“كتاب الوحشة”، عنوان الكتاب الجديد للكاتب السعودي عبد الله ثابت، الصادر حديثا عن “دار الآداب” في بيروت. حول الكتاب، وبعض التجارب الأخرى، هذا اللقاء مع المؤلف.
* لنبدأ بشكل تقليدي، هل لك أن تقدم نفسك إلى القارئ؟ كيف جئت إلى الكتابة؟
﴿ الكتابة بالنسبة إليّ كانت خلاصا وجوديا ولم أكن أتخيل أنني في يوم ما أنني سأصل إلى قارئ في أي مكان. كان الأمر بالنسبة إليّ تشبثا بذلك الجذع في نهر أو محيط أو بئر... حتى لا أغرق. ربما كان حظي طيبا واستطعت أن أصل إلى قارئ.
جئت من قرية جبلية في جنوب المملكة العربية السعودية وكنت فلاحا أو من أسرة فلاحية وما زلت ذلك الشخص. تعرضت كالجبل الذي أنتمي إليه إلى الاختطاف الإيديولوجي بشكل ما وفي لحظة من لحظات السؤال عن الذات والوجود فكرت أن هناك طريقا آخر نحو الحياة. شكرا للموسيقى وشكرا للشعر وشكرا للكتابة.
* لماذا لم تكن تحلم بالوصول إلى قارئ؟ بمعنى آخر ما هي المعوقات التي كانت موجودة أمامك حتى تجعلك تفكر بذلك؟
﴿ لم أكن أحلم بالوصول إلى قارئ في البدايات لأنني لم أكن أتعاطى الكتابة على سبيل كوني جزءا من حركة ثقافية أو أن دافعي كان مشروعا ثقافيا أو أي شيء من هذا القبيل. كنت أتعاطى الكتابة كما لو كنت وحدك في مكان وأخذت بدافع الهم تغني بينك وبين نفسك وفوجئت بأن هناك من يهتم لهذا الغناء الذي ما كنت تظن أن أحدا كان يسمعه سواك. وهكذا آمنت بجدوى الكتابة: أن تكتب كما لو أن لا أحد في هذا العالم سيقرأك.
* ولكن هناك اليوم قارئا للأدب السعودي الذي يعرف “طفرة” كبيرة. برأيك كيف تفسر حضور هذا الجيل راهنا؟
﴿ أفسره من جهتين، الأولى سمعتها منك أنت وهي أن هناك اليوم مجتمعا يتخلق ويبدأ بتشكيل ذاته بصورة جديدة وهذه الظاهرة هي أحد أشكال هذا التخلف أو التشكل الجديد. الوجه الآخر للأمر أو لهذه الظاهرة أن هناك مجتمعا كاملا لم يكن بوسعه أن يعبر عن ذاته إلا في ضوء صيغة واحدة ونمط ومظلة واحدة وفجأة أصبحت لديه القدرة أن يعبر عن هذه التحولات التي يمر بها، فبدلا من أن يخرج إلى الشارع خرج إلى الورق. وهي ظاهرة مهمة وأملي أن هذا الكم من الإنتاج في السنوات الأخيرة يتحول في حركة التاريخ إلى كيف ونوع.
* بهذا المعنى، لا تزال تعتقد أن الأدب على الأقل في قسم كبير منه لا يزال بمثابة “شهادة” عن مجتمع، ولم يصبح بعد حراكا ثقافيا فاعلا؟
﴿ تماما وأعتقد أيضا أنه لا يوجد في السعودية حتى هذه اللحظة تيار أدبي ولا حركة ثقافية ولا نقدية. يوجد لدينا أصوات هنا وهناك لكنها بعد لا تمثل تكتلا ولا تيارا.
الحياة في مكان آخر
* لا بد أن يقود الجواب إلى التساؤل عن أدبك أنت، أين تضعه؟
﴿ أضعه في خانة صوت من هذه الأصوات ولا أعرف إن كان صوتا مفارقا أو تقليديا، جيدا أم سيئا، لكنه صوت. التيّار هو الذي يملك مؤسساته المستقلة التي تنتج ذاتها باستقلالية تامة وهذا الشرط غير موجود بعد. وبالتالي فإن كل الذين يحاولون أن يقولوا شيئا كانوا بصورة ما في معزل عن الانضواء تحت أي مؤسسة من مؤسسات الثقافة لدينا. بمعنى أن أكثر الأصوات التي وصلت إلى القارئ العربي لن تجدها في الأندية الأدبية في السعودية وأغلبها كان يكدح بشكل فردي ومستقل تماما.
* أيضا كيف تفسر وصول هذه الأصوات بعيدا عن الشرط الرسمي إذا جاز التعبير؟
﴿ لا يوجد سبب معين لكن غالبا للتراكم الذي يقدم هذا الصوت عبر النشر في مؤسسات ثقافية وطباعة ونشر في بلدان أخرى، كلبنان مثلا، أعتقد أن كل الأصوات التي خرجت من السعودية ووصلت إلى القارئ العربي عبرت إليه إما من بيروت وإما من القاهرة. وهناك سبب آخر قد يكون إشكالية بعض الأسماء على الصعيد المحلي وما يحيط بها من الضجيج والضوضاء فتتشكل هذه الدوائر حتى تخرج إلى القارئ في مكان آخر. يبدو أن كونديرا على حق حين قال إن الحياة في مكان آخر.
* وأدبك يأتي من مكان آخر، من يقرأ أعمالك سيجد أن مرجعيتك مختلفة، وكأنها على قطيعة إذا جاز التعبير مع خطاب رسمي. من الذي شكل هذا المناخ عندك؟
﴿ أولا بشأن المكان الآخر بدأت من اليمن، فأصدرت عملي الأول من هناك ثم أصدرت الثاني من بيروت والثالث من دمشق والرابع والخامس من بيروت. ولم أصدر في السعودية غير مقالي الذي اكتبه في جريدة الوطن. أما المرجعية فأنا أنطلق من القرية من الجبل تحديدا ولكن قراءاتي التي أعتقد أنها كانت نقطة مهمة في تحولاتي الشخصية كانت دائما قراءات من الخارج سواء في الآداب العالمية أو العربية.
مسألة القطيعة لم تكن موقفا عدائيا بقدر ما هي البحث عن إجابة أوسع، قد لا تكون المعرفة أو الأدب الذي يتحرك في المحيط الذي نشأت فيه قادرة على أن ترخي حجم السؤال في داخلي فبحثت عنه في مكان آخر.
* قصدت بالمناخ المختلف، هو اقترابك من تجربة تتخطى الأدب المحلي التقليدي لتقترب من مناخات تكتب في أكثر من عاصمة وبلد. هل تجد وكأن ثمة خطابا واحدا يجمع اليوم غالبية الكتاب الشبان العرب؟
﴿ لا أستطيع التحدث عن الأمر كظاهرة لأني غير ملم بما يكتب اليوم على مستوى الوطن العربي لكنني أعتقد أن هناك إيمانا حقيقيا بأن الخطابات المفتوحة المناوئة للثقافات السائدة والإيديولوجيات في البلدان العربية، يجعل من كثير من التجارب متقاربة في خطها العام مع فروقاتها الخاصة بكل بلد وبكل فرد.
أعتقد أن وسائل الاتصال وتحديدا الانترنت قاربت بين صيغ التعبير إلى حد كبير وأوافقك الرأي كثيرا في خطورة هذا الأمر، ومهما يكن فأرجو أيضا أن هذا الكم، مرة أخرى، سينتهي إلى نوع.
بالنسبة إلى تجربة الانترنت في السعودية، أعتقد أنها مختلفة اختلافا تاما، لا يمكن أن تسوق عليها معاييرك في ما يخص البلدان الأخرى لأن الانترنت في السعودية لم يكن مجرد وسيلة اتصال وتعبير بل كان حياة بديلة.
تعبير مفتوح
بدأت مشروعك الكتابي بالشعر ولا تزال، لكنك أصدرت رواية، “الإرهابي” ما الذي قادك إلى “تبديل” النوع؟ هل تجد أن السياق لم يختلف؟
﴿ أنا ضد النوع وأخرجت ٣ تجارب في محاولة للاعتداء على هذا النوع وكسر النمطية. كانت في “النوبات” و”حرام” و”كتاب الوحشة” حيث لا يمكن لأحد أن يصنف هذه التجارب الثلاث في اتجاه ما. أما في ما يخص الرواية فأقول بأنني لم أكتب ذلك العمل بذهنية الرواية بل كتبته بذات الأرضية التي أنطلق منها وهي التعبير المفتوح والناشر هو من تبرع ووضع على الغلاف كلمة رواية.
* لكن المشترك بين هذه التجارب، ميلك أكثر إلى السرد؟ وهذا ما نلاحظه أيضا في كتابك الصادر حديثا عن دار الآداب في بيروت؟
﴿ أنا غير قادر على رؤية نفسي. ربما تكون هذه قراءتك أنت كناقد، لكنني بالفعل أتحرك أو أعبر في فضاء لا أهتم لنوعه ولا لكيفيته. لو وجدت في يوم من الأيام أن رسم خطوط في الهواء قد لا يكون لها معنى عند أحد لكنها تعبر عن احتقاني وتأزماتي الشخصية فإنني لن أتردد في أن أعبر بهذه الطريقة. ثم إنني أعتقد أن كل شيء في نهايته، إما أن يكون ذا روح أو بلا روح. وأرجو أنني ما زلت قادرا على أن أجعل للكلمات روحا، وليكن شكلها ما يكون.
* تربط كثيرا في كلامك، على أن الأدب هو أولا وأخيرا تجربة شخصية، بأنه يعبر عن حالة فردية؟
﴿ أؤمن بالذات وبالفردانية المطلقة وأعتقد أن الوجود فرداني لذلك أرى تماما أن الأدب المؤثر والحقيقي هو دائما ذلك الأدب الموغل في الذاتية. وأعتقد مثلا أن نيتشه وإميل سيوران لم يكونا بهذا الأثر الحارق والعميق إلا عبر هذه الفردانية والذاتية المحض.
* يبدو الإطار العام ل “كتاب الوحشة” وكأنه محاولة للتساؤل عن معنى الكتابة أو لنقل تجربتك مع الكتابة. هل ثمة وحشة ما بين الذات / ذاتك، والكتابة / كتابتك؟
﴿ هو انتقام لأن الكتابة دوما ذلك الأسلوب الضيق الذي تخرج منه الذات. الأمر يشبه أنك تفتح صنبورا تحت البحر فتأمل أي شيء أو أي حجم أو كلمات يمكن أن تخرجها هذه الحنفية من بحر سرمدي ولانهائي كالذات، لذا أحاول الانتقام من هذا الضيق بالضيق.
* ثمة مقطع، في الكتاب الأخير، فيه تحية إلى لبنان. لذلك، وهذا هو سؤالي الأخير، ماذا يعني لك هذا البلد وبخاصة أننا نجري الآن هذا الحوار على رصيف مقهى من مقاهيه؟
﴿ من زار السعودية وتحديدا مدينة أبها وبالتحديد أكثر ضواحيها باتجاه الجبل فإنه لن يجد هناك سوى وجه آخر لجبل لبنان. المدينة والقرية التي أتيت منهما تشبه كثيرا هذا المكان بالجو والطبيعة وحتى ملامح الوجوه. لكنك طبعا إذا ذهبت إلى أبها لن ترى الكثير من معالم الحياة التي تراها هنا ولكن ثق أنها كانت بذات الفرح وبذات النور قبل ٣٠ عاما. لقد كانت الحياة هناك مفتوحة على مصراعيها وحنيني إلى جبل لبنان هو ذلك الحنين الموازي إلى قريتي التي أريد أن أعود إليها ولكن بصيغة أخرى.
السفير
7 اكتوبر 208