لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



















































 

محمد شوقي الزين: ما الجدوى من الحفاظ على ماض

عريق بينما الحاضر في غاية التخلّف؟

بشير مفتي
(الجزائر)

محمد شوقي الزينمحمد شوقي الزين ظاهرة فكرية فريدة من نوعها بالجزائر رغم انه يقطن منذ سنوات بفرنسا إلا انه يمارس حبه للفلسفة وشغفه بها انطلاقا من وعي جزائري يتلمس من خلاله أصالة تلك الروح المتفتحة على العالم، ولهذا نجد الحوار بينه وبين جاك دريدا مثلا عبارة عن حوار ينطلق من المشترك/ الجزائر ليصل للبحث عن معنى الاختلاف الدريدي العالمي. والمؤسس محمد شوقي مفكر متمكن، وباحث متميز أصدر العديد من الكتب منها تأويلات وتفكيكات، الإزاحة والاحتمال، إزاحات فكريةّ، سياسة العقل، وله ترجمات منها ' فلسفة التأويل' لغادامير، و' حديث النهايات' لعلي حرب من العربية للفرنسية، كما له كتاب بالفرنسية عن الهوية والغيرية، وآخر قيد الصدور عن ابن عربي وميشال دوسارتو بالفرنسية وكل مؤلفاته صادرة عن منشورات الاختلاف.

* كيف يفكر المفكر في الشأن اليومي وما هي أدوات هذا التفكير؟

نفكّر أحياناً في أشياء غائبة: نفكّر مثلاً في الإنسان ونجد أنفسنا نتحدّث عن إنسان ميتافيزيقي في علاقة جوهرية بالكون أو ما وراء الطبيعة كما كان شائعاً في الفلسفات القديمة في نظامها الكوسمولوجي عندما كانت تربط النفس البشرية بالعقول المفارقة. كناّ نفكّر في الإنسان لكنّه كان غائباً وكان خطابنا حوله يتكلّم في مكانه وينوب عنه. التفكير اليوم هو في أساسه قراءة في الشأن اليومي لما ينطوي عليه من ذخائر وبصائر، لأنّه يمسّ الإنسان في حقيقته وواقعيته، أي ما يفعله من إجراءات أو ما يتّخذه من تدابير أو قرارات. فلا نتعامل بما هو عليه الإنسان من أحوال أو أطوار ولكن بما يؤدّيه من وظائف أو ما يبتكره من وقائع. والشأن اليومي يدلّ على الابتكار الخلاّق الذي لا ينضب، الكلّ في نطاقه وحسب قُدُراته، لا اختلاف في ذلك بين العمل اليدوي والتأمّل النظري. وأدوات هذا التفكير تكمن في استقراء الخطابات العادية كما فعلت الفلسفة اللغوية مع سيرل وأوستن ( روّاد الأفعال الخطابية: (speech acts أو الفلسفة الاجتماعية مع إثنوميتودولوجيا غارفينكل أو تفاعلية غوفمان الرمزية. فالتراث اللغوي وأقصد به اللغة العادية ( بما فيه العامية) تنطوي على مجازات أو أمثال أو إضمارات أو أساليب. لهذا السبب لم يفكّر أرسطو سوى بلغته العادية ( الهلّينية) التي أتاحت له التفكير في الجنس والنوع والماهية وغيرها من المقولات الفلسفية، ولم يفكّر هايدغر سوى بلغته العادية ( الجرمانية) وربطها بأصولها الإغريقية واللاتينية، ويمكننا التفكير بلغتنا العادية باستثمار أمّهات معاجمنا اللغوية مثل ' لسان العرب' وأيضاً التأمّل في الابتكارات المعجمية. مثلاً مفردة ' الحُرة' في اللسان الجزائري هي أشدّ وطأ'ً من الظُلم أو اللا عدل رغم انحدارها من مفردة الاحتقار، لكن الواقع أو السياق يمنحها قوّة بلاغية، لأنّها ترتبط بالظروف المعيشية العسيرة وليست مفردة منمّقة منقطعة عن تربتها الواقعية.

* هل يعني ذلك إنزال الفكر للواقع أم محاولة فهم الواقع من منظور مغاير يزيح حجب هذا اليومي؟

لقد كانت الحياة اليومية مغيَّبة عن الدراسات الفلسفية نظراً لانغماس هذه الدراسات في المثاليات الأفلاطونية: كان الحديث عن الواقع حديثاً مثالياً أو لنقل مثال الواقع حجب الواقع، مثلما كان يهوى قيس مثال ليلى في خياله وكان يخشى مواجهة ليلى الواقعية. كان ولا يزال تعاملنا مع المقولات من هذا النمط، لهذا نُعلي من شأن ( المرأة) رمزاً وديناً وشعراً ولكنها في القوانين والأعراف، أي في الواقع، هي دون ذلك، تواجه السطوة الذكورية والإكراهات الدينية والقانونية في الخضوع إلى زوجها مع مخاطر الضرب أو العقاب الذي تعانيه أو أعباء تربية الأولاد التي تتحمّلها. وأيضاً نُعلي من شأن ( الإنسان) سياسة ً وديناً وأدباً، بينما هو في الواقع سواء الجلاّد أو الطاغية المتألّه الذي يتناسى بشريته وجبلّته، أو الضحيّة والمنبوذ كما تدلّ على ذلك الاختراقات الفاضحة لحقوق الإنسان في أكثر من بلد. إنزال الفكر للواقع يتيح سبر الوقائع كما تتبدّى في عرائها أو تتجلّى في خصوصيتها دون خطاب التبجيل الذي يحجب قسوتها أو سطوتها، أو خطاب التهويل الذي يُخفي بهاءها أو جلالها. خاصية التعامل مع الواقع اليومي أنّنا إزاء الحياة في أبهى تجليّاتها وتكمن الحصافة في التعبير عنها أو الكتابة حولها كما تتبدّى للعيان، أي التفكير فيها من وجهة نظر معرفية أو أدبية (قصص أو روايات) وليس من خلفية إيديولوجية أو انتهازية.

* كيف تقرأ ما حدث بيننا وبين مصر على لعبة كرة أنتجت حالة حرب وفي نفس الوقت عودة لوطنية كانت لوقت قريب عاجزة عن بعث نفسها بأي شكل؟

أظنّ أنّها المرّة الأولى في دنيا الرياضة التي تُحدِث فيها كرة القدم أزمة دبلوماسية بين بلدين. بينما عجزت المؤسّسات السياسية أو الدينية عن تعبئة الجماهير لأنّها فقدت المصداقية في ( سياسة) الأفراد بعدل وتوازن، قامت كرة القدم بشحذ الإرادات الجماهيرية لأنّها ليست مجرّد لُعبة للظفر بالفوز، وإنّما أضحت مؤسّسة بشرية تعبّر فيها الجماهير عن تعاستها أو اعتزازها، بينما انعدمت الحرية على الصعيد السياسي (انعدام السلوك الديمقراطي أو المعارضة البنّاءة) وجدتها الجماهير في المؤسّسة الرياضية. لكن ردّ الفعل المصري كان غير متوازن واندهشتُ من وجود جماعات على الشبكة، في الفيس بوك مثلاً، أنشأت صفحات عنوانها ( أكره الجزائر I hate Algeria) وهو تعميم فاحش ولا مبرّر له انخرطت فيه النُخبة المثقفة في مصر ممن تهوى السهرات والكاميرات للنَيل من كرامة بلد بأكمله بالاعتداء على رموزه والقدح في تاريخه دون تمييز أو تعقّل أو رويّة. والعجيب أنّ البلد الذي يختصر مصيره في كرة القدم يحيا بلا شكّ أزمة في الثقة بالنفس، لأنّ تاريخه أو تراثه أو ثقافته تغنيه عن السقوط في الانفعالات الصبيانية أو التنديدات الهستيرية. لا شكّ أنّ لمصر حضارة راقية ولكن هذا لا يبرّر النجاح في جميع الميادين. فلا بدّ من القبول بالفشل أو الإخفاق الذي هو'جزء لا يتجزّأ من الحياة. أن تكون لمصر حضارة راقية، لا يعني أن تكون لها الأولوية على الجميع أو الأسبقية على الآخرين. مثلاً الولايات المتحدة الأمريكية هي في ريادة الأمم وتتحمّل اليوم مسؤولية فشلها في السياسة الخارجية كما فعل باراك أوباما بتصحيح الأخطاء الناتجة عن النزعة الوثوقية والاستعلائية للرئيس الأسبق جورج بوش.

على مصر والجزائر أن تتعلّما التواضع من مدرسة التاريخ لأنّ هناك حضارات أو إمبراطوريات سبقتنا (الصينية، الفرعونية، الحمورابية، الإغريقية، الرومانية، الإسلامية، العُثمانية) وهي اليوم مجرّد أحلام جماعية أو آثار معمارية أو نصوص أدبية وسياسية ودينية أو أفلام وثائقية أو سينمائية لا غير.

* هل يمكن القول أن كرة القدم هي أفيون الشعوب كما قال ماركس عن الدين أم نحن أمام شيء آخر تنتج معه رؤية أخرى؟

كرة القدم هي أفيون الشعوب إذا كان استعمال رموزها موجّها نحو'مطامع إيديولوجية أو أغراض سياسية. كرة القدم لا هي الداء ولا هي الدواء، إنّها لُعبة مفتوحة على الرهانات وتتمفصل بالإرادات، فلا يمكن نعتها بالخير أو الشرّ ولكن ( استعمالها) يتأرجح بين هذا وذاك. مثلاً السكّين لا يحتمل في ذاته الخير أو الشرّ ولكن استعماله يحتمل أحدهما أو الآخر، إذا كان استعماله من أجل قطع الخبز أو إصلاح الآلة أو من أجل تهديد الآخر أو اغتيال الشخص. كرة القدم هي'كذلك: يمكن اعتبارها كموعد جماهيري للتعارف والتعايش وتقاسم الأفراح والأنغام، وكفرصة اقتصادية في تسويق منتجات لها علاقة بالرموز الرياضية، ويمكن استغلالها لمرمى سياسي أو لغاية دينية، أي وسيلة في نفي الحريات أو قمع الأصوات.

تدخّل مثلا يوسف القرضاوي في أوج الأزمة بين مصر والجزائر للتنديد بهذه الفتنة وليقول بأنّ كرة القدم هي مجرّد لُعبة. هذا غير صحيح، لأنّ كرة القدم لا تنعزل عن الرهانات السياسية أو المواقف الهويّاتية أو الدوافع الاقتصادية أو البواعث الاجتماعية. بوصفها مؤسّسة رياضية، لكرة القدم رموزها ومفاعيلها وأيضاً روّادها وأعلامها: بالأمس كان الملك أو رجل الدين هو حارس الهوية أو الوصيّ على مصير الأمّة. أصبحت اليوم نجوم الرياضة والفنّ هي الأكثر شعبية والراعية لذخائر الأمّة والحاملة لآلامها وآمالها.

* ما دور الفلسفة في إنارة المواطنين بهويتهم الجزائرية اليوم حيث كان الاتهام المباشر موجهاً لهذه الهوية وتاريخها وغير ذلك؟

أتعجّب أحياناً من الذين يُشهرون هويتهم الفرعونية في مصر كما يُشهر المحارب سلاحه ويستعملون هذا الإشهار في تنمية الحسّ الوطني ذي النزوع النرجسي بالنَيْل من كرامة الآخرين ونَفي تاريخهم وتراثهم بشطحة صبيانية. أتساءل بحقّ: ما الجدوى من الحفاظ في المكتبات أو المتاحف أو الذاكرات على ماضي عريق بينما الحاضر هو في غاية التخلّف أو الطغيان أو الانهيار؟ للإغريق أيضاً تاريخ عريق ولكن اليونان هي اليوم في مؤخّرة الدول الأوروبية.

للولايات المتّحدة تاريخ حديث ابتدأ مع اكتشاف العالم الجديد وتعميره بالهجرة وهي اليوم في طليعة الأمم والحضارات. إذا كان الماضي فخر الأمّة وحاضرها مصيبة عليها من جرّاء الطغيان السياسي أو التخلّف الاجتماعي أو التدهور الاقتصادي، فلا كرامة لهذه الأمّة. لهذا من الأولى التعامل مع الهوية ليس فقط من خلفية تاريخية قائمة على تبجيل الماضي والعيش في مخيالاته وأحلامه، ولكن أيضاً انطلاقاً من الحاضر في تشكيل حياة معاصرة وراقية أو بناء واقع راهني لأبناء البلد. الهوية التي لا تُحسن التعامل مع حاضرها وبناء مستقبلها هي مجرّد نزوات صبيانية أو أوهام عابرة.

الفلسفة بما هي ممارسة فكرية في التأمّل في رهانات الحاضر تتيح للمواطن في الجزائر التعامل مع هويته بكثير من التعقّل والتفاعل وبقليل من الاحتدام والانفعال، وألاّ يأخذ الهوية في معناها الضيّق كاكتفاء ذاتي أو انفعال نرجسي أو انغلاق فردي أو جماعي، ولكن كاختبار في مجاوزة عوائق الزمـن ومصادفات الحياة وكخبرة في ابتكار الحاضر وصناعة الذات. هل يتعلّق الأمر هنا بطـــوبويات مستحيلة؟ لا إذا أحسن الجزائري استعمال هويته لأهداف براغماتية وجماعية وأن يذكّر مسؤوليه السياسيين بأنّ الهوية تُصرَّف بصيغة الجمع وبصيغ الحاضر والمستقبل وليس فقط الماضي، فهي ليست حكراً على أحد لأنّها ملكية الجميع.

* ما هي الطريقة المثلى لتفعيل ديناميكية الجزائر الثقافية في الداخل والخارج؟

الأزمة اليوم هي في نبذ الثقافة أو استعمالها لغايات إشهارية أو إيديولوجية. لا أقصد بالثقافة المهرجانات أو الأداءات التقنية أو الفنية، فهذا فقط الشكل ( البرّاني) وليس المحتوى (الجوّاني)، وأقصد بالمحتوى الحصافة والحذاقة، لأنّ الإنسان المثقّف هو الحاذق والمتبصّر بالشأن'المعرفي واليومي، له باع في فحص الأمور بميزان الرويّة والتعقّل والتبحّر في المعارف والفنون، والأكثر من ذلك هو ( التحلّي) بما يتثقّفه، التحلّي بالمعنى المزدوج: الجمالي (مثل ارتداء الحِلى) والخُلُقي (الالتزام بما يفقهه من الشأن المعرفي). تفعيل الحركة الثقافية مرهون بهذا التحلّي الجمالي والخُلُقي، لأنّ الثقافة هي أعمق من أن تنحصر في مناسبات مهرجانية أو بيانات مؤسساتية: إنّها نتاج ابتكار ذاتي أو صناعة فردية قابلة للتفاعل والتداول. للجزائر قوى فاعلة في الثقافة والأدب والفلسفة والفن.

من الأجدر بناء ( الرصيد) في شكل مخزون فكري يعبّر عن تجارب في الحياة أو خبرات في التفكير، وأداء ( الصفقات) بإزاحة هذا الرصيد الجزائري عن تربته وجذوره لينتقل من الصنف الجزائري إلى النوع البشري فيتعمّم أو يتعولم: والسبيل إلى ذلك هو التفكير بأدوات معرفية لغايات معرفية تخلو من أغراض إيديولوجية، والترجمة كمفتاح لأبواب العالمية، وإقامة الندوات والمؤتمرات والورشات كمحطّات للتلقّي والتلاقي، واستغلال الشبكة (الأنترنت) للاتّصال والتواصل. أتعجّب كيف نفتخر بأسماء لامعة وُلدت في أرض الجزائر مثل القدّيس أوغسطين أو الأمير عبد القادر أو جاك دريدا، تظهر بين الحين والآخر خلال مناسبات هي نتاج قرارات سياسية ( فردية أو جماعية) لتختفي على التوّ، دون أن تكون لهذه الأسماء من آثار فاعلة في ترقية هويتنا من منغلقها التاريخي والديني إلى منفتحها العلماني والكوني. فهل تحتاج هويتنا للقدّيس أوغسطين لتتدعّم من الداخل وتنقطع عن الخارج؟ هل تخدم هذه الشخصية الفذّة باقتفاء أثرها أم تستخدمها لأغراض ضيّقة وقاتلة؟ إنّها إحدى مفارقات التعثّر الثقافي الذي نحياه ما دمنا نختزل الثقافة في مناسبات عابرة تشتهر فيها الأسماء أو تُوزَّع فيها الألقاب أو الجوائز دون التحلّي بها على صعيد الفكرة والسلوك أو المنهج والرؤية.

* ماذا تقرأ هذه الأيّام؟

أقرأ المقالة التي كتبها إمانويل كانط ( ما هي الأنوار؟) والتي قام ميشال فوكو بالتعليق عليها في إحدى محاضراته في الكوليج دو فرانس. إنّنا نحيا اليوم في الوطن العربي ظروفاً مشابهة لعصر كانط، لكن بدرجة أقلّ. الأنوار هي دعوة لاستعمال العقل بتدبّر وروية في التواصل بين الأفراد، وجاءت في أوج السطوة السياسية والدينية مع فقدان مصداقيتها على أرض الواقع. جاءت مقالة كانط لتندّد بالرقابة الممارسة على الصحافة، واستفحال القمع السياسي والخرافات العقائدية بوجود ما كان يسمّى بـ ( الطاغية المتنوّر le despote 'clair') والعجيب أنّ هذا اللقب ينطوي على أوكسيمور ( تلازم الضدّين): من جهة الاستبداد السياسي ومن جهة أخرى الإنارة الفكرية. فهل تتعايش في الفرد نفسه الاستبداد والإنارة؟ لأنّ أحدهما مخالف بطبعه للآخر: الإنارة الفكرية تستبعد العتمة الاستبدادية. لكن تيقّن كانط أنّ المستبدّ يستعمل الفكر أو الثقافة ليعوّض فقدان المصداقية أمام من يسوس حياتهم ومصيرهم. إنّها حيلة دفينة في الحفاظ على مكاسب الحُكم السياسي أو الديني بالبراعة في البلاغة أو الأفكار. وهذا أمر نألفه عند العديد من الحُكّام في أكثر من بلد عندما يُصبح التألّق الفكري والبلاغي آلة في المحافظة على النفوذ السلطوي. الأنوار كما فهمها كانط وكما تساعدنا اليوم على فهم واقعنا هي اليقظة تجاه هذا الاستعمال الدنيء للفكر أو الثقافة من أجل تدعيم السلطة. لهذا جاءت الأنوار كدعوة لتعميم الثقافة واستعمال العقل، لأنّ تواطؤ الثقافة والسلطة يخدم بالأحرى الانفعالات الجماهيرية التي تقف أمام الحنكة السياسية والمهارة الفكرية واللسانية للمستبدّ موقف الدهشة والتمجيد، فيغيب العقل أو التمييز تاركاً المجال للافتتان وسحر اللسان.

* وماذا تكتب؟

لا أنقطع عن الكتابة لحظة واحدة أينما توجّهت، فالقلم دائماً في محفظتي أو الحاسوب النقّال في شنطتي، لأنّ الكتابة مثل الصيد، تترقّب انبثاق الأفكار أو الخواطر لتقيّدها بالعبارات أو الأساليب مثلما يقيّد الصيّاد غنيمته. والكتابة التي أباشرها هي خواطر أو تأمّلات حول ما أحدسه من حولي وأنشره في بعض الصُحُف مثل ملحق الأثر، أو تفكيرات عميقة تتطلّب أدوات نظرية أكثر ثراءً وبلورة. وأخصّ بالذكر ترجمة ميشال دو سارتو التي أباشرها، خصوصاً كتابه ( ابتكار الحياة اليوميةّ)، إنّني في ثُلُث الترجمة ، والقسم الثالث من ( تأويلات وتفكيكات)، مع العلم بأنّ القسم الثاني صدر تحت عنوان ( الإزاحة والاحتمال) بالإضافة إلى المشاركة في بعض الملتقيات بدراسات كما كان الحال مع مهرجان تاء الشباب في البحرين حول جاك دريدا في شهر آب (أغسطس) الماضي، وفي شهر آذار( مارس) المقبل في الملتقى الدولي حول فلسفة التأويل (الهيرمينوطيقا) في جامعة الراشيدية بالمغرب، والمشاركة في مجلّة ( أوراق فلسفية) في عدد حول ميشال فوكو طلبها منّي الأستاذ الدكتور أحمد عبد الحليم عطية من كلية الآداب بجامعة القاهرة. فالكتابة كما نرى هي صيد لا ينضب، تتحيّن الفُرَص المتاحة لإصابة الهدف. وهنا أستعيد الثلاثية التي أشار إليها محيي الدين بن عربي النظرة- الرمية - الضربة وهي مهارات أو فراسات نبوية تساعدنا على مقاربة الكتابة بوصفها ( نظرة) في الإلمام بالفكرة، و( رميةّ) بقذف العبارة، و( ضربةّ) بإصابة المعنى. فهي لا تنفكّ عن خصوصيتها البوليموسيةّ (الصراعية) كما أرادها القدماء من الإغريق. في الكتابة نحن في حرب ضدّ التمويه أو التشويه، ومن أجل التنوير وابتكار الحقيقة. إنّها درعنا الواقي وسلاحنا الراقي، من أجل المعرفة.

القدس العربي
19/01/2010

أعلى