لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



































 

سيلفيا بلاث: رحيلنا بلا أسى... وبلا هبات

(بعد 45 عاما ًعلى انتحارها)

عارف حمزة
(لبنان)

سيلفيا بلاثبعد عامين من انتحار الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث، عام 1965، نُشرت مجموعتها الشعرية الثانية «أرييل». ومنذ ذلك الوقت، وبالتحديد منذ يوم إشهار انتحارها، بدأ النقاد الأميركيون، والأوربيون أيضا ً وإن على درجة أقل، يعودون إلى نصوصها الأولى في مجموعتها «التمثال»، ليس فقط لإضاءة ما مروا عليه من شعر وأبقوه غير مشهور، ولكن أيضا ً لفك الشيفرات داخل قصائدها للاهتداء إلى ضغينتها وحنقها وحقدها ومن ثم، إلى الطريق المؤلم والطويل لانتحارها.

صدرت عشرات الكتب منذ 11/ 2/ 1963 وهو يوم انتحار الملاك الحجري سيلفيا بلاث. اليوم الذي نزلت فيه من الطابق الأول، حيث تركت هناك قرارها النهائي متوسداً طفليها، فريدا ونيكولاس، إلى المطبخ. وهناك أطفأت حياتها بالغاز.

رغم كرهها للنازيين، وموقفها الواضح تجاه جرائمهم ضد الإنسانية، لم تجد، ربما كرسالة إلى نازي ما، سوى طريقتهم في جلب الموت. كانت رسالة ثقيلة وباهظة الثمن إلى الشاعر البريطاني إدوارد جيمس هيوز، تيد هيوز (1930 ـ 1998)، بأن النهاية كانت وفق مشيئة حقدها على النازيين.
ليست كل تلك الكتب على تلك الدرجة من الأهمية. فبعضها صدر من نقاد لم ينصفوها، أثناء عيشها وصدور أشعارها في مجموعتها الأولى، فبدت، كتبهم، مثل تكفير لما سبق من إهمال، فجاءت مبسطة ومتعجلة مثل كتاب الناقد إدوارد بوتشر «سيرة نقدية ـ سيلفيا بلاث: الأسلوب والجنون». وبعضها جاء معتمدا ً التحليل النفسي أكثر من الاعتماد على دراسة النص وفرادته وأهميته. مثل كتاب « سيلفيا بلاث: الشعر والوجود». للكاتب ديفيد هولبروك.

ما يثير الاهتمام أن كتبا ً أخرى جاءت كانتقام من الذكورية وقسوتها متمثلة بخيانات تيد هيوز، وعدم فهم العالم الأنثوي والإنساني. كما فعلت بعض ممثلات الحركة النسوية.
ليس هذا فحسب. بل حتى أن بعض الدراسات الأكاديمية جاءت متعجلة وباهتة، رغم أن إحدى تلك الدراسات حوت كل شعر سيلفيا بلاث إلا أنها لم تقدم أي مستوى نقدي من الممكن الركون إليه واعتباره مرجعاًً للدخول إلى تلك الغابة المتراصة من الآلام والصمت والشعر الخالص. مثلما كان الحال مع أطروحة «فصول في الميثيولوجيا: شعر سيلفيا بلاث» للكاتبة جوديث كرول.
بعد ذلك، وأثناءه، ظهرت كتب تعبق بزعفران التحقيقات الصحافية والبوليسية المنهكة والمضجرة، وكتب السيرة المليئة بالاتهامات والشهود غير المصدقين... كل ذلك كان يدفع «القاتل»، كما كان يحلولنساء غريبات ومناضلات وكتاب تحقيقات صحافية في إطلاقه كنعت ذهبي على الشاعر تيد هيوز، أكثر نحوالصمت والابتعاد وحرق رسائل ومخطوطات للشاعرة المنتحرة.
لكن أفضل تلك الكتب، وهي تتحدث عن آخر عام في حياة سيلفيا بلاث، كانت رواية «إشتاء» للكاتبة الأميركية كايت موزيس.

« قدمي اليمنى مثقلة للأوراق
وجهي كتان يهودي ناعم
بلا قسمات «. (ترجمة جمانة حداد).

هكذا ستكتب تلك الفتاة الشقراء التي ولدت، في بوسطن يوم 27/ 10/ 1932، لأب ٍ من المهاجرين الألمان سيتركها وهي في الثامنة من عمرها ويرحل. سيتركها وفق أوراق النعي والتركات والسجل المدني. سيخرج من باب الحياة ليعود إليها، سريعا ًوعميقاً ومقيماً، من باب النوم والكوابيس. سيعود إليها «تمثالاًً» من الكلمات، لتقوم بمحاكمته طويلاً وطويلا ًمن خلال حوارات ومطاردات وفراشات وأمنيات ميتة... بعثرها من أمام ابنته المتوحدة والصامتة.

سيكون هذا الرحيل المفاجئ لوالدها، مع عزف تلك الكوابيس الطويلة، أول محرض لكوارث التفكير في الانتحار وهي في العشرين من عمرها، أي تقريبا ً في عام 1952. الانتحار بسبب الخذلان من أب ٍتخلى عنها وكذب عليها، أيضاًً، بالبقاء، بعد التعلق، وتشغيله، من قِبلها في دور الشخص الوحيد في حياتها، الناهضة ضد تزمتها السابق، والمحاور الوحيد.
ليس لدينا ترجمة عربية لروايتها الوحيدة «الجرس الزجاجي»، وربما لم تطبع بعد طبعتها الأولى، 1963، التي نفدت في انهيار المستودعات وأشغال الإهمال وحيواناتها، كي نعرف مدى وجوده في النص من عدمه. ولكنني أخمـّن ذلك، وهذا عائد لحساسية بلاث وقلقها وضعفها تجاه فكرة أنها يتيمة وابنة للا أحد. خاصة أنها كبرت في شخصية دينية.
كما أنه لا توجد ترجمة لمجموعة شعرية كاملة لها. لا توجد ترجمة لمجموعة «التمثال» 1960 ولا لمجموعة «أرييل» 1965 وهذا ما ينطبق على المجموعتين الأخيرتين اللتين صدرتا بعد انتحارها في عام 1971 وهما «أشجار الشتاء» و«عبور المياه». حتى أنني عندما اتصلت بالشاعرة والمترجمة اللبنانية جمانة حداد سائلاً عن كتابٍ مترجم لها قالت لي بأنه لا يوجد وأرسلت مشكورة، عوضاً عنه، مجموعة شعرية لها باللغة الإنكليزية... تلك المجموعة التي سأنتظرها خمسة أعوام ولن تصل أبدا ً بقرار من دائرة البريد...

« أزحف كنملة ٍ في حِداد
وأنا أوازن بين السلالم الصغيرة وأواني الصمغ ودلاء المطهر
فوق المساحات المعشبة من حاجبك
لأصلح صفائح الجمجمة الهائلة وأزيل
الركامات البيضاء الجافة عن عينيك «. ت. سهيل نجم.

في هذه القصيدة «التمثال»، التي تحمل عنوان مجموعتها الشعرية الأولى تقوم بتفكيك تمثال ٍ لشخص ما. لا تدعه يلتئم أبدا ً كجرح مفتوح، وليس يلتحم كأجزاء مقطعة فقط. كأنها تخاف أن يلتئم في النهاية فتفقده إلى الأبد. لذلك تستخدم الصمغ والأوراق لتقوم بعملية عكسية وهي التباعد بين الأجزاء، لتبقي التمثال في تفككه ونزيفه وغرابته ولا معقوليته أيضاً.

« لن أدعك أبدا ً تلتئم تماما ً
بل ستبقى مجزأ ً، ولكن ملصوقا ً ومترابطا ً على ما يرام
يتسارع من شفاهك الكبيرة
نهيق بغل، ونخير خنزير، وثرثرة فاجر
الأمر أسوأ من حظيرة «. ت. سهيل نجم.

إذاً هي لا تريده، ذلك التمثال، أن يلتئم أبداً، وكلما حاول ذلك تعود بدلاء الصمغ والأوراق كي تمزقه وتبدأ من جديد لعبة عدم الفقدان. هل هي تتحدث عن الموت؟ أم عن مفقودها الأبوي؟ ولماذا تستخدم صورا ً تبدو كانتقامات وشتائم وبكائيات طويلة؟
طوال صفحات تلك المجموعة تكتب بلاث عن الموت والانتحار والجثث وفقاعات التفسخ وصدأ المعادن والجراء الخائفة والغنم المذعور والناظر إلى البحر وكتل الإسمنت والصمت والكوابيس.
ستذهب سيلفيا بلاث إلى لندن عام 1955 لحصولها على منحة دراسية من كامبردج. لتلتقي «ذئبها الشاعر» في عام 1956. كان تيد هيوز يحضـِّر مع عدد من أصدقائه حفل تدشين صحيفة أدبية سيصدرونها في لندن. الصحيفة لن يصدر منها سوى عدد واحد. ولكنها ستكون مناسبة لالتقائه بالشاعرة الأميركية المغمورة سيلفيا بلاث. بعد أشهر سيتزوجان وينتقلان للعيش في أميركا.

صحيح أن الفترة الأولى من زواجهما كانت صعبة جداًً مادياًً، إذ كانا يقومان ببيع النرجس في الشوارع ويصطادان من أجل أن يحصلا على طعام، إلا أنها كانت فترة عشق خارق للطبيعة. غزوات الحب والعنف والغرق في الأحاسيس وتذوق الكلمات والأعضاء والكتابة والقراءة وقيام سيلفيا بترتيب المجموعة الشعرية الأولى (الصقر في المطر 1957) لتيد هيوز بنفسها لإرسالها لدور النشر والمسابقات.

بعد ذلك، خاصة مع إنجاب فريدا (1960 وهوعام صدور مجموعتها الشعرية الأولى)، ونيكولاس (1962 وهوعام صور روايتها الوحيدة)، بعذابات المخاض الطويلة والمرهقة، كانت سيلفيا بلاث تتحطم وحيدة تحت ضربات غريبة. ضربات من ثقل اللوازم التافهة للحياة. ضربات قادمة من زلزال فقدان والدها. ضربات تعزفها أدوات الصمت الرهيبة. ضربات غامضة جعلتها تحطم أثاث المنزل ومحتوياته. أما في الليل فكانت الأشباح تطاردها طوال الوقت ذاهبة بها إلى العويل والصراخ والجنون ومن ثم الأرق.

في تلك الفترة ومع سفر هيوز إلى ديفون (1961) وإقامته علاقة غرامية مع «آسيا ويفيل» ستقول سيلفيا بلاث جملتها الجارحة والشهيرة لصديقتها إليزابيث سيغموند: «ما يؤلمني ليس فقط أنه خانني، بل أنه كذب علي». وعندما تنصحها تلك الصديقة بعقاقير النسيان لكي لا تصل إلى الجنون أوالانتحار، ترد سيلفيا بأنها لا تستطيع ثم تقول جملتها الأقسى: « لقد أعطيته قلبي، ولا أعرف كيف أسترده «.. وفي ذات الشقة في لندن ستنتحر سيلفيا بلاث في الرابعة والنصف فجرا ً.

في لندن، وخلال الأشهر القليلة، ستكتب الكثير من الأشعار. بإبر الألم والهجران. بضربات الشعر الكبيرة متفوقة على الحياة بالموت وبالشعر الرفيع. ستكتب هناك ما سينشر في ثلاث مجموعات شعرية بعد انتحارها. مستحضرة كل شيء، زوجها ووالدها، وتعلقها بهما وخيانتهما لها، وتلك الحيوانات المفترسة للقلب... وأمام كل تلك العناصر التي آلمتها وهجرتها ستكتب ألمها العميق والطويل والباهظ الثمن:

«امرأة مبتسمة أنا
لم أزل في الثلاثين
ولدي ّ مثل القطة تسع مرات لأموت».
«الموت فن
على غرار كل ما عداه
وإني أمارسه بإتقان».
«وهناك ثمن باهظ
ثمن باهظ جدا ً
لكل كلمة، لكل لمسة».
«من بين الرماد
سأنهض بشعري الأحمر
وألتهم الرجال كالهواء «. ت. جمانة حداد.

في قصيدتها الأخيرة «الحافة» ستكتب بيانا ً وداعيا ً بضمير الغائب، كما اعتادت في كتابة نصوصها، إلى القمر عن تلك المرأة التي تنسحب إلى داخل الوحدة النهائية:

« أدركت المرأة كمالها أخيراً
وليس لدى القمر أي مبرر للحزن
فهي معتادة هذه الأمور.
قسماتها السوداء تطقطق وتسحبها».

لم تكن لعنة تيد هيوز ما فعلت ذلك، بل لعنة سيلفيا بلاث. اللعنة التي أدت لفقد والدها وفقد زوجها وحبيبها النهائي. اللعنة التي أخذت بيدها نحوالكتابة والحساسية والقلق والأرق والعذاب والانتحار. اللعنة التي أدت إلى انتحار عشيقة زوجها «آسيا». اللعنة التي أدت إلى انتحار صديقتها المفضلة، لكن بعد أحد عشر عاماً وبالضبط في عام 1974، الشاعرة الغريبة مثلها «آن سكستون» صاحبة القصيدة الفذة والتي لا تنسى «ثمانية عشر يوما ً من دونك».

المستقبل
الاحد 7 حزيران 2009 -

أعلى