لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة
Poets | Southbank Centre
جهة الأسبوع



















































 

"في أدب الصداقة": ريشة الروائي وقلم الفنان

أسامة فاروق

‬في أدب الصداقة‮الحكاية أن كاتبا‮ ‬يفقد ثقته بالكلمة إلي حد اعتبارها قد تعهرت،‮ ‬فيتمني لو أنه‮ ‬يرسم،‮ ‬بل ويحاول الرسم فعلا،‮ ‬وفنان مغترب لم‮ ‬يعد‮ ‬يكتفي بلغة الخط واللون والكتلة،‮ ‬ويريد‮ "‬البوح‮" ‬بالكلمات‮. ‬تبادل الثنائي عشرات الخطابات التي أفرزت في النهاية واحدا من أمتع كتب الرسائل وأكثرها عمقا‮.‬

الكاتب هو عبد الرحمن منيف،‮ ‬والرسام هو مروان قصاب والكتاب صاحب العنوان الموفق جدا هو‮ "‬أدب الصداقة‮" ‬والصادر مؤخرا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر،‮ ‬ودار التنوير‮. ‬الرسائل لم تكتب بغرض النشر كما‮ ‬يوضح د.فواز طرابسي في تقديمه للكتاب،‮ ‬لكن تقرر نشرها بعد وفاة منيف بمبادرة من سعاد قوادري منيف ومروان‮ "‬ولاشك عندي بأن عبد الرحمن كان سيوافق لو سئل‮".‬

بدأت المراسلات حين استعصت الكلمات علي منيف،‮ ‬أو فل نقل بعد أن اكتشف كذبها وعبثها،‮ ‬اكتشف أن اللون وحده لايزال قادرا علي أن‮ ‬يقول الأشياء بشكل جديد ومختلف،‮ ‬في حين أصبحت كل الوسائل الأخري‮ ‬من فرط ما استعملت‮- ‬غير قادرة علي أن تقول شيئا‮ "‬لاتزيد علي كونها ممارسه للعادة السرية‮" ‬وهذا ربما سر عبثها وقسوتها معا،‮ ‬وهذا ما‮ ‬يجعلها عصيه في أحيان كثيرة علي إعادة التكوين والتجدد‮ "‬كلمات‮..‬كلمات‮..‬كلمات ولاشيء في النهاية‮". ‬الرسم أمنيه منيف التي لم تتحق،‮ ‬أو فل نقل أنها لم تتحقق كما أراد،‮ ‬فالكاتب الذي ذادت اعماله علي العشر روايات كان‮ ‬يتمني أن‮ ‬يصير رساما‮! ‬هو نفسه‮ ‬يعترف بذلك‮ "‬لو لم أكتب لرسمت‮" ‬لكن وحدها الموهبة جعلته‮ ‬يتردد ويتراجع،‮ ‬في الوقت نفسه تقتله الكلمات بعهرها وكذبها‮ "‬الغليان الذي‮ ‬يملؤني،‮ ‬والذي‮ ‬يفيض باستمرار لا‮ ‬يمكن أن تستوعبه الكلمة المعهرة والتي أصبحت شائعة إلي درجة أنها لا تقول شيئا البتة،‮ ‬أو تقول الأشياء كلها دفعه واحدة،‮ ‬وبالتالي لا معني لها‮. ‬هذه خاصية الكلمة،‮ ‬إنها طريقة استعماليه إلي درجة آلية،‮ ‬مما‮ ‬يفقدها سحرها،‮ ‬بكارتها،‮ ‬لحظة انفجارها،‮ ‬وربما كان التشكيل وحده‮ ‬يمتلك خاصية تجعله مختلفا‮".‬

التقت مسيرتا منيف ومروان في منتصف الخمسينات في اطار مجموعة من المثقفين الشباب التي كانت تنشط من أجل التغيير الاجتماعي والسياسي في دمشق‮. ‬عندما‮ ‬غادر مروان إلي برلين ومنيف إلي بلجراد،‮ ‬انتقطع الاتصال بينهما حتي عام‮ ‬1992‮ ‬حين دعي منيف الي القاء محاضره في برلين وزار مروان في مشغله،‮ ‬كانت تلك الزيارة بمثابة توطيد لصداقة حميمه ومديدة،‮ ‬وبقيا بعدها علي اتصال عبر الرسائل‮ ‬يتبادلان فيها الاراء حول الادب والفن والعالم والكون،‮ ‬حافظ منيف في رسائله الحارة التي كانت تحمل معاني الصداقة الحقيقة علي قواعد المراسلة بينما اتخذت رسائل مروان شكل‮ ‬يوميات تضمنت تدفقا للمشاعر والوعي مع رسوم ولوحات صغيرة،‮ ‬طريقة في الكتابه وصفها منيف بأنها كلقاء المسافرون في المحطات،‮ ‬يتبادلون الأخبار السريعة لكن لا‮ ‬يمهلهم الوقت أبدا‮ "‬أصبحت حالنا كذلك،‮ ‬إذ لا‮ ‬يكاد الواحد‮ ‬يبدأ حديثا حتي‮ ‬يحين وقت السفر،‮ ‬ولابد أن‮ ‬يلتحق بالقافلة‮" ‬وهكذا دائما تبقي الأحاديث مبتورة،‮ ‬سريعة،‮ ‬وبحاجة الي وقفات أطول لكي تستكمل،‮ ‬وكان واضحا من خلال المراسلة بينهما أنهما سيحققان مشاريع مشتركة،‮ ‬وقد حدث‮.‬

بدأ منيف في مراسلة صديقه‮ ‬يحدثه عن الفن،‮ ‬والرسم والكلمات،‮ ‬حتي انه نفسه لم‮ ‬يكن‮ ‬يعرف لماذا‮ ‬يكتب عن هذه الأشياء بالتحديد ولا إلي أين تقوده الرسائل،‮ ‬إلي أن‮ ‬يقرر تأليف كتاب عن صديقه الفنان،‮ ‬ويوافق الفنان علي أن‮ ‬يبوح بما لديه عن حياته وفنه،‮ ‬وهكذا‮ ‬يدور القسم الأول من المراسلات،‮ ‬التي ظهرت بعد ذلك في مشروع الكتاب الذي صدر بعنوان‮ "‬مروان قصاب باشي:رحلة الحياة والفن‮" ‬عام‮ ‬1966‮ ‬لكن أسئلة منيف التي كانت النواة لهذا الكتاب لم تكن اسئله عادية‮ ‬يسأل مثلا‮: ‬هل كان أحد في العائلة‮ ‬يهتم بالفن،‮ ‬بالمعني العام والواسع:الغناء،‮ ‬الزخرفه،‮ ‬العزف علي آله موسيقيه؟ ثم‮ ‬في الرسالة نفسها‮- ‬إذا طلب منك أن تختار لونا الرسم؟ حتي تصل الاسئلة إلي ما هو الله؟ وماذا‮ ‬يعني لك الزمن؟‮.‬

عشرات الاسئلة تتوالد تلقائيا في راسه اعتبرها دفعه أولي والفنان الساكن برلين منذ عقود،‮ ‬يجيب في رجع ذاتي إلي طفوله في جنه مفقودة اسمها دمشق‮. ‬حيث ترك مروان مسقط رأسه دمشق عام‮ ‬1957‮ ‬لدراسة الفن في كلية الفنون ببرلين وعين فيما بعد أستاذا في ذات الجامعة ودخل عالم الفن هناك من أوسع أبوابه،‮ ‬وكسب شهرة عالمية،‮ ‬ويعتبر مروان من أكثر الفنانين الذين كتب عنهم منيف،‮ ‬وفي المقابل ومنذ منتصف التسعينيات ساهم مروان بتصميم وإخراج كتب منيف بشكل كامل،‮ ‬وباتت رسوماته تظهر علي أغلفه هذه الكتب وأحيانا في صفحاتها الداخلية،‮ ‬ومعظم هذه الرسوم كانت مرسومة خصيصا لكتب منيف‮.‬

منيف أحد رواد الرواية الأكثر التزاما والأوفر انتاجا بعد نجيب محفوظ،‮ ‬ويحظي بمتابعة شريحة واسعه من القراء العرب،‮ ‬كما أنه حصل علي جائزة سلطان العويس،‮ ‬لكنه ربما كان قليل الظهور والكلام،‮ ‬أصدقائه المقربين ونقاد أدبه‮ ‬يؤكدون أنه عرف دائما بمشاعر إنسانيه عميقه وطاقه واستقلاليه قلما تجد لها مثيلا،‮ ‬وبكونه روائيا مخلصا للحقيقة،‮ ‬الكتاب‮ ‬يكشف جانبا ربما كان‮ ‬غامضا في شخصيه منيف،‮ ‬كيف كان‮ ‬يكتب؟ وكيف كان‮ ‬يتعامل مع ما‮ ‬يكتبه؟ في إحدي رسائله‮ ‬يتحدث عن رواية‮ "‬أرض السواد‮" ‬درة أعماله فيقول إنه ظل سنوات‮ ‬يبحث عن‮ "‬مفتاح‮" ‬الرواية،‮ ‬وانه بعد أن وجد هذا المفتاح تولدت لديه‮ ‬غبطه هائلة،‮ ‬حاله انقشاع كامل للضباب والغيوم والحيرة والضيق،‮ ‬اللافت أنه‮ ‬يذكر انه كان قد كتب بالفعل فصولا في هذه الرواية لكنه بعد أن وجد المفتاح حاول أن‮ ‬يقنع نفسه بأن كل مافعله كان مجرد‮ "‬تسخين‮..‬مثل لاعبي كرة القدم حين‮ ‬يهرولون دون وعي ودون هدف،‮ ‬فقط من أجل أن‮ ‬يستعدوا للدخول إلي الملعب‮". ‬المفتاح بالنسبة لكن كان مجرد ضوء‮ ‬يؤكد له انه‮ ‬يسير علي الطريق الصحيح‮ "‬أقول بصراحة أنني أري ضوءا،‮ ‬لكن لا اعرف إلي ما‮ ‬يقود،‮ ‬والي اي ساحل،‮ ‬سأدع تلك الحاسة الغامضة تقودني،‮ ‬ولابد أن أصل‮". ‬الواضح أيضا أنه لم‮ ‬يكن ممن‮ ‬يرضون عن أعمالهم،‮ ‬فرغم ما حققته‮ "‬أرض السواد‮" ‬من نجاح إلا أنه وبعد أن انتهي منها أراد أن‮ ‬يتوقف وقفه طويله،‮ ‬لكي‮ ‬يجرب ويتأمل احتمالات أخري‮ "‬صحيح أن ماكتبته مجرد مقدمه،‮ ‬لأن ما سيلي أهم بكثير،‮ ‬لكن لا أجد في نفسي الاستعداد أو المزاج الكافي لذلك،‮ ‬وعليه لابد من وقفه،‮ ‬وإعادة النظر‮".‬

اخبار الأدب – 05/02/2012 م

أعلى