إلى الحكي في الشعر المـغربي المعاصر؟ من انتبه إلى النثرla prose في نفس القصيدة؟ لذلك لست أتحدث عن قصيدة النثر. الأمر لا يهمني. أما النثر، نعم. لأن النثرية في الشعر معقدة ومقلقة في الآن نفسه: prosaisme أوprosaicité . وهذه نقطة يجب الحفر فيها في مورثنا الشعري العربي أيضاً. خصوصاً لما كافور يشم رائحة القافية. عوض أن تصير النصوص معابد.

٤

هناك نصوص لطيفة وأخرى تسعى أن تجد مكانها في مهنة الجهل بالشعر. حيث هذا الأخير مهنة جهل وفضاء يصير فيه الحقد على الأشكال المتواجدة محركاً أساسياً. لاحظوا معي أن كل ما قيل أعلاه لا يتطرق إلى اللسان الجاهز للأخذ بل إلى ذلك الذي ينتج أشكالا جديدة. والأشكال الجديدة ليست فارغة. بل تحارب المعنى. وبهذا الشكل، يسعى الشاعر إلى تدبيـر مؤامرة لغوية. حيث التمتمةbégaiement le تضحى حيز الكتابة بامتياز. أستسمح إن قلت بأن الذي لا يتمتم لا يعول عليه. وفي الشــعر المغــربي المعاصر يحـدث أن نستشــف عبر القـراءة ما تطرقت إليه.

٥

قلق ما:
÷ القلق الأول:
لماذا كل هذا الصمت حول الشعر بشكل عام؟
÷ القلق الثاني:
ما البلاغة في الشعر المعاصر؟
÷ القلق الثالث:
النثر ليس ضد الشعر، إنه المنجم كما وظفه ف. بونج.
÷ القلق الرابع:
ما أفق الواقعي والبحث عن النثر في الكتابة المعاصرة؟
÷ القلق الخامس:
كيف نفكك وجود الحكي في الشعر وكيف نقاربه؟
÷ القلق السادس:
أين هي بوادر الشعر في النصوص المعاصرة؟

قلق يريد أن يكون مسرح بدايات وليس مسرح تأسيس وتشييد معابد. قلق يريد الخروج مما نعرف عن الشعر، لنفتح ما لا نعرفه. والعثور على معدن قطائع طيبة. في الشعر لمس العالم والإضراب عن الأدب. وليس أي أدب بل ذلك الذي يكتسح الرفوف. ويستقر على حاله. أما مستحمات حسن نجمي فمنعطف يعيد النظر في الشعر والغنائية كسؤال في علبة الأدوات اللسانية. أي أن أشياء في هذه المجموعة تزحزح اللسان عن مكانه. وليس هناك فقط قصيدة النثر فيه. التجاوز بالأحرى. أما سدوم محمد بنطلحة حفر في السطر والبحث عن لسان ثالث يجرجر فخاخ المعنى. أما اذهبوا قليلا إلى السينما لجلال الحكماوي فكتابة بالممحاة وطريق وطنية تقاطع رجال درك الشعر... وأيضاً نصوص الشاعر عبد الحميد بنداوود. لا أحد ينتبه إلى ما يكتب من شعر حين يطل علينا. ما زلنا لا نقرأ النصوص، نلتفت خصوصاً نحو ما يسمى بديوان شعري. أما الباقي لا قيمة له في الذوق العام لأنه ليس كتاباً. بنداوود عبد الحميد شاعر نادر ومقل، لأنه هكذا ككتابة نادرة لا تتاجر إلا بتجربة الجسد في نصوصه النادرة. وبالصدفة عثرت على نكده النص في ديوان ذئب يعوي لمحمد حجي محمد. مقاربته كتابة تكتب القراءة بشكل آخر للشعر المغربي المعاصر. والنكد أيضا. إنها جملة عبد الحميد بنداوود. ربما لا تتكرر. إنه نادر لكن ما يكتبه ليس حلاً للشعر. ما يكتبه ليس شذرة. إنه الجملة السؤال.
إننا أمام غبرة لسانية. شعر معاصر في المغرب يرسم مؤامرة جميلة ولا يؤسـس. لأن مسألة التأسيس تفـبرك بسرعة أصناماً تحرس على اللسان.

٦

ليس عيـباً أن يكتب الشعراء المعاصرون بطريقة لا تشبه ما يكتب الروائيون والقصاصون والمسرحيون. ليس عيباً أن يكون الشعراء مختلفين فيما يقترحون. ليس عيـبـاً أيضا ألا ننتبه إلى ما يقترحون ويكتبون. الشعر ليس عيبـاً وفي الوقت نفسه ليس حلا على حد عبارة جان ماري كليز. عبارة تتطلب الحيطة والإنصات إلى صوت الكتابة في الشعر المعاصر.

٧

أتقدم رويداً رويداً في هذا النص وأقرأ بالموازاة ما يكتب من تعاليق ونقد. ثم أسقط في شيء يشبه الغيبوبة. هناك خلط مزعج في القراءة والتحليل، حيث في قفة قصيدة النثر نضع ٩٠٪ مما يكتب في الشعر. وكأن قصيدة النثر صارت حلا لكل ميتالغة في الشعر. أما التساؤل عن النثر كفضاء للتفكير فلا. أما البحث عن خصوصيات الأشكال في الشعر المغربي المعاصر فلا. نضعه بالأحرى في خانة منذ سنين. قلق دائم. الخانة تقاس كي تموت فيما بعد. أما الطامة الكبرى، تحدث حين النص لا يدخل في صاع قصيدة النثر لنقحمه أوتوماتيكياً في قصيدة التفعيلة. أما التساؤل عن الشعر فلا. والبحث عن القصيدة بأي شكل من الأشكال يغلق باب الدخــول في منجم الشعر المعاصر أكان مغربياً أم هندياً.
مصيبة بالنسبة لي. أحك الرأس وأتمرغ في البحث عن لغة ثالثة. حيث بين قصيدة النثر والتفعيلة منها أشياء تحدث وأشكال تتوالد. غير أن الخطاب السائد المنسوج يتوسد وسادة تكرر لعلنا يوماً نفهم. والكتابة عن الشعر المعاصر حين تسكن زاوية الجاهز والتأسيس تسقط في فخ الكلام العارف الذي يعرف كل شيء.

٨

في ظل ما يتداول، كيف يمكن مقاربة النفري. كيف الدخول إلى صوت اللسان في نصوصه. وحين أستـحضر النفري، لا تهمني صوفيته بل إيقاع جملته نحو التصوف. أمر شائك بالكاد. إنه قريب إلى المعاصر في الشعر وضواحيه في الآن نفسه. جملة النفري لا يكررها أحد كجملة طاركوس. ومن يكون طاركوس هذا. إنه شاعر فقط. ارتكب جريمة كتابة شعر مغاير كما النفـري. حفر في سبيل زلزال لن يساعده بركات أحمد. زلزال حقيقي وليس ثورة على الإطلاق. إنه مؤامرة conjuration ضد وطنية اللسان. الأمر يتعلق بالشعر. وليس أي شعر. الشعر الذي يسبب ورماً في اللسان. مخ الشعر متورم.
وحين الورم في الكتابة يسري، الأكال يصير صحياً.
الشعراء المعاصرون من صنف ceux qui merdRent. والعبارة لكاتب مسرحي. ولكتاب نقدي لشاعر فرنسي معاصر. وحين أستحضر شعراء فرنسيين، لأنني اقرؤهم في الهجرة كما لا أقرأ الحلوي أو شوقي. أعتذر. والهجرة ليست أدباً بل تشكل حائطاً للخروج من قدسية الهجرة نفسها. بين قوسين فقط. أن نحذف حرف عـلة في اللغة العربية من قبيل الجنون، يكون بمـقام ابن رشد في جملته. القراءة تدعو.

٩

ما الأدب في الشعر؟
ما الترجمة من لغة إلى أخرى؟
هل الترجمة رسم ثقب في اللغة؟
أنا لا أترجم، إنني أكتب التـرجمة. جملة لشاعر ولد في طنجة المدينة. إنه هوكار من أهم الشعراء الذين اختاروا الطريق الوطنية للدخول في عقاقير اللسان. ولن أتحدث طويلاً في هذا السياق عن الترجمة. فقط، أشير إلى مسألة العنف التي تصيب الكاتب وهو يكتب الترجمة. نوع من l"intraduction يضحى حيزاً للخروج من الإسقاطات الروتينية التي تعتبر الترجمة خيانة أو تواصلاً بين الثقافات. الأمر أكثر إشكالاً مما نتصور.

١٠

خليط أفكار بالفعل. الشعر ليس حلاً مرة أخرى. إنه في المنبطح من اللسان يتقدم مزيحاً أشجار الغابة. عمل حطاب حيث القلق يجعل من صوت الشاعر يبحث عن إقامة في صوت الكتابة وليس في صوت الذات la voix du sujet . صوت الشعر المعاصر يقطن بالأحرى في حرمان اللسان من جنسيته الأصلية. لعلنا نخرج يوماً من الخطاب السائد حتى نضع الذات على قارعة الطريق. الشعر في كل مكان. وفي الوقت نفسه لا جهة له. مسألة الشعر المعاصر تشبه هذه الجـمـلة البسيطة والمعقدة للشاعر دومينيك مينسن حيث يقول:
C"est dit, Poésie contemporaine ()est une fille exigeante qui se prénomme Gisèl«
السيدة هذه هي الشعر. ربما نعم. ربما لا. على كل حال هذه الجملة تستدعي الحذر واليقظة. لأنها ليست جاهــزة. الشــعر يجب تأمله كما لو أننا السيدة المذكورة.... لعل السماء تمطر كسكساً.

السفير
1 اغسطس 2008

أعلى