«ربيع يباغتنا» عنوان المجموعة الشعرية الجديدة للشاعرة اللبنانية ليلى عساف، (الصادرة حديثا عن منشورات «بيسان» في بيروت)، وفيها مساءلة الوقت والزمن والحياة والموت والأمكنة المفقودة. حول الكتاب، كان هذا الحوار.
* كنا بدأنا سويا، نشرنا في الفترة عينها، في منتصف الثمانينيات، ولكنك اختفيت عن الساحة فجأة، لتطلي بين الفينة والأخرى وعلى فترات متباعدة. لماذا كان ذلك؟
- ما زال الشتاء يبكي ليغسل هذي الأرض، لتبرد آلامنا، نحتاج إلى ثلج كثير... ليبرد غضبنا الجميل.. الربيع يطير أبدا ولا يراه أحد.. نافذة مفتوحة، طائر يغرد، ضحكة مبلّلة بالدموع، خرير ماء يتدفق، دعاء يقودنا إلى السماء.. حلم يقودنا إلى ظل تحت النزف. كل هذا يشكل خيط ربيع ينفلت من أحزاننا وكنت قد أوصدت أبوابه ليعود إليّ مباغتاً.. يلمع في عينيّ كنظرة هرّ جائع... في الطريق إلى الحرب... كم ضعنا وكم ضاع.. وضاع.. وضاع.
كنا قد بدأنا سوياً. نشرنا في الفترة عينها أنا وأنت ويحيى جابر ويوسف بزي وزاهي وهبي وإسماعيل فقيه... ألقينا قصائدنا في أمسيات شعرية في صيدا وصور وبيروت. نشرت كتاباتي في الصحف ( السفير، النهار، مجلة الطريق). أنتم عملتم في الصحافة وأنا اتجهت إلى التعليم. كنت قد درست دراسات عليا في العلوم الطبيعية وكذلك دراسات عليا في الفنون الجميلة. وسافرت إلى الرياض حيث المرأة أشبه بجارية يقودها الرجل خلفه.. ظروف الحياة تختلف في السعودية. انغمرت في حياة شبه عاديه وابتعدت، أصبحت كحافة قاحلة من صفاتي السبات الشتوي. ربما العيش في الرياض أشبه بالدب القطبي ـ ربما الماموث المنقرض ـ هذا لا يعني إني لا أطرب لضحكة مدوّية وأنني لا أحتفي بالصباح، بالوردة وبالقصيدة.. كنت عاجزة عن مجاراة الصرخة في داخلي لكني طيلة هذا الزمن لم أكف عن سماع هذا الصخب الذي يمنحني إحساساً بجريان الحياة في عروقي.
هنا عشت بكل الحدّة والكثافة. مزيج من الحب والتوتر.. ثمة سنوات كدت أنضب فيها تماماً (ينبغي الكثير من الصبر حتى تكبر العنود وجوهرة وسارة) مرحلة وتمضي، ومرّت السنوات بسرعة هائلة. ما حصل منذ أعوام يبدو لي قريباً للغاية. وما زلت أتمرّن على الحياة.. التي لم أعشها بعد. أراها لغزاً.. العيش في الرياض ساهم كثيراً في تشتيتي.. المكان! ما الذي يهمني فيه؟ المشهد الطبيعي؟ الناس؟ أينما ذهبت أحمل رائحته.. لا بدّ للبحر أن يبقى بعيداً عن الصحراء كي لا تبرد أحاسيسك وتتكوم على طاولة أمامك مثل طعام بائت... البحر الذي ربيته تمدد بلا نهاية... أصبح زائراً مقبولاً للصحراء في داخلي، لكني طيلة هذي السنوات كنت أزيحه إلى الوراء.. ثم تقاطر في أثره الآخرون لتظهر الصورة التي هي أنت... أنت بعيده الآن! ترعبني هذه الفكرة.. لن أتيح للصحراء أن تلتهمني! وقد أدركتني الكتابة قبل سن البلوغ... أكتب.. تسألني لماذا أكتب ؟ لأصبح شهيرة؟ أم لأنني أخاف الموت؟ وفي كل مرّة أكتب فيها أشعر كأن البحر تدحرج من علو الطابق السابع.. وكأنني لم أقل شيئاً. المهم أن استمر في النضال من أجل الأمور التي أؤمن بها. أحاول رصد الأشياء غير المرئية... لكنها الحرب مررت أصابعها فوق عيوني لأصحو باكراً.. هذه اللعبة لا تشبه في شيء المزحة التي يقوم بها عادة المراهقون... الحرب ضرورية... ربما؟ هذا الشيء... يبقى الأهم أن تصحو من جديد.. أن تبقى مرئياً.. أن يخطئك الموت داخل سيلان الأشياء التي لن نستطيع أن نضبطها داخل المسافات والأحجام والألوان.
الحرب وضعتني ناحية البلادة حيث لا قاع ولا شيء يشبه انحسار وجهي عن المرآة...
* اليوم تعودين مع كتاب جديد (ربيع يباغتنا) ما الذي يعنيه لك الشعر بعد؟
- أتساءل كيف يتسلل الشعر إلى قلبي بعد كل هذه السنين. أحياناً كثيرة أشعر بأنني في حاجة إليه وأحياناً أخرى أشعر بأنني في حاجة إلى كتابة نص طويل لا أدري تحت أي خانة أدرجه... كنت دائماً أحاول التعبير في الشعر والرسم في انتظار شيء يحدث... لم أكن أنثر.. لم أحدد السبب. كأنني في قبضة خرافية تنثرني في الدخان الكثيف للحروب المتكررة وفي حياتي المتقلبة... وكأنني أصحو من سبات طويل، مثقلة بالصور القابلة للتشكيل.. أحياناً يكون الكلام شفافاً كلوحة بالألوان المائية، وأحياناً يكون سميكاً كلوحة بالألوان الزيتية.. فلا أبصر ما بين الكلمات من مساحة قابلة للتشكيل.. كنت أمارس الشعر في الحياة نفسها ورحت أتعثر بالشعر في الحياة نفسها.. هذا البعد! يؤلمني يا إسكندر...
* لماذا؟
- كأنك تسألني ماذا تريدين من الشعر.. لمَ تلاحقينه كطفلة تلهث وراء حبة ضوء في جناح فراشة... لمَ؟ ولم ؟ ولم؟ الحياة تدحرجنا أحياناً مثل حجر لتلقي بنا إلى بلاغة التعبير، لنعبر عن أسرارها وخباياها.. في الحقيقة، إنني لم آخذ فرصتي في الحياة! لتكن الكتابة! ولنفتح الباب لآذار قادم، لتكن شديدة الصدق والإصابة.. إن الكتابة هي سعي وراء طريدة لا نتوصل إلى اصطيادها أبدا لوصف عالم لم ندركه.
أمامي أوراق كثيرة
* تقف مجموعتك الأخيرة على تضاد، كأن الكتابة هي في الوقت عينه الحياة والموت في اللحظة عينها ؟ ماذا تقولين؟
- أمامي أوراق كثيرة. أحاول أن أوصد الباب... أي قوة تدفعني دفعاً قوياً إلى البياض! لارتطم بالأسود يتقدمني ظل بدرجات كثيرة... يشرقط الكلام لحظة احتكاك سواد الحبر ببياض الورق... إنها ثنائية الحياة والموت.. التضاد اللوني الذي يغني اللوحة... غالباً يرتمي على الورق أمامي... نتبادل الأنفاس والتعب، ولكن دونما ضوضاء... قلم رصاص بين أصابعي وينفلت مني الكلام. ما أرى: اليد التي تقتل واليد التي تحنو واليد التي تعطي.. الرعب ـ الحب الموجع ـ كل ما يختمر فوق الحياة وتحتها من أضداد يستحيل صلصالاً قابلاً للتشكيل الفني.. الرسم والنحت بالكلمات... وأخمن أن الكلام أصبح مفعماً بالمفاجآت، تشرد مني روحي، فأضطر للحاق بها.. وفي انتظار عودتها.. أخيط ثوباً جديداً للحظة خارقة.
* قبل الانحناء فوق الورق بقليل، أشعر بأنني طفحت وأنني أتهيأ كي أنحت هيكلاً للأزرق والبرتقالي (وهما لونان متضادان) للأخضر والأحمر خلف الشرفة وعلى الغصن، في قلبي وفوق أجنحة العصافير وتحت أحذية المارة.
ثمة بحث مستمر في قصائدك الأخيرة عن أشياء ضائعة. أشياء مفقودة إذا جاز القول. هل الكتابة هنا تستطيع أن تعيد الزمن الضائع؟
- أشعر دائماً بأنه عليّ أن أذهب إلى الحياة من الجهة الأخرى. لذا أرغب في أن أكتب لأسكت الصمت في داخلي، لأتذكر أو أمحو موتي بكل الحرارة المقبلة للدائرة اللونية.. فتصبح الكتابة هي الصرخة المقبلة لمناداة ما فقدناه من أشياء وما فُقئ من أحاسيس وانفعالات.. ما من قوة تستطيع أن تنقذك من الزمن سوى ما تعززك من كلام حين تترسب بين طبقاته.. أشعر بحريتي وبالتوهج وبانتمائي إلى الحياة لحظة تفتحها...
* لنقل إن ثمة سوداوية مهيمنة في نصك، كل الأشياء تذهب بدداً إلى نهايتها، بأي معنى تكتبين هذا الخراب؟
- ليتك أضفت هذا الخراب الجميل... انظر إلى الورقة وهي مادة غير مادتك. لا يجري عليها الفناء... بل التحول.. وأنت هنا... دائماً مثلها.. لا بد من أجنحة تحملك إلى مكان بعيد، لحظة كوميض البرق تنسدل كثيفة على عينيك. الأشياء زائلة! السر في القيمة الخيرة لزوالها! ملايين الأشكال الجميلة لا يمكن أن تكون قد خلقت من أجل الكفاء بل من أجل جمالها الزائل معها... أحياناً وأنت تغادر أشياءك الحميمة أو أحباءك لسبب ما.. ماتوا ربما! لا يوجد موت يشبه الآخر وكذلك هي الحياة مغامرة صغيرة في »الموت نفسه الذي يأخذ مقاساتنا« كما قال الشاعر عباس بيضون في الدخان الكثيف الذي تصنعه القنابل الذكية والصواريخ التي تهوي فوق رؤوسنا، تدرك أن الهوة في داخلك أعمق من كل هذا الكون وأنت تنتقل من آن وسط خداع الحواس وصور العالم الفاني وكل التغيرات التي تكتنفك ولا تشعر بها إلا حينما تفتقدها... إن منظر الإنسان يتعذب يتحداني وأشعر بأن الكلمات تصبح ثرثرة سخيفة غير مجدية...
* التفاصيل التي كتبتها تحاول أن ترسم صورة أخرى عما هي عليه في الواقع. كيف تفسرين علاقتك بالأشياء؟
- الأشياء موجودة بحد ذاتها، السر في لحظة دخولها إليك، ميكانيكية الاتصال بين العين والأذن والقلب وبينها... كما في تقنية الرسم الزيتي للتعبير في انطباعك الأول عن المشهد تلجأ إلى Ebauche في لغة التشكيل الفني. الذي يصور الأشياء قبل أن يراها واضحة جلية كما في وجدانك وهو يكون محصلة كل التجارب الواقعية وكل المدركات الحسية والتفاصيل تبدو لك قصاصات عوالم تجمعت داخل الشارع تختلط فيها الألوان بتناقضاتها وتدريجاتها في لحظة سرية.. والتي تعطيك صورة مسبقة للوحة في مرحلتها الأخيرة.. تستمد مفرداتك من تفاصيل حياتك اليومية. كيف تعالجها، وكيف ترتبها وتنسقها وتظللها وتشكلها وتبنيها هذه عملية بسيطة.. السر في الخلطة، في الرائحة التي أحرص أن تكون طازجة، ناضجة وشهية. لتكن التفاصيل صغيرة تنفتح على عجينة القصيدة في لوحة أو اللوحة في قصيدة... فالتفاصيل هي الحياة نفسها رغم عدم ثباتها ومشاكستها وقدرتها على التحول وانفتاحها على الأسئلة الكبرى.
العدسة تسجل ببطء وبقوة مريرة.. وكأنك مخرج أو مصور سينمائي يحرك كاميراته في اتجاهات مختلفة كي ترصد التفاصيل وتتخطى ذلك عندما تتسلل إلى الأعماق لتسجل تفاعلاتها.. التفاصيل هي جوهر الحياة ورائحتها.. فربّ لحظة واحدة مليئة بكل الأحداث ( إن كل الجينات في جميع المخلوقات البشرية منذ آدم إلى يومنا هذا لا تملأ فنجان الشاي) حبة البطاطا لها نفس التركيب الكيميائي لحبة الماس، لعنصر الكربون الهيدروجين تفاصيل صغيرة تتيه في لحظة.. كأنك تلتقط شعرة سقطت على وجه الماء.
السفير
18 نوفمبر 2008