تحظى الأجناس الأدبية، خلال تاريخها الطويل نسبيا وخلال سيرورة تطور أشكالها وجماليتها، بوجود نقد يتناولها بالدرس والتحليل، ويومئ إلى مواطن الجمال فيها والى مواطن النقص والخلل أيضا، كما يسلط الضوء على جوانبها المعتمة. ومع ظهور فنون أخرى في الواقع العربي مثل فني المسرح والسينما ظهر نقد المسرح ثم النقد السينمائي أو نقد الفيلم. لكن ما يبدو عصيا على الفهم ومثيرا للتساؤل في الآن ذاته هو الغياب الملحوظ لنقد الدراما التلفزيونية على الرغم من العدد الهائل من المسلسلات الدرامية الذي يجري إنتاجه سنويا في الوطن العربي من الخليج إلى المحيط. انطلاقا من الإيمان باستحقاق الدراما التلفزيونية بصفتها منجزا إبداعيا لالتفات النقد إليها، ولأن تحظى بعين الناقد البصيرة وباهتمامه، وبقصد سبر غور الظاهرة للوصول إلى أسبابها الحقيقية والجوهرية.. طرحت (اليوم) حزمة من الأسئلة على عدد من النقاد والمهتمين حول القطيعة والجفاء بين النقد والدراما بهدف استجلاء الأسباب المحتملة لذلك، وعلاقته بالمناخ الثقافي والفكري السائد عربيا، وبميول وثقافة وذائقة الناقد العربي، وبمجمل الظروف التي تؤطر إنتاج واستقبال الدراما وتؤثر سلبا أو إيجابا فيهما.
أجاب الكاتب والناقد السينمائي أمين صالح بقوله: «على الرغم من غزارة الانطباعات الصحفية حول الأعمال الدرامية التلفزيونية (في شهر رمضان وحده، وعلى نحو يومي، نقرأ ركاماً هائلاً من هذه الانطباعات في الجرائد العربية والخليجية)، هي في معظمها وليدة أمزجة شخصية، أو تصفية حسابات، أو منظورات غير موضوعية وغير حيادية، أو انسياق متسرّع وغير حكيم وراء المزاج العام في شهر يفرض هذا الاهتمام الاستثنائي بالدراما. ويأخذ صالح على تلك الانطباعات عدم احتكامها إلى علمية ومنهجية وموضوعية النقد، إذ تحتكم إلى الرأي الاعتباطي، والاستبدادي، والمزاجي، المفتقر تماماً إلى التحليل النقدي الصارم، والفهم الواعي والواضح لطبيعة وتقنيات الوسط الدرامي التلفزيوني، والذي هو هدف سهل لسهام ما يُسمّى «النقد الصحفي».
ويضيف: «لدينا عدد كبير من المعلقين الصحفيين على الأعمال الدرامية، في حين لا يتوافر لدينا ناقد حقيقي يُحسن التعامل مع الدراما التلفزيونية ونتاجاتها، ويمكن أخذ آرائه ومواقفه بجدية. غياب هذا الناقد قد يكون نتيجةً لأسباب عديدة لكن أهمها، في اعتقادي، تلك النظرة المتعالية تجاه فن لم يحظ بعد بالاهتمام والتقدير في وسط ثقافي عربي يحترم النقد الأدبي والمسرحي لكن يزدري فن السينما والدراما التلفزيونية باعتبارها أشكالاً ترفيهية بحتة. وإذا كانت السينما قد استطاعت بمشقة وإلى حد ما أن تنتزع احترام الوسط الثقافي العربي لها، فالدراما التلفزيونية أمامها مراحل طويلة من النضال الشاق حتى تتمكن من إحراز شيء من التقدير الذي تستحقه». ويرى صالح في الانطباعات الصحفية، وتصريحات العاملين في مجال الدراما من مخرجين ومنتجين وممثلين، والتي تنهال علينا يومياً في ابتذال وغرور مطلق، تشويهًا وتحريفًا لهذا المجال الدرامي الهام والجدير بالدراسة والتأمل والنقد، لكنه يبدي تفاؤله في ظهور أقلام نقدية لا تتجاهل ولا تستخف بالأشكال الدرامية المتعددة، بل توليها عناية واهتماماً لائقين.
ويلفت الدكتور نبيل الفيلكاوي، رئيس نقابة الفنانين والإعلاميين الكويتيين، إلى حاجة الدراما الماسّة لنقّاد يكشفون للمجتمع مدى تدني مستوى الدراما التلفزيونية والتي تسيء للمجتمع في وقتنا، كما تنمي الصراعات المذهبية والقبلية في بعض الأعمال التي أُنتجت في الآونة الأخيرة، مرجعًا عدم وجود نقّاد مختصّين في هذا الفن إلى أربعة أسباب أولها: عدم وجود كليات أكاديمية في المنطقة أو معاهد فنية تُدّرس هذا التخصص، وثانيها: كبر حجم العمل الدرامي التلفزيوني مما يتطلب المتابعة لهذا العمل لفترة تتجاوز الشهر ممّا يشكّل عبئًا على الناقد، وثالثها: غزارة الإنتاج وتنافس القنوات الفضائية على الكسب الإعلاني يجعل من أمر اختيار الناقد للعمل الذي سيخصّه بالنقد محيَّرًا، ورابعها: عدم وجود كتّاب دراما حيث الممثل يكتب والمنتج يكتب والكمبارس يكتب فاختلط الحابل بالنابل.
ويرى الناقد المسرحي أثير السادة أنّ النقد بمفهومه العام الذي يصدر هنا أو هناك كتعليق بشأن أي مسلسل، مساحته في الدراما أوسع حتى من المسرح والسينما وربما من سائر الأشكال الإبداعية أيضًا، موضحا ذلك بقوله: «على مستوى النشر الصحفي، ثمة صحفيون يتشاغلون بتتبع هذه المسلسلات التي جرت العادة أن ترتبط وفرتها بشهر رمضان، يقلِّبونها على ظهرها وبطنها في رؤى لا تتجاوز حدود الوصف لمتن الحكايا الدرامية والبعد الأدائي لنجوم العمل، أما إذا أردنا النقد كممارسة واعية وإبداعية تنطوي على أسئلة حقيقية ومقاربة فاحصة لشروط وجماليات الفعل الإبداعي فإن المسرح والسينما لم ينالا الحظ من لهاث النقاد فضلا عن الدراما التلفزيونية حيث لم تؤسس هذه الممارسات الفنية لخطاب نقدي مواز يجادلها ويشاكسها، ولعل كل تجليات صناعة الصورة الحديثة هي خارج دائرة التداول النقدي الجاد رغم اختراقها لنسيجنا الثقافي، ورغم كثافة أسئلتها وإشكالاتها التي تطال معنى وماهية الثقافة في أحيان، كما توجد هوة بين المنشغلين بالنقد محليا وبين معطيات هذه الثقافة البصرية التي تفترق كثيرا عن قضايا السرد وأسئلته».
ويؤكد السادة أن في استعارة الدراما التلفزيونية في الآونة الأخيرة جماليات السينما ومغريات السينوغرافيا بمثل ما سعت إلى تمثل روح المؤرخ والقارئ للحظات التحول التاريخية كما يجري في المنتج الدرامي السوري، رقيًّا في الشكل والمضمون يستوجب فعلاً نقدياً يكشف جماليات التجربة ويحرض على مساءلتها، ومثله الوقوف الطويل عند حافة الموضوعات الاجتماعية والتراثية في الدراما الخليجية والتي تفتقر إلى النمو الشامل في سياق علاقتها بجماليات هذه الصناعة.
ويتفق الكاتب القاص والروائي محمود تراوري مع السادة حول كون الخطاب الفني/ البصري عموما في فضائنا المحلي بكل اتجاهاته (دراما، نحت، تشكيل، تصوير، موسيقى وغناء) لم يحظ بأي اهتمام في الدراسات الأكاديمية رغم أننا أصبحنا مؤخرًا نعيش عصر الصورة، نتنفسها ونستقبل عدداً لا نهائياً منها يومياً، تتقاطع مع عوالمنا، وقيمنا، لكننا نظل مستسلمين لهذا السيل من هجمات الصورة، دون إدراك لآليات اشتغالها، فنعيش واقعاً بصرياً، فيما تظل رؤيتنا ونظرتنا لفظية/ كلاسيكية ونظل نحيا في هذه الأمية البصرية أمام الشاشة دون أن نحظى بمن يسعى لتحطيم هذا الحاجز الحضاري بيننا وبين ثقافة الصورة والمشهدية خاصة في الدراما. ويلفت تراوري إلى كون الأخيرة تعاني أصلاً من إشكالية التعريف، كمصطلح وفعل لم يستقر في الساحة المحلية، ولم يوجد كخطاب معرفي، مشيرا إلى الخلط المعرفي الذي تمارسه الصفحات الفنية المعنيّة بالدراما والفنون في مطبوعاتنا؛ فهناك من يضع الدراما والتراجيديا كمتقابلين، وهناك من يخلط بينهما وبين المونودراما.
ويضيف تراوري: «فالدراما لدينا قبل أن تكون ذات إشكالية معرفية تعيش مشكلة ثقافية أيدلوجية، والخطاب الدرامي عندنا ولد لكنه ظل رضيعا لم تساعده الظروف الثقافية والفكرية والاجتماعية للأخذ بيده نحو النمو. ففي بدايات هذا الفن، وهو بدأ متأخرا كثيرا عن بقية البلدان العربية مصر والشام على وجه الخصوص، كان عدد من المشتغلين في حقل الدراما غير واعين بالفروق بين الفنان والواعظ أو المرشد الاجتماعي، أو بين الخطاب الإبداعي الذي يبث من خلال الفن، وذلك الذي يتم من فوق الصحف والمنابر. وهذا الخلط لا يزال مستمرًّا في أذهان الكثير من العاملين في الحقل بل وبين المتلقين أنفسهم، الأمر الذي أفضى بدوره إلى توافر عيوب كثيرة في مسيرة هذه الدراما التي ربما جنحت في أحايين كثيرة ودونما وعي إلى تكريس الوهم، بينما من سمات العمل (التنويري) أنه يشق طريقه ومساره لكي يلغي الوهم. فالدراما ليست للتسلية والترفيه فقط، بل هي تنوير وخطاب تغيير وتجربة يومية تمارس لأجل خلق التوازن بين الإنسان وواقعه وبين الإنسان والطبيعة من جهة، والإنسان ونفسه من جهة أخرى، وإذا غابت كل هذه الرؤى والمنطلقات لا يبقى شيء يعمل على تحريك نموذج الفن في عقل المشاهد، فكلمة «دراما» اليونانية الأصل، مشتقة من m Dra بمعنى يفعل.
ويبين تراوري أنه عندما نأتي لمسألة أهم وهي الكتابة التلفزيونية التي تتطلب خبرة بخصوصية الوسيلة نرى أن دور النص في الدراما التلفزيونية يأتي في مرتبة ثانية لاعتماد الكتابة التلفزيونية على الجانب البصري، فضلا عن العناصر التقنية الأخرى التي لا تتغاضى مجتمعة عن احتياجات المجتمع الفكرية والجمالية أو تقصد منافع استهلاكية من خلف إنتاج الدراما كالمادة أولا، ووقوع الفعل نفسه في مخاطر تهدده من داخله، وهذا ما وقعت فيه الدراما المحلية التي احتشد فيها الوعظ والخطاب الدعائي واختفى منها الفعل. وهناك أسباب أخرى تتمثل في عدم توافر إستراتيجية عمل ملائمة للدارسين أو ممن يحملون خبرة، مما فاقم أزمة ثقافية عامة أعاقت تطور كل الفنون، ومرد هذه الأزمة هو عدم وجود أي التفات أو اهتمام بالفن باعتباره محورا رئيسا في عملية التنمية رغم ورود ذلك في خطط التنمية. ويتابع بقوله: «تفتقد الدراما هنا كفعل وممارسة وإنتاج ومن ثم نقد المحترفين من ممثلين وكتاب سيناريو ومخرجين وفنيين، ونقاد، ومؤسسات متكاملة، فتقود عملا احترافيا يقدم أنواع الإنتاج الدرامي، وإن غياب الرؤية لدى جل العالمين في هذا المجال أدى إلى تجاهل مصدر هام يحمل دلالات التنوّع وهو تعدد لهجات السعودية حيث ترى إصرارا عجيبا على تداخل اللهجات، مما يوقع في إشكال ونشاز فني خاصة في العقد الأخير، باختلاف عهد البدايات، إذ كانت اللهجة الحجازية حاضرة في البدايات، ثم تحولت للنجدية مع حضور طفيف للهجة الشرقية، وغياب تام للهجات الشمال والجنوب فصرنا نعرف عن حارات وأزقة مصر، أكثر مما نعرف عن مناطقنا، وليس على غرار ما فعلت وتفعل الدراما السورية والكويتية والقطرية حيث المواجهة والمكاشفة، وتقديم المجتمع كما هو بكل شروره وليس تقديم الجانب الطهراني الملائكي فيه رغم أن الدراما السعودية كانت تحاول تقديم الجانب الشرير للمجتمع ولكن بفجاجة تتغاضى عن تناول المشكلات من جذورها لذلك ظلت هذه الدراما بمعزل عن حقيقة هموم المجتمع وأزماته، خاصة فيما يتعلق بالأزمة الفكرية الثقافية».
ويعزو تراوري الترهل الفني السطحي في الدراما إلى نقص الكوادر وغياب الرؤية أي أنها تقدم ثقافة هي ثقافة المسلسلات التليفزيونية الميلودرامية التي يسمونها في أمريكا (أوبرا الصابون والكوميديا الهابطة) وهي ثقافة رثة تتوافق مع تشكيل مجتمع استهلاكي غير منتج، فالكثير من النصوص لا يتعمق في أس المشكلات التي يطرحها بل يتناولها بطريقة سطحية ومفتعلة؛ وغالبية أفكار هذه الدراما لا تخرج عما يطرحه كتاب الأعمدة الصحفية من مشكلات الطلاق والزواج والمخدرات. ويوضح تراوري أنه لا يستهين بهذه المشكلات لكنه يتحفظ على الطريقة التي تعالج بها حيث تطرح كنتيجة ولا تحاول مساءلة الأسباب وإلى مضمون تلك الأعمال الذي لا يؤدي إلى إنتاج معرفة، و «هناك من يرجع هذا الضعف إلى غياب كتاب متخصصين في الكتابة الإذاعية والتلفزيونية، فضلا عن غياب النقد الذي يستهدف تقويم الأعمال التي تعرض والكشف عن مواطن ضعفها».
جريدة اليوم
29 -9-2008