لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة
بحر، بحرين، ثلاثة
جهة الأسبوع



































 

طلب مني محمود أن أعتني بقصائده الأخيرة

(بعد فوزه بجائزة الترجمة على كتاب مختارات لدرويش)

عدنان حسين أحمد

فادي جودةحاوره في لندن: لم تنطلق شهرة الشاعر والمترجم الفلسطيني فادي جودة من فراغ. فعلى الصعيد الشعري فازت مجموعته الشعرية الأولى التي انضوت تحت عنوان 'الأرض في العليّة' بجائزة سلسلة ييل للشعراء الشباب، وهي أقدمُ جائزةٍ أدبية في أمريكا، إذ أُسِست في العام 1919 من قِبل 'دار نشر جامعة ييل' التي تمنح هذه الجائزة للمجموعة الشعرية الأولى للشعراء الأمريكان الشباب الذين هم دون سن الأربعين. وتعود أهمية هذه الجائزة الى أن الشاعر البريطاني الكبير دبليو. إتش. أودِن كان رئيساً للجنة تحكيم هذه الجائزة للأعوام ' 1947-1959 ' وقد أصبح أغلب الشعراء الأمريكيين الشباب الذين نالوا هذه الجائزة أسماءً مرموقة في المشهد الشعري العالمي أمثال أدرينه ريتش، جيمس رايت، دبليو. اس. مَرْوِن، جون آشبيري وجون هولندر. فلا غرابة في أن يتألق اسم فادي جودة في الساحتين الثقافيتين الأمريكية والبريطانية. وقد تعزز هذا الحضور حينما فاز كتابه المُترجم 'عبء الفراشة' للشاعر الراحل محمود درويش بجائزة 'سيف غباش- بانيبال للترجمة' التي أُعلن عنها في 29 آب (اغسطس) المنصرم حيث وُزعت الجوائز على الفائزين السبعة في حفل مَهيب من قبل السير بيتر ستوتهارت، محرر المُلحق الأدبي لصحيفة 'التايمز' اللندنية في قاعة الملكة إليزابيث في لندن. وقد صدر كتاب 'الفراشة' عن دار نشر

'بلوديكس بُوكس' في لندن كما ظهرت طبعة أمريكية للكتاب المُترجَم نفسه عن دار ' كوبركنيون برس' والذي يضم ثلاث مجموعات شعرية لمحمود درويش وهي :
'سرير الغريبة'، 'حالة حصار' و 'لا تعتذر عمّا فعلت'. وبعد استلام الشاعر والمترجم فادي جودة لجائزة الترجمة لعام 2008 التقيناه وكان لنا معه هذا الحوار المُكرَّس للترجمة، آملين أن نحاوره قريباً في تجربته الشعرية المُغايرة التي لفتت انتباه القائمين على جائزة ييل الأدبية والتي مهّدت له الطريق لأن يكون أحد الأسماء المعروفة في المشهد الشعري الأمريكي المعاصر.

* لماذا اخترت محمود درويش كمادة للترجمة؟ ولماذا وقعَ اختيارك على مجموعاته الشعرية الثلاث 'سرير الغريبة'، 'حالة حصار' و 'لا تعتذر عما فعلت' من دون مجموعاته الشعرية الأخرى؟

قد يكون اختياري لشعر محمود درويش بديهياً لأنه فعلاً متنبي عصره ويحمل في شعره وجدان الفرد والمجموعة. لقد تربينا على شعره وحفظناه. ولعل تجربة الغربة، ووجودي في أمريكا قد زادتا من نبض الشعر في روحي. إن ما يحز في نفسي أن الشعر العربي الحديث لم يُسجل حضوراً قوياً في اللغة الانكليزية، وشعر محمود درويش تحديداً لم يُترجم الى اللغة الانكليزية بالحجم الذي يليق به وبتجربته. أتذكّر ما قاله لي أحد الزملاء بأن أبرز الأشياء التي قدمناها في العصر الحديث للتراث العالمي هو الشعر. ولكنني أتساءل:
كيف نكون نحن من رُواد الشعر في العالم وغير موجودين في اللغة الانكليزية؟ أنا كفلسطيني وكعربي أعيش في الغربة مُوزَّعاً بين الذات والموضوع، وبين الخاص والعام. وأعتقد أن محمود درويش كان يعاني من المشكلة ذاتها، إذ كان مُوزَّعاً هو الآخر بين الأنا والنحن، وبين الشخصي والعام. أما بالنسبة للمجموعات الشعرية الثلاث التي وقع اختياري عليها فهناك سببان لهذا الاختيار، الأول أن محمود درويش حصل على جائزة الـ 'لانَن' وهي جائزة قيّمة جداً تُمنح للشعر والرواية وقد فاز بها كُتاب كبار أمثال هيربرت مورس، وليام تريفر، جون بيرغر، ديفيد معلوف، كما فاز بها ادوارد سعيد عن مجمل أعماله الفكرية. لذلك قرروا أن ينشروا له كتاباً شعرياً مترجماً، وقد تبنى الترجمة صديقه منير عكش مع متخصصين آخرين وباشراف وتنقيح شاعرة أمريكية مشهورة. وقد ضم هذا الكتاب مختاراتٍ شعريةً من 'ورد أقل' وقصيدة 'الهدهد' و 'لا تتركوا الحصان وحيداً'. إن صدور هذه الترجمة قد وقفت حائلاً أمامي لأنني لا أريد أن أعيد ترجمة ما هو مترجم. أما السبب الثاني فيتمثل في أن محمود درويش، كما اتضح لي من قراءاتي المتعددة لتجربته الشعرية، ومعرفتي بآرائه الشخصية في هذا الصدد، كان يحب شعره الذي كُتب في المراحل المتأخرة من حياته. لذلك فقد اعتنيت شخصياً بالدواوين الأخيرة. وهذه العناية هي نوع من الاحترام الكبير لمحمود درويش شاعراً وانساناً. فلا غرابة أن أنتبه الى ما يريده هو، وليس ما أريده أنا. وبالفعل فقد قدّمت جزءاً من تجربته الشعرية الى قرّاء الانكليزية اعتماداً على هذا الأساس.

* أتعتبر الترجمة عملية نصف تقنية ونصف ابداعية أم أنك تنتصر الى أحد طرفي المعادلة؟

أولاً أنا مؤمن أن ترجمة الشعر بالذات هي خلق لقصيدة جديدة، ولكن تعزيزاً لما قلت فمن الصعب أن يكون هذا الخلق شاملاً أو كاملاً لأنني لم أكتب أنا هذه القصائد. فالشعر ليس شعري، والصور الشعرية ليست صوري، كما أن الأفكار الواردة في النصوص الشعرية هي ليست أفكاري. وهذا التصور لوحده يجيب على أن الترجمة عملية نصف تقنية من دون شك. أنا أعتقد أن الترجمة هي عملية ابداعية أيضاً ضمن حدود معينة، ولكن يظل المُترجم مظلوماً علماً بأن كبار الشعراء في التاريخ هم مترجمون أيضاً. لا شك في أن الترجمة هي عملية ابداعية كما أشرت آنفاً، لأنك حتى حينما تكتب شعراً لنفسك فلا بد أن تكون تقنياً مع توفر الشرط الابداعي طبعاً. الفرق الوحيد بين الترجمة وكتابة الشعر هو أنك كمترجم تأخذ نصاً جاهزاً لم تبدعه أنت، ولكنك تتحول الى شاعر في تعاملك مع اللغة والوجدان الشعري للنص الذي تترجمه. إن كتابة القصيدة بحد ذاتها هي ترجمة لوجدان الشاعر الخاص ولفكره وأحاسيسه وتجربته الذاتية، أي أنه يترجمها الى لغة خاصة وتقنية معينة. أعتقد أن الشيء الوحيد الذي يُؤخذ على الترجمة مقارنةً بالشعر هو أن المُترجِم ليس كاتباً للنص، ولكن أعتقد أن المترجم الجيد يستطيع أن يكتب النص بلغة جديدة طافحة بالأحاسيس الداخلية، وبصياغات مبتكرة. دعني أقول أيضاً بانني لست من المؤمنين بالفروق الكبيرة بين اللغات العالمية. صحيح أن هناك فروقاً بسيطة، لكنني لا أعتقد أنها موجودة بالصورة الشوفينية التي يروِّج لها البعض.
لقد توصلت من خلال ترجمتي الى أن العقل البشري واحد. ربما لأنني طبيب وأعرف جيداً أن مركز اللغة في الدماغ قد تطور كثيراً، وأصبح متمكناً من الاحاطة بقواعد اللغة ونحوها وصرفها وبقية تفاصيلها الدقيقة. ووفق هذا التصور انطلقت في ترجمة أعمال الراحل محمود درويش لأنني مؤمن إيماناً كبيراً بوحدة العقل البشري وقدرته على الابداع وتجاوز الصعوبات والاشكالات اللغوية سواء في النصوص الأصلية أو المُترجمة.

* كيف تتعامل مع اللغة الأصلية للنص سواء أكانت عربية أو انكليزية وهل تخلّصها من بعض القيود التي قد تعيق من عملية الترجمة وهل تشذِّب اللغة المُستقبِلة أو المُترجَم اليها من بعض الزوائد اذا افترضنا أن كل لغة فيها زوائد تحتاج الى تشذيب؟

طالما نحن نتحدث عن نصوص محمود درويش فدعني أقول لك بأنني أقرأ قصائده قراءة خاصة بي وأستمتع بها، ولكن يجب الأخذ بعين الاعتبار القراءات العامة لمحمود درويش الذي يقرأ غالباً لأعداد كبيرة من المستمعين. وهذا الترجّح بين القراءة الخاصة والعامة يمنح المُترجم فرصاً أخرى لفهم مقاصد النصوص الشعرية. القراءة العامة تقدّم نصاً متعدد الشخصيات، فلو افترضنا أن عدنان وفادي وصموئيل وماغي وجون واليزابيث يقرأون النص ويحسون أنه كُتِب لكل واحد منهم على حدة، وهذا ما أسميه بقراءة النبر، أي أنك تقرأ نبرة الشعر بمنظورك واحساسك ومعطياتك الخاصة. نحن، كما تعرف، في الشعر متمسكون بموسيقى اللغة، والبعض يهتم لهذا الأمر كثيراً. أنا من جهتي الخاصة لم أكن أهتم حقيقة كيف كان محمود درويش يقرأ شعره لمئات أو ربما لبضعة آلاف من الأشخاص. كما أنني لم أسمع محمود درويش يقرأ لنفسه أو لعدد محدود من الأصدقاء. ولهذا السبب فقد تخيلت كيف أقرأ لنفسي، كما تخيلت كيف يقرأ محمود لنفسه؟ أي أنني انطلقت من القراءة الفردية الخاصة الى القراءة العمومية. وفيما يتعلق بتراكيب اللغات فان هناك بعض الاشكالات.
ففي اللغة العربية نرى أن الفعل يسبق الفاعل، بينما نرى العكس في اللغة الانكليزية حيث الفاعل يسبق الفعل. هذا الاختلاف يجعلك تغيّر أشياء أخرى لا بد منها في السطر الشعري أو في التركيب اللغوي للغة المُستقبِلة. لقد وجدت في اختلاف التراكيب جواً إبداعياً جديداً في الجملة الشعرية على الرغم من أنني قد أضطر الى كسر القافية أو التحرر منها، ولا أعتبر هذه التحديات معيقة في عملية الترجمة. اللغة العربية على صعيد االجنسب أو الـبGenderب هي لغة خاصة تمكِّن القارئ من معرفة اذا كان الضمير يعود على مذكر أو مؤنث، بينما هذا الشيء غير موجود في الانكليزية وفي لغات أخرى، لكن هذا الأمر يمنح النص بُعداً عاطفياً قد لا يتوفر في لغات أخرى. فالقمر والشمس كلاهما يأخذ اit ا في اللغة الانكليزية. أي أنها لا تؤنث ولا تُذكّر. على أية حال في هذه الحالات يجد المترجم نفسه مضطراً لأن يأخذ قراراتٍ عقلانيةً أكثر منها عاطفية للتحول من اللغة العربية الى الانكليزية. هذه هي بعض العوائق التي أواجهها وهي ليست كبيرة جداً. ولا بد من الاشارة الى أن الموسيقى العربية تختلف كثيراً عن قريناتها في اللغات الأخرى، وأنها في شعر محمود درويش هي رنات متواصلة عالية أحياناً، ولكن أيضاً تمكن قراءة شعر محمود درويش بهدوء موسيقي خفيف، خصوصاً وأن أشعاره الأخيرة مكتوبة بنبرة عميقة هادئة. أنا شخصياً تمسكت بالموسيقى الخفيفة الهادئة، لأن هذه الموسيقى هي الأقرب الى اللغة الانكليزية من الموسيقى الرنانة الموجودة لدينا. فهم، كما تعرف، ليس لديهم التنوين أو التشكيل الموجود في اللغة العربية. ولكي أتجاوز هذه المشكلة كان يتوجب عليَّ أن أستعمل خصائص أخرى موجودة في اللغة الانكليزية مثل الـ اaonance او اconsonanceب وما الى ذلك. إن تحويل التنوين والتشكيل والقوافي ليس تشذيباً بقدر ما هو تحويل أو خلق جديد لموسيقى جديدة.

* كيف تتعامل مع الفوارق الطفيفة لمعاني الكلمات الانكليزية حينما تتوقف أمام مرادفاتها العربية؟ كيف يقع اختيارك على المعاني المتعددة؟

لقد سألت والدي هذا السؤال وأنا منهمك في الترجمة فكانت نصيحته لي هي نفس نصيحة محمود درويش حينما سألته نفس السؤال. وكان خياري الأول والأخير هو أن أتجه دائماً الى الكلمات البسيطة والواضحة. فلغة محمود درويش ومفرداته سهلة ولكن معانيه غامضة وعميقة ودالة. أنا شخصياً اهتممت بسلاسة وبساطة ووضوح المفردات عند درويش، وهذا الاهتمام بالبساطة لن يجرّد لغة محمود درويش من عمقها وغموضها ورمزيتها. وهذه البساطة المقرونة بالعمق والثراء الكبيرين هي دليل على إبداعه، وعمق تجربته الشعرية. فمحمود درويش كشاعر وأديب عالمي يستطيع أن يقدم قصيدة تتحدث معك، ولكنها في الوقت ذاته تتحدث عن أمور عميقة جداً. ذات مرة اتصلت بمحمود درويش وقلت له أن كلمة اهشاشةب لها معنيان، الأول بسيط والثاني أعمق قليلاً. قال لي: كلا، كلا ان معناها هو اfragilityب فقط. هو مُدرك للمعاني المزدوجة، ولكنني أنا ككاتب أيضاً أدرك المعاني المزدوجة، وأخشى من الوقوع في الالتباس، لكنني أتركها للقارئ الذي يريد أن يستمتع بالصورة الشعرية فوق الاعتيادية. لم يكتب محمود درويش كلمة االهشاشةب لتدل على معنىً معقد. وفي أحايين أخرى كنت أترجم بعض الكلمات مثل ا تخدش ا التي وردت في البيت التالي اموجة تخدش زهرةب هذه الكلمة حينما أحولها الى الانكليزية أكتشف أن لها مرادفات كثيرة لذلك أختار احدى المرادفات الانكليزية لأغراض موسيقية أو أحياناً أجد أن هذة الكلمة الجديدة التي انتقيتها تخلق مجازاً جديداً في اللغة الانكليزية ولا تغير المعنى الأصلي.

* حينما تُترجم النص العربي الى الانكليزية أو بالعكس كيف تتعامل مع الايقاع والموسيقى الداخلية للنص وهل بالامكان نقلهما أو نقل أحدهما الى النص المُترجم؟

أنا اتعامل مع النص بطريقة خاصة جداً. يعني أغنّي القصيدة لنفسي أولاً، وهذا هو أسلوبي في نقل الموسيقى. فمثلاً حينما أقرأ 'أنت لا هوَسي بالفتوحات عرسي. تركت لنفسي وأمثالها من شياطين نفسك حرية الامتثال لما تطلبين. ' هذا مقطع من قصيدة لدرويش فاذا قرأت أنا لنفسي واستطعت أن أعيد النغمة نفسها في الترجمة فاعتقد أنا أنجزت شيئاً مهماً في نقل المعنى والموسيقى الخارجية. إن ما أعاني منه حقاً هو حينما يأتي شخص آخر ويقرأ ما كتبه المترجم بالانكليزية، ولن يجد أية صلة بين ما قرأه بالعربية وبين النص الانكليزي فهنا تكمن المشكلة الحقيقية ويتجسد قصور المترجم.
هناك نوع من الهوس بالايقاع الضخم والناس لا تستطيع أن تفصل بين النص المكتوب على الورقة وبين الشخص الذي يقف على المنصة ويقرأ لألف شخص. ليست هناك مشكلة بالنسبة لي لأنني كنت أفصل بين القراءة الشخصية الأساسية الهادئة، وبين القراءة المنبرية عالية النبرة، بين محمود درويش حينما يقرأ لنفسه أو لصديقه وبين القراءة الجماهيرية العامة.
حاولت أن أحافظ على الغريب في الشعر العربي حينما أنقله أو أحوّله الى اللغة الانكليزية. وهذا هو من وجهة نظري حوار الحضارات والثقافات بعيداً عن الشوفينية المقيتة التي تنابز اللغات الأخرى بأنها تمتلك هذه المعطيات بينما تفتقر اليها اللغات الأخرى. بعض القراء الانكليز حينما يقرأون بعض القصائد العربية المُترجَمة الى الانكليزية يقولون لي أنها قصائد غريبة في الانكليزية وهذا شيء طبيعي لأنهم يقرأون قصائدهم الانكليزية بأفق محدود أحياناً. وهذا القصور ينطبق على بعض الناس في اللغة الانكليزية كما ينطبق على أناس آخرين في اللغة العربية. إن ما أتمناه حقاً هو العناق الحضاري بين الثقافات المختلفة وهو كفيل بإزالة الكثير من المعرقلات أو تخفيف وطأتها في الأقل.

* ما هي ردود فعل القارئ البريطاني والأمريكي ازاء ' عبء الفراشة ' خصوصاً وأنها صدرت بطبعتين انكليزية وأمريكية وهل أنت راضٍ عن بعض المقالات والعروض النقدية التي نُشرت عن هذا الكتاب؟

ان اعبء الفراشةب هو مصطلح مذكور في قصيدتين لدرويش، أحدهما في عام 1977 والثاني عام 1998 وهو موجود في آخر قصيدة في مجموعة اسرير الغريبةب. كان اختياري لهذا العنوان هو من أجل إبعاد محمود درويش عن التوصيفات المكررة، لذلك كان محمود مسروراً جداً لاختياري لهذا العنوان لدرجة البهجة. وحينما كنت أهاتفه تلفونياً كنت أشعر بحجم الفرحة التي طغت عليه. أنا أدرك أن أي مترجم حينما يترجم لمحمود درويش لا بد أن يضع في اعتباره الأرض والقضية والمنفى والسياسة والتاريخ وما الى ذلك، لكن محمود درويش بالنسبة لي هو الياسمين وزهر اللوز والغزال والندى وكل الأشياء الجميلة في الطبيعة. أنا أظن أننا تهافتنا عليه لدرجة أننا مسحناه، ونسينا أنه إنسان مثلنا يأكل ويشرب وينام ويمارس طقوس حياته اليومية التي لا تختلف عن حياة الآخرين كثيراً. من هنا تأتي أهمية التركيز على الجانب الانساني والحياة اليومية بما فيها من حب وفرح وحزن وشقاء ومتعة. وفيما يتعلق بالنقد فأنا أود أن أشكر بعض الجهات في بريطانيا التي احتفت بالكتاب حال صدوره وعلى رأسها الشاعرة المحررة والناقدة فيونا سامبسون، وهي مديرة تحرير أقدم مجلة شعرية في اللغة الانكليزية اPoetry reviewب وقد كتبتْ عن محمود درويش مراجعة نقدية في صحيفة االغارديانب وكانت مراجعة مهمة وعلى مستوى عالٍ من الدقة بحيث أن محموداً نفسه بدا مدهوشاً بهذه الدقة والحميمية التي قرأت بها الكتاب. كان الكتاب قد صدر منذ سنة في أمريكا ولم تُنشَر عنه أية مراجعة، لكن الآن بدأت الدراسات تظهر عن الكتاب بشكل جيد وجدي ورائع. ولا شك في أن هناك عدة مقالات ودراسات وعروض قد ظهرت عن الكتاب بعضها يحاول أن يسمو بالكتاب الى الأعالي، بينما البعض الآخر ظل متردداً في مدح الكتاب، وهم قلائل على أية حال. أنا شخصياً لا تضايقني هذه الملاحظات السلبية أو غير المحتفية أبداً، بل انها تسعدني على مختلف الأصعدة لأنها تفتح بالنتيجة باب الحوار في تجربة محمود درويش الشعرية. لا شك في أن الكتاب ناجح، وقد نفدت طبعته الأولى في بريطانيا، كما بيعت كميات كبيرة من الطبعة الأمريكية التي صدرت بخمسة آلاف نسخة. أنا سعيد جداً بالدراسات والعروض النقدية، لكن لدي ملاحظة واحدة فقط تتعلق ببعض الكتاب والمترجمين الانكليز الذين يكتبون ملاحظات عامة عن الترجمة وهم لا يحسنون الكلام باللغة العربية، ولا يعرفون الفوارق بين العربية الفصحى والمحكية ومع ذلك فهم يكتبون بطريقة متغطرسة. وهناك نمط آخر من القراء الانكليز الذين يقولون إننا حينما نسمع محمود درويش وهو يقرأ شعراً نحس أن موسيقاه جميلة وعالية بينما لا نرى هذا الجمال مُجسداً في قصائده المُترجَمة. أنا أشعر أن هذا الكلام فيه سذاجة كبيرة لأن محموداً لا يغني، وإنما يكتب قصيدة لا غير. إن الغرض الأساسي من الترجمة هو أن يدخل محمود الى اللغة الانكليزية والأدب الانكليزي كما يحق له أن يدخل ويُخلَّد في تراث الأدب العالمي وأنا سعيد جداً لأن محمود درويش عرف أن هذا التخليد قد حصل له في حياته.

* هل أنت منهمك بترجمة أشياء جديدة للراحل محمود درويش؟

نعم هناك مشروع كامل سيذهب الى دار النشر التي قد تكون هي الأكبر في اللغة الانكليزية اسمها اFSGب وكان محمود على علم بالمشروع وسعيداً جداً فيه. و دار النشر هذه تعادل هنا افيبر أند فيبرب وقد نشرت للعديد من الأسماء الأدبية المهمة وبعض الحاصلين على جائزة انوبلب في أمريكا. لقد أنجزت مجلداً ضخماً يضم مختارات للقصيدة الملحمية الطويلة أو غير الملحمية لشعر محمود من فترة التسعينات الى اكزهر اللوز أو أبعدب المأخوذة من اأحد عشر كوكباً' وبعض القصائد الملحمية الأخرى مروراً بالشخصي والذاتي مثل اجداريةب وبرباعية المنفىب. لقد قال لي محمود درويش بعظمة لسانه أن أعتني بقصائده الأخيرة كـ 'لاعب النرد' وكرر هذه المقولة أمام أصدقائه عدة مرات. أتمنى أن يكثر مترجمو محمود درويش ويبدعوا في نقله الى الانكليزية، لأن شعره يتوفر على عدة أوجه. وأنا لست قادراً على تغطية هذه الأوجه كلها، ولكن لا بد أن يكون هناك أناس قادرون على تغطية الأوجة الأخرى التي أعجز عن تغطيتها. هناك ترجمات كثيرة لشعراء كبار مثل نيرودا تتضمن في مجملها محاولات ابداعية وتقنية متنوعة في معالجة القصائد التي كتبها. فلا ضير في أن تتعدد ترجمات أشعار درويش، ويكثر مترجموه.

القدس العربي
11/10/2008

أعلى