لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة
بحر، بحرين، ثلاثة
جهة الأسبوع



































 

المسافة بين الصرخة والصمت

عادل قرشولي
(سوريأ/ ألمانيا)

عادل قرشوليأيامي أسرع من عداء/
تركض نحو الموت القادم.. نحو الموت/
والنسر يحب إذا ما طرق البابّ عليه الموت/
أن يصعد للقمم الشماء/
لكن السهم أصاب الجنح ولم يترك/
لي جنحاً يقتحم الأجواء/

هذه أبيات من قصيدة بعنوان "أيوب"، كتبها ابن الثالثة والعشرين في شهر نوفمبر سنة 1959. كان يجلس في غرفة ببلدة جل الديب بالقرب من بيروت لم يكن فيها سوى سرير حديدي وكرسي خشبي متهالك وطاولة صغيرة ونافذة يسدها جدار. وكان يحمل اسمه المستعار كصليب ويحلم بعودة سريعة إلى وطن يخاف العودة إليه. وكتب في القصيدة ذاتها:

"أيامي أبطأ من مجروح/
يزحف نحو سراب الماء/
وحنيني أثقل من كل رمال الصحراء".

غير أن الموت لم يتمكن منه بعد. لعله أدرك يومها أن الجنين الخارج لتوه من الرحم يعلن بصرخته الأولى أن الموت قادم لامحالة. وأدرك في وقت معاً أن المسافة بين الصرخة والصمت تسمى الحياة. وهاهو يكتب اللحظة هذه الكلمات في نوفمبر سنة 2007 في غربة أضحت أشد ألفة من عريشة دار الطفولة. وفي غرفة يطل من شباكها على حديقة تذكره، بتفاحها وعنبها وكرزها وجوزها، ببساتين غوطة دمشق في خمسينات القرن الماضي قبل أن تحتلها مساحات الاسمنت المسلح لتطرد منها الألفة. وأضحى في مقدوره أن يداعب الموت الذي بدأت تتسارع خطواته المعلنة وهو يحاوره:

يتقدم مني الموتُ/
أراهُ/
أقول له لاتتعجلْ/
مازال لدي أمور لم أنجزْها/
فيقول سينجزها غيرك يوماً/ لست وحيداً فوق الأرضِِ/
أقول لدي نصوص لم أكتبْها/ فيقول سيكتبها غيركَ
بعد رحيلكَ في الفجرِ/
أقول أنا لايعزفني أحدٌ غيري/ فيقول تعففْ/
لايوجد نص أصل/
لايوجد قول فصل/
فأقولُ ولكني البحرُ لأني القطرة في الموجةِ/
لاموجةَ دوني لابحر/
فيقول بخبثٍ ملحوظٍ/ نصفك إبليس والنصف ملاكْ/
فبأي النصفين الآن تُراكْ/
فأقولُ/
ولاأعرف ماقلتْ/

>>

قد لانصدق، لكنها حقيقة. هاقد مرعام إذن على مرور حياتي بالسبعين من عمرها. ومرعام على التكريم الذي أقيم بتلك المناسبة في مدينة لايبزغ الألمانية، مأواي، وربما مثواي الأخير. ومرعام على نشر الملف الذي أعده كمال العيادي عن ذلك التكريم ونشرته أخبار الأدب. أعترف، وقد كنت آنذاك في دمشق للمشاركة في مهرجان دمشق للفنون المسرحية، أن المفاجأة كانت باهرة بكل مافي الكلمة من معنى. مفاجأة جعلتني أشعر كأن القارب التائه في غربة أليفة وصل أخيراً إلى الشاطئ الآخر. ولم تمض أيام حتى نشر الملف كذلك في موقع دروب الإكتروني. وكانت المفاجأة هذه المرة صاعقة. فقد كان حين اطلعت عليه مذيلأً باثنين وخمسين تعليقاً، رسم العيادي في كلمة له خارطة لتواجد أصحابها فوق اليابسة ووجدها "تغطي نصف الأرض تقريباُ من أمريكا إلى المغرب إلى تونس إلى مصر إلى فلسطين إلى ألمانيا إلى فرنسا إلى السعودية إلى أستراليا إلى النرويج إلى السويد إلى ..إلى...".

>>

لي قصيدة ألمانية قديمة في مجموعة "عناق خطوط الطول "بعنوان "عزاء":
أن تجسَّ بأصابعِكَ أنتَ نبضَ هذا الكون/
أن تصرخَ مع المعذبين/
أن تهمسَ مع العاشقين/
أن تفرشَ الطريقَ إلى أملٍ/
بسجَّادة الكلمات/
أن تقرعَ بعنادٍ أبوابَ الحقيقة/
ولَوْ لم يَقُلْ لكَ سوى قلبٍ واحدٍ: تفضل/
تلكَ هي القُبلةُ على العينينِ المجهدتين/
ذاكَ هو أَجْرُك في ليالي السهد/
والبلسمُ على جراح/
تُفَتِّقُها من جديد كلما التَأَمَت/
سكّينُ البحثِ/
عن كَلِمة/.

كيف لي إذن ألا أشعر بالغبطة ، بل بالزهو وقد فتح لي هذا الملف كل تلك القلوب العربية المتناثرة في شتى بقاع الأرض. كان من المفروض أن أبقى في دمشق أسبوعين فبقيت ستة أسابيع. وحين عدت إلى لايبزغ كان ينبغي أن أكتب كلمة شكر رداً على تلك التعليقات الخارجة من مجاهل لم أكن أتوقعها لأعبرعن هذه الغبطة. لكن ذلك الكم الذي بدا لي هائلاً من المحبة والإطراء فيما قرأت جعلني في البدء أخشى ألا أتمكن من الأرتقاء إلى كل تلك الذرى العاطفية، وأن يبدو كل قول قد أقوله مبتسراً وجاهزاً ولايمكن أن يعبر عما أحس به. وكلما كان العيادي يشير للأمر بملاحظة مهذبة عابرة كنت أسوِّف وأراوغ.

أعرف أنه كان يعتب ولم أعتب. بل وراودني في لحظة ما إحساس أنه غضب دون أن يفصح ولم أغضب. ماكان يعزيني هو أنه يعرفني، هكذا يخيل لي، حق المعرفة ويعرف أن إحجامي عن الكتابة لم يكن ترفعاً بأي حال ولن يكون. فمنذ ذلك اللقاء الحميم الذي جمعنا في مطعم فارغ بمدينة مونيخ شعرت أنه لم يزل في أعماقه، رغم كل ماتخلفه الغربة في الروح من تشوهات، طفل يبقى ودوداً حتى في مشاكساته. وقد شاهدت الفلم الذي التقط عن التكريم. مرت عليه الكاميرا، فرأيته مسمراً في مقعده بين المقاعد الفارغة يراقب المهنئين الذين قال عنهم لأحد الزملاء مازحاً، كما كتب، "إنه لم ير طابوراًً بذلك الطول سوى في موسكو خلال يوم إفتتاح أول فرع لماكدونالد بها في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي". لاحظت دهشته وفرحته واعتزازه تقفز جياشة من قسمات وجهه نحوي عبر الشاشة.

في مقدمته لمجموعتي "لو لم تكن دمشق" كتب هاينس تشيخوفسكي: إن الإنسان لايستطيع اختيار أصدقائه. فالصداقات قدر، وهي نادرة، ولذا فهي ثمينة". وأنا لست ممن يفرط بصديق أو لايعترف بجميل. وأدرك كم أنا مدين لكمال العيادي إذ تحمل مشقة الجلوس في القطار من مونيخ إلى لايبزع على مدى عشر ساعات للتمكن من حضور التكريم. مدين لجمال الغيطاني الذي كلفه بإعداد الملف وأفرد له معظم صفحات بستان "اخبار الأدب"، وخصني بمقدمته الأسبوعية. مدين لوحيد نادرعلى ترجمته الرصينة لكلمات التكريم. مدين للقائمين على موقع دروب الإلكتروني، ولكل من مر بنص لي وكتب تعليقاً زرع خفقة امتنان في القلب. وكم كان بودي لو استطعت أن أكتب يومها لكل من كتب. لكنني لم أستطع.

>>

في إتصال مباشر أجرته الفضائية السورية مع جمال الغيطاني وكمال العيادي عن المناسبة أشار العيادي عن البطء الذي أتعامل به مع مشروعي الثقافي. أبهجتني هذه الإشارة. لأن هذا البطء (أو التريث أو التأني أو الصبر أو الرضى بالصدى المؤجل، كما عنون ناقد ألماني مقالاً عني في الثمانينات)، أضحى بالفعل فلسفة. أسلوب حياة. سلاحاً ضد الجملة الجاهزة والصورة الماخرة بثقة عمياء عباب بحار لانعثر لها في أي أفق معرفي على شاطئ. بل ولعله طبيعة بيولوجية. أذكر أنني سئلت مرة لماذا لم أكتب الرواية، فأجبت بأنني قصير النفس. ربحت في المدرسة سباق المئة متر. في سباق الماراتون كنت سأكون الأخير بكل تأكيد، هذا إن بقيت حياً. حين كنا نلعب تحت التينة في حينا العتيق بدمشق كرة القدم كانت توكل إلي دائماً مهمة حارس المرمى، بعد أن تأكد الآخرون أنه لابد لأي فريق أكون في هجومه من أن يخسر اللعبة. ولكن حين كرر العيادي لفظة البطء تلك في اتصال هاتفي ذات يوم معتقداً أنه اكتشف فيها السر الدفين لإحجامي عن الكتابة، ابتسمت وأنا أقول في قرارة نفسي كم هو رقيق هذا النقد المبطن. أدركت أنه استبدل في تلك اللحظة كلمة الكسل التي كادت تنزلق من رأس الشفة بلفظة البطء الأقل هولاً. لم أسلبه لحظتها بهجة الإكتشاف. لكنني اضطررت لأن أبوح بما كنت قد وطنت النفس عليه، وأن أقول دون مواربة إنني سأكتب، ولكن بعد عام. فضحك. ولم يصدق.

والآن وقد مر العام فعلاً. لابد لي أن أفي بالوعد الذي قطعته على نفسي. أدرك بالطبع أن ما أفعله يتنافى مع كل معطيات العصر من جنوح إلى السرعة الصاعقة، والاحتفاليات الفضفاضة، وسطوة الكم المرعب، واقتناص اللحظة الإعلامية الترويجية مهما كانت عابرة. ولكنني أستهدي بالعبارة الشهيرة التي بدأ فريدريش شيللر بها إحدى مسرحياته: "متأخرأً أتيت، لكنك أتيت". وأكتب، لكي أقول لم احتجت إلى عام كي أكتب.

>>

قرأ كمال العيادي حواراً أجراه معي الزميل حسونة مصباحي. استغربت يومها أن كلمة بعينها وردت في جواب لي لفتت نظره أكثر من غيرها، هي كلمة "التشفي":
- حضرت احتفال منحك جائزة شاميسو، قال المصباحي في حواره ذاك، وسأل: كيف كان شعورك حين تقدمت إلى المنصة لتسلم الجائزة، والاستماع إلى ما قاله وزير ورئيس أكاديمية وشاعر من وزن هاينس تشيخوفسكي في تكريمك، ومواجهة الثلاثمائة إنسان في تلك القاعة التاريخية وهم يحتفون بك؟
- لا أنكر طبعاً أنني شعرت بالاعتزاز والفخر، بل وبقدر لا بأس به من التشفي.
- لماذا التشفي؟
- لأنني تذكرت تلك الأشهر التي قضيتها في هذه المدينة كعامل أجنبي في بداية وجودي في ألمانيا خلال الستينات. لم يكن في جيبي حين قدمت من بيروت إلى برلين الغربية ثم إلى ميونيخ إلا تسعة دولارات. كنت أنام في قبو غير مدفأ تقريباً رغم درجات الحرارة التي كانت تصل في الخارج إلى خمس عشرة درجة تحت الصفر. زملائي في الغرفة كانوا من اللصوص والعجزة والمتسولين.

كنت أعمل تسع ساعات في أحد المصانع على السير الناقل. كل هذا لم يكن يؤلمني بقدر ما كان يؤلمني صلف الألمان ومعاملتهم لي كطفل متخلف عقلياً. لا لشيء إلا لأنني غريب قادم في تصورهم من شرق متخلف. مازلت أذكر تلك المرأة التي سألتني إن كان يوجد في منزلنا في دمشق جملان صغيران، كأننا نربي الجمال كما يربون القطط والكلاب. قلت لها بلغتي الألمانية المكسرة إنني لم أشاهد جمالاً في بلدي بقدر ما شاهدت من جمال وبغال في شوارع ميونيخ. كنت آنذاك أعرف أكثر من كثيرين منهم عن الأدب العالمي، بل وحتى عن أدبهم وفلسفتهم. لكنني لم أكن أعرف لغتهم. يومها أقسمت بأن أحاربهم بلغتهم اللعينة تلك وأن أريهم من نكون. بعد تسلمي الجائزة ذكرت هذا لرئيس الأكاديمية وقلت له إنني أعتبر الجائزة اعتذاراً عن تلك الإهانات ونوعاً من المصالحة.

لكنني لا أخفي عليك أنه كان يشوب هذا الشعور من ناحية أخرى إحساس بالكآبة وبنوع من الإحباط أيضاً. هذا الإحساس يداهمني دائماً كلما أحرزت هنا نجاحاً ما. في هذه اللحظات بالذات أتمنى أن يشاركني فرحتي الأهل والأصدقاء".

قلت ذلك قبل ثلاث عشرة سنة. أما هذه المرة هاهم الأهل، وهاهم الأصدقاء، وهاهو هذا الكم الهائل من مدائح الظل العالي. فمن أين أبدأ. ولمن أكتب أولاً؟ وكيف؟ كنت أود صادقاً أن أعانق من كتبوا، واحداً واحداً. أن أقول لهم كم أنا سعيد بهذا الملف. وبهذه التعليقات. وبهذا الوصول إلى قلوبهم. لكنني لم أستطع. كنت في بداية الأمر كضائع في صحراء. شفتاه متشققتان جافتان تائهتان بحثاً عن قطرة ماء. وفجأة وجد أمامه بحيرة عذبة. أراد أن يشرب البحيرة دفعة واحدة فكاد يختنق. أو كجائع نهم تضع أمامه مائدة ملوكية، فيحتار بأي نوع يبدأ حتى لايصاب بالتخمة وعينه على الصحون الأخرى. أو كعاشق لشدة تشوقه إلى ليلة العرس في أحلام يقظته خاب وخيّب في ليلة الدخلة.

>>

ثم كان أن شاركت في مهرجان الشعر العربي الأول في القاهرة. وعدت أحمل مع الإحباط فيروساً لعيناً خلف وهناً في الجسد جعلني أعتذر عن تلبية دعوتين إلى الاسكندرية والكويت. وما أن تماثلت للشفاء حتى حزمت حقائبي مجدداً للسفر إلى بيروت وعمان وطرابلس ودمشق لإقامة أمسيات شعرية هناك. ثم عدت بعد عودتي ثانية إلى عمان للمشاركة في مهرجان جرش ومنه إلى مهرجان ساراييفو.

ولم ألبث أن احترت في أمري. وبت أتساءل أفي مقدوري حقاً أن أفصح بكل بساطة عن هذه الغبطة وهذا الزهو دون أن أبوح، ولو لنفسي، أنني كنت أود لهذا التكريم الاستثنائي، الذي وضعني على حافة الرحيل، أن يشكل فاصلاً. أردت العودة ثانية نحو الداخل لقراءة كتابه مجدداً، كما فعلت في قصائد "هكذا تكلم عبد الله" بتحويل الذات، لا الأخر، إلى المخاطب الأول للقصيدة، وإجراء حوار معها:

وقال عبد الله لي/
العالم يضيق بعينيك/
لكنه لايضيق إلاّ فيهما/
وقال لي لاتتسع رؤياك إلاّ إذا إتسعت رؤيتك/
ولاتتسع رؤيتك إلا إذا إتسع العالم فيك/
ولايتسع هو فيك إلا إذا سألت عنه فيه/
وسرت منه إليه/
وقال لي السؤال شيء والجواب شيء ولاشيءَ بلا شيء/
وأنت إن أجبت على كل شيء فقدت كل شيء/
فمن يفقدِ السؤال يفقدِ الجواب/

ومن يفقد الجواب تُختم بشمع العدم شفتاه/
ولن تعرف المسير مقلتاه/
أما أنا فقلت/
لكنني أبحث عن راحةٍ في جسد/
وعن وسادة في فراش/
وأنا أسألُ/
وأسأل وأسألُ/
ولاجوابَ إلاّ إلى سؤال/

كنت قد أدركت أن العالم لن تغيره قصيدة. ووطنت النفس على القناعة بالإحتجاب النسبي وتحجيم اللهاث خلف نور ساطع أو صرخة ثناء عابرة إلى حدوده الدنيا. تعلمت البطء في التعامل مع الأمور. وألا أدفع نصاً إلى النشر قبل أن ينضج على نار هادئة. تجنبت الدخول في معارك وهمية، خاصة حين كنت أشم فيها رائحة فضائحية. وتعودت أن أقول كلمتي وأمشي. في المهرجانات والأمسيات الشعرية والندوات. كثيرون من الزملاء على سبيل المثال يعرفون أنني قلما أستجبت لطلباتهم في إجراء حوارات صحفية سريعة. وكثيرون من المسرحيين العرب ممن كانوا يشاركون في مهرجان دمشق للفنون المسرحية لايزالون يذكرون المداخلات المسهبة التي كنت أقدمها في الندوات عن أغلب العروض. وفي المهرجان الأخير الذي أقيم بعد انقطاع طويل تم إهدائي مجلدات ضخمة أصدرتها وزارة الثقافة السورية وثقت للمهرجان وندواته لم يذكر لي فيها اسم. لا أنكر أن ذلك حز في نفسي وأسفت له. ولكن الأسف لم يتحول إلى غضب. ولم تبدر مني صرخة استنكار مدوية. ولم أقاطع المهرجان. قلت ما أردت قوله في الندوة الفكرية ومشيت. هذه القناعة، وهي خيار شخصي لاغير، منحتني راحة للبال وهدوءاً للذات ورؤية مغايرة للقصيدة، ولدورها. بل لعل هذه الرؤية، التي لا أنطلق البتة منها في تقويمي لإنجازات الآخرين، هي التي ساهمت في تكوين سمات تلك القناعة.

>>

وفجأة جاء هذا الملف الاستثنائي، وتبعته التعليقات الاستثنائية ليكرسا معاً استثنائية التكريم.

وفجأة رأيت أن هذه الاستثنائية بالذات فتحت لي كل تلك القلوب العربية، وبدأت فجأة تدغدغ في ذاتي مشاعر اعتقدت أنها اندثرت منذ زمن. النرجسية التي حاولت تحجيمها إلى حدودها الدنيا صارت تعلن أنها لم تمت. بل كانت غافية. كامنة في اللاوعي. تتوثب للخروج إلى العلن بصفاقة واستدراجي للإستجابة لكل هذا الإطراء والصدى الذي كان مؤجلاً. أحسست أن ذلك كله أضحى يتقمص المخاطب ويطل برأسه ثانية لحظة الكتابة أكثر مما ينبغي. حتى كاد يسكن أصابعي ثانية، ويملي علي ما أكتب. هذا ما أربكني، بل وأصابني برعب حقيقي. فقد تخلخل الميزان. كادت تتهاوى القدرة على الحكم المحكم. وأدركت أن شرارة واحدة قد تنير للحظة كل الظلال ولكنها قد تضرم كذلك ناراً في غابة تلتهم أشجارها. لم يكن في مقدوري دخول اللعبة كاملة لأني لا أتقن قواعدها جيداً. لكن الفضول دفعني لأن أراودها وأنا أراقبها عن كثب. كان علي أن أتمالك نفسي وأنفاسي. أن أستعيد ثانية توازني. ان أعود إلى قواعدي سالماً. وعاهدت نفسي ألا أكتب إلا بعد عام. أردت أن أرى أولاً كيف سأحتفل، وكيف سيحتفل معي الآخرون، بعيد ميلادي الواحد والسبعين.

>>

في الرابع عشر من أكتوبر الماضي، أي قبل عيد ميلادي الواحد والسبعين بيوم واحد، شاركت بدعوة من أكاديمية اللغة والأدب على هامش معرض فرانكفورت للكتاب في ندوة بعنوان "البحث عن وطن وإمكانية الوصول. أو كيف يستطيع أن يزرع كاتب ذاته في لغة أخرى وفضاء ثقافي آخر". في صباح اليوم التالي اتصلت بي زوجتي لتهنئني بعيد ميلادي، ولعلها فعلت ذلك للمرة الأولى عن طريق الهاتف. واتصلت ابنتي وابني وحفيدتي الكبرى وبعض الأصدقاء. ثم تناولت طعام الغداء مع صديق وزوجته في مطعم هادئ. بعد الظهر شربت فنجاناً من القهوة في مقهى على ناصية شارع في مركز المدينة، وحيداً. مساء حملت قطعة بيتزا وزجاجة ماء، وعدت إلى الفندق لآكل وأنام، كي أسيقظ باكراً للسفر إلى منطقة الرور الألمانية حيث ألقيت قصائدي في ست أمسيات شعرية. وبدأت أشعر أنني تمالكت نفسي قليلاً، واستعدت شيئاً من توازني، وعدت إلى قواعدي شبه سالم.

>>

ها قد مر عام آخر إذن. وبدأت المسافة تتقلص بسرعة أكبر بين الصرخة والصمت.

وقال عبد الله لي/
صرختك الأولى/
تشد زناد القوس/
وترسل إلى صدرك/
سهم موتك المحتوم/
لكن المسافة/
بين الصرخة/
والصمت/
تسمى الحياة/
...
وقال لي/
ولم يكن أزلُك الأزل/
ولم يكن أبدُك الأبد/
لكن الجسر/
بين أبدٍ وأزلٍ/
هو أنت/
لاتبتعد كثيراً/
عن النهايتين/

>>

هناك سكتش للأخوين رحباني بعنوان "الموسم الأزرق" لم أسمعه منذ سنوات. ولم أعد أدري متى وكيف قفزت حكاية أم مرعي في هذا السكيتش فجأة إلى الذاكرة. كانت أم مرعي تحلم طيلة حياتها بفستان مخملي أزرق وعدها بو مرعي بشرائه لها قبل أن تزف إليه. وفي كل موسم شحيح كان يعدها بأن يهديها فستان المخمل الأزرق في الموسم القادم. ذات يوم ذهب إلى المدينة، وطال انتظارها له. حين عاد كان يحمل لها معه حلمها الأزرق. فلم يكن منها إلا أن تنهدت وقالت "هيك يابو مرعي؟ لما جبتلي الفستان الأزرق مابقى بقدر البسو". كنت كلما استمعت إلى هذه الجملة، التي تحمل كل ما اختزن في أعماق أم مرعي من غبطة وحب وامتنان وعتاب وأسى، كانت تتدفق الدمعة مع الدم لتذرف في القلب حتى لايراها أحد في العين. هرمت أم مرعي إذن ولم تعد تستطيع أن ترتدي حلمها المخملي الأزرق. فما كان منها إلا أن أهدته لحفيدتها. وراحت تغني "شو بقي من العمر إلنا شو بقي/ غير المحبة وغير هالوعد النقي".

>>

وأنا كثيراً ما أقرأ لزملاء لي ولشاعرات وشعراء من الأجيال اللاحقة قصائد أتمنى أن أكون كاتبها. وأحس بنوع من تأنيب الضمير، لأنني لم أستطع أن أقدم إلا بعض ماتيسر منها لمن أعيش اليوم بينهم في غربتي الأليفة، كي أقول لهم بها ومن خلالها أنظروا من هم هؤلاء حقاً، وكيف يفكرون، وكيف يشعرون، ويبدعون. فهم، وعلى أقل تقدير في قصائدهم وفي قصصهم ورواياتهم، ليسوا كما تصورونهم، ولا كما يصورهم لكم أحياناً بعضنا.

هاقد مرعام آخر. ولم يبق لي إلا أن آمل بألا يتحول البطء يوماً إلى كسل، وأن أتمكن من الاحتفاظ بقدرتي على أن أحلم، ولو في قصيدة، بأن تخصب المواسم لمن سيأتون بعدنا وأن يصلهم حلمهم الأزرق قبل أن يصلوا إلى حافة الرحيل، وأن يفكروا بنا، نحن الذين أردنا أن نغير العالم، ولم نستطع، برفق.

اخبار الأدب- 2007 ديسمبر من 16الأحد

أعلى