ولد الشاعر الصيني يانغ ليان في مدينة برن بسويسرا عام حيث كان يقيم أبواه الدبلوماسيان. نشأ في بكين وعانى آثار "الثورة الثقافية" باكراً. انتسب يانغ إلى حركة "جدار الربيع الديموقراطي" في ، ثم إلى مجلة "اليوم" التي كانت تصدر سراً، وكتب فيها معظم شعراء الحركة التجريبية الجديدة في الصين. بدأ يعرف في الأوساط الصينية منذ العام حيث انتمى إلى تيار ما يعرف بـ "الغموض" وهي الصفة التي تعارض بالنسبة إلى كثيرين القصيدة السياسية والدعائية المباشرة. هجر يانغ الصين منذ العام ، وأقام حتى في نيوزلندا التي حاز جنسيتها، وهو يقيم حالياً في لندن.
تتضمّن أعماله "تحويل الروح طقساً"، "روح مهجورة"، "أصفر"، "يقظة الكائن الذاتية"، "الميت في المنفى"، "الأقنعة والتمساح"، "الشمس والناس"، "منظر بشري"، "مفرد لا شخصي"، "حيث البحر ساكن". ترجمت قصائده إلى الفرنسية والإنكليزية ولغات عدة.
* بداية أحب أن تعطينا فكرة عامة عن الشعر الصيني، فالقارئ العربي يكاد لا يعرف شيئاً عن هذا الشعر على الرغم من تقاليده العريقة، ناهيك عن تجاربه المعاصرة؟
ـ هناك بعض الإشكالية في ما يتعلّق بالشعر الصيني. فهو كما تقول ضارب في القدم وله تقاليد شديدة الرسوخ. وهذا يطرح السؤال الدائم على كل من يخوض تجربة شعرية معاصرة كيف تصنع تحوّلاً معاصراً للثقافة الكلاسيكية الصينية. يمتد عمر التقليد الشعري الصيني إلى سنة، وقد انغلق هذا التقليد على نفسه أو تجمّد قرابة سنة، أي أن قاعدة الشعر كانت هي نفسها منذ سلالة "هن" زمن الامبراطورية الرومانية وحتى نهاية هذه السلالة. ويجدر القول هنا إن نهاية هذه السلالة لم تكن طبيعية. بل جاءت نتيجة صراع مع القوى الأوروبية العظمى منذ نهاية القرن التاسع عشر، ثم كانت حروب عدة بين الغرب والصين، وخسرت الصين كل شيء بما في ذلك التقليد الطويل الذي نتحدّث عنه. أو بالأحرى تعرّض هذا التقليد لهزّة عميقة، وهذا صدم المثقفين الصينيين الذين شعروا أنهم خدعوا، لأنهم كانوا فخورين جداً بهذا التراث، وجاء الواقع ليقول لهم شيئاً آخر. وقد أدت هذه الصدمة منذ بداية القرن العشرين إلى نشوء موقف هجين من التقاليد الصينية ومن الغرب في آن معاً. وكانت الفكرة الأسوأ في تلك المرحلة أن نلغي تلك الثقافة التقليدية ونحل محلها الثقافة الغربية التي رأى فيها عدد من المثقفين مخرجاً من تخبّطهم وضياع هويّتهم بعد انهيار الهوية السياسية والاجتماعية الصينية التقليدية. إبان الصين القديم كانت النظرة منحازة إلى الماضي، ومع دخول الثقافة الغربية بقوة حوّل الإيمان بالزمن من الماضي إلى المستقبل، ولهذا السبب راجت الشيوعية كفكرة من أفكار حداثية كثيرة مستوردة من الغرب لكنها سرعان ما أصبحت واحدة وأدت إلى ما أدت إليه. قدّمت الشيوعية وعداً بمستقبل أفضل ينجّي المثقفين من أشباح الماضي الرابضة على صدورهم، ولكن بعد نصف قرن من ذلك أصبحت الشيوعية هي السلطة السياسية في الصين... وعندها، أي في زمن ماو تسي تونغ تحديداً، والثورة الثقافية، شعرنا أن السلطة القديمة الأوتوقراطية لم تزل، وأنها تعيش معنا في الحاضر وهذا شكّل صدمة أخرى أعتقد أنها شكّلت حساسية جيل بأكمله. كل فكرة المستقبل انتهت عند وصول الشيوعية إلى السلطة ووجدنا أنفسنا من جديد متماهين مع الماضي لكن من دون زخم هذا الماضي أو شرطه المختلف.
صراع
* كان هناك صراع إذا مع هذه التقاليد؟
ـ حين بدأنا بالكتابة المعاصرة شعرنا أننا نطلع من خراب، خراب التقاليد الصينية، لكن أيضاً من دون ثقافة غربية أصلية، وجاءت تلك الحروب الفارغة مع الغرب لتزيد من عمق المشكلة، وأظن أن هذا كله شكّل الصين المعاصرة، وأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على ثقافتنا ونتاجنا الأدبي المعاصر. شعرنا بأن التقاليد تعيش في داخلنا لكنها تعيش بلا معنى أو عمق. وكان علينا مجدداً مواجهة هذا الماضي، لكن بطريقة مختلفة. كان علينا إعادة اكتشاف التقليد ضمن ذواتنا هذه المرة، بمعنى الخروج من ثنائية التقليد والمعاصرة وطرح سؤال الذات على الإثنين معاً.
* هل كان هناك تأثر صيني بالحركات الأدبية والفكرية الأخرى التي راجت منذ مطلع القرن العشرين؟
ـ في بداية القرن العشرين كان هناك في الصين العديد من الحركات الشعرية. كانت اليابان في تلك المرحلة مقصد الصينيين ومنها نهلوا الكثير من الحركات الجديدة من نهاية الرومنسية إلى الرمزية والمستقبلية والسوريالية والواقعية الروسية. كل هذا كان جديداً على الوعي الصيني وجاء دفعة واحدة، وهناك جزء مهم من الكتاب والمثقفين الذين انحازوا إلى التعبيرية الألمانية لأنها أولت اهتماماً بالواقع الذي كان يعني الكثير لكتاب الصين وقتذاك.
سيرة
* حسناً، ماذا تخبرنا عنك، سيرتك، عائلتك، علاقتك بالشعر؟
ـ تمثّل عائلتي حالة خاصة جداً فأبي ينتمي إلى عائلة ارستقراطية، وقد تعلّم الإنكليزية وأحب الثقافة الغربية ولا سيما الموسيقى.. وفي الوقت نفسه عرف الثقافة الكلاسيكية الصينية وكان يحفظ عن ظهر قلب مئات القصائد، لكنه لم يصبح كاتباً، ومرة قال لي "أنا لم أكن بمثل غبائك، فقد فضّلت الاستمتاع بكل الأشياء الطيبة".. تلك الحياة الرومنسية سرعان ما تبدّلت حين قرّر أبي "خيانة" طبقته وأصبح شيوعياً في بداية الأربعينات بسبب إيمانه بأن الشيوعية هي أمل الصين بالخلاص، وبعد فترة من اعتناقه الشيوعية أصبح نوعاً من المترجم في محادثات الحزب الشيوعي الرسمية، ثم أصبح في مطلع الخمسينات ممثلاً دبلوماسياً للصين في سويسرا، وهناك ولدت. بقي والديّ ست سنوات في سويسرا، ثم عادا إلى الصين حيث بدأت الأشياء تتغيّر جذرياً، حيث اكتشف أبي أن الواقع في الحزب الشيوعي مختلف عن طموحاته وأحلامه، لذا طلب أن يسحب من العمل الدبلوماسي ليصبح بروفسوراً جامعياً يدرّس الأدب الإنكليزي. فيمكن القول إنني نشأت في عائلة بورجوازية مثقفة. أما أبي فقد كان عليه أن يدفع ثمن "خيانتين": خيانته عائلته بسبب أحلامه، ثم خيانته أحلامه الزائفة بسبب فهمه للواقع. وأعتقد أنه بسبب فهمه هذا قام بحمايتنا، محاولاً أن يبقي هذه العاصفة السياسية بعيداً من نافذة بيتنا، لكنه بالنتيجة لم يستطع حماية أحد. فقد جاء زمن "الثورة الثقافية" فاعتقل أبي ثلاث سنوات ثم أرسل إلى الأرياف ليعمل مزارعاً ضمن مشروع "إعادة التأهيل" الذي شاع وقتذاك، وهذا ما حصل مع أمي حيث أرسلت إلى منطقة ريفية أخرى. وخلال أربع سنوات قامت الحاضنة برعايتي وأخي إلى أن بلغت الحادية عشرة حيث أرسلت إلى الأرياف لأخضع لبرنامج التأهيل نفسه..
إعادة تأهيل
* كانت مرحلة عذاب فعلية إذاً، هل يمكن القول إنها بداية وعيك بالكتابة؟
ـ هناك عوامل عدة ساهمت في اكتشافي الكتابة، لكن العامل الأهم كان موت أمي بنوبة قلبية في ، أي عند نهاية الثورة الثقافية تقريباً. كانت أمي هي الشخص الوحيد الذي يمكنني التواصل بعمق معه، وكنت أخبرها عن معاناتي، وحين ماتت لم يعد لدي من أحدثه، أما أبي فصرنا أصدقاء لاحقاً. بدأت سنة موت أمي بالكتابة..
* ماذا عن تجربة "إعادة التأهيل"؟
ـ كانت السنوات الثلاث التي أمضيتها في الريف تجربة مهمة بالنسبة إلي ولكتابتي، وحتى اليوم لا تزال هذه التجربة الجذر الأعمق لحياتي. لم أكن خلال إعادة التأهيل مزارعاً، بل حفار قبور، وكنت وستة آخرين نقوم بدفن الموتى، لا أعرف لم اختاروني لهذا العمل لكنه كان رهيباً على الصعيد النفسي، سوى أنه كان يؤمن لنا قوتاً أفضل من سوانا إذ كانت عائلة الميت تطعمنا دوماً. لكن بعد بضعة أشهر ما عاد يموت أحد لذا انقطع هذا النوع من "الرزق". المهم أنني خلال عملي هذا اكتشفت شيئاً غريباً وهو أن المقبرة دائماً تكون إلى شمال القرية وأن رأس الميت حين يدفن ينبغي أن يكون دائماً إلى جهة الغرب، وحين تساءلت عن السبب قيل لي إنها عادة قديمة. لم أكتشف معنى هذا الأمر حتى سنة حين سافرت إلى مدينة قديمة تدعى "كسيان بان بو" وتضم مكاناً أثرياً يعود إلى العصر الحجري.. تجوّلت في المكان وكان هناك نوع من الدليل المكتوب حوله حيث قرأت أن المقبرة في ذلك الزمن كانت إلى شمال القرية وأن رؤوس الموتى تتجه غرباً. شعرت فجأة كأن رصاصة تطلق قرب رأسي، ستة آلاف سنة تجعلك تحس إنك والقرية وكل ما يحيط بك غير موجود حقاً، وعندها تذكّرت حملي التوابيت إلى المقبرة وشعرت أنني لا أعرف ما إذا كنت من يحمل التابوت أم أنني الشخص المحمول فيه، ولا أعرف كم من الأجيال كنت أحد الإثنين أو كلاهما. هذا شكّل منعطفاً أساسياً في شعري. وعلى صعيد آخر كانت تجربة السنوات الثلاث في القرية ضرورية لكي أكتشف الواقع. فأنا أيضاً كنت متحمساً للشيوعية، وحين أنهيت فترة التأهيل شعرت كمن كان على قمة جبل وسقط في قعر الوادي. اكتشفت أيضاً في تلك القرية عمق العلاقة بين البشر والأرض التي يزرعونها وأنهم يكرهون هذه الأرض لأنها في الواقع تشكّل سجنهم، ليس في الحاضر فحسب بل عبر الماضي، أي أن مهمتهم كانت باستمرار إنتاج جيل جديد من مساجين الأرض.. كانت مرحلة صعبة جداً وجل أحلامي كان العودة إلى المدينة، وذات يوم قررت الهرب وكان ذلك نوعاً من الانتحار لأن هذا يعني أنني في حال نجوت من الاعتقال سأبقى متشرداً ولن أتمكن من الحصول على وظيفة.. وهكذا رحت أتنقّل من بيت إلى بيت وعشت نفيي الأول ضمن مدينتي نفسها (بكين). ثم شاء الحظ أن يساعدني أحد الفنانين الذي اطلع على كتاباتي وساهم في توظيفي في إحدى مؤسسات الدولة وهذا رفع عني بطريقة ما العقاب من قائدي المحلي بسبب فراري.
بدايات
* كيف تصف شعرك في تلك المرحلة؟
ـ بدأت كشاعر شاب وكتبت أشياء شابة وكنت جزءاً من مجموعة أصدقاء وكتاب وشعراء، وكان لدي فهم للصين وللتاريخ الصيني... حيث اكتشفت أن الشيوعية هي أسوأ امبراطورية عرفها التاريخ الصيني... كما قلت لك بدأت بالكتابة سنة موت أمي، وبعد ذلك بسنتين أي عام انطلقت حركة سياسية في بكين تدعى "الحائط الديموقراطي" وهي حركة فرضها الناس عقب الثورة الثقافية، وفجأة بتّ ترى آلاف الناس يتجمّعون في الساحات العامة وينامون فيها ويخبرون بعضهم البعض قصصهم المريرة عن الثورة الثقافية، وفجأة شعرت نفسي كنقطة في محيط، وخلال تلك المرحلة تشكّلت مجموعة من الشعراء عبّرت عن نفسها في مجلة تدعى "اليوم" وهذه المجلة يقال إنها تشكّل بداية الشعر الصيني المعاصر، وقد منعت المجلة بعد سنة من صدورها، وابتداء من ذلك الوقت، أي مطلع الثمانينات لم يعد هناك مجموعات بل شعراء فرديون.
* ما الذي حاول جيلكم القيام به أو تغييره على صعيد الشعر؟
ـ هناك تحوّلان كبيران في الشعر الصيني. الأول كان على شكل مواجهة بين الشعر واللاشعر. فقبل أن يبدأ جيلنا بالظهور كانت اللغة الدعائية هي السائدة في الشعر، فحاولنا أن نعبّر عن أنفسنا بلغتنا الخاصة، وهذا يعني ببساطة التخلّي عن كل الكلمات الكبيرة من اشتراكية وشيوعية ورأسمالية وما إلى ذلك من مفاهيم رفضناها كلياً، وخاصة في مجال الشعر. لذا عدنا إلى الكلمات الأبسط: الأرض، القمر، الموت، الحياة...الخ. ؛ كان هذا التحوّل الأول. ثم كان الخوض في الأسئلة الموجعة حول التجربة السياسية الجماعية في الصين والتي أوصلت إلى الثورة الثقافية. كان جوابنا الأول أن الأمر يتعلق بماو تسي تونغ، ثم مات ماو واكتشفنا أن من جاء بعده استمر على نهجه، وبدأنا نفكّر أن التاريخ أعمق من هؤلاء الأشخاص وصرنا نتساءل حول دور الشعب في المشكلة. لا نستطيع ببساطة القول إن هناك مليار ضحية وألفي مسؤول فقط، فصرنا ننظر إلى الوراء، إلى التاريخ، إلى ذواتنا، لنكتشف أننا جزء من المشكلة. كنا جميعاً مجانين. وهذا النوع من التفكير قادنا إلى التفكير في أنفسنا لا كضحية بل كجزء من المشكلة، وتلك هي اللحظة التي تبدأ فيها بتحويل التجربة السياسية الجمعية إلى سؤال شخصي وفردي، وهذا حدث في حالتي بين عامي و، ومنذ ذلك الوقت لا يحاول شعري أن يسأل فقط عن الأرض أو التراب بل علاقتي بهما، وعبر لغتي تحديداً. بدأت أفكّر أن كل الأسئلة الجمعية تتواجد في الواقع في داخلك كشاعر ومنذ ذلك الوقت كان عليّ أن أطرح الأسئلة على نفسي بأعمق درجة ممكنة. فلكي أقيم حواراً فعلياً مع العالم الخارجي كان علي أن ألامس عالمي الداخلي، وفي هذا المجال لا يعود ثمة معنى للأجوبة الجمعية.
اليوم
* كيف تصف الشعر الصيني المعاصر اليوم؟
ـ هذا سؤال صعب، لكن سأطرح الأمر من زاوية تعرفها على الأرجح كعربي. فأحد النقاط المهمة المشتركة بيننا كصينيين وعرب هي أن المعيار الشعري كان يستبدل دائماً بمعيار آخر تاريخي أو اجتماعي أو سياسي أو إكزوتيكي.. ولذلك السبب كان الشعر يخضع دائماً للاختزال والتبسيط باتجاه هذا الاتجاه أو ذاك من البروباغندا السياسية، باتجاه إقامة تماه ما بينه وبين الايديولوجيا. بين كل هذه الأفكار الجمعية المتراكمة يصعب أن نبقى شعراء فرديين في اكتشافنا للشعر واللغة، وهذا ما حدث في الصين منذ التسعينات حيث خاضت حرباً ثقافية جديدة، وكان ثمة ضغط لإلغاء الفردية في الشعر. المشكلة الكبرى في الصين اليوم، والتي تجعل الشعر في أضعف نقاطه، هي أن الناس هجروا الشعر إلى المال مع الموجات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة، ومعظم الأصدقاء تغيّرت حيواتهم وبدّلوا مواقفهم من الافتخار بك إلى السخرية منك، لكن هذا هو الوقت الضروري لكي تجيب عن سؤالك الخاص كشاعر: لماذا أنا شاعر؟ والسؤال يكبر حين تكون مثلي مقيماً في المنفى حيث تركت أصدقاءك وقراءك وخلفيتك الثقافية كلها: لماذا أريد أن أبقى شاعراً؟ وإذا أردت أن تبقى شاعراً فكيف تطوّر نفسك في هذا الجو الموحش كلياً. وهذا هو اختباري الفعلي اليوم.
المستقبل- 10-2-2012