لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

 مجلات أدبية قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع









































 

سامي مهدي: الادعاء بتفوق شكل شعري على آخر

مراهقة فكرية ومصادرة للمستقبل

* حاوره : هشام عودة

سامي مهديأنت أحد الأسماء التي أكدت حضورها في المشهد الشعري العربي ، وتنتمي إلى جيل ما بعد الرواد ، وكنت أحد المنظرين لقصيدة التفعيلة ، بدا غريباً أن تتحدث عن دور القصيدة العمودية في الشعر العربي المعاصر ، ما الذي أردت قوله من وراء هذه الدعوة؟

ـ أظنك تشير بهذا إلى أحدى مقالاتي التي نشرت في الدستور الثقافي قبل مدة. ولكن لو عدت إلى المقالة لرأيت أنني كنت أدافع عن أوزان الشعر العربي ، وليس عن القصيدة العمودية. فهذه الأوزان غنية ومتنوعة بموسيقاها ومن الخطأ التخلي عنها وهجرها. وأنا لا ألزم أحداً بكتابة شعره بها ، بل أطالبه بأن يتعلمها فقط. فما يحدث الآن أن الغالبية من شعراء الأجيال الجديدة تتعالى عليها ، فتتجاهلها أو تجهلها ، ومن يحاول أن يتعلمها منهم لا يعرف الكثير عنها ، وأنا أرى أن تعلم الأوزان ضرورة ثقافية للشاعر العربي ، وإن قرر ألاّ يكتب شعراً موزوناً. فهجر هذه الأوزان بهذه الطريقة يعني القطيعة مع تراثنا الشعري الغني ، لأن المعرفة بأوزانه شرط من شروط تذوق هذا التراث وفهمه واكتشاف عناصر الجمال والفن فيه.

ثم أنني دعوت إلى قبول كل الأشكال الشعرية وتركها تتعايش في ما بينها حتى يبقى منها ما يبقى ويموت ما يموت بصورة طبيعية. ونهيت عن الادعاء بأن هذا الشكل أو ذاك أرقى الأشكال وأجدرها بالحياة ، كما فعل أدونيس وأنسي الحاج مثلاً ، فهذا الادعاء ، في ما أرى ، مراهقة فكرية ومصادرة لحق الاختيار ، بل هو مصادرة للمستقبل كله ، إذ ما يدرينا بما يخبيء الغد من أشكال جديدة؟ ألم يقترح بعضهم القصيدة الرقمية ، ثم القصيدة التفاعلية؟

وأقول بإيجاز: إن علينا أن نطالب الشاعر بأن يبدع في الشكل الذي يكتب به ، وليس من حقنا أن نملي عليه اختيار شكل معين دون سائر الأشكال. فالكتابة بهذا الشكل أو ذاك لا تعني الإبداع ضرورة ، وقد يبدع الشاعر في قصيدة عمودية أكثر من شاعر اختار التحرر من الوزن والقافية.

* يلاحظ المتابعون لمشروعك النقدي اهتماماً بالشعر الجاهلي ، هل تعتقد أنه ما يزال هناك ما يقال فيه؟ وما الذي أغراك بخوض هذه التجربة؟

ـ دعني أوضح أولاً أنني لست بصاحب مشروع نقدي ، فأنا لا أملك مثل هذا المشروع ولم أخطط لمثله. بل إنني لا أعد نفسي ناقداً أصلاً ، برغم أن بعض الصحف والمجلات التي أنشر فيها تصفني بالناقد أحياناً. أنا شاعر أولاً وأخيراً ، ولكن الشعر وحده لا يستوعب كل ما أريد قوله ، ولذا أكتب بعض الدراسات والمقالات الأدبية للإفصاح عن أفكاري وآرائي ، وللإسهام إسهاماً أوسع في الحياة الثقافية العربية. أما إذا عدّت دراساتي ومقالاتي نقداً ، وحسبت في النقاد ، فهذا كرم قد لا أستحقه.

ولنأتً الآن إلى الشعر الجاهلي ، أنا أحب هذا الشعر ، فهو يمثل العرب في ريعانهم ، واكتشافهم لأنفسهم ، وإفصاحهم عنها. وأعتقد أن القول فيه لم يستنفد بعد ، ولا أظنه سيستنفد. فهذا الشعر هو موروثنا الأدبي الوحيد من العصر الذي قيل فيه ، ولا يصح أن نغلق باب النظر فيه في عصرنا هذا وفي العصور اللاحقة. فلكل عصر من العصور معاييره الذوقية والجمالية ، ولأبنائه آراء واجتهادات ومناهج درس غير التي تلقوها ممن سبقهم من الباحثين والنقاد ، وأنت إن تغلق باب العودة إليه ، فكأنك تقول دعوه يذهب إلى زوايا التاريخ المهملة.

ثم أن أغلب ما كتب عن هذا الشعر دراسات أكاديمية ، وكثير من هذه الدراسات جامد وهزيل يكرر مقولات تقليدية ، ويستعيد أحكاماً قيلت منذ قرون ولا يكاد يضيف شيئاً إليها أو يأتي بجديد فيها ، فلابد إذن من أن يظل هذا الشعر موضع نظر ومراجعة لاكتشاف ما لم يكتشف فيه ، وهو في رأيي ، وبناء على ما لاحظته في مراجعة متأخرة له ، كثير جداً. ولعلي وفقت إلى بعضه.

*لديك اهتمام بالأدب الرافديني القديم ، فما الذي اكتشفته في هذا الأدب ، وأين تضعه في خارطة الآداب القديمة؟

ـ أنا أيضاً شغوف بأدب العراق القديم ، أراجعه من مدة إلى أخرى ، وأكتشف فيه ما لم أكتشفه من قبل. فالمؤرخون والآثاريون الذين ترجموا هذا الأدب ودرسوه لم يتعمقوا في دراسة جمالياته وخصائصه الفنية - وهم معذورون - فهم في نهاية الأمر ليسوا بأدباء ولا نقاد ، وما يهمهم هو الجانب التاريخي أولاً ، ولذا فاتهم أن ينتبهوا ويتوقفوا عند الكثير منها ، وهذا ما حرضني على دراسته بعين أخرى ، هي عين الشاعر والأديب ، وأظن أنني اكتشفت فيه أشياء جديدة ، واستنبطت منه أحكاماً أخرى غير التي استنبطوها. وبرغم أنني أصدرت عنه كتاباً قبل عامين بعنوان ( نظرات جديدة في أدب العراق القديم ) ، ونشرت دراسات أخرى في الصحف والمجلات ، ما يزال عندي ما أقوله فيه ، وقد أكتبه إذا سمحت لي الظروف. ولا أكتمك أنني ، وأنا أدرس هذا الأدب وأكتب عنه ، كنت أشعر وكأنني أسهم في التعبير عن عظمة تاريخ العراق وشعبه وأدافع عن وحدته الوطنية.

إنه أدب عظيم ، أدب إنساني فذ ، يحتوي التجربة الروحية لشعب بنى حضارة أصيلة هي إحدى أقدم حضارتين في التاريخ ، والثانية هي حضارة مصر القديمة دون ريب. واللافت للنظر أن هذا الأدب شعر في غالبيته العظمى ، وهذا ما زاده قرباً من نفسي. وهو عندي من الأهمية والغنى بحيث أثّر في الشعوب القديمة المجاورة للعراق كلها ، من بلاد عيلام ( في إيران ) شرقاً حتى البحر الأبيض المتوسط غرباً. كما أثر في الشعوب التي استوطنت بلاد الأناضول وزحفت على الشمال السوري كالحوريين والحثيين والميتانيين ، ووصل تأثيره إلى الإغريق ، فتصورات هؤلاء ، أعني الإغريق ، عن العالم الأسفل مثلاً مستمدة من هذا الأدب. أما تأثيره على كتّاب التوراة وشعرائها فلا يقتصر على سفر التكوين ، بل تجده في أسفار أخرى كالأمثال ، وأيوب ، والمزامير ، والمراثي وغيرها. فسفر أيوب مثلاً أساسه قصيدة لشاعر بابلي يدعى أوبيب ، ولي دراسة مفصلة منشورة عن ذلك. بل أنت تستطيع أن تلمس بعض آثاره في شعر مصر القديمة ، وعندي أدلة ملموسة على ذلك. وهذا كله يضع هذا الأدب في مقدمة آداب الشعوب القديمة التي سبقت ظهور الأدب الإغريقي.

الجدل حول توفيق صايغ

* كتابك عن الشاعر توفيق صايغ أثار جدلاً لم يتوقف بعد ، لماذا الآن توفيق صايغ؟ وهل تعتقد أن تجربته الشعرية ما زال يكتنفها الغموض؟

ـ الواقع أنني كنت أريد الكتابة عن تجربة توفيق صايغ الشعرية منذ ثمانينيات القرن الماضي ، ولكن كانت بي حاجة إلى معلومات مفصلة عن سيرته الذاتية لم تتوفر لي إلا بعد صدور كتاب الأستاذ محمود شريح ، وحين صدر هذا الكتاب كنت مشغولاً بشؤون أخرى فأجلت الكتابة حتى سمحت لي ظروفي بها. وقد كنت أتوقع أن يثير كتابي هذا جدلاً ، بين بعض الأدباء اللبنانيين خاصة ، ولذا لم أستغرب حين ثار. غير أنني لم أقرأ مما كتب عنه حتى الآن سوى مقالات الناقد فخري صالح ، والشاعر أنسي الحاج ، وكاتب آخر لم أقرأ له شيئاً من قبل هو: حسين بن حمزة.

الناقد فخري صالح عدّ الكتاب من الكتب المهمة التي صدرت في نقد الشعر خلال السنوات القليلة الماضية. والشاعر أنسي الحاج وافقني على ما قلته من آراء وأحكام ، ولكنه أخذ علي أنني لم أغص في نفس صايغ لأكتشف سر ما سمّاه ( افتعالاته ). وعندي أن هذه المسألة فنية وليست نفسية ولا اجتماعية. فصايغ لم يكن ( يفتعل ) أو ( يعاند ) ليخالف أو يختلف ، بل كان ( يجرب ) على كل المستويات ، وخاصة على مستوى اللغة ومستوى الإيقاع. كان يريد أن يتفرد في شعره عن شعر مجايليه ، كان يريد أن يكتب شعراً مسيحياً بمعنى الكلمة ، وأن تكون لهذا الشعر لغة خاصة ، وإيقاع خاص ، ولكن تجريبه أخفق في هذين المجالين. وما دام الحاج أكثر مني معرفة بصايغ ومشاكله النفسية ، فأنا أنتظر منه أن يتلافى هذا النقص الذي وجده في كتابي.

أما حسين بن حمزة فيؤسفني أن أقول إنه انطلق من موقف عدائي مسبق لا أعرف سره ، ابتداء من عنوان مقاله. فقد ذكر أنني اعتمدت عملياً على مصدر واحد هو كتاب محمود شريح في دراسة شعر صايغ ، وهذا صحيح فقط ، وإلى حد ما ، في ما يتعلق بسيرة الشاعر ، لأنه الكتاب الوحيد الذي صدر عن هذه السيرة وتحدث عنها بالتفصيل ، أما بالنسبة لشعر صايغ فقد راجعت أغلب ما كتب عنه وأهمه ، واستعرضت في الفصل الأول من الكتاب المصادر التي رجعت إليها ، وذكرت رأيي فيها ، وهي مقالات صحفية قليلة وسريعة في أغلبها ، وقد كتبت إما بروح عدائية ، أو بدوافع إخوانية وشللية. وليت ابن حمزة يذكر لي مصدراً واحداً مهماً لم أرجع إليه ، بدلاً من اتهام الكتاب تعسفاً واعتباطاً بنقص المراجع.

وادّعى بن حمزة أن الأفكار التي جئت بها قديمة ومدروسة ، وهذا غير صحيح على الإطلاق ، فأين هي ( الدراسات ) التي كتبت عن شعر صايغ وجاءت قبلي بما جئت به؟ ولم لا يذكر بعضها إن كان محقاً في ما يقول؟ ألا يكفيه دليلاً أن كتابي عن شعر صايغ هو الكتاب الوحيد الذي نشر عنه ، والقراءة الشاملة الوحيدة التي تناولته بالدرس والتحليل؟

أما في ما يتعلق بانتماء صايغ إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي ، فهذه حقيقة أثبتّها بقرائن وأدلة عديدة منها مقالات نشرها في ريعان شبابه ، ومنها نصان من شعره. وليس مهماً ، بعد ذلك ، أن ينفي أخوه أنيس هذا الانتماء أو يؤكده ، فانتماء الشباب إلى الأحزاب السرية لا يقترن بموافقة الأهل وعلمهم ضرورة. ثم أن كتاب أنيس الذي يشير إليه بن حمزة ، بشأن نفي انتماء توفيق إلى هذا الحزب ، قد صدر بعد تأليف كتابي ، وربما بعد إرسال مسودته للناشر قبل عامين ، وهو لم يصل العراق في أية حال.

وأخيراً يبدو لي أن بن حمزة كان قد كوّن لنفسه صورة ما عن صايغ ، وأفكاراً معينة حول شعره ، فلما لم يجد في كتابي تلك الصورة ، ولا تلك الأفكار ، حنق عليه. وعلى أية حال إن الجدل حول الكتاب لم يتوقف بعد ، كما تقول ، فدعنا ننتظر لنرى.

* سامي مهدي وحميد سعيد شريكان في تجربة شعرية ، وتجربة إنسانية ، هل تحرجك المقارنة؟ وما الذي يمكن أن تقوله في وصف تلك التجربة؟

ـ الشاعر حميد سعيد صديقي ، وهو أقرب أصدقائي إلى نفسي ، وصداقتنا ترقى إلى مستوى الأخوة ، ويندر اليوم أن تجد صداقة كالتي بيني وبينه. وبرغم أننا من جيل واحد ، وتجمعنا معاً الكثير من الأواصر ، فإن لكل منا خصائصه الإنسانية ، وأفكاره وآراءه الخاصة. ولكل منا تجربته الشعرية التي تختلف عن قرينتها في المعايير النقدية. والمقارنة بين التجربتين لها قواعدها ، ولذا لا أشعر بأي حرج منها ، وحين أقرأ ما ينصف تجربته ويعطيها حقها أشعر بالسعادة ، فكل ثناء يقال فيها كأنه يقال في تجربتي.

هناك من أدباء النميمة من حاولوا اللعب على وتر التفريق بيننا من مدخل الثناء على أحدنا والنيل من الآخر ، ولكنهم لم يحظوا بشيء ، فكل منا يعرف نفسه ويعرف صديقه. وقد كنا وما نزال ، نصد من يحاول اللعب على هذا الوتر ، أو نصد عنه في الأقل.

أما عن رأيي في تجربته الشعرية فلقد قلته في ما كتبته عن بعض دواوينه ، وفصلته أخيراً في مقدمة طويلة كتبتها لمختاراته الشعرية التي صدرت مؤخرا ، وهي في الواقع دراسة نقدية شاملة لا علاقة للصداقة والمحبة بمعاييرها وأحكامها. ويمكن أن أوجز رأيي الآن في تجربة حميد بأنها: تجربة كبيرة فريدة ومتميزة من تجارب الشعر العربي الحديث.

الدستور
18-9-2009

أعلى