|
حاوره في باريس : باريس النجار ... و أنا أركب مترو RER بخطوطه الحمراء و الزّرقاء لأذهب إلى بيت جون غروجان في ضاحية سان جيرمان آنلي مرّت بخاطري جملٌ، كلمات قالها غروجان عن إبراهيم النبيّ، بدت لي كأنّها شذرة من نصّ أدبي، من كتاب شفوي، مقاطع تأتي عفوا على لسانه ؛ قال : " إبراهيم إبتدأ الهجرة ... هاجر من بلاده، و هام في جزيرة العرب السّعيدة، و في فلسطين، تنقّل بين العراق، و الأردنّ، و مصر ؛ و لم يكن له سوى حقل اشتراه ليدفن فيه زوجته قرب حبرون جنوب القدس، و ليدفن فيه كذلك أبناءه ."..... في عصر ذلك اليوم الرّماديّ، و الشّتــويّ من أواسط ديسمبر، و في باريس رأيت البيت الأبيض على شاطئ حلق الوادي . البيت ذا الغرف الواسعة، والفيراندا بأعمدتها الرّومانيّة الصّغيرة، ونوافذها الزّرقاء، و هي تضاء بمصابيح النّفط قرب المساء، و هبّت عليّ ريح ورود مـن جنائــــن إيطاليا المتوسّطيّة ..... عدت إلى مناخات و إلى جغرافيات متوسّطيّة مضيئة، ساطعة ؛ و تداعت إلى الذّاكرة أشياء، ورموز دينيّة و ثقافيّة من شاطئ المتوسّط الآسيوي : من سوريّة، من صحاري العرب، من مصر، و فلسطين حيث عاش أنبياء العهد القديم الذين أسّسوا الأصول الرّوحيّة و القصيّة للغرب .. ففي صوت جون غروجان ينبعث العالم القديم بمشاعره و أحاسيسه اليوميّة ؛ في لغة غير دينيّة، و بعيدة بالتّالي عن القوالب الكنسيّة . هكذا بدا لي جون غروجان، و أنا أنصت إليه في لقائنا السّابق في ذلك الرّكن الخافت الضّوء من صالون دار " غاليمار " حيث بدأنا حوارنا هذا ...و عن لوقا يقول:آلآ شــوريّ الطّــيّب، كان يعرف المنازل المبنيّة على الشكل الإغريقي، تلك المسقوفة بالقرميد الأحمر، ولم يكن يعرف بيوت الفلسطينيّيـن الطينيّة ...." إنّها مقدرة غروجان على استعادة النّصوص العبريّة، والآراميّــة القديمة، وصبّها في لغة "جدّه الحـدّاد " وجعلها آنيّــةً، وحيّة . هكذا هو يستوحي كلام القرى اليوميّ، و المقدّس ... إنّه يقوم برحلة في اتجاه معاكس لمسار النّصّ الدّينيّ في الغرب ؛ النّــصّ الـــذي هاجر من فلسطين إلى كنائس الغرب اللاّ تينـي عبر الإسكنـدريّة . فإذا كان مترجمو الإسكندريّة السّبعون، الذين نقلوا النصّ التّوراتي من العبريّة إلى اليونانيّة في القرن الثّاني أو الثالث للميلا د قد أضفوا على التّوراة ظـلالا من صرامة العقل اليوناني، و منحوا بالنتيجة النّصّ العبري الرّيفيّ أبعادا معرفيّة، و فلسفيّة متضمّنة في اللغة اليونانيّة القديمة ؛ فإنّ إنجاز جون غروجان ا
|