ما بين الكتابة الروائية والبحث الاجتماعي والتدريس الجامعي توزع نشاط حليم بركات الذي أصدر مؤخرا رواية جديدة بعنوان »المدينة الملونة« (عن دار الساقي) وهي رواية عن بيروت الخمسينيات بكل ما تحمله من خلفيات اجتماعية وسياسية ومعرفية، حيث يختلط فيها العام والخاص، لنكتشف سيرة المؤلف الذاتية خلال تلك الفترة.
هذا الارتباط بين العام والخاص، غالبا ما لجا إليه المؤلف في كتاباته الروائية، إذ يجد أنه يمكن للرواية أن تعرفنا على مجتمع ما، أكثر مما تستطيعه الأبحاث الاجتماعية والنفسية.
حليم بركات هو اليوم في زيارة إلى بيروت، إذ يحرص على المجيء إليها كل عام، وخلال هذه الزيارة كان هذا الحوار.
* أعرف أنه سؤال طرح عليك كثيرا، لكني أود البدء فيه: كيف تصف مشروعك الكتابي، هل أنت روائي أم عالم اجتماع؟
- أردت أن أكون روائيا قبل كل شيء وقد نشرت أول رواية، »القمم الخضراء« العام ١٩٥٥ ومن ثم في العام ١٩٥٨ مجموعة قصصية بعنوان »الصمت والمطر«. وتوالت الروايات وعندما دخلت الجامعة تساءلت بأنه كي أكون روائيا يجب علي أن أفهم المجتمع. من ناحية أخرى حاولت أن أدرس الأدب العربي ولكني توقفت بسبب الطريقة التي يدرس بها هذا الأدب في الجامعة، إنها طريقة متخلفة. كان أفضل أستاذ يقف ويقرأ قصيدة ويقول لنا في الصف، الواحد تلو الآخر، ما معنى الكلمات ثم ما معنى البيت وهكذا إلى نهاية القصيدة. شعرت بأنني إذا درست الأدب العربي بهذه الطريقة لن أستطيع أن أكون أديبا أو روائيا. فيما بعد، وبعد أن انتهيت من الماجستير في الجامعة الأميركية في بيروت ذهبت إلى أميركا لأكمل دراستي في علم النفس الاجتماعي ولاستغرابي الكبير قال لي رئيس الدائرة إنني قبلت لأنني أجمع بين الرواية وعلم الاجتماع، أي على العكس مما كان يقال لي في الجامعة الأميركية في بيروت، وكان هناك ضغط عليّ في أن أختار بين الأدب وعلم الاجتماع.
* هذه المزاوجة بين الأدب وعلم الاجتماع، إلى أي درجة أثرت بك أو غيرت أو بدلت مفهومك في الكتابة الروائية والقصصية؟
- اقتنعت، وكما قلت، بأنه يجب عليّ أن افهم المجتمع وعلاقة الفرد في المجتمع كي أكون أديبا أو روائيا. لذلك اعتبرت أنهما حقلان متداخلان وكل واحد يغني الآخر. فيما بعد، عندما تخرجت من الجامعة من ميتشغان، أصبحت أدرّس علم اجتماع الرواية، وهذه من المواد التي كنت أدرسها دائما ومن خلال الرواية. مثلا قلت إننا يمكن أن نفهم المجتمع المصري من خلال الرواية كروايات نجيب محفوظ ولا نستطيع أن نتعرف إلى حقيقة المجتمع المصري من خلال الدراسات الاجتماعية أو النفسية. وهكذا اقتنعت إنني من خلال الرواية أستطيع أن أفهم المجتمع العربي وتعقيداته. ومع هذا كتبت دراسات اجتماعية. لكني نشرت أول كتاب هام في علم الاجتماع مع »المجتمع العربي المعاصر« الذي نشرته العام .١٩٨٣
* لمَ تأخرت إلى الثمانينيات لتنشر أول دراسة لك، تعتبرها مهمة، في علم الاجتماع؟
- تأخرت أولا لأنني كنت منكبا على إكمال دراساتي العليا. كي أستطيع أن أكتب المجتمع العربي المعاصر كان عليّ أن أتعرف إلى مصر والعراق والمغرب العربي والخليج... قبل ذلك كان اهتمامي منصبا على لبنان وفلسطين وسوريا. لم اسمح لنفسي أن أكتب عن المجتمع العربي المعاصر دون أن أعرف بقية الدول العربية.
المعاناة الخاصة والعامة
* الآن وبعد هذه الرحلة التي جاءت على أكثر من مسار هل تريد أن تكون روائيا فقط؟
- في الكتابة أم في التدريس كنت أصب اهتمامي في التعليم الجامعي على دراسة المجتمع واستعنت بالرواية كمصدر لفهم هذا المجتمع. واستمر هذا الوضع إلى أن تقاعدت من التعليم باختياري لأنصرف إلى الكتابة. أكبر دراسة كتبتها عن المجتمع العربي هي »المجتمع العربي في القرن العشرين« وهي تقع في حوالى ١١٠٠ صفحة. كل ما أعرفه عن المجتمع حاولت أن أضعه في هذا الكتاب.
أمر آخر وهو أنني منذ العام ١٩٦٩ تعرفت إلى مفهوم »الاغتراب« من خلال قراءتي لماركس ودوركهايم وفيبر. لماذا يغترب الإنسان عن المجتمع؟ لماذا يشعر بأنه عاجز في علاقته بالدولة والمؤسسات الأخرى عائلية كانت أم دينية أو سياسية؟ هذا العجز أصبح يشكل موضوعا هاما في كتاباتي الروائية والاجتماعية.
* في بحثك عن الاغتراب تدعو إلى الخروج من حالة الاغتراب عبر التغيير التجاوزي وثقافة التحول الشامل؟
- قبل ذلك أسال ماذا يفعل الإنسان إذا؟ هناك ثلاثة خيارات، أن يرضخ للأمر الواقع ويمتثل له. الثاني، أن ينعزل عن المجتمع والثالث أن يغير هذا الواقع. طبعا اخترت تغيير الواقع وقلت بضرورة التغيير الثوري الشامل للمجتمع والمؤسسات الاجتماعية.
* يقودنا هذا الجواب إلى طرح سؤال أساسي وجوهري، برأيي، أن يجعلنا نطرح السؤال حول ماهية المثقف. برأيك هل على المثقف أن ينحاز إلى هذا الخيار الثالث؟
- المثقف هو من يتعاطى الثقافة ويساهم في خلقها. هناك أيضا العالم في مجالات العلوم المختلفة. كل هؤلاء هم من المثقفين. لكني اخترت أن أتعاطى الأدب وعلم الاجتماع.
* هناك من يقول إن على المثقف أن يخصص وقته للعمل بعيدا عن ارتباطه بحركية المجتمع، أي أن يختص في مجاله؟
- لا يتفق المثقفون على كثير من هذه الأمور ولكني شخصيا اخترت ألا أنعزل عن المجتمع وأن أتعمق في دراساتي له قبل أن أكتب رواية. على سبيل المثال، قبل أن أكتب روايتي الأخيرة، »المدينة الملونة« صرفت حوالى ٥ أعوام في التهيئة لها. هذه رواية عن بيروت الخمسينيات فأجريت مقابلات مع عدد من أصدقائي الذين عاشوا هذه التجارب مثلي، كذلك راجعت الصحف وماذا كتب عن بيروت في ذلك الحين. وأيضا أجريت مقابلات مع أساتذة جامعات وصحافيين مثلما أجريت أبحاثا مختلفة على أكثر من صعيد قبل أن أكتب الرواية. وهذه المعلومات التي جمعتها كانت مجرد خلفية أو متطلبات للتعبير عن المعاناة الشخصية كي ادمجها في المعاناة العامة. هناك دائما العام والخاص اللذان أدمجهما في كتاباتي الروائية.
* ما دمت قد ذكرت »المدينة الملونة« سأطرح السؤال عن هذا الكتاب. تبدو روايتك هذه من أكثر رواياتك اقترابا وانتماء للسيرة الذاتية لدرجة أننا قد لا نستطيع الفصل بين هذين المصطلحين؟
- أستطيع أن أقول إنني قمت بهذا الدمج بين السيرة الذاتية والسيرة العامة في روايتي »طائر الحوم« التي هي أيضا واقعية إلى أقصى الدرجات. كنت في واشنطن عندما وقعت والدتي في حالة من الغيبوبة (الكوما) فخرجت على شوارع واشنطن وتجولت فيها تخفيفا لوقع هذه المأساة. فشعرت بضرورة العودة إلى الطفولة وطفولتي كانت في قرية الكفرون في سوريا فأصبحت أتنقل بين عالم الشباب واشنطن وعالم الطفولة في الكفرون وهذا التنقل قد يحصل في الصفحة عينها. دائما هناك تنقل بين عالمين في معظم الرواية وقد اكتسبت قيمة شعرية كانت أقرب إلى الرواية الشعرية.
* المدينة الملونة هي رواية عن الشباب في بيروت؟
- بما أن طائر الحوم كانت رواية عن الطفولة رغبت في أن تكون رواية المدينة الملونة عن الفتوة والشباب
* سأسال عن عنوان الرواية، »طائر الحوم« لا بد أن يستدعي شؤما ما، بينما ثمة الكثير من البهرجة، إذا جاز القول، في »المدينة الملونة«، هل كانت بيروت تمثل لك فترتها كل هذه الألوان؟
- اعتبر أن الخمسينيات هي أفضل فترة في تاريخ لبنان وبيروت بعد الاستقلال.
* لماذا؟
- بدأ اللبنانيون استقلالهم السياسي والاجتماعي والثقافي وأنتجــوا في هذه الفترة القصيرة الحركات الاجتمــاعية والســياسية والأحــزاب. وكنت شعرت في ذلك الوقــت وكي أساهــم في التغــيير لا بد من أن أنضم إلى حـركة اجتماعــية وسـياسية. فهي كانـت فترة الانتماء.
÷ فانتسبت إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي؟
- انتسبت إليه العام ١٩٥٢ لأنه كان منتشرا في الجامعة الأميركية عندما كنت طالبا هناك. وكان في حالة تنافس مع حركة القوميين العرب. اعتقد أنه تنافس إيجابي وقد كان هناك احترام متبادل على الأقل بين الطلاب الجامعيين في ذلك الوقت. للأسف الشديد حصلت الحرب الأهلية العام ١٩٥٨ واعتقد أنها كانت نتيجة إيجابية لازدهار الحركات الاجتماعية التغييرية.
* لماذا انتسبت إلى الحزب السوري القومي، وثانيا ماذا بقي لك اليوم من تلك العقيدة؟
- انتســبت ربما لفــكر انطون سعادة ومواقفه المبدئية وبخاصـة أنه كتـب »نشــوء الأمم« و»الصراع الفكري في الأدب الســوري«. هذه المواضــيع المحبــبة عليّ بدأت تتبلور في ذهني. ولكن بعد مــدة طويلــة نسبيا اصطدمت ببيروقراطــية الحــزب وشــعرت أنني لا استطيع أن أمــارس دوري خـارج الحــزب. وأعتــقد أن هذا ينطبق على بقية الأحـزاب الأخــرى. ولكن بــقي لأنطــون سعادة احــترام خـاص في نــفسي وقـلت ذلــك في المديـنة الملونة.
* سأعود إلى مفهوم السيرة الذاتي، كيف تفسرها في المدينة الملونة؟
- أعتــقد أن الدمج بين العام والذاتي، هو الشيء الخاص فيها. انتـمائي من ناحية والقدرة على التحرر من ناحية أخرى.
* التحرر مم؟
- من بيروقراطية الأحزاب والمؤسسات. على الرغم من إيماني بضرورة الانتماء إلى حركات اجتماعية كي يحصل التغيير الشامل.
* إقامتك لفترة طويلة في الولايات المتحدة جعلتك أكثر عروبيا، كيف تفسر ذلك؟
- سألت نفسي وأنا في الولايات المتحدة أن أميركا تمكنت أن تقيم وحدة واسعة وأن تحافظ في الوقت عينه على مفهوم الأقاليم أي جمعت بين نوع من استقلال الولايات وأن تقيم دولة قوية ومتقدمة. لذلك بدأت أفكر بالسفر إلى مختلف البلدان العربية كما قلت سابقا. وأصبح لي بفضل علاقات الصداقة استمرار بهذه النزعة وبخاصة في هذه الأيام حيث أتساءل لماذا يكون من الصعب على البلدان العربية إن لم يكن الاندماج على الأقل العلاقة التكاملية أي في زمن العولمة التي أثرت في أميركا وأوروبا التي وجدت شيئا مشتركا فيما بينها على الرغم من أنهم لا يملكون لغة واحدة، بل هناك تنوع في اللغات والحياة. أما هنا نتمسك بمفهوم ضيق للسيادة والهوية ونجد أن البلدان المتقاربة من بعضها جغرافيا هي الأكثر نزاعا واختلافا، مثلا لبنان وسوريا، أو العراق والخليج، اليمن والسعودية، المغرب والجزائر. إنه دليل تخلف عن العصر على الرغم من الرغبة من الاستفادة من الأزياء المنتشرة عالميا.
التجزئة والاندماج
* هذه الإقامة أتاحت لك أيضا أن تنظر بعين النقد إلى الثقافة العربية، كيف تجد هذه الثقافة اليوم؟
- إذا كان هناك من مفهوم يعبر عن هذه الأزمة في علاقتنا بالثقافة العربية فهو الشعور بالاغتراب. سأروي لك أمرا أقوله للمرة الأولى: عندما تخرجت من جامعة ميتشغان، عُرض علي أن أُدرّس هناك لكني أردت العودة لأخدم شعبي في هذا المجال، أي التدريس. وبعد سنوات اكتشفت صعوبة التعامل مع المؤسسات في العالم العربي حتى الجامعية منها. هناك تقييد للحريات وصراعات داخلية هامشية بعيدا عن الرغبة بين الشباب خاصة بان ينضموا إلى حركات اجتماعية وسياسية. فوجدت نفسي أعود إلى التدريس في الولايات المتحدة وأعتقد أن للجامعات الأميركية الكثير من الاستقلالية. درست هناك المواد التي أريد بحرية تامة. كنت في جامعة جورج تاون وهي جامعة كاثوليكية ومن المواد التي كنت ادرسها علم اجتماع الدين. بقيت هناك ٢٦ سنة، لم تتدخل الجامعة بأي شكل من الأشكال، لا ماذا أدرس ولا كيف أدرس.
* ما الأسئلة التي تطرحها أنت اليوم على الثقافة العربية؟
- أشعر بأن الثقافة العربية في حالة احتضار وتخلف ويؤسفني جدا أن أقول ذلك، وعلى مختلف المستويات. نقتبس عن المجتمعات المتقدمة الأزياء ولا نقتبس المؤسسات. من ناحية أشعر أنني يجب أن أعود على الأقل مرة في السنة إلى البلاد ومن ناحية ثانية اشعر بخيبة أمل بأننا لا نستطيع أن نتجاوز الخلافات الجزئية لنقيم مجتمعا متقدما.
* هذه العودة الدائمة إلى بيروت ماذا جعلتك ترى راهنا؟
- تماما على خلاف المدينة الملونة أي ما رأيته قبل ٥٨ في بيروت فهناك ما يسمى ال anomie وهو مفهوم لدوركهايم، ويعني على خلاف مع الاندماج، بل هو مزيد من التجزئة.
* وبين كل هذه المدن والاغترابات إذا جاز التعبير، أين هي الكفرون اليوم؟
- عندما عدت إلى الكفرون بعد غياب طويل اكتشفت أن هذه القرية قد تكون أكثر تعقيدا من مدينة نيويورك. كتبت ذلك في روايتي »إنانة والنهر« عندما تنشأ مشكلة ما فإن جميع أفراد القرية يكون لهم الحق في إبداء الرأي واتخاذ موقف منها.
لكن ورغم ذلك أتمتع كثيرا واحرص أن أعود إليها كل سنة، عدا عن الانتماء اكتشف فيها معاني مختلفة عما أدركه دائما. دائما تتحداني وأتحدث مع الناس من مختلف الطبقات والأجيال وأتمتع بهذا الحديث واشعر أنهم هم أيضا يريدون إقامة علاقة معي فهناك شعور بالانتماء الحقيقي.
السفير
18-7-2008