لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة
بحر، بحرين، ثلاثة
جهة الأسبوع



































 

مارسيل بانيول: اذا رفضت وقف عرض الفيلم سأوقفك شخصياً

تقديم وترجمة: كوليت مرشليان

مارسيل بانيولنصوص غير منشورة اوردتها "لوفيغارو" الفرنسية للكاتب الفرنسي الراحل مارسيل بانيول، وبالمناسبة صرح حفيده نيكولا بانيول بأنه امتلك هذه المخطوطات منذ زمن لكنه قرر اخيراً نشرها لسببين أولهما لأن المادة غنية بآراء بانيول حول السينما وهو بدوره وعلى طريقته قد أرخ مراحل السينما الفرنسية ولا بد من طرح هذه المذكرات الغنية بالمواقف النقدية والآراء البناءة حيال العديد من الأعمال السينمائية، والسبب الثاني الذي جعل الحفيد ينشر هذه الكتابات هو لإسكات كل من حاول ان يشوه صورة بانيول الذي حصد شهرة لا مثيل لها منذ تحول اعماله الكتابية الى سينمائية ومسرحية شعبية حصدت الملايين من المشاهدين في العالم، ومفاد هذه المقولات ان بانيول لم تكن له المواقف الوطنية المشرفة في بعض المراحل، وهو في هذه المذكرات يكتب مواقفه ويصف كل تحركاته زمن الاحتلال النازي في الحرب العالمية الثانية، كما يشرح الاسباب التي جعلته يصل الى رئاسة "لجنة الكتاب والمؤلفين المسرحيين" عام 1944 كما انه اخذ على عاتقه التدقيق في ملفات الكتاب الذين اتهمتهم الدولة بالتواطؤ مع المحتلين ابان الحرب، كما تشرح الكتابات المنشورة حديثاً كيف انه كان ينوي تأسيس مركز سينمائي ضخم على طريقة هوليوود في جنوب فرنسا غير ان الحرب والظروف لم تسعفه لانجازه، وننشر فضلاً من الكتاب الصادر حديثاً في باريس بعنوان "دفاتر السينما"، تنقله الى العربية:

1930: يعود بانيول مندهشاً بعد زيارته الى لندن: وكان قد شاهد هناك اول فيلم ناطق: "برودواي ميلودي" وكان قد صمم على اثر هذه الزيارة ان يؤسس شركة انتاج خاصة به في "هوليوده الريفية" وهذا ما حصل وكان اول انتاج له عام 1937 مع فيلم "عودة الصبا" وكتب:

.."قبل ان ابدأ بتنفيذ الفيلم "عودة الصبا" استشرت بعض التجار الذين يشترون الأفلام لأكون على بنية من امري وأعرف ماذا اصرف من الأموال لتنفيذه وتحديد تكاليفه، لأن انتاج فيلم قد يستهلك كل الميزانية وأجد انه قد ابدو غير صادق اذا ما دخلت في المشروع من دون الأخذ بعين الاعتبار رأي التقنيين والمعنيين بترويجه حيال كل فريق العمل، لن أسألهم آراءهم الفنية في الفيلم ولكن سأشرح لهم ماذا انوي ان انفذ وما هي القصة وسأعطيهم اسماء الممثلين المشاركين: سيمضون ويفكرون في التفاصيل ثم يعودون لإعطائي ارقاماً. ثم يعودون الى مكاتبهم ويواجهون واقع العمل وسيقولون في سرهم: "اذا جهز الفيلم في تشرين الثاني، يمكن ان نعتمد على (*) مليون على الأقل من الأرباح ما ان يبدأ عرضه". لذا، سأضع مخططي لأكون جاهزاً في تشرين الأول من دون ان اتخطى (ٍّ) مليون. ليس في الأمر بخل، بل لادخار المال اللازم للمضي في تنفيذ فيلم السنة التالية. ثم، سأجمع تقنيي المختبر وعمالاً متخصصين في هندسة الصوت لدراسة التفاصيل لأن هؤلاء التقنيين هم ايضاً في مصاف الفنانين، ولهم خصائلهم وعاداتهم وأفكارهم المسبقة ولهم ايضا سوء الظن الخاص بالفنانين..
في عام 1940: بانيول في قمة أمجاده. ومؤلفاته التي عرفت شهرة واسعة خاصة في المانيا وضعته في موقف حرج. وفي تلك المرحلة كان يصور "صلاة النجوم" وفضل ان يحطم بكرة الفيلم لعدم تسليمها الى المحتل النازي. وكتب في هذا الموضوع:
في نهاية تشرين الأول 1940 بدأنا جميعنا نفهم معنى "التعاون" او "المشاركة" في العمل السينمائي. ذات يوم كنت منشغلا باعادة قراءة نص "حافر الآبار" حين دخل الناطور الى مكتبي وقال لي بصوت منخفض:

ـ هناك رجل في الخارج يرغب في رؤيتك. ويقول انه يعرفك جيداً. ثم فتح عينيه بشكل كبير وقال لي في وشوشة مأسوية:
ـ اعتقد انه الماني.
ـ وأين هو؟
تقدم الناطور المخلص خطوة ناحية النافذة وأزاح طرف الستارة وقال:

ـ انظر اليه.
ورأيت في باحة الستديو رجلاً طويل القامة يرتدي معطفاً رمادياً فاتحاً ويرقص في الشمس ويلاعب كلابي. كان يطلق قطعة خشب صغيرة في الهواء ويقفز الكلاب لالتقاطها كذلك هو. هذا المشهد جعلني اطمئن وفهمت انه ليس هناك من أمر توقيف أو مصادرة. خرجت الى الباحة وتقدم الزائر مني بسرعة. امسك بيدي وشدهما بقوة وقال لي بلكنة خاصة:
ـ لك كل حبي.
وحين نظرت اليه بتعجب شديد، انفجر ضحكاً وأضاف:

ـ أردت ان اقول الحب الأدبي والشعري. ألم تعرف من أنا؟
اسمي الفرد غريفن. كنت معك في برلين حين اتيت في العام 1931 اليها بمناسبة العرض رقم 200 لفيلمك "ماريوس". وقد شربنا سوية وأكلنا معاً في مأدبة كبيرة ضمت كل الممثلين. هل تتذكر؟
وكنت قد قمت بتلك الرحلة الى برلين قبل عشرة اعوام. وقد تم استقبالي هناك بشكل احتفالي وحار ولكن كل ذكرياتي حول الرحلة لم تعد دقيقة خاصة بسبب كل الولائم الاحتفالية التي جرت. ولكن يبدو لي انني تعرفت الى زائري اخيراً وقدته الى ناحية البار في الستديو. بدأ اولا يتحدث بتعاطف عن كل المآسي التي تتعرض لها فرنسا والتي سببها ـ حسب رأيه ـ اليهود والانكليز. وقال لي ان العاصمة البريطانية المهزومة تحت وابل من القذائف منذ فترة ستعلن سقوطها قبل عيد الميلاد، وأن السلام سيعم أوروبا أخيراً، وأن فرنسا ستكون الأخت الصغرى لألمانيا.
وفهمت من حديثه ان زيارته تهدف الى امر آخر مختلف عن كل درس الايمان الذي تلاه امامي. وفجأة انتقل الى هدفه ومن دون لف ودوران، وقال لي:
ـ انا مدير مكتب السينما الألمانية في كل أوروبا. والسينما الفرنسية لطالما كانت تحت هيمنة اليهود، وهم اليوم ولوا. ويجب اعادة صنع السينما الفرنسية. وانت ستفعل هذا، ومعي.
ـ ولماذا أنا؟
ـ لأننا قدمنا في المانيا كل اعمالك المسرحية: "باعة المجد" و"جاز" و"توباز" و"ماريوس" و"فاني" وحتى "سيزار" التي لم تقدم ولا مرة حتى في فرنسا. واليك كيف ارتأينا ان يكون اخراجها.
كان يحمل قلما ازرق اللون، وراح يرسم على الطاولة امامه وفوق ورقة عشرات الديكورات المتداخلة ببعضها واعلمني اخيرا ان مسرحية "سيزار" تخطت العرض رقم 200 في برلين.
ومع هذا، اقلقتني كل الكلمات وكل المديح الذي قاله. وقررت ان ارفض لكنني خفت ان تتحول فجأة لديه كل مشاعر الاخوة والحماس الى غضب عارم.
اخيراً، قال لي:

ـ ستترك الستوديوات الصغيرة هنا لتنقل الى ادارة استوديواتنا الواسعة في باريس.
ـ وهل صرتم تملكون استوديوات في باريس؟
ـ ضحك بفرح كبير وراح يضرب برفق فوق كتفي ويقول بنبرة انتصار وفخر:

ـ أخذناها جميعها! جميعها! وسوف ننجز أفلاماً فرنسية رائعة!
فأجبته بأنني وللأسف لا يمكنني أن أغادر مرسيليا. وأضفت بأن علي مسؤوليات تجاه المئات من الموظفين وليس لي الحق بأن أتخلى عنهم هكذا. وأضفت بأنني أعمل أيضاً على إنهاء "حفّار الآبار" وبأنني سأنظر في الأمر لاحقاً.
تقبّل هزيمته بهدوء وحين قرر المغادرة صرّح لي بأنني سأتلقى ورقة تصريح "أوسويز" دائمة لأتمكن من عبور خط التماس بسهولة، وبالفعل تلقيته بعد فترة قصيرة، ولا زال بحوزتي. لكنني لم أستخدمه على الإطلاق. وأطلعت يشي على هذه الخطوات وعرضت عليه الوضع موضحاً أن ستوديواتي ومختبراتي الفنية إضافة الى ستوديوات في مدينة نيس هي الوحيدة التي نجت من هذه الكارثة لأنها تقع في الأماكن الحرة.
وأكدت له بأنني قد أتمكن من تنظيم إنتاج فرنسي حرّ إذا تلقيت الدعم، وبأن هذا الإنتاج قد يعيش إذا سُمح لنا بأن نتعامل بالفرنك السويسري مباشرة من قبل الموزعين. وكانت شركة إنتاج جديدة "إمباريا" قد تأسست في مدينة "كان". وطلبت معلومات حولها ودعماً رسمياً، فوصل بعد حين مستشار رسمي يزورني في مرسيليا ولم يعرف بما يجيبني حول موضوع إنتاج فرنسي حرّ. أما بخصوص اقتراحات السيد غريان، فقال لي بنبرة قوية:

ـ لا تقل له نعم، ولكن، أضاف، لا تقل "كلا" أيضاً! وجدت صعوبة في تنفيذ هذه النصيحة المزدوجة، وبدأت أشعر ببعض الشك حيال قوة "حكومتنا" آنذاك.
بعد الانتهاء من العمل على فيلم "حفار الآبار" بدت الستوديوات والمختبرات فارغة لفترة، الى حين وصل اندريه هوغون وفرنان ريفرز للتصوير عندنا وبذلك أنقذونا من الإفلاس. أما مغامرة ريفرز السيئة فقد أنارت لي الدرب لأفهم. وكان قد نال من رقابة حكومة يشي الدعم لإخراج فيلم لإي ميراند وكان اسم الفيلم "العام 40" وكان النص الخاص بالفيلم يحمل على كل ورقة من ورقاته ختم موافقة الحكومة.

وصوّر ريفرز فيلمه وكانت التكاليف قد وصلت الى مليون ونصف مليون فرنك. وحين وصل الفيلم الى مرحلة المونتاج، وصل بعض الموفدين من الحكومة لمراقبته: ورفضوا إلغاء عدد من اللقطات. وتنفذ القرار وألغيت المشاهد المرفوضة. أنتج المختبر عشر نسخ، وخضعت كل نسخة الى الرقابة من جديد. حصل ريفرز على عشر تأشيرات مرور وارتبط فيلمه بـ"باتي ـ بالاس" في مرسيليا. ومساء افتتاح الفيلم، حضر مراقبون جدد لمراقبة العرض الخاص أولاً بالتقنيين والمسؤولين.
وفي نهاية العرض، طلبوا حذف مشاهد جديدة. إعترض ريفرز بقوة لكنه ما لبث أن خضع للقرار.

في المساء، كانت الصالة تضج بالمشاهدين. كانت الساعة الحادية عشرة وكان النجاح أكيداً للسهرة. راح المدير يفرك يديه قلقاً حين رأى ضابط شرطة يتقدم ويقول:

ـ إذا رفضت توقيف عرض الفيلم سأوقفك شخصياً. وكان الأمر مباشرة من يشي.
وهكذا تبخّر فيلم "السنة 40" وتبخّرت معه المليون ونصف مليون الفرنك التي صرفها فرنان ريفرز.
ولا أعرف إذا ما تم تبرير هذا القرار، وربما حصل التبرير لاحقاً.
بعد أيام قليلة، زارني مارك اليّغريه. كان آتياً من "كان". كان ذلك الرجل الأنيق غاضباً الى درجة لا توصف وراح يتفوه بكلمات نابية. وشرح لي أنه كان ينوي إخراج مسرحية "بيتروس" لمارسيل آشار وكان جوفيه قد لعبها سابقاً مئتي مرة على الخشبة في باريس. وكانت شركة "امبيريا" قد تعاقدت مع ريمو للعمل. وفي اللحظات الأخيرة، قررت حكومة يشي منع "بيتروس" بشكل قاطع لأن بطلات المسرحية "فتيات". وقال لي الّيغريه:

ـ هذه الجمعية الخاصة بالرقابة أمر يدعو الى السخرية. وهي تضم بعض البحّارة وبعض ممثلي الكنيسة، إضافة الى أفراد "العائلة" العديدة وبعض الفتيات الطاعنات في السن.
ـ لا أعرف إذا كانوا فعلاً يملكون الوسائل لذلك. علينا أن ننتظر. وبما أنك قررت أن تدافع عن حقك في "بيتروس"، سأسافر معك.
وانطلقنا الى العاصمة الجديدة من المناطق المحررة. في القطار أثناء الرحلة، راح عدد كبير من المسافرين يتحدث عن الحكم بوقاحة وعدم احترام. واعترض عدد منهم على "اجتياح" هؤلاء "البحّارة" في كل المجالات، وأخيراً أطلق أحدهم نكتة قائلاً بأن "يشي يمثل شركة خاصة لحماية فريق الاميرالات البحري" (...).

المستقبل
الثلاثاء 19 آب 2008

أعلى