لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



















































 

سعد البازعي: تصعُب علينا الكتابة فيما نحب ونكره

منى سكّرية
(لبنان)

سعد البازعيفي لقاء مطوّل، أجرته «أوان» مع الكاتب والناقد والأستاذ الجامعي د.سعد البازعي، أطلق عدداً من العناوين المهمة التي تثير النقاش مجدداً انطلاقا من رؤاه، وكتابه «المكوّن اليهودي في الحضارة الغربية».

* كانت مشاركتك في معرض الكتاب العربي الأخير في بيروت مقتضبة، مع أنك تحدثت فيها عن كتابك: «المكوّن اليهودي في الحضارة الغربية»، الذي عالجت فيه موضوعاً يثير إشكاليات وحساسيات وردود فعل... وفي المحاضرة ركزّت على أن هذا الموضوع أثار لديك قلقاً، لأنه يُكتب في مجتمع معادٍ... فأي ردود فعل كنت تخشاها؟ النخب الثقافية، المؤرخين؟ أو الدوافع الدينية؟

لم أستطع التنبؤ تماماً بما يمكن أن يحدث نتيجة نشر كتاب من هذا النوع، فالقلق ناشئ من ردود فعل مختلف الأطراف، لكنه أيضاً كما أوضحت أو حاولت أن أوضح في المحاضرة، فإن القلق هو أيضاً مسألة ذاتية، يعني أنه كانت لدي مشكلة مع نفسي أيضاً عندما أقارب موضوعاً من هذا النوع، لأنه مواجهة لموروث، ومواجهة لذاتي الثقافية بما تحمله من مواقف. وأذكر أنني تحدثت عن الموضوع نفسه منذ سنوات، وبدأت بالقول إن هناك مواضيع صعب التحدث عنها: الموضوع الذي نحبه كثيراً، وذاك الذي نكرهه كثيراً، وفي كلتا الحالتين يصعب على الكاتب أو الشخص أن يكون منصفاً أو دقيقاً، أو يشعر بالارتياح وهو يتعامل مع الموضوع.

مخاوف الموروث

* ما الهدف الذي أردت إيصاله من وراء التطرّق إلى مثل هذا الموضوع المحرم بالثقافة الموروثة؟

الحقيقة هناك أكثر من هدف، لكن لا شك في أن اليهود كجماعات هم بحد ذاتهم هدف للتعرّف عليهم أكثر، لأنني أشعر أننا نظن أنفسنا نقيم حجاباً بيننا وبين المعرفة الدقيقة والصحيحة للآخر، حتى وإن كان عدونا، إضافة إلى مزيد من التعرّف على الحضارة الغربية. أنا أعتقد أننا نتعلّم من الحضارة الغربية أكثر مما ندرسها، يعني ما أردت أن أفعله هو أن أجعل هذه الحضارة موضوعاً للبحث والدراسة، بدلاً من أن تكون معلّماً علينا، أو متتلمذاً عندها، كما فعلت، وفعل غيري كثير في العالم.

ما نحتاج الى فعله هو ما دعا اليه حسن حنفي في كتابة «علم الاستغراب»، وهو أن نجعل الغرب موضوعاً لدراستنا، مثلما أن المستشرقين جعلوا العالم العربي والإسلامي موضوعاً لدراستهم. فأنا أدرس هذه الحضارة، وأحاول أن أتبيّن معالمها من خلال الجماعات اليهودية، وكيف استطاع هؤلاء الأفراد أو تلك الجماعات أن تحتل مكانة بهذه الأهمية وبهذا التأثير. أيضا هناك هدف آخر، هو كيف للعالم العربي أن ينهض، يعني هذا درس في النهوض.

* لكنه بدا وكأنه نوع من إظهار صورة إيجابية لهذا المجتمع اليهودي في الحضارة الغربية، ولاسيما بعد هذا الهجوم الشرس على الإسلام كدين وكثقافة؟

للحقيقة، ليس الهدف إظهار الشيء الإيجابي، إنما الهدف كان المعرفة كما هي بسلبياتها وإيجابياتها. وعندما ظهرت الصورة ظهرت فيها إيجابيات لا تُنكر، فمثلا من ينكر دور «أينشتاين» في تطوّر العلم الحديث؟ هذا الرجل له خلفية يهودية، وينبغي أن نعترف بذلك، وفرويد، وماركس وغيرهما.. فأنا حاولت أن أُبرز، وهذا كان مصدر قلق بالنسبة إلي، لأن ردود الفعل جاءت من هذه الزاوية بالذات، وهو أنك تسلّط ضوءا إيجابياً على أناس هم أعداؤنا.

* لو أن فرويد لم يصرّح عن هويته الدينية من أنه يهودي الانتماء، هل كنا لنقول، لأنه يهودي ساهم في الحضارة الغربية ومثله ماركس وغيرهما؟

هذه إشكالية أخرى، لا شك في أنني كنت مضطراً لمواجهتها. إنه سؤال مهم حول ما هو دور الانتماء اليهودي لدى هؤلاء؟ أنا قلت في الكتاب إن الانتماء اليهودي له حضور نسبي وليس مطلقاً، وفي حالات يكاد يكون مطلقاً، ولكن في حالة مفكّر مثل فرويد أو ماركس يصعب أن نقول إنه يهودي بالكامل، هو نفسه كان عنده مشكلة مع الانتماء اليهودي، كان أحياناً يصرّح بالقول «لأنني يهودي استطعت أن أفعل كذا»، وله عبارات اقتبسنا منها كرسائل، وفي أماكن يكاد ينكر هذا الجانب. أنا بالنسبة إلي اعتمدت كثيراً على دراسات غربية عن فرويد، وتلّمست هذا الجانب لديه، وأعتقد جازماً أنه ليس لكونه يهودياً، بمعنى اعتماده على التراث اليهودي أو الدين اليهودي، وإنما الانتماء لفئة مضطهدة، فكان له دور كبير في ذلك، فئة مضطهدة طبعاً. وهو حتى مع مكانته كان دائماً مهدّداً، فلاحظي أنه هرب من النمسا وذهب الى بريطانيا في أواخر عمره، خوفاً من هتلر، فهذا الشعور كان طبعاً موجوداً حتى من قبل هتلر، لأنه ليس مسيحياً، وليس جزءا من هذا المجتمع مئة في المئة، وهذا الشعور «الأقلوي» أو الفئوي والشعور بنوع من الاضطهاد الكامن والقابل للانفجار في أي لحظة غذّى لديه توجهات فكرية معيّنة، وهذا ما ناقشته في الكتاب. ومن أهداف دراستي أن أبيّن دور الأقليات ليس بالضرورة اليهود.

وأعتقد أن هناك أقليات أخرى، لكن هذا أيضاً جانب مهم بالنسبة إلى فرويد وغيره.

* عندما يتم التطرّق الى إحدى الشخصيات اليهودية في الغرب يُتهم هذا الشخص بالعداء للسامية؟ هل الدكتور سعد البازعي لم يُتهم بالعداء للسامية، لأنه كتب عن الدور الإيجابي لهذه الشخصيات اليهودية؟

الإشارة الى شخص ما أنه يهودي بحد ذاتها ليست مشكلة، وأعتقد أنه حتى في الغرب مقبولة، لأن اليهود أنفسهم يقولون عن أنفسهم إنهم يهود، لأن صفة اليهودية لا تحمل شيئاً سلبياً بحد ذاتها، إنما هم دائما يوجهون تهمة العداء للسامية عندما يُتهمون بالعداء للآخر، وبالعنصرية... عندهم حساسية عالية إزاء هذه المسألة، ونحن نعتقد أنها جزء من هلع في الجماعات اليهودية، وأيضا «ميكانيزم» دفاعية تسعى من خلال هذه الجماعات إلى إبعاد الخطر عنها. كتابي يتضمن شيئاً من هذا القبيل. أنا أذكر ما جرى للمؤرخ البريطاني اليهودي الأصل طوني جون، المقيم في الولايات المتحدة، والمعروف بنقده لإسرائيل، إذ أراد أن يُلقي محاضرة عن إسرائيل في سفارة بولندا في واشنطن، ولكن قبل ساعة من إلقاء المحاضرة أُلغيت بضغط من الجماعات المؤيدة لإسرائيل.

إدوارد سعيد

* كيف تقيّم تجربة الراحل الدكتور إدوارد سعيد، وهو من المفكرين العرب الذين أبدوا تسامحا في محطات أساسية تجاه الغرب واليهود، منها اعترافه بالمحرقة، لكي يعترفوا بالمحرقة التي يرتكبونها بحق الشعب الفلسطيني، وقاد أوركسترا من أجل السلام، ودعا الى دولة ثنائية القومية، يعني أنه لم يكن متعصباً متشدداً داعياً الى إلغاء اليهودي الآخر الذي احتل أرضه، لكن عندما نشر إدوارد سعيد صورة له مع عائلته وهو طفل في بيتهم في القدس، قامت القيامة عليه، فكيف تنظر الى تجربته؟

لا شك في أن إدوارد سعيد عانى كثيراً من مواقفه تجاه إسرائيل والصهيونية عموماً، وأعتقد أن معاناته كانت سياسية في المقام الأول، لكنها أيضا كانت ثقافية واجتماعية وحضارية، وهو قاوم الظلم بكل أشكاله، إن كان من خلال الاستشراق أو من خلال محاربة الاستعمار، والكشف عن الظلم والدفاع عن الفلسطينيين وفلسطين عموماً، وأعتقد أنه هوجم من هذه الزاوية، وقد أبلى بلاء حسنا، وأذكر مثلاً عندما كان في جنوب لبنان وأخذ حجارة وألقاها على إسرائيل المحتلة لفلسطين، بعدها أُلغيت له محاضرة كانت مقررة في النمسا. لكن، من جهة ثانية، كان من الصعب نفي إدوارد سعيد حتى بالنسبة إلى الجماعات اليهودية، وهناك يهود أصدقاء له، يعني اليهود الذين كانوا أنفسهم في عداء مع سياسة إسرائيل. ثم انه عمل طوال حياته أستاذا في جامعة كولومبيا، وهي معقل من معاقل الأساتذة اليهود وفي قلب نيويورك، وأعطوه رتبة علمية عالية.

* المجتمع الأميركي المنفتح وكفايته أتاحا له أن يحصل على رتبة بروفيسور، وليس اليهود.

- بالضبط، لكن اليهود عُرفوا بمحاربتهم لمن يُنجز إنجازاً معرفياً مهماً.

* تحدثت في كتابك عن هؤلاء اليهود الأفراد الذين ساهموا في الحضارة الغربية، هل تنوي تأليف كتاب آخر عن الدور السياسي الضاغط لهؤلاء أو لهذا التجمع اليهودي الذي أمسك بالقرار السياسي، سواء في أميركا أو في أوروبا، والذي أدى الى عزلتهم في فترة تاريخية معيّنة في أوروبا؟

ليس في ذهني الآن، لكن لديّ مقالات عدّة حول هذا الموضوع، ولي كتاب سينشر خلال أيام من المركز الثقافي العربي بعنوان «قلق المعرفة»، وهو مقالات حول باحثين يهود. ربما إذا أمدّ الله بالعمر سأقوم بذلك.

الفلسفة والمتفلسفون

* تقول في كتابك، محور المقابلة، إن السبب الذاتي الذي حرضّك على الكتابة عن دور اليهود في الحضارة الغربية هو تسليط الضوء على وضع الأقليات.. سؤالي ماذا عن وضع الأقليات في الوطن العربي؟

ليست القضية أن تكتب عن الأقليات، بل من أي زاوية يجب أن نكتب. فأنا لو كتبت عن الأقليات لكتبت من الزاوية نفسها التي كتبت فيها عن اليهود. يعني هذا الموقف القلق للجماعات، وما الذي فعلوه. يعني أنني أتحدث عن دور «السريان» في تطوّر الحضارة العربية الإسلامية، والتعرّف على اليونان لم يكن ليتم لولا السريان. وأعتقد أن هناك أكراداً لهم دور كبير في حضارتنا، وغيرهم أيضا، وحتى المذاهب والأقلية المذهبية وليس العرقية، يعني كالشيعة مثلا في السعودية وفي لبنان وفي أماكن أخرى، إذ لهم أدوار إيجابية، والقضية ليست فقط الإيجابي والسلبي، القضية قضية طبيعة الإسهام. وهذا جانب معرفي يهمني كثيراً.

* قلت أيضاً في إحدى المقابلات إنه لا يوجد فلاسفة عرب، في أي مناخ يولد الفلاسفة والفلسفة؟ وهل لأنه لا يوجد فلاسفة هناك متفلسفون؟

المتفلسفون بالمعني السلبي بالتأكيد هم موجودون دائماً، وأدعياء الفلسفة والذين يظنون أنهم فلاسفة بالتأكيد موجودون دائماً، لكن أعتقد أن لي وجهة نظري في هذه المسألة، وهي أن الفلسفة شكل من أشكال الفكر وليست الشكل الوحيد الذي يظهر من خلاله الفكر، الفلسفة اشتغال معرفة، تطوّر عند اليونانيين، ثم استمر في أوروبا، ولم تستطع أي ثقافة حتى الآن، لا الهند ولا الصين ولا أي من دول آسيا أن تنتج فلسفة بالمعنى اليوناني وبالمعني الأوروبي، وهذه حقيقة.

في العالم العربي أيضاً كان ابن رشد وابن سينا أو الفارابي في الغالب يهمّشون على الفلسفة اليونانية، يعلّقون عليها، يشرحون، يختلفون معها، لكنها لم تكن انشغالهم الأساسي أو إنجازهم الحقيقي، فلذلك ليست لدينا فلسفة، ليس لأننا غير مؤهلين.

* أو أن الاتهام بأن الدين الإسلامي وضع سقفاً منخفضاً لميدان الفلسفة، مع أنك تشير إلى غيابها في الصين والهند؟

بالضبط، لأنه ليس هناك حتى الآن فيلسوف صيني كما هايدغر، أو جان بول سارتر في أوروبا. ربما عبدالرحمن بدوي هو أقرب المفكرين العرب المعاصرين للفلسفة اليونانية، هو دخل في أفق الوجودية الأوروبية، لكنه لم يمضِ طويلاً، وعاد في آخر عمره وأعلن أنه مفكّر إسلامي.

* يبرع اليهود في البلدان الإسلامية، كالشام وتركيا والقاهرة، في العمل اليدوي والحرفي، ولكن هذه فنون طابعها إسلامي وليس يهودياً، وبالتالي يقال إنه فن إسلامي ولا يُقال إنه فن يهودي؟

ولا يوجد شعب يهودي أيضاً، هذه من المقولات التي أشاعتها الصهيونية، أنه لا يوجد شعب يهودي، هناك جماعات يهود تعيش ضمن سياقات اجتماعية أكبر منها.

دائما، هناك يهودي ألماني ويهودي صيني ويهودي عربي وغير ذلك، وهذه نقطة مهمة شدد عليها الدكتور عبدالوهاب المسيري، رحمه الله، هذا الرجل الذي تعلمت منه كثيراً بالذات في دراسة اليهود. صحيح أن اليهود يبدعون ضمن حضارات أخرى وينتجون أشياء جميلة، لكنها تأتي منسجمة مع الشروط الثقافية لتلك البلدان أو لتلك المجتمعات، وليس لهم هم، ولكنهم عندما يبدعون يمكننا أن نتلمس هويتهم في ما يبدعون. لماذا اليهود يشتغلون مثلا في دائرة الصرافة، في مجال النحت، وفي المجال الحرفي مثلاً، وهناك أماكن لا يقتربون منها وأماكن يعملون فيها، فهذا أعتقد أنه يتصل من كونهم أقليات، وأحيانا أيضاً ينعكس على موروثهم اليهودي في النظرية النقدية مثلاً المعاصرة، قيل كثيرا عن اليهود إنهم أبدعوا في التفسير، في تفسير النص وقراءة النص قراءة دقيقة، نتيجة لأنهم طوال ألفي سنة لم يكن لديهم إبداع ثقافي أكثر من قراءة التلمود أو التوراة، وإنتاج تفاسير لا نهاية لها، وتعليقات على تعليقات، فتتكوّن لديهم قدرات مذهلة في هذا الجانب استُثمرت في العصر الحديث في النقد الأدبي مثلا، لذلك أنا أعتقد أن هذا يشبه ما يحدث في المنمنمات وفي الأشياء الحرفية، لأن فيها دقة ومهارة يدوية، وهذا نتيجة لأنهم أُرغموا على البقاء في هذه المنطقة، يعني أن أوروبا لم تكن تسمح لليهود بالعمل في الزراعة، أي أن هناك مناطق ممنوعة، ولذلك يبدعون في الحرف.

* هل كان دور كارل ماركس نهضوياً أم تخريبياً من زاوية النظر السعودية؟

بالتأكيد كارل ماركس كان مفكراً اقتصادياً سياسياً بالدرجة الأولى، وهو أبدع نظرياً، ولا شك في أنه ترك أثراً في العالم وهو غيّر في العالم كما لم تغيّر كثيراً من النظريات، وينبغي أن نعترف بهذا، بغض النظر عن موقفنا مما فعل أو ما أنتج، وأعتقد أنه توجد جوانب إيجابية في النظرية الماركسية، يعني الانتصار للفقر والانتصار على الظلم، ولكن هذه النظرية كغيرها من النظريات والأفكار عندما تبنّتها الدول في الاتحاد السوفييتي وفي الصين تحوّلت أداة قمع للآخر، ولذلك جاء سقوطها المريع، أي السقوط المريع لهذه الأنظمة، إنما الماركسية نفسها لها جوانبها السلبية وجوانبها الإيجابية كنظرية في الاقتصاد السياسي، نحن الآن لا نتعامل معها كنظرية في الاقتصاد السياسي، بل نتعامل معها على أنها ضد الدين ومخرّبة ربما في جوانب، لكنني أعتقد أن هذه القراءة يجب أن تكون متوازنة.

أوان
2010-01-24

أعلى