يعد الشاعر المصري محمد إبراهيم أبو سنّة من أبرز شعراء جيل الستينات، وهو صاحب تجربة شعرية متميزة، استطاع من خلالها الانطلاق من الواقع وبلورة تصور حداثي للرومانسية، من دون السقوط في الغنائية وفوضى الوجود وضبابيته . أصدر “أبو سنة” ثلاثة عشر ديواناً منها: “قلبي وغازلة الثوب الأزرق”، “حديقة الشتاء”، “الصراخ في الآبار القديمة”، “أجراس المساء”، “تأملات في المدن الحجرية”، “البحر موعدنا”، كما كتب العديد من المسرحيات الشعرية منها: “حمزة العرب”، “حصار القلعة” .
كما حصل على العديد من الجوائز، وترجمت نماذج من أشعاره إلى العديد من اللغات العالمية الحية .
*يعيش العالم العربي الآن حالة من المخاض، ماذا تتوقع أن تتمخض عنه؟
العالم العربي يعيش حالة ثورية، وهذه المرحلة الثورية تفجرت لأسباب كثيرة أهمها الجمود السياسي لفترة طويلة، واستبداد السلطة، والتنكر لقيم الحرية والديمقراطية والحقوق الإنسانية، يعيش العالم العربي في فوهة بركان ثوري، تقوده الجماهير والشعوب التي تمتلك طاقة وعافية وقدرة على تشكيل المستقبل بطريقة جديدة، ربما لم يسبق أن عرفناها .
الشعوب الآن تعرف أن العصر الذي نعيش فيه قد تجاوزنا بسبب تخلفنا، وبسبب الاستبداد والتسلط السياسي، وهذه الشعوب تحلم بحقوقها المشروعة في الحرية والرخاء والتقدم والمشاركة في بناء الحضارة الإنسانية الحديثة .
*هل تستطيع التنبؤ بما ستنتهي إليه هذه الثورات؟
هذه الحالة الثورية بدأت في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا . . والبقية تأتي، ونحن في حقيقة الأمر لا نستطيع أن نتنبأ بالمستقبل، لأن إرادة الشعوب في مرحلة العنفوان والفعل الثوري، تقوم بتشكيل عالم جديد قد يفوق الخيال .
وإذا كان الخيال قد أصبح حقيقة الآن فلا تعرف المفاجآت التي يمور بها المستقبل .
*أين تضع المثقفين والأدباء العرب على خارطة الثورات العربية؟
المبدعون والأدباء طوال تاريخهم تنحاز كتاباتهم إلى الثورة والتغيير ومواجهة الظلم والفساد والاستبداد ويدعون إلى الحرية والديمقراطية، هذه هي طبيعة الأدب والفن والإبداع عبر العصور .
لكن الأدباء يواجهون كبشر خلال هذه الثورات مواقف متعددة بعضها ينحاز كلية إلى الثورة ويتغني بها، وبعضها الآخر يراجع حساباته مع الأنظمة، فالأدباء في النهاية بشر لهم أحاسيسهم ومشاعرهم وعانى الكثيرون منهم بطش السلطة، ولكن أعتقد الآن أن معظم الأدباء منحازون إلى الثورة، لأن هذه الثورات كانت حاضرة في ضمائرهم وفي ثنايا إبداعاتهم .
*إلى أين يتجه الخطاب الثقافي العربي الآن؟
هناك ملامح جديدة للخطاب الثقافي العربي تتسم بالتفتح والتحرر والتجدد، وإن كان يسري في ثناياه الكثير من القلق بسبب ظواهر في مقدمتها المد الديني، ولاشك أن هذه الثورات سوف تعيد ترتيب أوضاع المجتمعات التي تفجرت فيها، وسوف يشمل تجديد الخطاب الثقافي ملامح الإبداع الأدبي والفني تجديداً شاملاً، خاصة أن الشباب الذين تصدروا المشهد هم الذين سوف يشكلون الركن الأساسي في التحولات الدرامية والسياسية والاجتماعية والفكرية في المستقبل القريب .
*هل أنت راض عن المواكبة الشعرية لهذه الثورات؟
لقد انتفض الشعر مع هذه الثورات وتفجرت ينابيع كثيرة، ورأينا الشعراء من كل الأجيال ينطلقون في حماس باهر يبدعون ليجسدوا المشهد الثوري بأصالة وعمق، ولكن هناك أيضاً بعض القصائد تبدو عليها العجلة والتسرع، ويمكن أن توضع في زاوية التشجيع والتهليل والترحيب أكثر من أن تكون تجسيداً لهذه اللحظة بعمقها وجدتها ودهشتها وعنفوانها، فالكثير من الشعر الذي صدر عن الشعراء بعد الثورة هو شعر هتاف ومباشر إلى حد كبير .
* هل تعتقد أن قصيدة الرمز قد ولّت بلا رجعة؟
إذا أردت أن تقول إن الحرية سوف تجرد الشعراء والأدباء من الاقتراب من الرمز والاهتمام بقصيدة القناع والرموز الغامضة، فأنت محق، سوف يسقط هذا القناع المفتعل الذي كان يلجأ إليه الشاعر بفعل التقية أي الخوف من السلطة، أما القناع الرمزي الذي يعد جزءاً من البنية الفنية للقصيدة الشعرية، فسوف يبقى كما تبقى الرمزية، لأنها ضرورية في تحديد جوهر التجربة الشعرية من الناحية الفنية، لأن الرمز والقناع وسائط فنية ضرورية للارتفاع بمستوى الإبداع .
*هل أنت شاعر ملتزم؟
أنا مؤمن بالحرية، وكل حرية مسؤولية والالتزام الذي ينبع من ضمير الشاعر والأديب، هو التزام إنساني تجاه الكبرياء الذاتية وتجاه الوطن والمجتمع، وهناك التزام أخلاقي تجده متحققاً في كثير من الأعمال الأدبية، سواء على المستوى العربي أو العالمي، فكلمة الالتزام معقدة ولا يمكن أن أطلقها ببساطة لأني أعتقد أن الالتزام أنواع، فهناك التزام تجاه الفن والشعر، وهناك التزام تجاه الذات، والتزام تجاه المجتمع، وهناك التزام أخلاقي ينبع من الضمير .
*قامت الثورة السياسية . . هل تعتقد أننا بحاجة إلى ثورة ثقافية؟
أعتقد أننا نحن العرب بحاجة إلى ثورة ثقافية شاملة، لأن المجتمعات التي نعيش فيها خضعت للجمود الفكري لعشرات السنوات، بل لمئات السنوات، باستثناء سنوات الومضة الحضارية في عصر النهضة، نحن في حاجة إلى زلزلة الكيان الفكري والثقافي للمجتمع من أجل رؤية عصرية حديثة، نحن في حاجة ضرورية إلى بناء ثقافة حديثة تقوم على أسس الحرية والرؤية العلمية والتفكير العلمي، وإعادة بناء العملية التعليمية، وإعادة هيكلة الإعلام والاقتراب من الرؤية الشبابية الجديدة على المستوى الثقافي، ودفع هؤلاء الشباب إلى التعبير بحرية كاملة عن تجاربهم وأحاسيسهم وعواطفهم وأفكارهم .
*لماذا توقفت عن كتابة الشعر المسرحي؟
كتبت مسرحيتين شعريتين هما: حمزة العرب، وحصار القلعة، وكانت مصادري في هاتين المسرحيتين تنسب إلى الرؤية الشعبية والتاريخ والأساطير، وكنت أتمنى أن تتاح الفرصة لوضع هاتين المسرحيتين على خشبة المسرح، ولكن التحولات السياسية والاجتماعية والفنية لم تمنحني الفرصة لكي أرى هاتين الشخصيتين مجسدتين على المسرح، وكان هذا سبباً أساسياً في التوقف عن كتابة المسرحية الشعرية، وكنت قد اعترفت مرات عدة بأن قصيدتي قد ابتلعت مسرحي، فقد ركزت في الكثير من القصائد خصوصاً في الدواوين المتأخرة مثل: “تأملات في المدن الحجرية”، و”مرايا النهار البعيد”، و”رماد الأسئلة الحمراء”، و”رد الفصول الأخيرة”، “موسيقا الأحلام”، لقد اتجهت في هذه الدواوين إلى استلهام الأسلوب الدرامي، بما ينطوي عليه من عناصر حوارية ورؤية لشخصيات محددة .
* إلى أين وصل خطابك الشعري الآن؟
خلال رحلتي الشعرية كان هناك بزوغ لبعض الجوانب الميتافيزيقية في الرؤية الشعرية، وإذا نظرت إلى تجربتي الشعرية الآن، أنا أعتقد وأرجو أن يتفق معي قراء هذا الشعر أنني قاومت بكل ما أملك أن أكرر نفسي، ووصلت إلى حالة من التوازن الفني، إن كنت وقفت بعيداً عن الرضا عن النفس، لأن التجربة الشعرية مفتوحة على مدى غير محدود، وفي كل قصيدة اكتشاف لمسارات جديدة في مجال اللغة والصورة الشعرية والبنية الدرامية والإيقاع، لقد بدأت نشر قصائدي الأولى منذ عام 1959 في جريدة المساء القاهرية، لكن الأمل مازال رفيقي في اقتناص بعض اللآلئ الشعرية في المستقبل .
*ما نوع القصيدة التي تطمح إلى كتابتها قبل بلوغك سن الثمانين؟
الشعر في حد ذاته مفاجأة، الشعر كالمطر لا يمكن أن تسيطر على تدفقه أو سقوطه، كل ما أتمناه أن أكتب قصيدة تبقى في سجل تاريخ الشعر العربي، يذكرها القراء ويحترمها النقاد، وتبقى جزءاً من تراثنا الشعري، ليس بسبب أسلوبها فقط، ولكن بسبب قدرتها على التعبير عن جوهر اللحظة الحضارية التي نعيشها .
الخليج
17/12/2011