بعد إحدى عشرة رواية، و14 ديوانا شعريا، فضلا عن الأعمال الشعرية الكاملة ، وعدة كتب أخرى، وسلسلة معارض تشكيلية وفوتغرافية ، يطل علينا الروائي والشاعر والفنان إبراهيم نصر الله برواية "شرفة الهذيان" في سلسلة روائية أسماها (الشرفات) وربما ستكون هناك شرفتان أيضا، بمعنى أن هذا المشروع قد يتشكل من ثلاث روايات تتناول كل واحدة منها حكاية مستقلة بأجواء مختلفة وشخصيات مختلفة، تماما كما كان هو الأمر مع مشروع (الملهاة الفلسطينية).
ويتحدث نصر الله عن الولادة المباغتة لهذه الرواية بقوله: "ببساطة لأنها مسألة لم أستطع تأجيلها، ولأنها لا تؤجل أيضا، إذ كيف يمكن أن نؤجل حياتنا ونجير ما نحس به وما يجب علينا أن نتأمله الآن بعمق لا يرحم إلى أزمنة قد لا تأتي؟!". مؤكدا في الوقت ذاته "كنت سأبدأ مشروع (الشرفات) برواية غير هذه، بعض خطوطها واضحة لدي، ولكن ذلك لم يحدث، وكنت أنوي العودة إلى رواية أنجزت القسم الأول منها، من روايات الملهاة الفلسطينية، ويتناول هذا القسم روح الحياة الفلسطينية من الربع الأخير من القرن الثامن عشر حتى دخول الإنجليز لفلسطين، وهو قسم شبه مكتمل، لكن (شرفة الهذيان) قطعت هذه الخطة وولدت قبلها".
ويتوجه نصر الله في "شرفة الهذيان" لقارئ يقرأ، بمعنى: إلى قارئ يتابع ما ينجز في الكتابة اليوم، ويعرف الفرق بين ما يقدمه هذا الروائي وما لا يقدمه ذاك .
ويجدد نصر الله التساؤل الذي طالما طرحه: "لماذا يمر كاتب أجنبي في بلادنا ويقيم أياما أو شهورا أو حتى ساعات ويكتب أعمالا علينا أن ننتظر الكاتب العربي خمسين عاما ليكتبها؟!!".
ويعلن نصر الله أنها ليست المرة الأولى التي يجلس فيها لكتابة قصيدة أو نص قصير ـ في إطار حديثه عن انبثاق روايته الأخيرة عن قصيدة "المرآة" مستذكرا انه "ذات يوم، وأمام إلحاح الصديق العزيز محمد كعوش لكتابة صفحتين عن زيارتي لفلسطين عام 87 وقبل الانتفاضة بأربعة أشهر تقريبا، جلست لأكتب هاتين الصفحتين، ولكن، وبعد انجاز نصف الصفحة الأول أدركت أن ثمة شيئا آخر يحدث، وإذا بي أكتب (الأمواج البرية)".
وان كان نصر الله كإنسان يشعر أنه داخل فكي الرحى العملاقة التي تطحن الجميع، إلا انه يرى أن الكتابة بمثابة محاولته الخاصة للشفاء من هذا الذي يحس به بالتمرد عليه، معلنا إن هنالك مجموعة شعرية، أنجزت، منذ عام، ولكنه لن ينشرها قبل ستة أشهر على الأقل، لأنها حصاد مرحلة أخرى من التأمل وتحمل أسئلة مرحلة جديدة على المستوى الإنساني.
"الرأي" التقت المبدع نصرالله الذي لا يفتأ يتجاوز نفسه دائما ذاهبا نحو ابتكار أشكال تتسق والخيال الحر المتمرد، مازجا بين سائر الفنون ، وموظفا لها لتسهم في قول المسكوت عنها في صرخات ملحمية ، فإلى الحوار:
بين روايتين
بين روايتك الأخيرة (شرفة الهذيان) وروايتك الأولى (براري الحمى) عشرون عاما، ومع ذلك، لاحظ أحد النقاد بينهما في الهذيان/ الشكل، وفي طريقة عنونتهما، أين تلتقيان، وهل تتشابهان لديك كمؤلف؟
- في اعتقادي أن هناك رابطا بين أعمال الكاتب دائما، وهو أشبه بخط رفيع، يظهر ويختفي، بين حين وآخر، وذلك طبيعي، لأن الكاتب ليس مجموعة من الجزر المنفصلة.
بالنسبة لي لا أستطيع أن أتحدث عن أوجه الشبه وأوجه الاختلاف، لأن هذه المساحة للنقد وحده، ويستطيع أن يقول فيها الكثير، وقد أحسست خلال الندوة التي أقيمت في (بيت تايكي) السبت الماضي بأن الندوة كانت أشبه بندوة تكريم رفيعة، سواء عبر المساهمات النقدية أو عبر حضور هذا العدد الكبير من الأصدقاء الكتاب؛ لكن الشيء الذي يمكن أن أراه في هذه الرواية أنها تمضي نحو مناطق أخرى في الروح العربية بتقنية جديدة مقارنة بتجربة (براري الحمى) التي يصنفها النقد العربي كرواية حديثة ويصنفها النقد الغربي كرواية ما بعد حداثية.
استلهمت أحداث السنوات الأخيرة في روايتك هذه بشكل أقرب إلى العبثية الساخرة، إن جاز التعبير، هذا التوجه يؤرق كتابتك ويعلي جذوتها، والسؤال، لماذا اخترت أحداثا بعينها؟
- لا بد من أن نختار في النهاية، وإلا فإننا لا نستطيع قول شيء محدد، وهذه الأحداث الساخنة التي تناولتها الرواية، هي أحداث تطحن الروح العربية منذ عقد ونصف، لكنني لم أحاول قول كل شيء في هذه الرواية، لأنني على يقين أن هناك ما سيقال في روايات أخرى، ضمن المشروع الروائي الذي أسميته (الشرفات) وربما ستكون هناك شرفتان أيضا، بمعنى أن هذا المشروع قد يتشكل من ثلاث روايات تتناول كل واحدة منها حكاية مستقلة بأجواء مختلفة وشخصيات مختلفة، تماما كما كان هو الأمر مع مشروع (الملهاة الفلسطينية)، بحيث يمكن للقارئ أن يبدأ بقراءة الرواية التي يريد بعيدا عن فكرة التسلسل. أما السخرية وجو العبث، فكما قلت في شهادتي: لقد وصلنا إلى حالة لا ينقصها العبث ولا يضيف لها العبث شيئا.
إنها نمط شرس من السخرية السوداء التي لا يمكن أن يتناولها الكاتب بطريقة تقليدية.
الرحى العملاقة
هل تشعر كإنسان بالاغتراب، كفرد، أم أنك تحاول القول نيابة عن (الأغلبية الصامتة)؟
- كإنسان أشعر أنني داخل فكي هذه الرحى العملاقة التي تطحن الجميع، والكتابة محاولتي الخاصة للشفاء من هذا الذي أحس به بالتمرد عليه، ولعل القراءة تكون جزءا من الشفاء للقارئ عبر القراءة أيضا. ولم أكتب في أي يوم من الأيام نصا يتملق القارئ أو أتملق به أمنياتي لمجرد أنها أمنياتي، رواياتي قاسية، أعرف ذلك، ونهاياتها ليست سعيدة، لكنها ممتلئة بالأمل والإيمان بالحياة في آن. ولا أكتمك أنني أكتب ضد القارئ وضد نفسي أيضا، لأنني لا أظن أننا بحاجة لكتابة تمسد على جراحنا بقدر ما نحن بحاجة لكتابة تزلزل هذا الموات الذي نعيشه، وهذا الصدأ الذي يتراكم يوما بعد يوم على أرواحنا وأعضائنا أيضا ، ونحن نواصل هذه الحالة المرعبة المتمثلة في تكلس الإحساس بكل ما يدور حولنا، والقبول بهذا العجز كما لو أنه واحد من الصفات الخاصة بنا كعرب.
جاء على الغلاف الأخير لروايتك، إنها تجمع بين (ملحمية بريخت) و (عبثية بيكيت) وأنك تدفع بالكتابة الروائية العربية إلى منطقة جريئة، الآن هل أنت راض عن هذه الرواية الاستثنائية والمختلفة والإشكالية في آن؟
- بالطبع أنا راض عنها الآن، لأنها روايتي الأخيرة، وأتمنى أن أصل إلى حالة أخرى تجعلني أتمرد عليها، ومصدر الرضى ليس قادما من فراغ، لأنني قادر على تأمل تجربتي الأدبية، رواية وشعرا، جيدا، وتأمل تجارب الآخرين، وحين أقول الآخرين، فإنني أقصد أهم ما يكتب من رواية وشعر في العالم العربي والعالم ويتاح لي أن أطلع عليه، من هذه القاعدة أنطلق، ولذلك، فكتابتي ليست مغامرة، لأنها أولا حياة ومشروع أدبي، ولأن فكرة المغامرة لمجرد المغامرة أو القفز في الفراغ لمجرد الرغبة في فعل ذلك مسألة تدعو للرثاء آخر الأمر لأنها لن تورثنا إلا مجسمات بلاستيكية فارغة، كما حدث في الشعر خلال السنوات العشرين الماضية؛ فأن تغامر لمجرد المغامرة لا يعني سوى شيء واحد هو أنك غير مدرك لما تقوم به، وفي الكتابة لا تستطيع أن تفعل شيئا كهذا، أعني ككاتب مسؤول أمام كتابتك وأمام القارئ الذي يحترم هذه الكتابة وأمام الناقد الذي تحترم عقله ومشروعه النقدي أيضا.
هذه الرواية استهلت سلسلة روايات جديدة، أو مشروعا روائيا جديدا، وفي الوقت نفسه قطعت الطريق على رواية أخرى في مشروع (الملهاة الفلسطينية) لماذا (الشرفات)، والآن؟
- ببساطة لأنها مسألة لم أستطع تأجيلها، ولأنها لا تؤجل أيضا، إذ كيف يمكن أن نؤجل حياتنا ونجير ما نحس به وما يجب علينا أن نتأمله الآن بعمق لا يرحم إلى أزمنة قد لا تأتي؟! هذا حدث معي حين كتبت الروايتين الرابعة والخامسة من الملهاة الفلسطينية، وتناولتا الواقع الفلسطيني خلال السنتين الماضيتين، الواقع الحار الساخن الذي يحدث الآن، وأستطيع القول بأن ذلك من أفضل ما أقدمت عليه، لأنني تجرأت على الواقع وتأملته في حالة جريانه لا في حالة سكونه بعد أن يصبح هناك ورائي ذات يوم ويتحول إلى ذكريات، لقد قلت يومها بأن الكتابة العربية بالغت إلى حد مميت في تأجيلها تناول موضوعات كبرى عشناها، منذ نكبة فلسطين حتى اليوم، وقد وصلت إلى نتيجة بسيطة تتمثل في أن من لم يفهم الحاضر وما يدور فيه لا يستطيع أن يقنعني بأنه سيفهم الماضي أو سيكون حامل النبوءات لأبنائنا الذين سيولدون في المستقبل، حول ذلك المستقبل. ولطالما تساءلت لماذا يمر كاتب أجنبي في بلادنا ويقيم أياما أو شهورا أو حتى ساعات ويكتب أعمالا علينا أن ننتظر الكاتب العربي خمسين عاما ليكتبها؟!!
قلت بأن نواة الرواية كانت قصيدة، إلى أي حد تستسلم لهواجس الرواية فتتفجر القصيدة رواية، وهل كانت هنالك قصدية في الأمر.. أم هو استسلامك لأفكارك الروائية؟
- المسألة معقدة في الكتابة، فموضوع القصيدة التي بدأت بكتابتها كان جزءا من الإحساس بالحالة نفسها التي انشغلت هذه الرواية بها، وأهم ما في الأمر هو أن يتمرد عملك عليك، أن يكتب ذاته، بقدر ما تكتبه أنت، وهذا ما يمكن أن أدعوه مكر الكتابة، وفي ظني أن ذلك يحدث مع كتاب كثيرين، وحدث معي حين كتبت أكثر من عمل، فالكتابة تصحح أفكارك المسبقة حول العالم وحولها كفن أيضا حين تبدأ بالدخول إلى أجوائها، حين يتلاشى كل شيء حولك ولا يبقى سواها. ذات يوم، وأمام إلحاح الصديق العزيز محمد كعوش لكتابة صفحتين عن زيارتي لفلسطين عام 87 وقبل الانتفاضة بأربعة أشهر تقريبا، جلست لأكتب هاتين الصفحتين، ولكن، وبعد انجاز نصف الصفحة الأول أدركت أن ثمة شيئا آخر يحدث، وإذا بي أكتب (الأمواج البرية)؛ وبالمناسبة يمكن القول إنه قريب فنيا من رواية (شرفة الهذيان)، وذات يوم جلست لأكتب الحوار الأخير معتقدا أنني سأكتب صفحة واحدة، وإذا بي أكتب تلك القصيدة الطويلة التي صدرت في ديوان وحدها، مع أن كتابتها الأولى أنجزت في ثلاثة أيام.
ليست المسألة مسألة إلهام، أو تغيير المسرب كما يحدث في مسألة السير، إنها مسألة معقدة، فالحكاية الرئيسة في الرواية سجلتها منذ عشر سنوات، وكتبت روايات كثيرة ولكنها لم تجد نفسها سوى في هذه الرواية، وهكذا تحققت فيها، كما أن الأمر ليس مجرد استسلام، لأنه إفادة من خبرات حاضرة فيك أصلا، ووعي بالأشكال الفنية مقترن بالحاجة لتقديم مساهمة مختلفة.
أن تقطع هذه الرواية مشروعا روائيا آخر، وتولد قبله، فهذا يعني أنها رواية طاغية، وسؤالي، ماذا عن مصير الرواية الأخرى؟
- كنت سأبدأ مشروع (الشرفات) برواية غير هذه، بعض خطوطها واضحة لدي، ولكن ذلك لم يحدث، وكنت أنوي العودة إلى رواية أنجزت القسم الأول منها، من روايات الملهاة الفلسطينية، ويتناول هذا القسم روح الحياة الفلسطينية من الربع الأخير من القرن الثامن عشر حتى دخول الإنجليز لفلسطين، وهو قسم شبه مكتمل، لكن (شرفة الهذيان) قطعت هذه الخطة وولدت قبلها.
بالنسبة لمصير الرواية الأخرى، فالأغلب أنني سأعود لكتابة القسم الثاني من رواية الملهاة، وبعد ذلك، ولا أدري متى، سأكتب الشرفة الثانية والثالثة.
تعقيد الكتابة
كيف يؤثر انقطاعك عن كتابة رواية ما، سواء في صيغتها أو أحداثها؟
- من حسن الحظ، كما أشرت أن القسم الأول من رواية الملهاة قد أنجز، وأظن أنه لم يكن بإمكاني أن أكتب شرفة الهذيان، لو كنت أكتب تلك الرواية، بل حدث الأمر في فسحة راحة، كان لا بد منها لأن إيقاع الحياة الفلسطينية وأسئلتها في ظل الأتراك كان مختلفا عن إيقاعها وأسئلتها في ظل الإنجليز، وأردت أن يكون الابتعاد فرصة لدخول جو آخر، وهكذا قبلت أكثر من دعوة وجهت إلي من الخارج للمشاركة في مؤتمرات أو توقيع رواية (مجرد 2 فقط) الصادرة بالايطالية، وفي هذه الفسحة التي كانت تبدو لي فترة راحة، ولدت شرفة الهذيان، وهذا يعني بالنسبة لي شيئا واحدا أنك ككاتب لا تستطيع أن تقول إنك ذاهب لترتاح، ففي الوقت الذي تقول فيه ذلك، تكون، ودون أن تدري غارقا في ما هو أكثر قسوة.
لو كنت قارئا فقط
قراءة (شرفة الهذيان) ليست سهلة، أنا شخصيا قرأتها مرتين، ولاحظت أن النقاد أنفسهم فعلوا الأمر ذاته، لمن تتوجه بهذه الرواية الصعبة؟
- أتوجه بها لقارئ يقرأ، بمعنى: إلى قارئ يتابع ما ينجز في الكتابة اليوم، ويعرف الفرق بين ما يقدمه هذا الروائي وما لا يقدمه ذاك، ومن الطبيعي أن يقرأ الناقد الرواية مرتين على الأقل، ليكتب شيئا أمينا، ولا تنسي أن الكاتب يمضي أحيانا أعواما طويلة لإنجاز عمل ما، وهذه المدة كافية لأن تجعل القارئ يحترم هذا الجهد بحيث يقرأ العمل بعمق.
ومن ناحية أخرى فإنني أكتب الرواية التي أحب أن أقرأها لو كنت قارئا فقط، وليس كاتبا، ومقياس حماسي لفكرة ما خطرت ببالي أو سمعتها أو عشتها يتمثل في سؤالي الذي أوجهه لنفسي دائما: لو كتب هذه الرواية كاتب آخر وسمعت أو قرأت عن فكرتها ومشروعها، هل تذهب لشرائها؟ إذا كان الجواب نعم. أقول هذه رواية جديرة بالكتابة، بالنسبة لي على الأقل.
نكاد لا نلمح أسماء لأبطال الرواية، باستثناء رشيد النمر الذي يبرز اسمه أكثر من مرة، لماذا تغيب الشخوص بأسمائها في الوقت الذي تظهر فيه بقية الشخوص بوصفها أم، زوجة، ابن، ابنة، دكتور؟
- هذا الأمر ليس جديدا فقد وجد في رواياتي السابقة، ففي الأمواج البرية يحدث شيء من هذا، وفي (مجرد 2 فقط) ليس هناك أي اسم، مع أن عدد الشخصيات حوالي 25 شخصية، وفي حارس المدينة الضائعة هناك اسم واحد هو اسم بطلها ويرد في الصفحات الأخيرة، وكذلك بطل طيور الحذر لا اسم له بل لقب هو (الصغير).
هل أفسر ذلك؟ لقد قدمت رواية (مجرد 2 فقط) بأغنية فيروز (أسامينا)
أسامينا شو تعبوا أهالينا تلاقوها
وشو افتكروا فينا
الأسامي كلام، شو خص الكلام
عينينا هن أسامينا.
في العالم العربي، في ظني، أننا لا نملك حتى أسمائنا، إننا مجردون من أبسط شروط الهوية. إننا مجرد أشياء. صفات، وعيون مغلقة على اتساعها.
أيضا المكان غير مؤطر، ولا يمكن التنبؤ به باستثناء إشارات خفيفة تشير إلى عمان مدينة عمان؟
ـ الحالة العربية حالة متداخلة، لا تستطيع أن تقول أحيانا أنك تكتب عن هذا المكان فقط، لأنك في الحقيقة تكتب عن سواه أيضا، أحيانا، التعميم يغني العمل، وأحيانا يضيقه، لكن دور الكاتب أن يجعل هذا المكان حيا، سواء ذكر اسمه أم لم يذكره.
وأحيانا أكتفي بالإشارات، بل وببعض الأماكن المعروفة كجزء من المدينة أو الحوادث الخاصة بها، وحين تسمي الجزء تسمي الكل.
باختصار، ألجأ للأسماء حين تضيف شيئا لمعنى العمل، أما حينما لا تضيف، فلا ضرورة لها، سواء أكانت أسماء بشر أو أمكنة.
القسمة العادلة
الربط بين الفنون المختلفة يدخل القارئ في الحكاية بوصفه كاتبا أو معايشا أو إنسانا يتذكر الصور والقصاصات الصحفية، ماذا تضيف هذه التقنية لروايتك لدى القراءة كما تتوقع؟
- ربما علي أن أستمع من القراء في هذه المسألة بالذات، لأنهم المعنيون بالسؤال الآن بعد أن نشرت الرواية. لكنني أحب أن أقول إنني حين فعلت ذلك كله كنت أسعى لاحترام الفن الروائي عبر تقديم اقتراح مختلف، واحترام الحالة التي أكتب عنها، بمعنى أن أحشد لها كل ما لدي من طاقات للتعبير عنها بعمق أكبر.
إلا أنني أحب أن أشير إلى أن ردود الفعل الأولى التي تلقيتها من الأردن وخارجه ردود فعل رائعة عموما، وتؤكد أن القارئ بحاجة أيضا لشيء مختلف مثل الكاتب الذي هو بحاجة للبقاء في إطار شرعية مشروع كتابته عبر تقديم ما هو مختلف، وأظنها قسمة عادلة.
لنتحدث عن استثمارك للسينما في هذه الرواية، في مشاهد سينمائية تستخدم مصطلحات الكاميرا وشكل السيناريو، ماذا عن توظيف كل الفنون التي عايشتها ووظفتها لصالح الرواية؟
- ذات يوم قلت إن حلمي، إن كان لدي أحلام في مجال الفنون هو تقديم فيلم سينمائي، والسينما جزء أساس من يومي كالشعر والرواية تماما، ولكن من خلال كوني مشاهدا جيدا ومتابعا لها ومتأملا العلامات المضيئة فيها عبر الكتابة عنها، وبهذا المعنى أعتبر نفسي في مجال مشاهدة السينما مستهلكا منتجا، أي أنني لا أحول الأفلام إلى مجرد وسيلة للفرح البسيط أو قضاء وقت جميل باستمتاع، بل أحولها إلى أداة بناء لذائقتي الجمالية عبر هذا التأمل لها ومعايشتها بالكتابة.
في هذه الرواية اندفعت السينما إلى مكان أكثر وضوحا، لأن هناك مشاهد تستخدم لغة السينما، وهناك سيناريو لفيلم قصير داخلها، وهناك الصور، وهناك المونتاج الذي يعتبر أهم عناصر السينما مع الإخراج على أكثر من مستوى. وإلى ذلك هناك اللوحة والخبر الصحفي الغريب.
كان ذلك يحدث في كل نصوصي الروائية السابقة، وبدرجات متفاوتة، ولقد قلت من زمن طويل حين صدرت روايتي (مجرد 2 فقط) إلى أنني أتطلع إلى وجود سينما مقروءة من خلال الفن الروائي.
هل (الشرفات) مجموعة من الروايات تتجاوز فيها إبراهيم الروائي والشاعر والفوتوغرافي.. أم هي ببساطة تقول إن الأشكال والأساليب الروائية والإبداعية لا نهائية؟
- ربما تكون جملتك الأخيرة في السؤال هي محور هواجسي، لقد وصلت الرواية العربية إلى باب مسدود، حين ظنت أنها تمارس الحداثة، في الوقت الذي تحولت فيه الحداثة إلى تقليدية جديدة، وفن الرواية قادر على أن يتجدد باستمرار، وهناك مجالات لا نهائية، فالمادة التي بين يديك هي الحياة نفسها وكل مظاهر هذه الحياة المبتكرة والمتسارعة في تجددها، ومادة الرواية قائمة في كل هذه الأشياء، ولذا من العبث أن نغمض أعيننا وأن ندعي في الوقت نفسه أننا نكتب عن معناها.
لكنني أريد هنا أن أوضح مسألة أساسية جدا في ظني الشخصي، وهي أن وجود شكل جديد لا يعني أن يكون هذا الشكل الجديد بديلا للأشكال الأخرى، ومعبرا عن كل الحالات التي نكتب عنها، لأن الشكل هو المضمون، وقد كان عنوان شهادة حول تجربتي الروائية قدمتها منذ سنوات (في مديح الشكل باعتباره مضمونا) ولذلك فإذا كان الشكل المستخدم في هذه الرواية ونحن نتحدث هنا عن (شرفة الهذيان) جيدا وملائما لها، فإنه قد لا يكون ملائما لحالة أخرى سأكتب عنها في المستقبل، وهدا حدث في رواية براري الحمى، إذ كانت اللغة عالية المستوى وهناك اختلاط الأزمنة وجحيمية الأمكنة، لكن لم يكن يعني هذا أن أكرر هذه اللغة وهذه التقنية في طيور الحذر مثلا، لأن البطل هناك طفل واستخدام لغة عالية سيحول الرواية إلى شيء مضحك، ولكنني عمدت إلى استخدام تقنية أخرى ملائمة لشخصية الطفل ومحيط البراءة والموت والقسوة والطيور الذي يعيشه.
ولذلك أقول إن الوعي بالشكل هو وعي بالمضمون، ومن لا يعي أشكاله لا يعي مضامينه، لأن الوعي بالشكل يعني من جانب آخر أنك على اطلاع على ما يحدث في الرواية في كل مكان. أما إذا أراد كاتب ما أن يحشر جميع الحالات التي يكتب عنها في شكل واحد، فإنه يكون بذلك يعلن موته هو ككاتب وموت الحالات التي يريد أن يحييها، وتحويل الأمر إلى مسخرة، تماما كما لو أنه يريد أن يجعل الفلاحة الذاهبة إلى الحقل ترتدي فستان سهرة أو لباس البحر.
المكر الفني
ألا تعتقد أن الاستسلام للشكل نوع من الهذيان، وقد رأينا كيف تحولت قصيدة إلى رواية في مائتي صفحة؟
- ليس هناك استسلام لشيء في الرواية، هناك مكر فني، ووعي، كما أن القصيدة هنا لم تكن أكثر من عتبة، تماما كعتبات كثير من الروايات التي نكتبها كفصل أول، ثم نتخلى عنها بعد ذلك تماما، لأن العمل الإبداعي بقدر ما تحمل به وتلده بقدر ما يحمل نفسه ويلدها، ولدي كثير من التجارب التي يمكن أن أتحدث حولها في هذا المجال، وقد أشرت لبعضها.
أشار الدكتور فيصل دراج إلى إستراتيجية اللغة وتقنية السخرية، وأزمة الرواية العربية وبنية هذه الرواية التي تقدم اقتراحا عربيا مغايرا لكل ما هو موجود، ماذا عن مساهمتك هذه كما تراها في (شرفة الهذيان) في مسيرة الرواية العربية؟
- الدكتور فيصل دراج واحد من أكثر النقاد العرب الذين يعرفون الرواية العربية ويعرفون مساراتها وتحولاتها وآراؤه في الرواية مساحة مهمة بالنسبة لي لتأمل وضع الرواية العربية، ولذلك فإنني أعتز برأيه، لأنه رأي مسؤول وخطير في آن، وحين يقول ناقد مثله كلاما كهذا فإنك لا تستطيع أن تقول شيئا.
وفي ظني أن الكاتب، ورغم تفاوت حجم يقينه فيما يقدمه، يظل خائفا ومترقبا للطريقة التي سيستقبل بها عمله، وبالنسبة لي فإنني في بؤرة هذه الحالة، لأنني أحس بأن كل عمل جديد هو عملي الأول وعملي الأخير الذي سأودع به الكتابة في آن. ويسرني أن رأي الدكتور دراج التقى مع تلك القراءات العميقة للنقاد الأربعة الذين تناولوا الرواية في ندوة بيت تايكي. ولكل منهم مساهماته العميقة في المجال النقدي والأكاديمي أيضا، وقد كانت قراءاتهم المعمقة وعالية المستوى منحازة للتطور والتجديد وهذا ما يحتاجه أي كاتب عربي كي يكون أكثر جرأة وأكثر انطلاقا. ولعل هذا ما افتقدته ذات يوم حين أصدرت (براري الحمى)، التي كان عليها أن تنتظر سنوات طويلة لكي يغير بعض النقاد والكتاب آراءهم الأولى فيها، للشروع بالتعامل معها كرواية إضافة.
بين الشعر والرواية
لنعد إلى شعرك، فقد قرأت قصيدة قصيرة جدا، اختتمت بها شهادتك حول شرفة الهذيان، وقلت إنها مكتوبة ضمن مجموعة قصائد منذ عام، ولكنك لم تنشرها بعد، هل هناك علاقة بين هذا الجديد الشعري، وثلاثيتك الشعرية: عواصف القلب، شرفات الخريف، وكتاب الموت والموتى الذي صدر قبل ثماني سنوات، ولماذا ابتعدت عن القصيدة القصيرة جدا وقد رسخت وجودها بقوة في هذه الثلاثية الشعرية، حيث كتب الدكتور إحسان عباس ( مع نصر الله اتخذت القصيدة القصيرة جدا بعدا جديدا، حيث استطاع أن يضع إطارا واضحا لها) ويقول الناقد العراقي الدكتور حاتم الصكر: إن عواصف القلب كانت ركيزة لتأكيد تجربة القصيدة القصيرة العربية من حيث الأسبقية ؟
- عندما كتبت قصائدي القصيرة جدا بعد أواسط الثمانينات، كنت خارجا من تجربة القصيدة الطويلة، أو قصيدة الغناء الملحمي كما أطلق عليها نقديا، وحقيقة الأمر، لم يكن توجهي لذلك الشكل عبر قرار، بل يبدو أن تجربتي قادتني إليه وحاجتي لهذا الشكل على المستوى الإنساني هي الدافع، إذ أن الانهماك لمدة طويلة في بناء القصائد الطويلة والتي تعنى بالأحداث والشخصيات والأزمنة المتعددة، ترك بعض الزوايا في داخلي التي لم يصلها هذا الشكل مهملة، فاندفعت نحو نفسي من جديد وكأنني في غمرة الاهتمام بشخصيات القصائد أغفلت النظر إلى بعض الأشياء الحميمة في داخلي، ولذا، ولدت التجربة التي أثمرت ديوان )عواصف القلب 1) والذي ضم مائتي قصيدة قصيرة تقريبا وأصدرته دار الشروق في طبعة مميزة 5,9 سم ـ 5,13 سم. وقد سعيت في هذه التجربة لتطويع قصيدة الهايكو اليابانية لبيئة وهواجس وهموم الروح العربية مع الإفادة من فكرة وحدة البيت في الشعر العربي القديم. وقد كان تأثير الديوان كبيرا، إذ يكفي أن أقول إن أكثر من خمسة دواوين شعرية عربية قد صدرت بالحجم نفسه، وقد صدر في طبعة ثانية في القاهرة. وكنت أرى في ذلك الشكل جزءا من مشروع شعري، وكانت هذه القصائد من ضمن حيثيات منحي جائزة سلطان العويس المثبتة في بيانها، ولم تكن مصادفة أنني كتبت بجانب العنوان الرقم (1). وهكذا كان (شرفات الخريف) هو الجزء الثاني بعد سبع سنوات من صدور الجزء الأول عام 89 وضم مائتي قصيدة ليتلوه (كتاب الموت والموتى) الذي ضم مئة قصيدة وقصيدة. كل واحدة منها تنظر لقضية الموت من زاوية مختلفة.
الآن، أصبح هذا الشكل مشاعا إلى حد أنني لفترة طويلة لم أعد أملك رغبة العودة إليه أبدا، لأنه أصبح حمارا لكثير من المتشاعرين، الذين يكتبون القصيدة القصيرة جدا كما لو أنهم ينكشون أسنانهم. ويكفي أن تنظري حولك لتري ذلك الاستسهال والمجانية التي حولت القصيدة إلى مجرد تعريف متذاك أو نكتة. كما أن كل من كان يملك رغبة في أن يكون شاعرا بدأ حياته بتجميع عدد من المقطوعات ـ الخواطر ونشرها على أنها شعر.
لكنني رغم ذلك، ورغم ابتعادي عنها، لم أزل أرى في القصيدة القصيرة قدرات كبيرة للتعبير عن أشياء مختلفة أقرب للهمس والحكمة والكثافة من أي شكل آخر، ففي بعض هذه القصائد كثافة تدعوني لتأملها باستمرار كعمل شعري طويل.
والآن هناك مجموعة شعرية، أنجزت، منذ عام، ولكنني لن أنشرها قبل ستة أشهر على الأقل، لأنها حصاد مرحلة أخرى من التأمل وتحمل أسئلة مرحلة جديدة على المستوى الإنساني.
الرأي- الجمعة 23 ايلول 2005م
أقرأ أيضاً: