لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة
بحر، بحرين، ثلاثة
جهة الأسبوع



































 

رفعت سلام: أبناء جيلي يكررون أنفسهم

نائل الطوخي
(مصر)

(كانوا يعتقدون أنهم يؤسسون حداثة في العالم كله‮)

نائل الطوخيعام‮ ‬1999‮ ‬نشر الشاعر رفعت سلام ديوانه‮ "‬كأنها نهاية الأرض‮"‬،‮ ‬وكان عليه أن ينتظر تسع سنوات حتي ينشر ديوانه‮ "‬حجر يطفو علي الماء‮"‬،‮ ‬الذي صدر مؤخرا‮ ‬عن دار‮ "‬الدار‮". ‬في السنوات التسع سافر سلام إلي الجزائر مديرا‮ ‬لمكتب وكالة أنباء الشرق الأوسط هناك،‮ ‬ترجم أعمال رامبو الكاملة وبعضا من أعمال بودلير،‮ ‬اكتسب مزيدا من الخبرة التي جعلته الآن يبتسم ساخرا‮ ‬من نفسه ومن جيله الذي بدأ طريقه مع آمال عملاقة ثم انتهيوهويوقن أن العالم أرحب من أن يتم تغييره بقصيدة‮. ‬هنا حوار مع الشاعر السبعيني حول ديوانه الأخير ورؤيته لمسيرته ومسيرة جيله

ديوانك السابق لهذا الديوان الجديد منشور عام‮ ‬99،‮ ‬ما السبب في فترة الانقطاع الطويلة هذه ؟

ما حدث هو أنني سافرت إلي الجزائر عام‮ ‬2001‮ ‬مديرا‮ ‬لم كتب وكالة أنباء الشرق الأوسط‮. ‬ولمن لا يعرف،‮ ‬فالجزائر هي قارة تضم شعوبا وقبائل وثقافات وطبقات وحضارات‮. ‬كانت تقريبا البلد العربي الوحيد الذي لم أزره،‮ ‬وهو ما يعني أنه لم تكن لدي أصدقاء ولا معرفة باللهجة،‮ ‬فبدأت من الصفر‮. ‬في العام الأول لوصولي الجزائر كان الإرهاب متفاقما في العاصمة ولم تكن الحكومة قد سيطرت عليه،‮ ‬وفي نفس العام وقع فيضان رهيب قتل المئات،‮ ‬وبعده)‬يضحك‮) ‬وقع زلزال تجاوز الستة ريختر ترتب عليه مئات الضحايا،‮ ‬كل هذا يلقي عبئا إضافيا علي العاملين بالصحافة،‮ ‬وفي العام الأخير كانت الانتخابات الرئاسية‮. ‬لهذه الأسباب لم أستطع الكتابة وقتها‮. ‬حتي حينما كنت أمتلك الوقت كنت أجد نفسي في مزاج مختلف‮. ‬ربما بسبب الوحدة أو الغربة أو الخروج من أرضي الشخصية والحميمة،‮ ‬ومن إيقاعي اليومي‮. ‬في النهاية جئت بأعمال بودلير ورامبو،‮ ‬وقررت الخروج من هذه التجربة بشيء يبقي لي،‮ ‬أكثر من العمل الصحفي‮. ‬راوحت بين ترجمة بودلير ورامبو‮. ‬حين انتهت هده المهمة في النصف الثاني من‮ ‬2005‮ ‬عدت القاهرة بالمسودة الكاملة من أعمال رامبو ونصف أعمال بودلير،‮ ‬ولكنني وجدت في انتظاري دعوة من المركز الدولي للشعر بفرنسا للإقامة لثلاثة أشهر لديهم‮. ‬وبالتالي لم أبق في القاهرة سوي قرابة الشهر وسافرت وعدت من جديد‮. ‬

بمناسبة الترجمة،‮ ‬هل تشعر أن عملك كمترجم يضيف إليك كشاعر؟

‮"‬يضحك‮" ‬دعني أضرب لك مثالا،‮ ‬عندما تقرأ نصا لمجرد القراءة فسوف تقرأه مرة واحدة فقط،‮ ‬ولكن عندما تحاول ترجمة جملة شعرية،‮ ‬ستدرس أمامها كل الاحتمالات للترجمة،‮ ‬قد تصل إلي عشرة احتمالات،‮ ‬ولكن الترجمة قد تفرض عليك احتمالا واحدا‮. ‬طيب‮. ‬أين تذهب بقية الاحتمالات؟ إنها تسكنك دون أن يدري بها القارئ‮. ‬القارئ قرأ الاحتمال الوحيد الإجباري،‮ ‬فإذا ما ترجمت صورة شعرية يبقي لي منها تسعة احتمالات كاملة‮. ‬تخيل كم أنا ثري‮.‬

شخصيات ديوانك‮ ‬غير عادية،‮ ‬المرأة مثلا هي الشهوة واللعنة والحريق‮. ‬لا تفكر في شخصيات أكثر عادية‮. ‬خاصة علي ضوء ما تردد في الأجيال التالية من الاحتفاء بفكرة العادي واليومي؟

أنا لا أشغل بالي بهذا‮. ‬ضع في بالك أنني المترجم الرئيسي ليانيس ريتسوس‮. ‬وهو الذي أوحي لشعراء قصيدة النثر بالعادي واليومي‮. ‬كان أثر ريتسوس واضحا في شعر سعدي يوسف مثلا في دواوينه الأولي مثل‮ "‬الينبوع‮"‬،‮ ‬وسعدي هو أحد مترجمي ريتسوس‮. ‬ولكن اليومي والعادي لدي ريتسوس ليس ما يكتب هنا ولا ما تم فهمه هنا‮. ‬ليست هناك‮ (‬أنا‮) ‬في قصائد ريتسوس‮. ‬الأنا هي التي تراقب الآخر بلا تدخل منها‮. ‬الآخر هو مركز القصيدة،‮ ‬الآخر في إيماءاته اليومية ولكن الجوهرية‮. ‬

الإحالات الشعرية في ديوانك الأخير،‮ ‬مثل الإحالات إلي كفافي والكتب المقدسة،‮ ‬كانت كثيرة جدا معها بحيث تختفي معها أنت بشكل ما؟

أنا كل هؤلاء‮. ‬طبعا من المستحسن أن تقرأ‮ "‬إيثاكا‮" ‬لكفافي حتي تكتمل دلالة المقطع،‮ ‬ولكن حتي لو لم تقرأها ستبدو إيثاكا كما لو كانت رمزا،‮ ‬وستكتمل القصيدة‮. ‬قصيدة كفافي تختتم بأن ليس المهم الوصول إلي إيثاكا ولكن الرحلة نفسها هي المهمة،‮ ‬ولولا وجود وهم إيثاكا لما قطعت الطريق‮. ‬هذا المقطع هو تلك الرحلة‮. ‬رحلة الصوت الشاعر وليس صوت كفافي،‮ ‬الشاعر قطع رحلة مغايرة مختلفة عن رحلة كفافي‮. ‬وصوته هو ذلك الصوت المركب كله‮. ‬أنا متخم بالأصوات من بدءا من الفلاح الفصيح إلي صورة طومان باي مشنوقا علي باب زويلة‮.‬

كل هده الإحالات مأخوذة من الثقافة المؤسسة،‮ ‬الرفيعة إذا جاز التعبير،‮ ‬ألم تحاول الوصول إلي مصادر‮ "‬غير رفيعة‮" ‬للثقافة؟

في‮ "‬إشراقات‮" ‬هناك أمثال شعبية،‮ ‬الصبر مفتاح الفرج الآجل مثلا،‮ ‬وهذه الإحالات لا أقصد بها أكثر من أنها كونها تسكنني فعلا وأنها تأتي في مكانها في هذا السياق،‮ ‬ليست مقصودة ولا أقصد بها أبعد من ذلك‮. ‬لا أجد نفسي مضطرا وأنا أستخدم شطرة من المتنبي أن أحيطها بعلامات تنصيص،‮ ‬ولا تنس أن في أحد هوامش هذا الديوان أكتب مثلا‮ "‬صباح الفل‮."‬

في السنوات الأخيرة تحولت قصيدة النثر إلي نمط جاهز،‮ ‬هل تشعر أنك كنت مسئولا عن هذا بشكل ما؟‮

‬ لا‮. ‬لست مساهما فيما جري،‮ ‬بل بالعكس‮. ‬فأنا لم أقم أبدا بمثل هذا الفصل بين النثر والتفعيلة،‮ ‬كنت أعتبر أن جميع الأشكال السابقة هي نوع من الثراء لي كشاعر،‮ ‬ولذلك قد تجد في نصوصي تلك الإحالات إلي إمرؤ القيس أو المتنبي لكنك ستجد لديٌ‮ ‬المزج بين التفعيلي والنثري منذ ديواني الأول‮ "‬وردة الفوضي الجميلة‮"‬،‮ ‬وحتي ديواني الأخير،‮ ‬وهذا الفصل الذي يرتكبونه هو نوع من سوء الفهم‮. ‬أنا أتحدث عن الشعراء الحاليين الذين ينادون بقصيدة النثر ولا يدرون بذلك كم هم بذلك فقراء‮.‬

لم يحدث لديك انقلاب في المفاهيم بخصوص قصيدتك الخاصة منذ بدأت الكتابة وحتي الآن؟

لا أظن‮. ‬حتي أول قصيدة منشورة في العدد الأول من‮ "‬إضاءة‮" ‬وعنوانها‮ "‬منية شبين‮"‬،‮ ‬ستجد فيها أصواتا مستقلة وكل صوت مستقل عن الآخر‮. ‬كانت تلك هي أهم قصائدي في ذلك الحين وعندما أخضعت هذا الأمر لأكثر من دراسة كتبتها أصبحت المسألة أكثر رسوخا في ذهني‮. ‬الآن أري التكرار من حولي،‮ ‬وهو ما كان يؤكد لي باستمرار صحة اتجاهي،‮ ‬وكوني أبحث في كل عمل عن إضافة ما حتي لو كانت صغيرة‮.

أي تكرار تعنيه،‮ ‬من أبناء جيلك أم من التالين عليه؟

أبناء جيلي يكررون أنفسهم‮. ‬ما أن يظهر الديوان الأول حتي تجد الدواوين التالية،‮ ‬وفيها يعودون إلي نفسهم ويحدث إعادة إنتاج‮. ‬إذا سألت عن الاختلاف الحقيقي ما بين هذا الديوان وذاك،‮ ‬فلن تجد شيئا‮. ‬هذا التكرار هو رعبي أنا في لحظة الكتابة‮. ‬وهو أحيانا ما يوقفني عن الكتابة‮. ‬إذا ما بدأت الكتابة فلا أتوقف إلا في حالة واحدة‮. ‬إذا كان ما أكتبه هو اجترار بشكل ما أو كان يشبه ديواني السابق.‬

أحيانا ما تكرر أنت نفسك أيضا،‮ ‬لنأخذ بيتا لك مثل‮ "‬شعاره الجمجمة ورايته الصباح‮"‬،‮ ‬هذا بيت كتبته من قبل ثم أعدت كتابته في ديوانك الأخير؟

أحيانا ما يحدث هذا‮. ‬تشعر أنك تقيم حوارا مع الماضي‮. ‬ذات مرة سخرت من‮ "‬وردة الفوضي الجميلة‮"‬،‮ ‬سخرت من عنوان الديوان بدون استخدام أقواس،‮ ‬فمن يعرف الديوان سيفهم هذا ومن لا يعرف سيتعامل معها باعتبارها صورة شعرية‮. ‬أحيانا ما يحدث معي هذا،‮ ‬أن أحاور بعض الصور السابقة،‮ ‬سواء بالنقد أو المعارضة أو التحريف‮.‬

لو نظرت الآن لرفعت سلام الشاب الذي يكتب أول دواوينه،‮ ‬فما هي أكبر مآخذك عليه؟

‮"‬يبتسم‮" ‬وقتها لم أكن أعرف أن العالم بهذه الرحابة،‮ ‬وأن الشعر بهذه التعددية الرهيبة في الأصوات‮. ‬كنا نقرأ في ذلك الحين ما تسمح به أوضاع الترجمة،‮ ‬أما بعد ذلك فلم أعد مرهونا بالمترجمين لأن الظروف سمحت لي بأن أقرأ الكثير من الأصوات الشعرية بلغاتها،‮ ‬وبالتالي فلقد اكتشفت الرحابة،‮ ‬وأنني لست صوتا أساسيا‮. ‬هذا هو الغرور الذي يتملك الشاعر في بدايته‮. ‬ماذا ستفعل إذا عرفت أن شاعرا بقامة كفافي لم يصدر ديوانا في حياته؟ المشكلة أنني طوال الوقت اقرأ ادعاءات كبري بلا إنجاز بينما هؤلاء إنجازات هائلة بلا كلام لم يخطر ببال بودلير انه يؤسس الحداثة الشعرية في العالم‮.‬

وكنتم تعتقدون في إضاءة وأصوات أنكم تؤسسون حداثة شعرية في مصر؟

بل في العالم‮ "‬يضحك‮". ‬لا أقل من العالم‮. ‬كنا شعراء يحملون الكثير من الحماس والقليل من الثقافة‮. ‬كلما عرفت أكثر كلما تواضعت أكثر‮. ‬أنا أتكلم عن كوني شاعرا عام‮ ‬2008،‮ ‬وخلفي أكثر من‮ ‬15‮ ‬قرنا من الشعر العربي وربما مثلهم من الشعر العالمي،‮ ‬فما الذي سأضيفه وكيف سأدعي أية ادعاءات حول نفسي وحول ما افعل،‮ ‬خاصة انه بالفعل منذ سنوات ليست هناك إنجازات حقيقية‮.‬

وما الذي أضافه جيل السبعينيات اذن؟

السبعينيات حركوا الراكد وفتحوا ثغرة في الأسلاك الشائكة التي كانت مضروبة علي القصيدة‮. ‬فتحوا باب الخيال‮. ‬حركوا اللغة الشعرية والصورة الشعرية‮. ‬اقتحموا المحرمات في ذلك الحين وكان أهمها قصيدة النثر لأنها كانت ممنوعة من الدخول إلي مصر‮. ‬قصيدة النثر ولدت في لبنان في أواخر الستينيات‮. ‬لكنها كانت ممنوعة من الدخول إلي مصر بشكل أو بآخر،‮ ‬لم يكن يكتب عن شعراءها في مجلات القاهرة ولا يمكن أن ينشر نص لهم‮. ‬جيل السبعينيات هو الذي أدخل أدونيس إلي القاهرة لا اية جهة رسمية‮. ‬هم الذين فرضوا أدونيس هنا بحيث أصبح وجدوده ضروريا كشاعر.

اخبار الأدب- 28- 9-2088

أعلى