فقدت البحرين والساحة التشكيلية في العالم كله الأسبوع الماضي فنانا من نوع فريد وخاص ومتميز فالدكتور أحمد باقر أو "أبو فارس" (كما يحب أن يطلق عليه وتتم مناداته به فنان غير عادي أفنى كل حياته في العلم والدراسة والبحث في مجال الفن والتشكيل وسعى إلى طلب العلم والدراسة بكل اللغات، فلم يسمح بأي معوقات أيا كان نوعها أن تحول دون تحقيقه الهدف الذي رسمه وحدده منذ صغره وقد بدا هذا الهدف جليا في حصوله على رسالة الماجستير وأكثر من دبلوم علمي والدكتوراه في الفنون الجميلة وعلومها وتقنياتها بمرتبة الشرف الأولى بإجماع لجنة التحكيم عن أطروحته التي كانت بعنوان "أبحاث ودراسات في الفنون وتاريخها في البحرين" من جامعة باريس الأولى البانتيون - السوربون وكتابة العديد والعديد من الأبحاث في الفنون والتربية.
كان أسلوبه الفني غير عادي وخارجا عن إطار المألوف فقد أحب الرسم بالقلم الرصاص وارتبطت أعماله بالبيئة والمكان والتراث مما جعل فنه قريبا من قلوب المتلقين لفنه الذي كرس له وقته وحياته وفكره،فقد عشق الفن الذي بادله الشعور فقدم إبداعات فريدة يستحق جمعها وضمها في متحف يزوره محبو الفن ومتذوقوه ومتلقو علوم الفنون التشكيلية ليطلعوا على تجربة لم تتكرر ولن تتكرر وليكون مزارا للدارسين والباحثين والراغبين في التعرف على جانب هام ومرحلة من مراحل الفن التشكيلي في البحرين. رحل باقر ولم يسعفنا الوقت ولا الحظ أن نتحدث معه أو نجري لقاء أخيرا معه فكان عزاؤنا الوحيد هو وجود رفاق الدرب والأصدقاء الذين كانوا قريبا منه ومن حياته ولحظاته الأخيرة ومنهم كبير الفنانين الفنان الشيخ راشد بن خليفة آل خليفة الرئيس الفخري لجمعية البحرين للفنون التشكيلية الذي توجهنا له للتعرف على جوانب من تجربة الفنان الدكتور أحمد باقر فلم يتردد ولم يبخل علينا بوقته ورحب باللقاء الذي لم يكن ككل اللقاءات فقد ساده نوع من الحزن الغريب ولحظات صمت لم تتمكن من كسر حاجز الألم لرحيل باقر فالشيخ راشد لم يكن يتحدث عن رجل عادي يمر في حياتنا مرور الكرام إنما يتكلم عن شخصية نادرة وفريدة من نوعها وتجربة فنية خرجت للعالم بالاجتهاد والعلم والدراسة والبحث المضني وموهبة لا تتكرر:
* الشيخ راشد ماذا تقول عن لحظات باقر الأخيرة؟
- "الحقيقة كانت فترة صعبة من حياته ومن حياتنا كوننا نرى هذا الصديق الجميل وهو يعاني المرض فقد كنت على اتصال دائم به والسؤال عنه إلا أنه كان كريم النفس شديد الكبرياء وقويا حتى في لحظاته الأخيرة، لم يكن يرغب في أن نعرف عن حالته الصحية أي شيء وقد أوصى فعلا المقربين منه بعدم إبلاغي عن تدهور وضعه الصحي إلا أنني لم أبتعد وبقيت على اتصال ومتابعة دائمة ،فهو لم يكن إنسانا عاديا بالنسبة لنا وللحركة التشكيلية بشكل عام وكنا نتمنى أن يمد الله في عمره ليقدم أكثر ويبدع فهو حتى اخر لحظاته لم يزل يملك الكثير ليقدمه للفن سواء في الرسم أو البحث العلمي في الفنون".
* هل لك أن تحدثنا عنه كفنان؟
- "يعتبر الفنان أحمد باقر موهبة نادرة فعلا لن تتكرر فهو لم يكن فنانا عاديا يرسم ويقيم معارض شخصية ليطلع الجمهور على اخر إنتاجه الفني إنما شكل باقر موهبة متحركة في جوانب مختلفة فقد جمع بين موهبة الرسم والفن والكتابة الإبداعية والتأريخ وإعداد الدراسات المتخصصة والمتعمقة والقدرة على النقد العلمي الهادف، كما كان مثقفا بشكل جعله متمكنا في مجاله وأي مجال يخوض فيه سواء علمي، أدبي، فني حتى في التاريخ الذي كان مطلعا على جوانبه كافة فقد كان له متابعة واهتمام شديد في تاريخ البحرين بفتراته المختلفة وله رؤيته وأفكاره حول ذلك خاصة فيما يتعلق بتاريخ دلمون - البحرين وهذه الثقافة هيأت له البحث والمتابعة وإصدار الكتب وتأليفها". "هذه العناصر حين تجتمع في شخص واحد لا يمكن أن يكون هذا الإنسان عاديا ولابد أن نراه كحالة نادرة لا يمكن أن تتكرر" مؤكدا "ان هناك شخصيات تحمل بعض هذه الصفات والمواهب ولكن لا تجتمع كلها في شخص واحد فلابد أن يكون قويا في شيء وضعيفا في شيء اخر بخلاف الدكتور باقر الذي كان موهوبا بحق ومتمكنا من كل الأدوات التي ذكرتها وهذا ما حقق له هذا النجاح وهذه المكانة التي لا يمكن أن تتحقق لشخص عادي".
* إذاً نحن خسرنا شخصية لن تتكرر.
- "بالطبع فان شخصية بهذه القدرات فعلا لن تتكرر فخسارتنا فعلا ومن دون مبالغة كبيرة، فقد خسرته أنا شخصيا كفنان وصديق وخسرته الحركة التشكيلية بشكل خاص في البحرين وبشكل عام في العالم ولا أتوقع أن يحل محله أحد ولا أن يولد إنسان مثله كونه إنسانا عصاميا جاهد وسعى بكل قدراته لتحقيق ما وصل إليه بمجهوده وتعبه وإصراره وصبره ومثابرته التي قلما نجد مثلها في وقتنا الحاضر".
* تحدثت عن شخصيته فماذا عن علمه ودراسته؟
- "ان ما حصل عليه من مستوى تعليمي متقدم وما نتج عنه من إبداع في مجالات مختلفة إنما يعكس روح الإصرار التي كان يتمتع بها وقدراته التي لا تقف عند حد ولا تثنيها العقبات ولا المعوقات والدليل على ذلك حصوله على أعلى مستويات التعليم من أكبر الجامعات العالمية وبلغة ليس لنا بها أي صلة ولم تكن ذات أولوية في دراستنا أو في الجانب الوظيفي ألا وهي اللغة الفرنسية إلا أنه تعلمها وأتقنها وحصل على شهاداته بهذه اللغة إلى جانب اللغة الإنجليزية التي ثابر في تلقيها للحصول على أعلى دبلوم في التربية من إنجلترا، حقا يمكنني أن أقول بإنه إنسان من زمن آخر مثابر ومناضل من أجل العلم والمعرفة لا يعرف الكلل ولا الملل ولم يعرف التراجع أو الاستسلام".
* ما تأثير د.باقر على الحركة التشكيلية في البحرين حسب وجهة نظرك؟
- "كان تأثيره مباشرا وغير مباشر إذ انه كان له تأثير مباشر من خلال إسهاماته الفنية من حيث المشاركة وإقامة المعارض والمشاركة في الندوات والمحاضرات والوجود في مختلف المحافل الفنية لتأكيد وجود الفنان البحريني، وغير مباشر من خلال تشجيعه للفنانين ومساندتهم وتشجيعهم على العطاء والاستمرار والمثابرة فقد كان لهم قدوة ومرجعا وأستاذا". "فقد كان استاذا لي أنا أيضا فقد استفدت أنا وفنانون آخرون من خبراته ورؤيته الفنية وعلمه وتعلمنا الكثير من تجربته الفنية التي أضافت الكثير على تجربة الفنانين وطورت مستواهم ودفعتهم لتحقيق النجاحات التي نلمس بعضها الآن، كما كان ناقدا متميزا ودافعا ومشجعا على الاطلاع على التجارب العالمية والاحتكاك بالفنانين العالميين والعرب للاستفادة من تجاربهم أيضا من أجل إثراء تجربتهم الفنية الذاتية".
* لم تكن تجربة الفنان باقر كتجارب الفنانين الآخرين فقد كان له أسلوبه الخاص في الرسم .
- "هذا أمر حقيقي فقد كان باقر ذا عزيمة وإصرار ولا يقبل بالأمر العادي ودائما يطمح للأفضل،كان يرسم بالقلم الرصاص ويغلب على أعماله لونا الأبيض والأسود فقط وقد يخفى على الكثيرين مدى جمالية هذين اللونين وما يمكن أن يقدما للفن وللمتلقي". "كنت دائم التحاور معه حول هذين اللونين واستخدامه قلم الرصاص وكان يؤكد أنه يرغب في أن يواصل البحث بهذا القلم إلى أن يصل إلى مكان لم يصل إليه الآخرون، فهو دائم البحث حتى في رسمه وفنه" وواصل قائلا "إن بحثه هذا قد يوصله إلى نتيجة معينة أو قد لا يصل إلا أنه لا ييأس أبدا مما يؤكد إصراره وتحليه بالصبر والعزيمة لأن يرى نتائج ما يقدمه وإن كان الأمر متأخرا" وقال "ان باقرا كان يحمل من العزيمة ما يجعله يهدم الجدران التي قد تعوق طريقه، فقد أشعل بالقلم الرصاص واللونين الأبيض والأسود روح الحماسة وبثها في الكثير من الفنانين وهذا بحد ذاته يعتبر أمرا مهما ويشكل تأثيرا قويا في حياة أي إنسان". "ويمكنني القول إنه كان قياديا ودفع الكثيرين للتأثر به ومواصلة العمل والإنتاج والعطاء الدؤوب الذي لا يتوقف".
* هل هذا يعني أن هناك من يسير على خطاه ويتبنى نفس الخط؟
- "إن ما أرغب في توصيله هو أن مثابرته وكفاحه ألهبا حس الكثير من الفنانين وأوجدا لديهم الرغبة في العمل والإنتاج وليس التقليد إذ ان هذا الأمر (أي التقليد) شيء خاطئ وغير ثابت أو صامد ولا يصل للمتلقي إنما تأثيره تركز في بث روح الحماسة لدى الفنانين ومنحهم الدافع للعمل والعطاء واتخاذ خط واضح في تجربتهم الفنية". * هل كانت لكما مشاركة فنية ثنائية خارج البحرين؟ - "في الحقيقة كنت أتمنى تلبية دعوة وجهت لنا لإقامة معرض مشترك مع فنان عالمي صيني في جمهورية الصين بحيث أن أقدم أنا أعمالا فنية بالزيت وباقر بالرصاص والفنان الصيني بالحبر الصيني إلا أن الظروف لم تسعفنا لتنفيذ هذا المشروع".
* كان الفنان د. أحمد باقر من الفنانين المرتبطين بالبيئة والتراث فما رأيك؟
- "هو حقا من الفنانين المهتمين بشكل كبير بالتراث والبيئة البحرينيين وله اهتماماته الشخصية بالمحافظة على التراث، وقد تعمق في الدراسات التراثية والتسميات القديمة ومتابعة أصولها ويمكننا أن نلمس هذا الاهتمام في أعماله الفنية بشكل واضح. وقد أصدر كتابا مؤخرا عن الخيول وقد أبدع في هذا الكتاب الذي يقدم جماليات نادرة في رسم هذا المخلوق الجميل المرتبط بالبيئة البحرينية وهذا يعكس مدى تأثره فعليا بالتراث والبيئة المحلية وارتباطه بها وانعكاس ذلك على أعماله الفنية". ترجل الفارس عن حصانه ورحل عنا ولكنه غاب جسدا فقط وسيظل باقيا وحاضرا بيننا بإبداعاته وكتبه ودراساته التي تثري المكتبات الفنية والتربوية العالمية. وليعوض علينا الله في طفليه فارس وهند ليواصلا طريق العطاء والإبداع كما كان هو معطاء وأعتقد أن الخربشات البسيطة التي ترسمها هند في دفترها الخاص لتؤكد حدسه بأن ابنته ستواصل الطريق والدرب.
****
نبذة عن سيرة الفقيد الدكتور أحمد باقر
هو من مواليد عام .1946 - عضو المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بمملكة البحرين. - عضو مجلس إدارة هيئة وإذاعة تلفزيون البحرين. - عضو مؤسس بجمعية البحرين للفنون التشكيلية. - عمل أستاذا مساعدا للفنون الجميلة بجامعة البحرين. - استقرت به رحلته الدراسية الأولى في فرنسا طالبا منتظما بالمدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة البوزارت بباريس التي حصل منها في عام 1972على دبلومين في الفنون: الأول الدبلوم الوطني العالي للفنون الجميلة تخصص تصوير بالألوان والثاني تخصص رسم. - بعد سنوات من العمل في المجال التربوي عاد إلى أوروبا للدراسة العليا في المملكة المتحدة وبعد أن أتم بنجاح دورة تأهيلية في اللغة الانجليزية بلندن التحق طالبا بجامعة ويلز ونال منها في عام 1977 دبلوم الدراسات المتقدمة في التربية متخصصا في تطوير وتخطيط المناهج الدراسية للتربية الفنية. - حصل في عام 1989 على دبلوم الدراسات المتعمقة في علم الجمال وعلوم الفنون من جامعة باريس الأولى البانتيون - السوربون. - في عام 1992 نال درجة الدكتوراه في الفنون الجميلة وعلومها وتقنياتها بمرتبة الشرف الأولى بإجماع لجنة التحكيم عن أطروحته التي كانت بعنوان "أبحاث ودراسات في الفنون وتاريخها في البحرين" من جامعة باريس الأولى البانتيون - السوربون. - في عام 1980 أصدر أول كتاب عن الفنون التشكيلية المعاصرة في البحرين وهي من إصدارات وزارة الإعلام ودعم وزارة التربية والتعليم بمملكة البحرين. - أصدرت له وزارة التربية والتعليم في عام 1981 كتابا بعنوان "التصوير الضوئي" بعد أن قام بوضع أول منهج دراسي لتعليم التصوير الضوئي في مدارس البحرين. - شارك في عام 1986 في تأليف أول كتاب عن الفنون التشكيلية في دول الخليج العربية بعنوان مختارات من أعمال الفنانين التشكيليين لدول الخليج العربية من إصدارات مكتب التربية بدول الخليج العربية في الرياض بالمملكة العربية السعودية. - ظهر له في عام 1993 كتاب بعنوان "الفن التشكيلي في البحرين" من إصدارات إدارة الثقافة بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
- قام في عام 1998 بتأليف كتاب بعنوان "مجيء الفن بمفهومه الأوروبي إلى العالم العربي". - قدم الكثير من الندوات والمحاضرات في مختلف الأقطار العربية وله العديد من الأبحاث والدراسات والأطروحات الجديدة في مجالات الفنون الجميلة والتراث العربي والإسلامي وتاريخ وآثار البحرين والخليج العربي - عندما كان في سن الثالثة عشرة وهو تلميذ في المرحلة الابتدائية نشرت جريدة شركة نفط المحدودة النجمة الأسبوعية في عددها الصادر في نوفمبر 1961 عنه مقالا بعد أن فاز بإحدى الجوائز الأولى في مسابقة الرسم التي أقامتها شركة النفط لطلاب مدارس البحرين ومدارس المملكة المتحدة في عام .1960 - التحق في الستينيات بأسرة هواة الفن وشارك أول مرة في معرض جماعي لأعضائها التشكيليين أقيم بنادي شركة نفط البحرين في مدينة العوالي، ثم استمرت مشاركته في معارض الأسرة اللاحقة. - في عام 1967 وهو لايزال طالبا بالمرحلة الثانوية فتح له في سوق المنامة مكانا "غالري" لعرض وبيع أعماله التشكيلية. - في عام 1972 أقام معرضه الفردي الأول متخصصا في الرسم بالقلم الرصاص في قاعة القسم التجاري بمدرسة المنامة الثانوية للبنين. - في عام 1973شارك في صالون الفنانين الفرنسيين الذي أقيم بالقصر الكبير "لوجراند باليه" بالشانزلزيه بباريس. - في عام 1983حصل على الميدالية الفضية من الجمعية الفرنسية للفنون التشكيلية. - في عام 1985 حصل على جائزة الشراع الذهبي في المعرض التاسع للفنانين التشكيليين العرب الذي تقيمه كل سنتين الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية. - اختير مع أربعين فنانا من مختلف الأقطار العربية يمثلون الاتجاهات التشكيلية المعاصرة للفن في العالم لتمثيل المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم "اليونسكو" في معرض متنقل يطوف العواصم بمناسبة احتفال المنظمة العالمية بمضي أربعين عاما على تأسيسها. - فاز في عام 1986 بجائزة السعفة الذهبية في المعرض الدوري الرابع للفنون التشكيلية لفناني دول مجلس التعاون الذي أقيم في الكويت. - في عام 1996 أسس مركز البحرين للفنون الجميلة والتراث بجامعة البحرين. - في عام 1997 فاز بالجائزة الكبرى "جائزة الدانة" في المعرض السنوي السادس والعشرين للفنانين التشكيليين البحرينيين الذي أقيم بمتحف البحرين الوطني.
اخبار الخليج
اكتوبر 2008