لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

 مجلات أدبية قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع















































 

محمد الأشعري: أحلام كثيرة لي لم تتحقق في وزارة الثقافة لكني لست نادماً

يؤمن بضرورة الكاتب ويرى أن ظروف المغرب السياسية لا تستدعي استقالة المثقف

عبد الرحيم الخصار

محمد الأشعريالروائي والشاعر المغربي محمد الأشعري عابر دائم بين الأجناس الأدبية (من الشعر إلى الرواية ومن الرواية إلى القصة القصيرة)، وبين المهام الثقافية والحكومية (رئيس اتحاد كتاب المغرب، ووزير ثقافة سابق ومسؤول في الصحافة الثقافية). وهو العابر أيضا في الحركة السياسية بالمغرب والمتحول، بحسب الوضع، من متحمس إلى متحفظ، ومن قيادي في الحزب الاشتراكي إلى معارض للقيادة. نستغل صدور عمليه الجديدين رواية «القوس والفراشة» وديوان «يباب لا يقتل أحدا» لنفتح أكثر من باب على عالم الكتابة لديه. أصدر كتبا عديدة في السرد والنثر منذ السبعينيات من بينها: صهيل الخيول الجريحة، عينان بسعة الحلم، سيرة المطر، يوم صعب، قصائد نائية، سرير لعزلة السنبلة، جنوب الروح... وانشغل بمهام عديدة، لكن يبدو أن مهمته الأثيرة هي الكتابة.

*احتفت الأوساط الثقافية المغربية مؤخرا بروايتك الجديدة. في هذه الجلسات النقدية والاحتفائية هل كان يزدوج لدى المتلقي حضورك كروائي مع حضورك الموازي طبعا كوزير ثقافة سابق؟

^ ليس دائماً، ولقد سرني أن يذهب الناس مباشرة إلى النص الأدبي، وإذا كانت بعض القراءات قد التقطت في النص تأثيراً ما لتجربتي على أجواء الرواية، فإن ذلك قد رسخ اعتقادي بأن كل تجربة نعيشها بعمق وبشغف، لا بد من أن يكون لها أثر مباشر أو غير مباشر في العمل الإبداعي.

*بطل الجيل الأول من الرواية كان وطنيا، وكان ابنه مهاجرا، بينما ينتهي متطرفا، هل تكتسب الرواية أهميتها من هذه التقابلات والتطورات المفاجئة على مستوى تحول الأجيال، وهل تكتسب أيضا جدتها من التفاعل مع عنصر «الإرهاب» الذي يعتبر ظاهرة جديدة على المغرب؟

^ إذا كان للرواية أن تكسب شيئاً فهي تكسبه من الكتابة أساساً. لم يكن يهمني أن أكون مِؤرخاً ولا شاهداً ولامحللاً اجتماعيا، كان هاجسي هو أن أستدرج تفاصيل من الحياة نمر بها مستعجلين توهماً أنها ليست حياتنا، قبل أن ندرك أنها هي الحياة، ولأنني اشتغلت على خرائب وليلي الأثرية كان يستهويني أيضا أن أدقق في الخرائب الأخرى، أي في كلّ ما يمس مشاريعنا وأحلامنا وما يمس تبدلات الأمزجة والأمكنة والعلاقات، وكلّ ذلك دون ميلودراما، ودون ميل فروسي لرثاء الذات وهجو الآخر، وأظن أنني فعلت ذلك (أو نويت على الأقل) بنوع من السخرية وبإصرار على اعتبار الانكسارات شيئاً إنسانياً يستحق أن نتصالح معه، وعلى كل حال وأياًً كانت المواضيع التي هيمنت على الحكايات في الرواية فقد اغتنمت فرصة حكيها لأقدم تأملاتي الخاصة في الحب والفشل والموت والمسارات الفردية والجماعية معتبراً أن الجمال كما يقول دييتوفسكي هو الذي سينقذ العالم، وبشكل ما فإن الانتصار للذة والجمال سيعيدان بناء السارد الذي انهار منذ بداية الرواية، مثلما سيحاولان بناء الرواية نفسها من خلال ذلك.

*طبعا تحضر في الرواية مدينة وليلي الأثرية وتسعى إحدى الشخصيات إلى المحاولة الدائمة لإقناع الناس من أجل النهوض بالمدينة على المستوى السياحي، لكن هذه الشخصية تصاب بالإحباط جراء عدم تجاوب الناس، هل آذان الواقع المغربي صماء إلى هذا الحد؟ وهل تؤمن بالوجود الوظيفي للكاتب؟ وهل تعتقد أن مهمته الأساسية هي التحريض؟

^ تحضر مدينة وليلي في الرواية كمكان آهل بالإحالات الرمزية والأسطورية، لقد ساعدني هذا المكان إلى حد بعيد في بناء الرواية نفسها على نمط يشبه فسيفساءها الأثرية ويتماهى معها، وفي نفس الوقت أتاح لي فرصة مقابلة مصائر مختلفة تنتمي إلى الحاضر وإلى الماضي، مصير هانس رودر الأسير الألماني الذي شارك في حفريات وليلي، مصير محمد الفرسيوي الذي انتهى دليلاً أعمى بين آثار وفسيفساء المدينة، مصير ديوتيما زوجة الفرسيوي التي نذرت نفسها للبحث عن مخطوط جدها الشعري ولبناء علاقة حقيقية بأمكنة الحاضر، مصير المخطوط الشعري، مصير تمثال باخوس الذي سرق من الموقع، إن تأمل هذه التقاطعات يسمح بتنويع مستويات الحكي ولغاته.
أما مغامرات الفرسيوي في المدينة الفعلية وليس الأثرية، فإنها لا تصدر عن هاجس استراتيجي للنهوض بالمدينة بل عن رؤية معقدة للواقع واستجابتة السهلة أو التراجيدية للتحولات التي يواجهها، وطبعاً فإن جانباً من هذه المغامرات يكشف الصعوبة القصوى التي تعترض بناء الحداثة في مجتمعات تعتبر المحافظة كنزاً لا يفنى.
أؤمن بضرورة الكاتب، ولا أعتبره مكلفاً بمهمة وظيفية، بل منتجاً قلقاً لرؤى جمالية، ولأسئلة تخلخل اليقينيات.

*تزامنا مع صدور رواية «القوس والفراشة» نشرت لك دار النهضة عملك الشعري الجديد «يباب لا يقتل أحدا»، هل يمكن اعتبار هذين الإصدارين عودة جديدة إلى الأدب وقطيعة مع المرحلة السياسية؟

^ لنقل إنها عودة بديهية إلى الأدب، الذي كان دائماً مجالي الحيوي، وإن كنت لا أعتبره «قواعد مأمونة» أو ملجأ للتعويض، لا أعيش حياتي كمربعات معزولة عن بعضها، أحب الأدب والسياسة والفنون والصحافة، ولا أحسد الكتاب المتفرغين للكتابة، أعتبرهم متفوقين لدرجة لا تطاق.

*هذه العودة البديهية إلى الأدب جاءت بعد خروجك ليس من وزراة الثقافة فقط ، بل من حزب الاتحاد الاشتراكي أيضا، وهو الحزب الذي كنت قياديا فيه وواحدا من أبرز مثقفيه، هل وصلت تصادماتك كشاعر مع تحولات هذه الحركة السياسية إلى الحد الذي لم تعد قادرا فيه على البقاء هناك؟

^ أود في البداية أن أصحح هذه المعلومة، فأنا لم أغادر قيادة الاتحاد الاشتراكي، بل امتنعت عن مواصلة حضوري في اجتماعاتها إلى حين انعقاد المؤتمر، واتضاح التوجه السياسي للحزب، لقد وصلت إلى مرحلة بدا لي فيها أن استمراري في الحضور، سيكون منافياً للقيم التي أومن بها، ومن بينها الوفاء بالالتزامات التي قطعناها على أنفسنا، ومقاومة الفساد السياسي أياً كان مصدره وكيفما كانت طبيعته.

*في أحد لقاءاتك بشبيبة الاتحاد الاشتراكي كنت تشير إلى تجربة المفكر محمد عابد الجابري، وأكدت أنه أنجز أهم أعماله بعد استقالته من المكتب السياسي للحزب، هل كنت تمهد حينها لاستقالتك؟ وهل قدر المثقف أن يقتنع متأخرا بعد خوض التجربة أن مكانه يوجد بعيدا عن إقامات السياسيين؟

^ هناك نوع من التنافي الطبيعي بين الانخراط في مسؤوليات سياسية تأخذ منك كل حياتك، وبين الانكباب على مشروع فكري أو إبداعي يأخذ منك كل حياتك أيضاً. لا يتعلق الأمر بتدبير الزمن فحسب بل أيضاً بتدبير حرية واستقلال المثقف. لكن لا بد من استحضار الظروف التاريخية التي أطرت حياة المثقفين والمبدعين في المغرب، فكلهم سواء انتموا إلى الأحزاب أم لم ينتموا، وجدوا أنفسهم منخرطين بوازع أخلاقي في النضال من أجل الحرية والديموقراطية، ومن المؤكد أن دورهم في هذا المجال كان حاسماً وربما أكثر مردودية من كثير من السياسيين الخلص. ولا شك في أن ظروف المغرب قد تغيرت كثيراً ولكن ليس للحد الذي يستدعي نوعا من حياد أو استقالة المثقف، وفي رأيي إن الظروف المحيطة بإنتاجنا الثقافي، وتعثر انبثاق سياسة ثقافية تساهم في بناء الديموقراطية والحداثة في بلادنا، كل ذلك يزيد من تعقيد العلاقة بين الثقافي والسياسي.
أما بخصوص الجابري فإني أعتقد أن مشروعه الفكري هو الذي دعاه إلى الابتعاد عن المسؤولية السياسية المباشرة، وليس استقالته هي التي أنجبت مشروعه.

* ما الأشياء التي تنظر إليها كمنجز ذي أهمية خلال مرحلة توليك منصب وزير الثقافة؟ وبالمقابل ما الأحلام التي لم تتحقق؟ وهل ثمة أشياء يبدو شعورك نحوها اليوم شبيها بالحسرة؟ هل ثمة وُرش ومشاريع بدأتها ولم يكملها الآخرون؟

هي ليست في كل الأحوال منجزات شخصية، لكنني أعتز بالمساهمة فيها بشكل متواضع من موقعي في المسؤولية. إنني أعتز بمساهمتي في إنجاز المكتبة الوطنية للمملكة المغربية، وفي إنجاز أكبر ما أنجز في عهد الاستقلال من دور الثقافة، ومن فضاءات القراءة العمومية، كما أعتز بالمساهمة في مشروع المتحف الوطني للفنون المعاصرة والمعهد العالي للموسيقى والفنون الكوريغرافية، وفي إنجاز معهد الآثار والمعهد العالي للمسرح، وفي إعادة تهيئة المتاحف الأثرية وبعض المواقع الأثرية، وفي بلورة سياسة ثقافية في مجالات الكتاب والمسرح والفنون والمهرجانات. هناك أحلام كثيرة لم أنجح في تحقيقها، لكنني لست نادماً ولا متحسراً، فقد قمت بما كان يتوجب علي القيام به، واستمتعت كثيراً بالصعوبة والجهد، وأعجبني كثيراً أنني لم أجد الأمور سهلة.
في العمل العمومي أؤمن بالتراكم، وأعتبر أن الضمير المرتاح في السياسة هو أن تدرك بعد مغادرتك للمسؤولية أنك وضعت لبنة مهما كانت صغيرة، في بناء كبير، وأنك لم تسرق شيئاً بالطبع! عدا ذلك، يضحكني كثيراً من يعتبر المحو إنجازاً خارقاً، بينما الزمن يتكفل بالمهمة على نحو أفضل!

عن السفير اللبنانينة

أعلى