لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

 مجلات أدبية قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع




















































 

شيركو بيكه س: أن تبقى الحرية شامخة في هذا العالم العنيف

حاوره: سامي داوود

شيركو بيكه سكانت " مرايا صغيرة " بمقاطعها الشعرية القصيرة، أولى إنعكاسات الألم الكردي في التجربة الشعرية لشيركو بيكه س، إذ أيقظ من خلالها ما يجعل من الأشياء الجامدة الأكثر عادية في محيطنا اليومي، مستشعرة للوجع الكارثي الذي قيض للكردي أن يعيش حياته وفقا لهذا الوجع. لذلك تكلمت التفاصيل عن العنف و القمع و الأنوثة و الرومانسية الثورية كأنها تسرد لنا سيرة الأشخاص الذين تركوا بصماتهم و آثار عشقهم عليها قبل موتهم. لم يترك بيكه س شيئا جامدا إلا و أقام فيها روحيا. نوع من تلك الحلولية التي ظهر من خلالها المتخيل الجذري لربط الفكر بالشيء في بلاد الرافدين. فانتحرت المحبرة التي غمس فيها الطاغية ريشته ليعدم بها براءة الحياة. و صار الكرسي راويا على غرار الرواة الملحميين الممسكين بخيوط الحكايات المتقاطعة لحيوات لا يكتمل معناها بدون الإحالة إلى حيوات أخرى، و جاءت القلادة لتناقش فكرة الأنوثة في الرمزية المجتمعية، و هكذا دواليك. بات الشيء في سياق استخدامه " هايدغر" راويا للرؤى. في خضم الفوضى و الغضب الذي يلحف بالعالم و بطريقة التفكير بالحدث التاريخي. اقترحت على بيكه س أن نهمس معا حول الشعر؛ هذا الأجنبي ـ الشعر ـ الذي وجد فيه إدغار موران خلاص البشرية. فكان لنا البوح الآتي:

ـ سامي : تكتب الشعر كأنك تتنفسه. تعايشه يوميا بأوراق بيضاء مفردة و قلم رصاص و سجائر متتابعة. ألا ينهكك هذا الشغف اليومي بالشعر..؟

ـ بيكه س : لا أبدا. لا إنهاك و لا ملل و لا توقف. و ذلك لأنني عاشق للقراءة و لمتابعة النصوص الجديدة. و ثانيا لأنني مجنون بكتابة الشعر. فأنا أسافر يوميا داخل اللغة. أسافر لعوالم مختلفة كليا عن العالم المادي. و ما أراه داخل اللغة و أستكشفه، لا أجده داخل واقعنا اليومي. إنني أكتب المجاز و أسافر مجازا بالصور عابرا القارات إلى العوالم الأخرى. و هذا القطار البخاري الشعري لا يمكنه السير دون دخان سجائري. لقد تزوجت الشعر و هذا أكبر من الشغف اليومي. نعم إنني أتنفس جسد هذه الزوجة و روحها. أكتبها بقلم الرصاص، حتى إذ ما وقعت في خطأ ما، امسحه على الفور لئلا تشعر بأنني أهملها. فأنا لا أشطب الصيغ التي لا تعجبني بل أمسحها بالممحاة. كل شيء يبدأ أبيضا و من ثم تاتي الألوان تباعا. جنون و حب و شغف. و الشيء الوحيد الذي بإمكانه أن يوقفني هو الموت. و هو لا يبلغني بقدومه، بل يباغت. و لأنني لا أعلم بمجيئه مطلقا فإنني أجد في هذه الجهالة شيئا مفرحا.

ـ سامي : ضمن كتاب مشترك كتبه عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران بالإشتراك مع ستيفان هيسيل بعنوان " المتذمرون " وجد موران أن خلاص البشرية يمكن في الشعر. و لم يقصد بذلك فن الشعر، بل و إنما المضمون الإنساني الذي يقترحه الشعر للحياة. أتعتقد ، و ضمن هذه الفوضى التي تغلف العالم، أنه مازال الشعر قادر على إحداث فرق جوهري في حياة الإنسان المعاصر..؟

ـ بيكه س: نعم. إن المقصود به لدى " موران " هو هذا الجوهر الذي يتضمنه الشعر، من البراءة و النقاء و الصيرورة اللانهائية للحب. الشعر مرادف آخر للحب. و خلاص البشرية يأتي من خلال الحب. أليس هذا بالأمر الصحيح.؟ إن قاتل البشرية هو الكراهية و العنف و التطرف الذي نراه يوميا في بقاع العالم. روح الشعر هو المحبة و التسامح و السلام، و خلاصنا بالشعر يعني استنهاض قيم البراءة فينا. لذا، فالبشرية بحاجة إلى نوع من العودة إلى طفولتها المبكرة و أن تترفع على الجشع و السلطة المطلقة و التوجهات الدموية. في العالم الشعري... و كما تعلم فإن جميع اليوتوبيات النظرية في التاريخ هي طروحات شعرية. إن روح تلك العوالم الشفافة الجميلة مأخوذة أساسا من الشعر. و باعتقادي فإن أنقى الموقف الشعرية و أجملها هي تلك ظهرت في المرحلة لرومانتيكية و من ثم السريالية؛ الرومانتيكية كانت ضحية الحروب الجهنمية الكبرى. و قد جاءت السريالية لتكشف لنا قبح الواقعية المتسلطة. و الأهم كان تفجيرها للغة و لتركيب الجملة الشعرية، حيث قلبت اللغة التقليدية رأسا على عقب. على أية حال. هنا ليس المقصود بهذا الكلام الشعر ذاته لتغيير العالم.؟ فماذا باستطاعة الفراشة أن تفعل في هذا العالم الوحشي.

ـ سامي :استخدامك لقلم الرصاص في الكتابة. أهو ارتباط بالحالة الطفولية في الكتابة. حيث الشطب و الحذف جوهر الكتابة.؟ لكي يظهر ما نكتبه أجمل و أكثر إتقانا. أم إن الرصاص يوفر لك إحساسا بريا طليقا في الكتابة.؟ أم ماذا .؟

ـ بيكه س: كلها مجتمعة. فحرية أصابعي مهمة جدا. إنني أشعر بالإنطلاق و البرية في الكتابة حين أكتب بلقم الرصاص. بينما عندما أستخدم قلم الحبر و لا أستطيع أن أمسح ما أريد بالممحاة حينها أشعر بأنني مقيد اليدين. و كما تعرف فإنني لا أستعمل الكمبيوتر مطلقا و ذلك لأنني أشعر آناء الكتابة بأن أصابع غيري تكتب بدلا عني. طبعا، هناك شعراء و كتاب لا يستطيعون كتابة جملة واحدة إلا بالكمبيوتر. إنها نسبية التعود على استعمال أشياء ما في حياتنا. ربما الكمبيوتر أسرع. لكنني و كما تعلم أمضيت ردحا طويلا من عمري في المنحدرات و لا استطيع العودة مرة أخرى متسلقا هذه الأمور. لذلك أكتب باليد. و كما تقول أشعر بالحالة الطفولية في ذلك، فالطفولة هي النبتة الأولى و نحن بحاجة الآن لكي نستشف منها الشعر كي لا تجف الحياة. و الإبداع مرتبط بتلك النبتة.

ـ سامي : قال محمود دوريش في آخر حوار له: بأنه إن استطاع أن يعود بالزمن إلى الوراء، فإنه سيحذف نصف ماكتبه. أما أدونيس فإنه يعدل النص ذاته في كل مرة يعيد طباعته. بينما كان همنغواي يعدل مرارا و تكرارا في نصه قبل تقديمه للطبع، لأنه كان يعتبر النص بعد طباعته ملكا للقارئ. متى يبدأ و ينتهي تعديل النص لديك..؟ و هل هناك نصوص تشعر بأنك نشرتها قبل إكتمالها فنيا..؟

ـ بيكه س: لا أعلم متى قال ذلك شاعرنا الجميل محمود درويش. لكنني قبل سنوات كثيرة قلت الأمر ذاته، ربما بصياغة مختلفة لكن بنفس المعنى. و قد قلتها مرارا و بعيدا عن التواضع و المجاملة الأدبية. أنا من صنف الكتاب و الشعراء الذين يعدلون نصوصهم هنا و هناك إلى النفس الأخير قبل دفعها للمطبعة. لكن بعد الطبع ينتهي كل شيء. وحينئذ يصبح ملكا للقارئ و النقاد. آخر شيء أكتبه، يفرحني لفترة قصيرة جدا. بعد ذلك أنساه كأنني ودعته نهائيا. بعدها أشعر بأنني في فراغ و كأنني أكتب للمرة الأولى، كأنني لم أكتب شئا في السابق. أكتب من النقطة صفر في الكتابة. و لست نادما على ما كتبته سابقا، سواء أكان جيدا أم رديئا. و أشبه ذلك ألبوم صوري في مراحلي العمرية المختلفة. هناك صور حين أراها أضحك من نفسي، لكن ذلك لا يغير من حقيقة أن تلك الصورة هي صورتي حينما كنت ذاك الشخص... إن استطعت العودة بالزمن إلى الوراء لما دفعت بالكثير من قصائدي إلى المطبعة. و هذا الأمر يرجع للعجالة التي تدفع بنصوص للنشر قبل أن تنضج فنيا الحالة الشعرية عند الشاعر أو لم تكتمل الصورة لديه فيستعجل في إتمامها. بعد كتابة كل نص، و كما أسلفت أشعر بالغبطة لفترة محدودة و بعدها أعود إلى الظمأ الإبداعي مرة أخرى. و أعتقد بأن ذلك يشكل علامة مضيئة في تجربتي الشعرية، كونها أبعدتني كليا عن القناعة و الإكتفاء بما أنجزته، و إنما على العكس، منحتني هذه الخاصية ألا ألتفت إلى الوراء و التباهي به، بل أن أتقدم دائما للإمام نحو المجهول، لى الصورة التي لم أرسمها بعد و إلى الأغنية التي لم اغنيها بعد. طبعا لا تأتي كل النصوص بالمستوى الفني ذاته كأنها سرب من الطيور تطير معا بمستويات متفاوتة. إن ما يتبقى في المحصلة هي قلة من النصوص، و من خلال هذه القلة نتعرف على الشعرية في كل زمان و مكان.

ـ سامي : أيمكننا القول أن الخلق الفني ليس مرتبطا بالإنزياح الشكلي أو الموضوعاتي، بل و إنما بالمعالجة الفريدة للموضوع و لفرادة التركيب الخاص للجملة..؟

ـ بيكه س: الشعر الذي يفتقر إلى الفنية و اللغة التعبيرية العالية. لا تشفع له قدسية الموضوع أو العواطف أو أي شيء آخر. فالكثير من القصائد التي كتبت للثورات العربية أو الكردية كانت قصائد عادية من الناحية الفنية، و بالتالي أضرت بالوطن و بالثورات أيضا. و هذا لا يعني بالمطلق أن المواضيع الأخرى تخلق قصائد عالية المستوى، فالشعر الصوفي نظم وفقا للشكل الكلاسيكي و ليس فيها مجازفات فنية و ابتكارات شكلية، بل ظلت كما هي في النظم العادي للشعر. إن المهم هو اللغة المعبرة و المتقنة فنيا.

ـ سامي: تتعايش و تنصهر في نصوصك عدة أجناس أدبية. و قد لاحظت في نصوص شعراء آخرين، و بعد إصدار عدة دواوين شعرية، ميل كبير للجمل الطويلة و للسرد الروائي و كذلك لترقيع بعض الفراغات النصية بتراكيب فكرية تظهر و كأنها دخيلة على النص أو محشورة في القول الشعري دون أن تتموقع فكريا في سياق الشيء المقول. أتعتقد أن مآل القول الشعري هو الجملة السردية الطويلة.؟

ـ بيكه س : أنت تعلم جيدا، بأنني أكتب و منذ عشرين عاما المطولات الشعرية وكذلك النصوص المفتوحة، و هذه الأخيرة و وفقا لتعريفي لها،هي نصوص لا تتوقف عند جنس ادبي محدد، بل و إنما تتركب من أجناس أدبية مختلفة ضمن ذات النص. فيها الشعر والقص والمنثر والمسرح معا. وقد ترجم بعضها إلى العربية و كان من بينها ترجمتك أنت لديوان " الكرسي " الذي صدر عن دار المدى بدمشق 2007. و قد ترجم غيرها إلى العربية، و باعتقادي أن النص المفتوح هو النص المستقبلي للشعر أيضا.

ـ سامي: يضاعف الشعر من إحساسنا بالأشياء في العالم، لذلك تجد الشاعر منهكا و شاحبا كأن الموت يلاصقه. و لأنك منهمك يوميا بالشعر، كيف تتحمل الواقع بكل خشونته ..؟. أم أن إنشغالك اليومي بالكتابة هو طريقك كي لا تموت بسبب الواقع كما كان حال نيتشه..؟

ـ بيكه س: الشعر بطبيعته حسي، و مكانه في جغرافية الجسد هي الأحاسيس. وبهذا المعنى فإن الشاعر برهافته الحسية يكون كالأرجوحة المتأرجة فوق الهاوية في هكذا زمان، تهتز هذه الأرجحة لأدنى حركة من حوله، لأخف همسة، إنه الورقة الخريفية لشجرة مثقلة الهم جراء قساوة العالم، لذلك فإن الشاعر ـ او يجب أن يكون الشاعر ملتزما بإنسانيته كأنه مسؤول عن مقتل إي عصفور و سحق أية وردة ردم أي نبع في كل مكان. ليس ضروريا أن يوجد الشاعر في وطن محدد ينتهي فيه عشقه وتتوقف عنده مسؤوليته، فعيون أطفال العالم هي موطنه، و سفك كل قطرة دم في العالم يجرح الشاعر. لكن ليس كل الشعراء إنسانيون. إنني أعتقد بأن هناك صنفين رئيسين من الكتاب و الشعراء، منهم يكتبون نصوصا إبداعية لا خلاف على أهميتها، لكنهم ليسو إنسانيين. بمعنى أن إباعهم لم يكن مصادقا لمواقفهم الإنسانية، و هناك أمثلة كثيرة في التاريخ، كآزرا باوند و جون شتاينبيك و محمد الماغوط، و هذا الأخير بدأ ناقدا للسلطة و انتهى متعصبا لها و غير إنسانيا و لا حتى ثقافيا في موقفه من القضية الكردية، بل تقدم بإفكار تدعو للإستغراب. و انت تعلم بأن بعض الشعراء كتبوا المدائح عن الطاغية صدام حسين حتى آخر لحظة في حياة هذا الدكتاتور دون أي إحترام لكرامة ضحاياه. في الطرف الآخر يوجد مبدعون إنسانيون لم يتنازلوا عن إلتزامهم الإنساني و هم الأغلبية. هؤلاء الشعراء و الكتاب هم مبدعون فنيا و أخلاقيا. وقفوا مع الحرية و تبنوها حتى الرمق الأخير من حياتهم. باعتقادي هكذا يكون المبدع الحقيقي. الآن و في هذه الأيام العصيبة و الدموية لتي يمر بها الشعب السوري، ما الذي يمكننا قوله لأولئك الكتاب و الشعراء و الفنانين الذين وقفوا إلى جانب الدكتاتور.!؟ مقارنة بالمطرب الذي غنى ضد الطاغية فخلعوا حنجرته؟ أترك الجواب لهم. باعتقادي يتأتى شحوب الشاعر من الإنهاك الذي يعانيه بسبب العنف و المرارة التي تملأ الواقع. فمن الملاحظ في التاريخ أن حياة الشاعر كانت بمثابة الحالة النقيضة لحياة الجناة الذينتلطخت أيديهم بدم الإبداع. لكنه مصيرنا و علينا أن نجابه الواقع و نكشف له خشونته و نعمل على جعله أجمل. إن الكتابة اليومية هي نوع من العمل المقاوم. ليس دفعا للموت عني شخصي، بل لكي ندافع عن الجمال والحرية في كل مكان. ليس مهما موتي أو بقائي، بل أن تحيا الكلمة الجميلة الطيبة، وأن تبقى الحرية شامخة في هذا العالم العنيف.

ـ سامي : من الخليج. من هم الشعراء الذين تجدهم الأقرب إليك.؟

ـ بيكه س: هناك شعراء و شاعرات من الخيج العربي أرسلوا لي مجموعاتهم الشعرية وقد أحببتها. لكن أبرز شعراء الخليج العربي وأكثرهم قربا لي و ذو جمهور كبير في وسطنا الثقافي الكردي هما الشاعران المبدعان قاسم حداد و سيف الرحبي.

ـ سامي : هل زرت أو أقمت أمسيات شعرية في الخليج العربي.؟

ـ بيكه س : بدون شك. أحب و يشرفني أن أزور دول الخليج و أن اقرأ في مجالس المثقفين هناك مختارات من قصائدي عندما تحين الفرصة المناسبة لذلك. و سأكون سعيدا أن نتبادل معا إجراء الإمسيات الشعرية فيما بيننا. فقد سمعت من بعض الأصدقاء بوجود قراء كثر لأشعاري في الخليج العربي.

ـ سامي : لدي بعض العبارات. أريدك أن تقول فيها شيئا ما:

ـ النافذة ...

ـ بيكه س: عيون أخرى في حياتنا

ـ العشب...

ـ بيكه س: أوتار الأرض اللامتناهية

ـ الهتافات...

ـ بيكه س: صرخات التاريخ و لا بد منها.

ـ المرآة المهشمة...

ـ بيكه س: مذكرات ميتة

مختارات من أشعار شيركو بيكه س

مَحْبرة

محبرة خضراء
رمت بنفسها من فوق رفٍّ،
وبعد دفنها،
عثروا في علبتها على قصاصة
كُتب عليها:
"لقد قتلتُ نفسي، لأن أحد الأقلام
إمتلأ بحبري عنوة،
كي يأسرَ سرباً من كلمات نيرودا، المحلِّقة".

ههنا
ههنا، الليلة،
الجبل شاعر،
الشجرة قلم،
السهب ورق،
النهر سطر،
والحجر نقطة..
وأنا..
عامة تعجب!.

الشاهدة الوحيدة

تقاطعُ شارعين، هو الصليب.
بقعة دمٍ، هي الجريمة الجديدة؛
عصفورة على السلك،
هي الشاهدة الوحيدة،
والتي لن تدعوها أيةُ محكمة، أبداً.

أمي

حين كبرتُ،
رأى معصم يدي اليسرى،
الكثير من الساعات؛
لكن، قلبي لم يفرح،
مثلما كان يفرح،
حينما كانت أمي تعض معصمي الأيسر،
وأنا طفل،
تعمل بأسنانها
ساعتها على يدي.

غرفة

استطاع شعاع، أن يفلتَ من قبضة سنّارة،
هرب..
وفي الطريق، تعثر بنايٍّ،
فوقع، وأُدميَ رأسه،
ثم نهض،
إلتفتَ..
فرأى باب غرفة "كنفاني"، مفتوحاً،
دخل مع الدم.

حيرة
في هذا الجبل..
حائرة هي الشجرة،
أتهرب، أم تبقى متسمرة؟.
في هذا النهر..
حائر هو الماء،
أيستحيل إلى رطوبة، أم بخاراً؟.
في هذه الدرب..
حائرة هي القدم،
أتتراجع، أم تستمر؟.
في هذا البستان..
حائر هو الطائر..
أينكفىء، أم يحلق؟.
في هذه اللحظة..
حائرة هي كلماتي،
أتكمل هذه القصيدة، أم تتركها لكم؟
فلأتركها لكم.

جيمس جويس
رأسٌ
بحجم حبة جوز هندية،
عوينات مدورة،
جسد لايضاهيه القصب في نحوله،
كانتِ الريح تحيا في تلك الجوزة،
وماوراء العوينات، شمسان،
وفي القصب، سمفونية.
عنوان
لا إسم مدينة
و لا حارة
و لا شارع
لا رقم هاتف
أو صندوق بريد
أملك
و لكن
كل يوم
و بإمتداد الطريق
تجيئني رسائل خضراء
من البعيد .. و القريب
لأن
شِعري نفسه هو ساعي البريد للمحبّة
و عنواني
خِندقٌ لآخر شهيد .
هنالك..
هنالك..
يصنع الحزنُ، الآن من قصب المستنقعات،
ساعاتٍ دموية،
لكل منْ لايد له، ليلبسها،
أو عينين لينظر إليها،
أو داراً، ليعلقها.
فتلك الساعات..
تعمل بتوقيت الجلادين،
وتشير إلى الموت
دائماً.

مضيق الفراشات
مقطع من قصيدة طويلة

من هنا.. حين أنظر إلى وطني،
يتثنى، يتثلث، يتعشر. يت..
كلُّ مكان، كل حلم، وكل ذكرى
أمام عيني ذكرياتي،
فماذا أقول لها،
فماذا أقول..
فماذا؟.

كل يوم
تستطيل إحدى عيني،
ترحل إحدى يدي، وتهجرني..
وأنا ـ كل ليلة ـ أرض حزن بور.
في النهار، يحرثني ظمأ شهيد..
جئتُ، لتعلمني الريحُ كيف أخوض في النهر.
جئتُ، ليعلمني الحجرُ كيف أنبتُ عليه.
جئتُ، ليعلمني الجذر من أين أنفذ إلى قلب الأرض.
جئتُ، لتعلمني الوردةُ كيف أجمِّل القصيدة.
جئتُ، لتعلمني الطيور كيف تحلِّق رؤيتي.
بل جئتُ، ليشتعلَ في أعماقي هذا الحريق الهائل لعشق الوطن.
وها أنا، واثق كالحقيقة في هذا العشق الكثيف،
هانىء البال في مضيق الدخان والرعب، كرقصة الحرية.

طيلة عمر الجبال، لم يبقَ منشارُ زمنٍ
إلا وقد ولج دماءَ تاريخكَ.
طيلة عمر الجبال، لم يبق ثمت رأس سهم سلطان،
إلا وقد انغرز في رأسكِ المتمرد وطاف به.
مات السلطانُ،
لم يمتِ الحجر.
مات السيف،
ولم تمتِ الريحُ.

أقيس عمقكَ بجذري،
أصل إلى أعماقكَ كل حين،
أستخرج خميرة تاريخك، وماسة دمُّلكَ.
أقيس شموخك بلهيبي،
فأرتقي قمتكَ كل مرة،
أغرس في بستان الثلج عينيّ،
أنا والشعر انضفرنا معاً،
رحنا نلتف حول قامتكَ يراعتين،
نقدم لك هذه الصلاة ـ المطرة المقدسة،
وكلانا على مصلى حب واحد،
وأفق واحد،
وغيمة واحدة.

طويل هو دخان هذه الغابة الحزينة كقامة خارطتي.
طويل هو دمع هذه الجبال، بل أطول من "دجلة" و"الفرات".
طويل هو إحتراق أوراق العشب على مدى رؤية عيني جراحي.
طويلة هي عذابات ألفبائي، من هنا، حتى "خاني".
طويلة.. طويلة.. طويلة هي غربتي،
أطول من كل سكك الحديد في أوربا،
لذا، لاأعرف ماالذي سأرويه لكم،
لاأعرف ما..
لاأعرف..
لا..

مختارات من ديوان " الكرسي "
ترجمة: سامي داوود

أنا كاتب هذا النص
عتيق في المدينة
مجنون كالريح
حاف
رث
حائر.

آتي وأغدو
حيناً أستحيل شعراً ثملاً في حانةٍ
وحيناً، في خلوة صوفية،
أمسي قصة حدباء،
أوخطيئة هائمة،
نثر على منازل السهوب
مسرحٌ للجثالةِ.

أنا العاشق
لا بد أن أندف
بأصابع أنفاسي
قطن هذا الزمن.
لتحلق الكلمات
وتستحيل العبارات ريشاً
للرياح التائهة، المشردة
التي لا بيت له
ولامعجم.

أنا حلاج آلامي البيضاء.
في صوتي تحفظ الغربة جسدها.
في عيني شعاع القرابين.
في خيط شعري
عشبة حنين للوطن.

ديلان
صوت سماء ناصعة
جناحا نغم جليل
يتعالى إلى الله
مقامه في هيئة قمة
وانحدار جبل.
مقامه غسقٌ يعبره صف طيور مهاجرة.
ترقط الثلج بظلالها
نقطة... نقطة
بصَفقها الحزين القلق.
مقامه خيال نهر
في السفح يمضي غريباً
وحيداً للبعيد.
يضع على جناحيه
صوت لكاثي
يأخذه، ويأخذه كحلم ليل طويل.

ممعناً في نقطة سوداء،
للحظات استحالت سنونواً حبيساً،
آنئذ رفعتُ رأسي،
حلق السنونو عالياً
أبصرتُ في سطح سماء ناصعة،
غيمة في سيماء كرسي،
نفسه، الكرسيُّ
وُضع قرب عرش الله،
منتظراً
أن تقعدَ عليه.. أخيراً
الحرية.

أعلى